خيارات صعبة أمام المعلمين والطلاب اليمنيين بسبب الإضراب

الحوثيون يرفضون صرف الرواتب وينفقون على أتباعهم

تبدي العائلات اليمنية خوفها من أن يتم استغلال فراغ أطفالها لتجنيدهم للحرب (إكس)
تبدي العائلات اليمنية خوفها من أن يتم استغلال فراغ أطفالها لتجنيدهم للحرب (إكس)
TT

خيارات صعبة أمام المعلمين والطلاب اليمنيين بسبب الإضراب

تبدي العائلات اليمنية خوفها من أن يتم استغلال فراغ أطفالها لتجنيدهم للحرب (إكس)
تبدي العائلات اليمنية خوفها من أن يتم استغلال فراغ أطفالها لتجنيدهم للحرب (إكس)

فوجئ معلم الكيمياء وجدي الأثوري بأحد طلابه يعمل معه في نفس المكان لدى مقاول في أعمال البناء في العاصمة اليمنية صنعاء، وشعر كل منهما بالخجل من الآخر في البداية، قبل أن يصبحا صديقين يتعاملان مع الأمر باعتيادية، إلا أنه، ومن دون تعمد، وجد الأثوري نفسه يتعامل مع طالبه أحياناً كما لو كانا داخل الفصل الدراسي، وهو ما أثار لدى طالبه غضباً ظل يكتمه لوقت طويل، حتى جاءت لحظة لم يتمالك فيها نفسه، فعلق على أحد الأوامر قائلاً: «يا أستاذي... نحن هنا لأنهم قطعوا راتبك وراتب أبي، وجوعوا عائلتك وعائلتي، عليك أن تنسى أنك المعلم وأنا الطالب».

معلم متطوع يقدم دروساً للأطفال في مدرسة مبنية بالقش في محافظة حجة شمال غربي اليمن (أ.ف.ب)

شعر بالخجل من طالبه رغم أن تعليقه أضحكهما معاً وأضحك حتى المقاول الذي يعملان معه، والذي تعاطف معهما بسبب ذلك الموقف، وأكد تعاطفه بزيادة أجرتهما، ومنذ ذلك اليوم عاد المعلم للتعامل مع الطالب كزميل، في حين عاد الأخير إلى التعامل معه باحترام فائق.

ويعتزم المعلمون اليمنيون الاستمرار في إضرابهم الشامل إلى حين صرف رواتب كافة العاملين في القطاع التعليمي، وذكرت اللجنة التحضيرية لنادي المعلمين أن التضامن الشعبي الواسع مع المعلمين أجبر الحوثيين على الإفراج عن عدد من قيادات النادي بعد شهرين من اختطافهم بسبب دعوتهم إلى الإضراب للمطالبة بصرف الرواتب.

وكشفت إحصائية صادرة عن نادي المعلمين اليمنيين في صنعاء، عن إصابة 14 تربوياً يعملون في الديوان العام للوزارة بذبحات صدرية، وجلطات دماغية أدت إلى وفاة خمسة منهم، في حين يعاني تسعة آخرون آلام المرض، ومرارة العجز عن العلاج جراء قطع مرتباتهم، من دون أن يتلقوا أي مساعدات من قيادات جماعة الحوثي التي تسيطر على القطاع التربوي والتعليمي.

تعليم منزلي أو مساعدة العائلة

لم يعد مشير سلام، من سكان العاصمة اليمنية صنعاء، يقضي الكثير من الوقت مع أصدقائه في المساء، فمنذ ما يقارب الشهرين التزم بتقديم الدروس لأطفاله الثلاثة بعد عودته من العمل عصر كل يوم، وتحاول زوجته مساعدته في نفس المهمة صباحاً، وذلك بعد استمرار إضراب المعلمين للمطالبة برواتبهم المنقطعة منذ سبعة أعوام.

