«صناعة الموضة» تردّ الاعتبار للهند بوصفها مُلهماً وداعماً

تعاونات وعروض أزياء ضخمة احتفاءً بحرفييها

بعد أن ظل الاعتماد على حرفيّي الهند سراً من أسرار الموضة قررت «ديور» أن تُعلنه على الملأ مؤخراً (دولي ها أورامبام)
بعد أن ظل الاعتماد على حرفيّي الهند سراً من أسرار الموضة قررت «ديور» أن تُعلنه على الملأ مؤخراً (دولي ها أورامبام)
TT

«صناعة الموضة» تردّ الاعتبار للهند بوصفها مُلهماً وداعماً

بعد أن ظل الاعتماد على حرفيّي الهند سراً من أسرار الموضة قررت «ديور» أن تُعلنه على الملأ مؤخراً (دولي ها أورامبام)
بعد أن ظل الاعتماد على حرفيّي الهند سراً من أسرار الموضة قررت «ديور» أن تُعلنه على الملأ مؤخراً (دولي ها أورامبام)

على مدار عقود لعبت الهند دوراً محورياً في عالم الموضة، وتحديداً في مجال التطريز. بيوت أزياء كبيرة، منها «ديور» و«سان لوران» و«كلوي» و«هيرميس» و«بالمان» و«ألبرتا فيريتي» و«جيامباتيستا فالي» و«برادا» و«فالنتينو» و«غوتشي» وغيرها، استعانت بأنامل هندية لإضفاء البريق على تصاميمها. السبب الأول يعود إلى مهارتهم، وثانياً لانخفاض أجورهم. في هذا الصدد، أعرب ماكسيميليانو موديستي، مؤسس «ليز أتيليه 2 إم» في مومباي، عن اعتقاده أنه «باستثناء (شانيل) و(هيرميس)، يبدو أنه لا توجد أي علامات تجارية تُنتج أعمالاً مطرزة في فرنسا».

مصمم دار «غوتشي» السابق، أليساندرو ميكيلي مثلاً نفّذ تصاميمه المطرزة بالنمور والفراشات في الهند. وفي وقت قريب، تحدث المصمم البلجيكي دريز فان نوتن عن أهمية المطرزين الهنود من قرى ريفية على أطراف كولكاتا يتعاون معهم منذ عقود، إذ إنه يملك ورشة تطريز في كولكاتا منذ عام 1987.

كان عرض «ديور» الأخير في مومباي أول عرض ضخم يقام في الهند (ديور)

في الإطار ذاته، أقامت دار «ديور» عرضاً ضخماً لخريف 2023 في مومباي. غنيٌّ عن القول إنه نجح في إثارة الإعجاب على أكثر من صعيد، لا سيما أنه لم يسبق لأي دار أزياء كبيرة أن نظمت عرضاً داخل الهند بمثل هذا المستوى والحجم. جاء العرض أيضاً بمثابة احتفاء بالحرفيين الهنود الذين نالوا الفرصة أخيراً لاستعراض إمكاناتهم ومهاراتهم.

وغالباً ما يتم التعامل بين العلامات التجارية والحرفيين من خلال شركات وأصحاب مشاغل يلعبون دور الوسيط، ويضيفون أحياناً خدمات أخرى مثل التصميم وأخذ العينات وإنتاج الملابس.

تعد دار التصدير الصناعية «فنتشرز»، التي تتخذ من كولكاتا مقراً لها، واحدة من هذه الشركات، وكانت الدار التي يعمل بها نحو 3000 موظف متخصص في إنتاج منسوجات رفيعة المستوى وأعمال تطريز لحساب بعض أشهر دور الأزياء عالمياً، أول شركة منسوجات هندية تفوز بجائزة «غراند جوري برايز أوورد» في «بريميير فيجن» بباريس لعامي 2016 و2017.

