«صناعة الموضة» تردّ الاعتبار للهند بوصفها مُلهماً وداعماً

تعاونات وعروض أزياء ضخمة احتفاءً بحرفييها

بعد أن ظل الاعتماد على حرفيّي الهند سراً من أسرار الموضة قررت «ديور» أن تُعلنه على الملأ مؤخراً (دولي ها أورامبام)
بعد أن ظل الاعتماد على حرفيّي الهند سراً من أسرار الموضة قررت «ديور» أن تُعلنه على الملأ مؤخراً (دولي ها أورامبام)
TT

«صناعة الموضة» تردّ الاعتبار للهند بوصفها مُلهماً وداعماً

بعد أن ظل الاعتماد على حرفيّي الهند سراً من أسرار الموضة قررت «ديور» أن تُعلنه على الملأ مؤخراً (دولي ها أورامبام)
بعد أن ظل الاعتماد على حرفيّي الهند سراً من أسرار الموضة قررت «ديور» أن تُعلنه على الملأ مؤخراً (دولي ها أورامبام)

على مدار عقود لعبت الهند دوراً محورياً في عالم الموضة، وتحديداً في مجال التطريز. بيوت أزياء كبيرة، منها «ديور» و«سان لوران» و«كلوي» و«هيرميس» و«بالمان» و«ألبرتا فيريتي» و«جيامباتيستا فالي» و«برادا» و«فالنتينو» و«غوتشي» وغيرها، استعانت بأنامل هندية لإضفاء البريق على تصاميمها. السبب الأول يعود إلى مهارتهم، وثانياً لانخفاض أجورهم. في هذا الصدد، أعرب ماكسيميليانو موديستي، مؤسس «ليز أتيليه 2 إم» في مومباي، عن اعتقاده أنه «باستثناء (شانيل) و(هيرميس)، يبدو أنه لا توجد أي علامات تجارية تُنتج أعمالاً مطرزة في فرنسا».

مصمم دار «غوتشي» السابق، أليساندرو ميكيلي مثلاً نفّذ تصاميمه المطرزة بالنمور والفراشات في الهند. وفي وقت قريب، تحدث المصمم البلجيكي دريز فان نوتن عن أهمية المطرزين الهنود من قرى ريفية على أطراف كولكاتا يتعاون معهم منذ عقود، إذ إنه يملك ورشة تطريز في كولكاتا منذ عام 1987.

كان عرض «ديور» الأخير في مومباي أول عرض ضخم يقام في الهند (ديور)

في الإطار ذاته، أقامت دار «ديور» عرضاً ضخماً لخريف 2023 في مومباي. غنيٌّ عن القول إنه نجح في إثارة الإعجاب على أكثر من صعيد، لا سيما أنه لم يسبق لأي دار أزياء كبيرة أن نظمت عرضاً داخل الهند بمثل هذا المستوى والحجم. جاء العرض أيضاً بمثابة احتفاء بالحرفيين الهنود الذين نالوا الفرصة أخيراً لاستعراض إمكاناتهم ومهاراتهم.

وغالباً ما يتم التعامل بين العلامات التجارية والحرفيين من خلال شركات وأصحاب مشاغل يلعبون دور الوسيط، ويضيفون أحياناً خدمات أخرى مثل التصميم وأخذ العينات وإنتاج الملابس.

تعد دار التصدير الصناعية «فنتشرز»، التي تتخذ من كولكاتا مقراً لها، واحدة من هذه الشركات، وكانت الدار التي يعمل بها نحو 3000 موظف متخصص في إنتاج منسوجات رفيعة المستوى وأعمال تطريز لحساب بعض أشهر دور الأزياء عالمياً، أول شركة منسوجات هندية تفوز بجائزة «غراند جوري برايز أوورد» في «بريميير فيجن» بباريس لعامي 2016 و2017.

لكل منطقة في الهند أسلوبها في التطريز (أ.ف.ب)

أشكال التطريز لا تعد ولا تُحصى، إلى حد أن كل ولاية تتباهى بأسلوبها المتميز في التطريز وإمكاناتها في جعل خيوط الأقمشة والمنسوجات تتشابك مع قصص المجتمع، فتعكس المحيط الطبيعي كما الوضع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي.