حُرم مئات الآلاف من الأطفال من حقهم في التعليم بسبب توقف رواتب المعلمين (أ.ف.ب)

تعدّ المهمة شاقة بالنسبة لسلام وزوجته؛ إذ كانا في الأعوام الماضية يقومان بمراجعة ومذاكرة الدروس للطفلين الكبيرين، في حين لم يكن الصغير قد التحق بالمدرسة حينها، وكانت مهمة المراجعة والمذاكرة استكمالاً لما تلقاه الطفلان في المدرسة، أما الآن فهما يؤديان مهام المعلمين، في محاولة لمنعهما من نسيان المدرسة وأجواء الدراسة، لكن المهمة تبدو معقدة جداً مع الطفل الثالث الذي التحق بالمدرسة للتو؛ إذ لا يملكان مهارات المعلمين ولا أجواء المدارس، وهو ما دفعهما للتفكير في الاستعانة بمدرسة خصوصية له، لولا ضيق الحال وصعوبة الأوضاع المعيشية.

ولجأ الكثير من المعلمين إلى تقديم دروس خصوصية لأطفال الأثرياء أو البحث عن عمل في المدارس الخاصة، في حين نشأت مبادرات في بعض المناطق لجمع الأموال من الأهالي وأولياء الأمور خصوصاً لمساعدة المعلمين في تحسين أوضاعهم المعيشية مقابل الاستمرار في التعليم.

غير أن وضع عائلة مشير سلام أفضل بكثير من عائلة سامي عبد الله الذي فضل الاستعانة بطفليه في عمله في البناء؛ إذ استغل توقف الدراسة لاصطحابهما إلى البناية التي اتفق مع صاحبها على إكمال أعمال التشطيبات فيها مقابل مبلغ مقطوع، وفضل بالتالي أن يتولى طفلاه مساعدته عوض الاستعانة بعمال آخرين.

يلجأ كثير من العائلات اليمنية إلى إلحاق أطفالهم بالأعمال اليومية الخطرة لمساعدتهم في الإنفاق (غيتي)

ورغم تذمر طفليه؛ فإنه كان حازماً معهما، ونبههما إلى أن الأفضل لهما وللعائلة أن يعملا معه ما داما لا يذهبان إلى المدرسة، ووعدهما بتلبية طلباتهما وتوفير ما يحتاجان إليه خلال الفترة المقبلة.

ويرى سامي عبد الله أن استعانته بطفليه في العمل وإن كان شاقاً، أفضل بكثير من وقت الفراغ الذي يقضيانه في اللعب في الشارع؛ إذ يسعى إلى إكسابهما خبرة حول صعوبة وقسوة الأوضاع التي يعيشون فيها، مبدياً تخوفه من استقطاب العصابات الإجرامية لهما، وملمّحاً إلى قلقه من تجنيدهما للقتال.

تعليم ملغوم

يذهب نادر غانم، وهو اسم مستعار لصاحب محل تجاري، ويدرس أطفاله في مدرسة خاصة، إلى أن هذا الإضراب فرصة لأولئك الآباء الذين يدرس أولادهم في مدارس عمومية لتعريفهم بجزء من تاريخ بلادهم، وأن تعطيلهم عن الدراسة كان بسبب جماعة صادرت رواتب معلميهم وأهانت كرامتهم.

ويتمنى غانم لو أنه ألحق أطفاله بمدرسة عمومية ليتلقوا من خلال هذا الإضراب درساً لن يتم تقديمه لهم في المدارس الخاصة، بما وصلت إليه أوضاع البلاد في ظل سيطرة وسطوة جماعة الحوثي، مشيراً إلى المقررات الدراسية في المناهج التي يدرسها أطفاله، والتي تمتلئ بالمضامين الطائفية والتاريخية المشوهة والمزورة.