لكل منطقة في الهند أسلوبها في التطريز (أ.ف.ب)

أشكال التطريز لا تعد ولا تُحصى، إلى حد أن كل ولاية تتباهى بأسلوبها المتميز في التطريز وإمكاناتها في جعل خيوط الأقمشة والمنسوجات تتشابك مع قصص المجتمع، فتعكس المحيط الطبيعي كما الوضع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي.

هناك مثلا الشكينكاري الرقيق (وتعني الكلمة الخيط أو السلك)، الذي تشتهر به مدينة لكنو، عاصمة ولاية أوتار براديش. وبيبلي المتوهج الذي تشتهر به ولاية أوديشا، من دون أن ننسى الأسلوب الأنيق الذي يطبع تطريزات كاودي، وهو مزيج من الترقيع والتطريز، تتميز بها كارناتاكا. كل هذه المناطق تعتمد على حرفيين مهرة توارث بعضهم المهنة أباً عن جد. يعكفون على تطريز قطعاً قد تجد طريقها إلى منصات العروض العالمية، بدأب ولساعات إن لم نقل أياماً.

يعكف الحرفيون على قطعة واحدة لساعات طويلة بدأت لتخرج بالشكل المطلوب (أ.ف.ب)

جدير بالذكر هنا أن ثمة أساليب مختلفة للتطريز تشتهر بها الهند، منها «إك تار»، وتعني «السلك الواحد»، ويقوم هذا الأسلوب على الاستعانة بسلك واحد رفيع من معدن مثل الذهب أو الفضة، وغالباً ما تجري الاستعانة كذلك بقطع من الكريستال أو الخرز. ثمة أسلوب تطريز آخر يطلق عليه «كالاش» أو «بانشداتو»، ويقوم على الاستعانة بخيوط من خمسة معادن مختلفة، بينما يعمد أسلوب «أومبري» على استعراض خمسة ظِلال من اللون ذاته عبر النسيج أو قطع التزيين.

لكل منطقة في الهند أسلوبها في التطريز (أ.ف.ب)

 

بوجه عام، تعد الصور الزخرفية المستوحاة من الأزهار والنباتات أو الطاووس أو الراقصين في صحاري الهند أكثر الصور شيوعاً على مستوى أعمال التطريز. ومن بين أساليب التطريز الشهيرة كذلك أسلوب يدعى «كوتش» الذي يقوم على أنماط هندسية وصور حيوانات وطيور. وعلى ما يبدو، تعكس حرفية الهند إرثاً ملكياً ونزعة فطرية تجاه الإبداع الحرفي عجز العالم الغربي حتى اليوم عن إنتاج نظير لهما. وبالفعل، تتعاون الأتيليهات الهندية مع بعض أكبر دور الأزياء عالمياً. من أشهرها:

 

أتيليه «تشاناكيا»

تأسس على يد مونيكا شاه وكاريشما سوالي اللتين تربطهما علاقة مصاهرة وتعملان لحساب أسماء عالمية، مثل «فندي» و«غوتشي» و«فالنتينو» و«لانفان» و«برادا» منذ الثمانينات.

في مدرسة «تشاناكيا» الحرفية تحصل الحرفيات على استقلاليتهن من خلال تعليمهن التطريز (ساهيبا شوداري)

وتعد مدرسة تشاناكيا الحرفية، التي شاركت سوالي في تأسيسها عام 2017، معهداً تعليمياً غير ربحي، يسعى لتمكين الحرفيات وتعزيز استقلاليتهن. على مدى 25 عاماً ربطت صداقة بين سوالي وماريا غرازيا تشيوري، مصممة الأزياء الإيطالية، التي تتولى حالياً منصب مصممة فنية في دار «ديور»، كانت الأساس الذي قامت عليه مدرسة تشاناكيا الحرفية.