هناك مثلا الشكينكاري الرقيق (وتعني الكلمة الخيط أو السلك)، الذي تشتهر به مدينة لكنو، عاصمة ولاية أوتار براديش. وبيبلي المتوهج الذي تشتهر به ولاية أوديشا، من دون أن ننسى الأسلوب الأنيق الذي يطبع تطريزات كاودي، وهو مزيج من الترقيع والتطريز، تتميز بها كارناتاكا. كل هذه المناطق تعتمد على حرفيين مهرة توارث بعضهم المهنة أباً عن جد. يعكفون على تطريز قطعاً قد تجد طريقها إلى منصات العروض العالمية، بدأب ولساعات إن لم نقل أياماً.

يعكف الحرفيون على قطعة واحدة لساعات طويلة بدأت لتخرج بالشكل المطلوب (أ.ف.ب)

جدير بالذكر هنا أن ثمة أساليب مختلفة للتطريز تشتهر بها الهند، منها «إك تار»، وتعني «السلك الواحد»، ويقوم هذا الأسلوب على الاستعانة بسلك واحد رفيع من معدن مثل الذهب أو الفضة، وغالباً ما تجري الاستعانة كذلك بقطع من الكريستال أو الخرز. ثمة أسلوب تطريز آخر يطلق عليه «كالاش» أو «بانشداتو»، ويقوم على الاستعانة بخيوط من خمسة معادن مختلفة، بينما يعمد أسلوب «أومبري» على استعراض خمسة ظِلال من اللون ذاته عبر النسيج أو قطع التزيين.

لكل منطقة في الهند أسلوبها في التطريز (أ.ف.ب)

 

بوجه عام، تعد الصور الزخرفية المستوحاة من الأزهار والنباتات أو الطاووس أو الراقصين في صحاري الهند أكثر الصور شيوعاً على مستوى أعمال التطريز. ومن بين أساليب التطريز الشهيرة كذلك أسلوب يدعى «كوتش» الذي يقوم على أنماط هندسية وصور حيوانات وطيور. وعلى ما يبدو، تعكس حرفية الهند إرثاً ملكياً ونزعة فطرية تجاه الإبداع الحرفي عجز العالم الغربي حتى اليوم عن إنتاج نظير لهما. وبالفعل، تتعاون الأتيليهات الهندية مع بعض أكبر دور الأزياء عالمياً. من أشهرها:

 

أتيليه «تشاناكيا»

تأسس على يد مونيكا شاه وكاريشما سوالي اللتين تربطهما علاقة مصاهرة وتعملان لحساب أسماء عالمية، مثل «فندي» و«غوتشي» و«فالنتينو» و«لانفان» و«برادا» منذ الثمانينات.

في مدرسة «تشاناكيا» الحرفية تحصل الحرفيات على استقلاليتهن من خلال تعليمهن التطريز (ساهيبا شوداري)

وتعد مدرسة تشاناكيا الحرفية، التي شاركت سوالي في تأسيسها عام 2017، معهداً تعليمياً غير ربحي، يسعى لتمكين الحرفيات وتعزيز استقلاليتهن. على مدى 25 عاماً ربطت صداقة بين سوالي وماريا غرازيا تشيوري، مصممة الأزياء الإيطالية، التي تتولى حالياً منصب مصممة فنية في دار «ديور»، كانت الأساس الذي قامت عليه مدرسة تشاناكيا الحرفية.

 

«ساكس إنديا»

في الثمانينات والتسعينات، وعندما بدأ الحديث عن التطريز علانية من جانب مصممين عالميين، أسّس ساجد خان مصنع «ساكس إنديا». وكان خان الذي تنقل بين عواصم العالم، قد تلقى تدريباً شخصياً على يد عدد من كبار صناع الموضة في منتصف الثمانينات، مثل فالنتينو وأرماني إلى جيانفرانكو فيري، أصبحوا يتعاملون مع «ساكس إنديا» إلى جانب غيرهم.

أصبح اليوم لـ«ساكس إنديا» مكاتب في مومباي ونيودلهي وميلانو ونيويورك، حيث يجري التعاون مباشرةً مع دور الأزياء الرائدة في العالم مثل: إميليو بوتشي، وروبرتو كافالي، ورالف لورين، وفيرا وانغ، ومارك جاكوبس، وبادجلي ميشكا، وكريستيان ديور، وآوبالمان، ورالف آند روسو، وغيرها.

كان عرض «ديور» الأخير في مومباي أول عرض ضخم يقام في الهند (ديور)

«عامر للتطريز»

عام 2019، زارت مصممة الأزياء اليونانية المقيمة بلندن، ماري كاترانتزو، مؤسسة «عامر للتطريز»، استعداداً لعرض استثنائي بمناسبة الذكرى الـ30 لإنشاء «إلبيدا»، اتحاد أصدقاء الأطفال مرضى السرطان. كانت «مؤسسة عامر» مثالية بالنسبة إليها لما تتميز به من طابع عائلي وتوالي ستة أجيال من الحرفيين العاملين في مجال التطريز عليها.