وتصف التربوية المتقاعدة أمرية الشرجبي الوضع القائم بالمهين؛ إذ كان المعلمون في السابق يضربون من أجل تحسين أجورهم أو مستحقاتهم المرتبطة بالأجور، أو تحسين أوضاعهم الوظيفية ومساواتهم بغيرهم من موظفي الدولة الذين يتحصلون على الترقيات والعلاوات والمكافآت، لكنهم أخيراً أضربوا للمطالبة برواتبهم المنقطعة منذ سبعة أعوام.

حضور محدود للطلاب والمعلمين في إحدى المدارس اليمنية نتيجة إضراب المعلمين للمطالبة برواتبهم (إكس)

أما بالنسبة للآباء وأولياء الأمور، فهم، وفقاً للشرجبي، في وضع مربك؛ فمن ناحية كانوا يعلمون أن أطفالهم لا يتلقون تعليماً حقيقياً في ظل تردي المنظومة التعليمية وانهيار مؤسسات التعليم وسيطرة جماعة متطرفة عليها وتجييرها لصالح مشروعها، لكنهم في ذات الوقت لا يملكون بديلاً عن إلحاقهم بالمدارس من أجل الترقي في السلم الدراسي.

وتضيف: «لا يجد الآباء مفراً من تدريس أبنائهم لأجل أن يتدرجوا في العملية التعليمية حتى وإن كانت مشوهة وغير مجدية، فلا أحد يستطيع المغامرة بالتخلي عن المستقبل لأن الحاضر بائس، لكنهم في ذات الوقت يعلمون أن أطفالهم يعودون من المدارس بعقول تم تزييف وعيها وتحريضها حتى ضد أهاليهم».

ويخوض عشرات الآلاف من المعلمين مواجهة مع الانقلابيين الحوثيين منذ بدء العام الدراسي الجديد، من أجل الحصول على مرتباتهم مقابل العودة إلى العمل.


مقالات ذات صلة

حصار الحوثيين يهدد حياة 147 ألف امرأة في تعز

العالم العربي تفقد 3 نساء يمنيات حياتهن يومياً بسبب مضاعفات الحمل (إعلام محلي)

حصار الحوثيين يهدد حياة 147 ألف امرأة في تعز

حذَّر صندوق الأمم المتحدة للسكان من أن حصار الحوثيين لتعز يهدد حياة 147 ألف امرأة وفتاة، مع عمل 5 مستشفيات جزئياً من أصل 27، وتعذُّر وصول آلاف الحوامل للرعاية.

محمد ناصر (عدن)
العالم العربي الحوثيون يستغلون منابر المساجد لخدمة مشروعهم الانقلابي (الشرق الأوسط)

المساجد... منصات حوثية لتمويل الحرب واستقطاب المقاتلين

حوّل الحوثيون مساجد صنعاء إلى منصات لجمع التبرعات والتجنيد، مستغلين خطب الجمعة لحشد الأموال والمقاتلين للجبهات، وسط ضغوط معيشية متفاقمة وعزوف شعبي.

«الشرق الأوسط» (صنعاء)
العالم العربي عربة حوثية على متنها مجندون جدد ضمن التعزيزات الحوثية الأخيرة إلى تعز (فيسبوك)

الحوثيون يستنفرون المئات من عناصرهم لتعويض خسائرهم في تعز

تدفع الجماعة الحوثية بتعزيزات عسكرية من صنعاء وذمار وإب إلى تعز، من ضمنهم مجنّدون من المهمّشين وعناصر أمنية، وسط تعثر استقطاب مقاتلين جدد وخسائر متواصلة...