 

«ساكس إنديا»

في الثمانينات والتسعينات، وعندما بدأ الحديث عن التطريز علانية من جانب مصممين عالميين، أسّس ساجد خان مصنع «ساكس إنديا». وكان خان الذي تنقل بين عواصم العالم، قد تلقى تدريباً شخصياً على يد عدد من كبار صناع الموضة في منتصف الثمانينات، مثل فالنتينو وأرماني إلى جيانفرانكو فيري، أصبحوا يتعاملون مع «ساكس إنديا» إلى جانب غيرهم.

أصبح اليوم لـ«ساكس إنديا» مكاتب في مومباي ونيودلهي وميلانو ونيويورك، حيث يجري التعاون مباشرةً مع دور الأزياء الرائدة في العالم مثل: إميليو بوتشي، وروبرتو كافالي، ورالف لورين، وفيرا وانغ، ومارك جاكوبس، وبادجلي ميشكا، وكريستيان ديور، وآوبالمان، ورالف آند روسو، وغيرها.

كان عرض «ديور» الأخير في مومباي أول عرض ضخم يقام في الهند (ديور)

«عامر للتطريز»

عام 2019، زارت مصممة الأزياء اليونانية المقيمة بلندن، ماري كاترانتزو، مؤسسة «عامر للتطريز»، استعداداً لعرض استثنائي بمناسبة الذكرى الـ30 لإنشاء «إلبيدا»، اتحاد أصدقاء الأطفال مرضى السرطان. كانت «مؤسسة عامر» مثالية بالنسبة إليها لما تتميز به من طابع عائلي وتوالي ستة أجيال من الحرفيين العاملين في مجال التطريز عليها.

 

«ملايا للتطريز»

تتعاون مؤسسة «ملايا للتطريز» مع عدد كبير من دور الموضة في الولايات المتحدة وأوروبا. وتتخصص في أسلوب «زارزودي»، الذي يعتمد على إبرة يدوية بسيطة، و«آري»، أسلوب آخر يعتمد على إبرة ثابتة. أما المؤسس، فهي غاياتري خانا، خريجة «بابسون كوليدج»، ماساتشوستس، التي تعاونت مع مجموعة كبيرة من بيوت الأزياء في نيويورك. عام 2000 أطلقت «ملايا للتطريز»، من أجل تحقيق حلمها بتعريف العالم بالتطريز الهندي. وتمتلك غاياتري حالياً مصنعاً على مساحة 18000 قدم مربعة في مومباي، يضم فريقاً كاملاً يُعنى بالتصميم وتجهيز العينات، وأتيليه للحياكة وآخر للتطريز وقسم للسيطرة على الجودة وجهود شحن وتعبئة ومخزن للمواد الخام.

 

وبعد 23 عاماً من بنائها شركة في مومباي في مجال التطريز، تفرَّعت إلى 4 عواصم كبرى هي: نيويورك ومومباي وميلانو وباريس. وتوفر «ملايا للتطريز» حزماً كاملة من خدمات التطريز والزينة والتعديل والتعبئة والتغليف لعلامات تجارية عالمية، مثل: ماكس مارا، وبينكو، وفيرساتشي، ورالف آند روسو، ودولتشي آند غابانا، وروبرتو كافالي، وغوتشي، ومارني، وسانت لوران، وجيفنشي، وجوليان مكدونالد وغيرها.


مقالات ذات صلة

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

لمسات الموضة أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

دليل عملي لإطلالات العمل بعد الأربعين: خزانة ذكية، وتنسيق بسيط، وتحضير مسبق يمنحك أناقةً يوميةً، وثقةً دون عناءٍ أو حيرةٍ كل صباح.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)

نقشات جلود الحيوانات... موضة تتراقص على خيط رفيع بين الأناقة والابتذال

بينما تضفي هذه النقشات طاقة وقوة، هناك أيضاً اعتقاد قديم بأنها تنقل شيئاً من خصائص الحيوان الذي تُمثِّله إلى من ترتديها، ما يجعلها سيفاً ذا حدين.