«الشرق الأوسط» (صنعاء)
العالم العربي قوات الجيش اليمني في تعز تدحر الحوثيين من أحد المواقع وتستولي على آليات عسكرية (إعلام عسكري)

«فجر اليمن» تنهك الحوثيين في تعز وتستعيد مواقع وأسلحة ثقيلة

تواصل القوات الحكومية اليمنية تقدمها في تعز ومأرب ضمن «فجر اليمن»، مع 1326 استهدافاً خلال يوم، وتحييد 370 حوثياً وفق حصيلة أولية، وسط قصف مأرب، وتدمير طريق حيوي

«الشرق الأوسط» (عدن)
الخليج الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي خلال لقائه نظيره الروسي سيرغي لافروف في المنامة (واس)

فيصل بن فرحان ولافروف يبحثان التصعيد في اليمن وتهديدات الملاحة

بحث الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي مع نظيره الروسي سيرغي لافروف، الأحد، التطورات الإقليمية وفي مقدمتها التصعيد في اليمن والتهديدات المتواصلة للملاحة

«الشرق الأوسط» (الرياض)

حصار الحوثيين يهدد حياة 147 ألف امرأة في تعز

تفقد 3 نساء يمنيات حياتهن يومياً بسبب مضاعفات الحمل (إعلام محلي)
تفقد 3 نساء يمنيات حياتهن يومياً بسبب مضاعفات الحمل (إعلام محلي)
TT

حصار الحوثيين يهدد حياة 147 ألف امرأة في تعز

تفقد 3 نساء يمنيات حياتهن يومياً بسبب مضاعفات الحمل (إعلام محلي)
تفقد 3 نساء يمنيات حياتهن يومياً بسبب مضاعفات الحمل (إعلام محلي)

يهدد الحصار الذي تفرضه الميليشيات الحوثية على مدينة تعز اليمنية حياة أكثر من 147 ألف امرأة وفتاة في سن الإنجاب، في ظل تراجع الخدمات الصحية، وتعذُّر الوصول إلى الرعاية المنقذة للحياة، وسط تصاعد الأعمال العدائية وتدفق موجات جديدة من النازحين من الساحل الغربي.

وحذَّر صندوق الأمم المتحدة للسكان من أن أكثر من 147 ألفاً و600 امرأة وفتاة في سن الإنجاب يواجهن صعوبات في الحصول على الخدمات الصحية الضرورية، مع استمرار القيود المفروضة على الوصول إلى المدينة، وتفاقم الضغوط على المرافق الطبية بفعل العنف والنزوح ونقص الإمدادات.

وتكشف الأرقام الأممية عن تدهور حاد في خدمات الأمومة وحديثي الولادة؛ إذ لا يعمل سوى 5 مستشفيات بشكل جزئي من أصل 27 مستشفى مخصصاً لهذه الخدمات في حالات الطوارئ داخل المدينة. ويؤدي نقص الوقود والمستلزمات الطبية والكوادر المؤهلة للمساعدة في الولادة إلى ارتفاع تكاليف العلاج والنقل، ويقلص فرص حصول النساء على الرعاية الضرورية في الوقت المناسب.

الحوثيون شرَّدوا أكثر من 150 ألفاً من سكان ريف تعز (إعلام محلي)

وتواجه النساء الحوامل مخاطر متزايدة في ظل هذا التراجع. ويقدِّر الصندوق الأممي أن أكثر من 13 ألفاً ومائة امرأة حامل يواجهن صعوبة في الوصول إلى خدمات صحة الأم، بينهن نحو 1500 امرأة يُتوقع أن يضعن مواليدهن خلال الأسبوعين المقبلين. وتحتاج 500 امرأة على الأقل إلى رعاية توليدية طارئة وخدمات لحديثي الولادة، ما يعرضهن لمضاعفات قد تهدد حياتهن في حال تعذُّر التدخل الطبي العاجل.

قيود وانعدام الحماية

لا تقتصر تداعيات الحصار الحوثي على الخدمات الصحية؛ بل تمتد إلى الحماية الإنسانية. ووفق البيانات الأممية، توقف نحو 75 في المائة من خدمات الحماية من العنف الموجهة للنساء والفتيات في محافظة تعز، بما يشمل المساحات الآمنة والملاجئ. كما تواجه النازحات ذوات الإعاقة نقصاً في الأجهزة المساعدة والمستلزمات الخاصة باحتياجاتهن اليومية.