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)

جُرعة الجرأة تزيد في صيحات المجوهرات

في عالم الأناقة، ظلّت الإكسسوارات والمجوهرات تلعب دوراً أشبه بالكومبارس في مسرح الأزياء. لكن في عروض الأزياء الأخير، يبدو أنها اقتنصت لنفسها دوراً أكبر. لم تعد…

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة كريستوفر كاين، المدير الإبداعي الجديد لدار «مالبوري» (غيتي)

كريستوفر كاين يعود مديراً إبداعياً لدار «مالبوري» بعد غياب

يمثل هذا التعيين فصلاً جديداً في مسيرة واحد من أبرز المصممين البريطانيين المعاصرين، وفي الوقت ذاته فرصة للدار لأن تحيي قسم الأزياء الجاهزة، بعد غياب سنوات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة لقاء الفن والموضة وجهان لعملة واحدة في الدار منذ تأسيسها ورقته الرابحة كانت ولا تزال أنه لم يُقدس الماضي فيتقيد به بل حاوره بلغة معاصرة وواقعية

«سكياباريللي» تتجلَّى في متحف «فيكتوريا وألبرت» بلندن

أخيراً أصبح بإمكان زوار لندن الاستمتاع بدعابات وإبداعات إلسا سكياباريلي الفنية، أو بالأحرى التعرف عن قرب على معنى «الفنون جنون» في مجال التصميم.

جميلة حلفيشي (لندن)

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟
TT

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

في ظل إيقاع الحياة المتسارع، وتبدّل الفصول، تجد كثيرٌ من النساء أنفسهنّ أمام سؤال يتكرر كل صباح: ماذا أرتدي اليوم؟ وتزيد الحيرة في ظل ضغوطات العمل وما يحتاجه من أزياء، وإكسسوارات تُوازن العملي بالأنيق. ورغم أن هذه الأسئلة تبدو بسيطة، فإنها تختصر حالة من الحيرة تتكرر كل يوم، وتزيد تعقيداً في المواسم الانتقالية. أي حين يتقلب الطقس بين برودة الشتاء واعتدال الربيع.

تحتاج المرأة بعد الأربعين للتعبير عن ثقتها ونجاحها من خلال أزياء متوازنة (هوكرتي)

كل هذا يجعل الحاجة إلى خزانة تجمع بين الأناقة والراحة من دون عناء أمراً مهماً في الحياة المعاصرة. وربما تكون المرأة الأربعينية أكثر ما يحتاج إلى هذه الخزانة. فبعد الأربعين تتغير متطلباتها كما تتغيَر نظرة الناس إليها، وبالتالي تحتاج إلى مظهرٍ متوازنٍ يجمع بين النضج والأناقة المعاصرة، وفي الوقت نفسه يعكس الثقة التي اكتسبتها، وتريد التعبير عنها من خلال إطلالاتها.

الخبراء حلّوا هذه الحيرة ولخصوها لها في قطع أساسية يمكنها تنسيقها مع بعض بسهولة. في هذا السياق، تشير خبيرة تنسيق الأزياء جيما روز بريجر إلى أن التحضير المسبق هو الخطوة الأولى لصباحٍ هادئٍ ومنظم، موضحةً أن ترك الأمور للحظات الأخيرة غالباً ما يخلق توتراً، وتأخيراً.

بعد الأربعين تحتاج المرأة إلى خلق توازن بين الأناقة المعاصرة والراحة (هوكرتي-زارا-ماسيمو دوتي)

وتنصح بريجر بتخصيص وقتٍ لتنظيم خزانة الملابس، إذ إن الاكتظاظ يُعيق رؤية الخيارات المتاحة. وتشير إلى أن القاعدة الأساسية بسيطة: الاحتفاظ فقط بما يُستخدم فعلاً، وما يمنح شعوراً بالثقة. كما تنصح بتقسيم الملابس إلى فئات واضحة، فساتين، سراويل، تنانير، وقطع محبوكة، ما يسهّل عملية الاختيار اليومي.

أما التخطيط المسبق للإطلالات، سواء لليوم التالي أو لأسبوعٍ كاملٍ، فيُعدّ، بحسبها، وسيلةً فعالةً للتخفيف من حيرة كل صباح، وذلك بتنسيق القطع مع الإكسسوارات، والأحذية، والحقائب مسبقاً، بما يتيح ارتداءها سريعاً عند ضيق الوقت.

تنسيق الألوان الداكنة مع ألوان صارخة في الإكسسوارات من النصائح التي أدلى بها الخبراء (فيرساتشي_نوماساي- ماسيمو دوتي)

التنسيق اللوني أيضاً يعد حلاً عملياً آخر يمنح الإطلالة تماسكاً وأناقةً؛ فاختيار درجات متقاربة من لونٍ واحد، كالبني والبيج والجملي، يخلق مظهراً متناغماً أقرب إلى الفخامة. أما في الحالات الطارئة، فالإطلالة السوداء تظل خياراً آمناً وسريعاً، يمكن إضافة بعض الحيوية على اللون بإكسسوارات ملونة، أو أحمر شفاه جريء.

راحة وأناقة... لمختلف البيئات والميزانيات

عند اختيار إطلالات العمل، لا تقل الراحة أهميةً عن المظهر. فالملابس الضيقة أو الأحذية غير المريحة لا مكان لها في يوم عمل طويل. لذلك تبرز السراويل الواسعة والأحذية ذات الكعب المتوسط كخياراتٍ عمليةٍ تجمع بين الأناقة والراحة.

كما أن تنوّع بيئات العمل بين مكاتب رسمية وأخرى مرنة يفرض تنوعاً في الخيارات، يجب أن يُناسب مختلف الأذواق. ويشمل ذلك أيضاً اختلاف الميزانيات؛ فبعض النساء يفضلن التسوق بأسلوبٍ اقتصاديٍ ذكي، فيما تميل أخريات إلى الاستثمار في قطعٍ عالية الجودة تدوم طويلاً.

خزانة مصغّرة... فكرة رائجة لتنظيم الخيارات

أسلوب الطبقات مناسب لكل الأعمار (مانغو)

ومن بين الأفكار التي لاقت رواجاً واسعاً أخيراً، تبرز قاعدة 3-3-3 لخزانة عمل مصغّرة يُمكن ارتداؤها على مدى ثلاثة أشهر. وتهدف هذه القاعدة إلى تبسيط القرارات اليومية، وتعزيز الاستدامة، وتشجيع اعتماد أسلوبٍ أكثر وعياً في اختيار الملابس.

وقد انتشرت هذه الفكرة على منصات التواصل الاجتماعي، حيث وجدت صدىً لدى كثيرٍ من النساء الباحثات عن حلولٍ عمليةٍ تُخفف عبء الاختيار اليومي.

التصاميم الكلاسيكية أصبحت عصرية تناسب كل الأعمار (هوكرتي)

في نهاية المطاف، تبقى الأناقة الحقيقية في البساطة، والقدرة على اختيار ما يعكس الشخصية دون تكلّف. فسواء كانت بيئة العمل رسميةً أو مرنةً، يمكن لكل امرأة أن تبني خزانةً ذكيةً تمنحها إطلالاتٍ متجددةً، وتبدأ يومها بثقةٍ وهدوءٍ، وهو ما يُعد، في حد ذاته، استثماراً يومياً في الراحة النفسية قبل المظهر الخارجي.