وأشار صندوق الأمم المتحدة للسكان إلى أن القيود المفروضة على الوصول تحول دون إيصال «حقائب الكرامة» إلى المدينة، ما يحرم النساء والفتيات النازحات من مستلزمات الصحة الشخصية، ويزيد تعرضهن لمخاطر الاستغلال والعنف وزواج الأطفال القسري.

الحوثيون يواصلون استهداف الأحياء السكنية في تعز (إعلام محلي)

وقال فرانشيسكو غالتيري، ممثل الصندوق في اليمن، إن تعذُّر الوصول إلى الخدمات المنقذة للحياة يزيد المخاطر التي تواجه صحة النساء والفتيات وسلامتهن وفرص بقائهن على قيد الحياة، مؤكداً استعداد الشركاء الإنسانيين للاستجابة، ولكنهم يحتاجون إلى وصول آمن ومستدام ومن دون عوائق، للوصول إلى الفئات الأكثر عرضة للخطر.

يأتي ذلك في وقت يسجل فيه اليمن أحد أعلى معدلات وفيات الأمهات في المنطقة العربية، مع وفاة 3 نساء يومياً بسبب مضاعفات الحمل التي يمكن الوقاية منها، بينما تفتقر 6.2 مليون امرأة وفتاة إلى خدمات الحماية الأساسية، وفق البيانات الواردة عن الصندوق الأممي.


المساجد... منصات حوثية لتمويل الحرب واستقطاب المقاتلين

الحوثيون يستغلون منابر المساجد لخدمة مشروعهم الانقلابي (الشرق الأوسط)
الحوثيون يستغلون منابر المساجد لخدمة مشروعهم الانقلابي (الشرق الأوسط)
TT

المساجد... منصات حوثية لتمويل الحرب واستقطاب المقاتلين

الحوثيون يستغلون منابر المساجد لخدمة مشروعهم الانقلابي (الشرق الأوسط)
الحوثيون يستغلون منابر المساجد لخدمة مشروعهم الانقلابي (الشرق الأوسط)

حوّلت الميليشيات الحوثية المساجد في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء وضواحيها إلى أدوات للتعبئة العسكرية وجمع الأموال، مستغلةً المنابر لحشد المقاتلين واستنزاف جيوب المصلين تحت لافتة ما تسميه «المجهود الحربي»، في وقت تتفاقم فيه الأزمات المعيشية وتتراجع قدرة السكان على توفير احتياجاتهم الأساسية.

وقالت مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط» إن الميليشيات الحوثية كثّفت، خلال الأيام الأخيرة، حملات جمع التبرعات داخل المساجد وعلى أبوابها في ثماني مديريات بصنعاء، عبر نصب صناديق مالية وحث المصلين على تقديم الأموال لتمويل أنشطتها العسكرية، بما في ذلك ما تسميهما «القوة الصاروخية» و«الطيران المسيّر».

وأضافت المصادر أن معمَّمي الميليشيات الحوثية استغلوا المساجد للدعوة إلى التبرع العاجل، بالتوازي مع حملات تحريض معنوي تستهدف دفع المواطنين إلى الاستجابة، وربط الامتناع عن تقديم الأموال بالتقاعس عن نصرة الجماعة، في مسعى لتوظيف الضغط الديني والتخوين السياسي لانتزاع مزيد من الموارد.

مسجد في صنعاء حوله الحوثيون إلى مكان للتعبئة (إعلام حوثي)

ولا تقتصر التحركات الحوثية على جمع الأموال، إذ امتدت إلى استقطاب مقاتلين جدد من داخل المساجد، من خلال دعوات إلى ما تسميه «النفير العام»، وتسجيل أسماء الراغبين في الالتحاق بدورات عسكرية وتعبوية تمهيداً لإرسالهم إلى جبهات القتال، خصوصاً في تعز ومأرب والجوف والساحل الغربي.