نقشات جلود الحيوانات... موضة تتراقص على خيط رفيع بين الأناقة والابتذال

حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)
حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)
TT

نقشات جلود الحيوانات... موضة تتراقص على خيط رفيع بين الأناقة والابتذال

حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)
حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)

شوارع الموضة والمحال في كل أنحاء العالم تصرخ هذه الأيام بأن طبول الغابة تدق عالياً. فطبعات الفهد والنمر وخطوط الحمار الوحشي وجلود الثعابين، تتصدر المشهد. نقوش قوية وجريئة، لافتة ومثيرة، لكنها في الوقت ذاته امتحان دقيق للذوق العام، فبين الأناقة والابتذال خيط رفيع، وبيدك أنت أن تخلقي المعادلة الصعبة بين إثارتها ورسالتها، من خلال طريقة تنسيقك، ونوعية الأقمشة التي تختارينها بما يتناغم مع أسلوبك الشخصي.

كل المحال تقريباً توفر تصاميم متنوعة من هذه النقشات يمكن تنسيقها حسب أسلوبك بسهولة (موقعا «مانغو» و«زارا»)

المهم أن تنتبهي؛ فطريقة تنسيقها سيف ذو حدين. فبينما تضفي هذه النقشات طاقة وقوة، هناك أيضاً اعتقاد قديم بأنها تنقل شيئاً من خصائص الحيوان الذي تُمثِّله إلى من ترتديها. وربما هنا تكمن جاذبيتها التي تلمس شيئاً بدائياً بداخلنا.

تطورها الفني والجمالي

رغم إجماع الأغلبية على أن هذه النقشات واحدة من أهم توجهات الموضة لهذا الموسم، فإنها لم تغب عن الرادار منذ أكثر من قرن، بل إن جذورها بالنسبة للبعض، ومنهم الكاتبة جو ويلدون، مؤلفة كتاب بعنوان Fierce: The History of Leopard Print تمتد إلى العصر الفرعوني؛ حيث تستشهد الكاتبة برسمة على جدران المعابد لـ«سشات»، إلهة الحكمة والمعرفة والكتابة في مصر القديمة، وهي ترتدي ثوباً بنقوش النمر في دلالة مبكرة على ارتباط القوة بالأنوثة.

وفي القرن الثامن عشر ظهرت في ملابس الطبقات الأرستقراطية رمزاً للفخامة، وأيضاً السلطة، قبل أن تنتعش أكثر في عشرينات القرن الماضي. أما حضورها الرسمي على منصات عروض الأزياء فجاء في عام 1947 في مجموعة المصمم كريستيان ديور لربيع وصيف ذلك العام. كان من خلال فستان سهرة وحيد إلا أنه كان مفعماً بالأنوثة والترف. فالطريف أن السيد ديور كان يرى أن نقشة النمر تتمتع بجاذبية حسية لا تقاوم، وبالتالي لا يناسب امرأة تتسم بالهدوء والنعومة، حسب ما كتبه في «القاموس الصغير للموضة» الذي أصدره عام 1954.

من اقتراحات دار «سيلين» لخريف 2025 (سيلين)

بيد أنها وقبل أن تدخل عالم الموضة وعروض الأزياء الباريسية والإيطالية في منتصف القرن الماضي، حملت في طياتها كثيراً من الرموز في ثقافات بعيدة. في أفريقيا مثلاً، ارتبط جلد الفهد بالقوة والسلطة، وفي آسيا، كان الحمار الوحشي رمزاً للتفرد، أما في الموضة، فإن لكل نقشة حيوان تأثيرها، فخطوط الحمار الوحشي مثلاً أقل قوة وأسهل من ناحية تنسيقها من نقشات النمر أو الفهد، ربما لأنها غالباً بالأبيض والأسود.

الثمانينات... زمن الماكسيماليزم

الثمانينات كانت بلا شك العصر الذهبي لهذه النقشات. في هذه الحقبة وجدت مساحتها وفرصتها للتوسع مع تبني الموضة حينها شعار «الكثير قليل»، التي احتفت بكل ما هو صارخ وجريء. عشقها مصممون كبار مثل روبرتو كافالي، والثنائي دولتشي آند غابانا وجياني فيرساتشي وغيرهم، ممن قدموها بلمسات حسية وإثارة أنثوية. وكانت تلك الفترة ترجمة حرفية للجمال الوحشي بمعناه الإيجابي؛ حيث تلتقي الثقة بالإثارة في توازن دقيق. فتحت المجال للمرأة أيضاً أن تتعامل معها حسب ذوقها الخاص، وما تريد أن تعبر عنه من خلال إطلالاتها.

من عرض «فندي» لخريف وشتاء 2025 (فندي)

وكون ثقافة الموضة تقوم على مفهوم التغيير، جعل أسهم هذه النقشات تنخفض تارة وترتفع تارة أخرى. لكنها لم تختفِ تماماً في أي حقبة تلت الثمانينات، فحتى الآن لا تزال لصيقة بدار «روبرتو كافالي»، وتدخل في جيناتها مثلاً.

كانت دائماً تنتظر في الظل مَن يبث فيها الحياة من جديد لتعود أكثر قوة وجمالاً. في عروض الأزياء الأخيرة، ظهر هذا التوجه أكثر إثارة من الناحية البصرية، ولا سيما بعد أن نجح المصممون في تخليصها من أي إيحاءات سلبية يمكن أن ترتبط بها. استعملوها في الجلود كما في أقمشة خفيفة وناعمة مثل الموسلين والمخمل والحرير. كان طبيعياً أن تباركها نجمات وشخصيات لهن تأثير، اعتمدنها في حياتهن اليومية ومناسباتهن الخاصة، وفي كل إطلالة يقدمن لنا صورة معاصرة مفعمة بالجاذبية.

دار «سالفاتوري فيراغامو» خففت من صراخ هذه النقشات في أقمشة منسدلة في عرضها لخريف وشتاء 2025 (سالفاتوري فيراغامو)

ومع تصاعد الوعي البيئي وارتفاع أصوات المعارضين لاستخدام الجلود الطبيعية، اتجهت دور الأزياء العالمية نحو البدائل الصناعية وأبدعت في تصميمها، حتى باتت تتمتع بجاذبية لا تُقاوَم بسهولة. فهي اليوم تمثل موضةً وموقفاً أخلاقياً في آنٍ واحد، ما يؤكد أن المشكلة لا تكمن فيها بحد ذاتها، بل في ذلك الخيط الرفيع الذي يفصلها عن الابتذال، والذي يظهر جلياً في الأسواق الشعبية التي تطرحها بخامات رديئة وتصاميم متدنية لا تخدم الذوق العام بقدر ما تُؤذي العين.

كيف تحققين التناغم؟

من هذا المنظور، يبقى أهم عنصر يجب الانتباه له عند اختيارها، جودة خامتها قبل التصميم، فالقماش الرديء يعكس مظهراً رخيصاً، والعكس صحيح. بعد ذلك تأتي عملية التنسيق الذكي مع الألوان؛ إما لتُهدئها وتخفف من صراخها، وإما لتبث فيها الحياة، سواء جاءت في معطف أو حذاء أو حقيبة اليد، أو حتى فستان سهرة. يفضل دائماً تنسيقها مع ألوان حيادية وداكنة، وإن كان العديد من الخبراء يقولون إنها تتناغم أيضاً مع الأزرق والأحمر، لكن على شرط أن تكون بجرعات خفيفة.

أكسسوارات بهذه النقشات يمكن أن تكون الحل بالنسبة للمرأة المترددة من هذه الموضة (موقع «زارا»)

أما إذا كنت ما زلت مترددة وتخافين من قوتها، فإن الأكسسوارات قد تكون طريقك لمواكبة هذه الموضة من دون أن تغرقي فيها، وذلك بالاكتفاء بحزام أو إيشارب أو حذاء أو حقيبة يد.