وتكشف هذه الحملات عن مساعٍ حوثية للجمع بين تأمين التمويل واستقطاب المقاتلين، في وقت تواجه فيه الجماعة خسائر بشرية وعسكرية على عدد من الجبهات، بينما يتحمل السكان أعباء اقتصادية متزايدة.

ضغوط من المنابر

حسب مصلّين، تضمّنت الدعوات الحوثية اتهامات لمن يمتنعون عن التبرع بالتقاعس واللامبالاة، وربطت عدم التجاوب مع الدعوات بالوقوف إلى جانب الحكومة الشرعية، في محاولة لدفع المصلين إلى تقديم الأموال تحت ضغط ديني وسياسي.

وأثارت هذه الممارسات استياءً بين سكان رأوا فيها استغلالاً لحرمة دور العبادة وتحويلها إلى نقاط لجمع الأموال وتمويل الحرب، في وقت تعاني فيه قطاعات واسعة من تدهور القدرة الشرائية وتراجع مصادر الدخل، وتكافح أسر كثيرة لتأمين احتياجاتها اليومية.

عنصر أمني حوثي في تفتيش يسبق تجمعاً مسلحاً في صنعاء (أ.ف.ب)

وقالت المصادر إن الحملات شملت مديريات الوحدة، ومعين، والسبعين، والتحرير، وآزال، وصنعاء القديمة، والثورة، والصافية، حيث وُضعت صناديق للتبرعات داخل المساجد وعلى أبوابها، مع حث المصلين على تمويل الأنشطة العسكرية للجماعة.

وتزامنت هذه التحركات مع تصعيد دعوات التجنيد، إذ دفعت الجماعة بعناصر تابعة لها إلى بوابات عدد من المساجد عقب صلاة الجمعة، حاملين سجلات وطاولات وكراسي، بهدف تسجيل بيانات الراغبين في الالتحاق بدورات عسكرية وتعبوية.

عزوف عن التجنيد

يقول رامي، وهو أحد سكان صنعاء، لـ«الشرق الأوسط»، إن عناصر حوثية ترتدي بزات عسكرية وصلت في وقت مبكر من يوم الجمعة الماضي إلى بوابات أحد المساجد في منطقة التحرير وسط العاصمة، مصطحبةً سجلات التسجيل، بالتزامن مع مناشدات أطلقها خطباء تابعون للجماعة لحث المصلين على الاستجابة.

تصعيد الحوثيين يفاقم النزوح ويهدّد الأمن الغذائي بتعز (رويترز)

وأضاف أن معظم المصلين رفضوا التجاوب مع الدعوات، وغادر كثيرون منهم عقب الصلاة من دون الالتفات إلى العناصر التي كانت تنتظرهم عند البوابات، في مؤشر على تنامي العزوف عن حملات التحشيد، وفق روايته.

وأفادت المصادر بأن معمّمي الجماعة ربطوا المشاركة في الدورات العسكرية بما وصفوها بالواجبات الدينية والوطنية، في مسعى لتوسيع قاعدة التجنيد وتعويض النقص في المقاتلين، بالتزامن مع المواجهات المستمرة في عدد من خطوط القتال.

وتضع هذه التحركات المساجد في قلب مساعي الجماعة لتعبئة الموارد البشرية والمالية، بعدما باتت المنابر وسيلة لحشد الدعم لأنشطتها العسكرية، بدلاً من الاقتصار على دورها الديني والاجتماعي.


الحوثيون يستنفرون المئات من عناصرهم لتعويض خسائرهم في تعز

رغم الحصار الحوثي على تعز فإن جبهاتها مستمرة في استنزاف قدرات الجماعة (إعلام عسكري)
رغم الحصار الحوثي على تعز فإن جبهاتها مستمرة في استنزاف قدرات الجماعة (إعلام عسكري)
TT

الحوثيون يستنفرون المئات من عناصرهم لتعويض خسائرهم في تعز

رغم الحصار الحوثي على تعز فإن جبهاتها مستمرة في استنزاف قدرات الجماعة (إعلام عسكري)
رغم الحصار الحوثي على تعز فإن جبهاتها مستمرة في استنزاف قدرات الجماعة (إعلام عسكري)

دفعت الميليشيات الحوثية بتعزيزات عسكرية جديدة من صنعاء وذمار وإب باتجاه محافظة تعز، في مسعى لتعويض خسائرها البشرية وتعزيز مواقعها القتالية، وسط تعثر جهود استقطاب مقاتلين جدد من السكان والقبائل في مناطق سيطرتها.

وقالت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن التعزيزات التي تحركت خلال الساعات الماضية ضمت عشرات العربات العسكرية التي تُقلّ مئات المسلحين، متجهة إلى جبهات القتال في تعز، خصوصاً الجبهة الغربية للمدينة التي تشهد مواجهات متواصلة.

وأوضحت المصادر أن غالبية المجنّدين الذين شملتهم التعزيزات ينتمون إلى فئة المهمّشين من ذوي البشرة السمراء، إلى جانب عناصر وضباط أمنيين سُحبوا من مراكز الشرطة والسجون وأُلحقوا بالتشكيلات المتجهة إلى الجبهات، في مؤشر على الضغوط التي تواجهها الجماعة لتوفير مقاتلين جدد وسد النقص في صفوفها.

ويأتي إرسال هذه التعزيزات في ظل تراجع قدرة الجماعة على استقطاب مزيد من المقاتلين من المواطنين وأبناء القبائل، مع تصاعد الرفض الشعبي والقبلي لحملات الحشد والتعبئة؛ مما يدفعها إلى نقل عناصر من محافظات عدة خاضعة لسيطرتها لتعزيز خطوط المواجهة.

عربة حوثية على متنها مجندون جدد ضمن التعزيزات الحوثية الأخيرة إلى تعز (فيسبوك)

ورصد سكان في مناطق حزيز بصنعاء، ومعبر بمحافظة ذمار، ومفرق حبيش ومنطقة القاعدة بمحافظة إب، أرتالاً عسكرية حوثية تعبر الطريق الرئيسية الرابطة بين المحافظات الثلاث وتعز، مساء السبت والأحد الماضيين.

وقال السكان إن العربات كانت تمر على دفعات متتابعة تفصل بينها بضع دقائق، وعلى متنها المسلحون الحوثيون، في تحركات بدت جزءاً من عملية نقل منظمة لتعزيز الوجود العسكري للجماعة في المحافظة.

وذكرت المصادر أن المجنّدين نُقلوا بعد تلقي تدريبات قتالية مكثفة أشرف عليها قادة ميدانيون، مشيرة إلى أن التحركات سبقتها عمليات نقل أسلحة ومعدات عسكرية متنوعة إلى عدد من جبهات القتال في تعز.

ضغوط التجنيد

تتزامن التعزيزات الحوثية مع استمرار المواجهات في محيط مدينة تعز، وسط خسائر بشرية وعسكرية تتكبدها الجماعة الحوثية، وفقاً للمصادر، في وقت تسعى فيه إلى تدعيم مواقعها بمزيد من الأفراد والعتاد.

عمال النظافة في اليمن مستهدفون حوثياً بالتجنيد والحشد (فيسبوك)

ويعكس اللجوء إلى استقدام مجنّدين من محافظات مختلفة، بالتزامن مع تعثر استقطاب أبناء القبائل والسكان، صعوبة رفد الجبهات بالمقاتلين، ويزيد من اعتماد الجماعة على حملات التعبئة ونقل العناصر إلى خطوط المواجهة.

كما يسلّط هذا التحرك الضوء على التكلفة التي يفرضها الحوثيون على السكان في مناطق سيطرتهم، مع الدفع بمزيد من المجنّدين إلى جبهات القتال بدلاً من الاستجابة لمعالجة الانهيار المعيشي والخدمي.