جُرعة الجرأة تزيد في صيحات المجوهرات

أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)
أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)
TT

جُرعة الجرأة تزيد في صيحات المجوهرات

أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)
أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)

في عالم الأناقة، ظلّت الإكسسوارات والمجوهرات تلعب دوراً أشبه بالكومبارس في مسرح الأزياء. لكن في عروض الأزياء الأخير، يبدو أنها اقتنصت لنفسها دوراً أكبر. لم تعد مجرد تفصيلة نهائية تضاف إلى الإطلالة، بل عنصر أساسي قادر على تغييرها بالكامل، سواء كانت من خلال قلادة أو أقراط أو أساور. المثير فيها أنها ازدادت جرأة ووضوحاً بفضل أحجامها الكبيرة وألوانها الزاهية. حتى إن بعضها بات يلامس الأكتاف أحياناً. فضل كبير في هذا التصدر يعود إلى دار «سكياباريلي» التي تواصل إتحافنا بأشكال مبتكرة منها، ليلتقط خيطها باقي المصممين من «برادا» و«ميوميو» إلى «فالنتينو» و«إيترو» وغيرهم.

ماكياج شاحب وشعر أبيض مع أقراط نابضة وغير متناظرة (أ.ف.ب)

وما يزيد من جاذبيتها أنها لم تعد حكراً على السهرات والمناسبات المسائية، فارتداؤها مع فستان بسيط، أو كنزة بياقة عالية أو مع قميص أبيض من القطن في النهار لا يجعلها تبدو نشازاً أو خارج إطار الأناقة المتعارف عليه. الشرط الوحيد أن تتم عملية التنسيق بقدر من الحذر، بحيث يُستغنى عن أي من التفاصيل الأخرى كالقلادة أو التطريزات المبالغ فيها، لتبقى هي المحور.

إلى جانب الأحجام الكبيرة، ظهرت على منصات العرض صيحات أخرى لا تقل إثارة، مثل الأقراط غير المتناظرة، أو الاكتفاء بقرط واحد يمنح الإطلالة طابعاً معاصراً وشبابياً.

يمكن لقلادة مبتكرة أن تُغني عن كل الإكسسوارات والارتقاء بأي إطلالة مهما كانت بساطتها (أ.ف.ب)

وينطبق الشيء نفسه على القلادات التي أخذت هذا الموسم أشكالاً هندسية ونحتية، من شأنها أن ترتقي بأبسط الأزياء إلى مستوى أكثر أناقة. ولم تقتصر هذه الموجة على بيوت الأزياء الكبيرة ودور المجوهرات الفاخرة، فقد سارعت العلامات التجارية المتوسطة والمحال الشعبية إلى تبنيها، مقدمة تصاميم مبتكرة بأسعار مُغرية تتيح لعدد أكبر من النساء مواكبة هذه الصيحة.

تباينت الإكسسوارات بين الطويلة والهندسية هذا الموسم (أ.ف.ب)

في نهاية المطاف، ورغم أن هذا الاتجاه يبدو جريئاً، فإن القاعدة التي يكررها الخبراء تقضي بالحفاظ على بساطة الأزياء، حتى تنال المجوهرات والإكسسوارات حقها من البروز. ويزداد هذا التأثير عندما تأتي الألوان نابضة بالحيوية، وكأنها تعويض عن سنوات طويلة من الدرجات الترابية التي سادت عالم الأزياء والمجوهرات على حد سواء. فألوان مثل الأخضر والأزرق والأصفر والأحمر وغيرها قادرة دائماً على ضخ المظهر بجرعة من الديناميكية. وعندما تتجسد هذه الألوان في أحجار كريمة مثل البيريدوت والياقوت والسفير والتوباز أو الزمرد، فإنها لا تكتفي بإضفاء الانتعاش على المظهر، بل تمنحه أيضًا قدراً من الرقي ونوعاً من الطاقة الإيجابية.