 

«ملايا للتطريز»

تتعاون مؤسسة «ملايا للتطريز» مع عدد كبير من دور الموضة في الولايات المتحدة وأوروبا. وتتخصص في أسلوب «زارزودي»، الذي يعتمد على إبرة يدوية بسيطة، و«آري»، أسلوب آخر يعتمد على إبرة ثابتة. أما المؤسس، فهي غاياتري خانا، خريجة «بابسون كوليدج»، ماساتشوستس، التي تعاونت مع مجموعة كبيرة من بيوت الأزياء في نيويورك. عام 2000 أطلقت «ملايا للتطريز»، من أجل تحقيق حلمها بتعريف العالم بالتطريز الهندي. وتمتلك غاياتري حالياً مصنعاً على مساحة 18000 قدم مربعة في مومباي، يضم فريقاً كاملاً يُعنى بالتصميم وتجهيز العينات، وأتيليه للحياكة وآخر للتطريز وقسم للسيطرة على الجودة وجهود شحن وتعبئة ومخزن للمواد الخام.

 

وبعد 23 عاماً من بنائها شركة في مومباي في مجال التطريز، تفرَّعت إلى 4 عواصم كبرى هي: نيويورك ومومباي وميلانو وباريس. وتوفر «ملايا للتطريز» حزماً كاملة من خدمات التطريز والزينة والتعديل والتعبئة والتغليف لعلامات تجارية عالمية، مثل: ماكس مارا، وبينكو، وفيرساتشي، ورالف آند روسو، ودولتشي آند غابانا، وروبرتو كافالي، وغوتشي، ومارني، وسانت لوران، وجيفنشي، وجوليان مكدونالد وغيرها.


مقالات ذات صلة

«فاشن تراست أرابيا»: تشكيل جيل جديد من المصممين العرب

لمسات الموضة من أعمال السعودي زياد بوعينين (فاشن تراست أرابيا)

«فاشن تراست أرابيا»: تشكيل جيل جديد من المصممين العرب

من أبرز التحديات التي تواجه المصممين الناشئين صعوبة اختراق الأسواق العالمية، وهذا ما تحاول مبادرة «فاشن تراست أرابيا» تحقيقه بشراكتها مع متجر «هارودز».

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة تستهدف المنصة جذب أنظار العالم إلى المصممين البريطانيين الشباب (مجلس الأزياء البريطاني)

هل تنقذ باريس الموضة البريطانية من تداعيات الأزمة الاقتصادية؟

لا يختلف اثنان أن لندن تواجه تحديات متزايدة في الحفاظ على زخمها التجاري في مرحلة ما بعد «بريكسيت» وعدم استقرار الاقتصاد العالمي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة حذاء شاكيرا الرياضي يكتب فصلاً جديداً في أناقة المستطيل الأخضر

سر حذاء شاكيرا الضخم في افتتاح مونديال 2026

حذاء شاكيرا الرياضي ذو المنصة المرتفعة بمونديال مكسيكو سيتي يقلب موازين أزياء الملاعب، مازجاً بين تمرد «الغرانج» وأناقة العصر بلمسة كولومبية ذكية.

كوثر وكيل (لندن)
لمسات الموضة ياسين بونو وعبد الصمد الزلزولي وأزياء بتوقيع دار «بيغناتيلي» الإيطالية (.أ.ف.ب)

كأس العالم 2026 «تلعب» باحترافية على علاقة الموضة بكرة القدم

في التسعينات كانت القوة الإعلانية للعارضات «السوبر» تبعهم النجوم وفي المرحلة الحالية يبدو أنهم سلموا المشعل لنجوم كرة القدم.

جميلة حلفيشي (لندن)

«فاشن تراست أرابيا»: تشكيل جيل جديد من المصممين العرب

من أعمال السعودي زياد بوعينين (فاشن تراست أرابيا)
من أعمال السعودي زياد بوعينين (فاشن تراست أرابيا)
TT

«فاشن تراست أرابيا»: تشكيل جيل جديد من المصممين العرب

من أعمال السعودي زياد بوعينين (فاشن تراست أرابيا)
من أعمال السعودي زياد بوعينين (فاشن تراست أرابيا)

وصل الفائزون بجائزة «فاشن تراست أرابيا» لعام 2025 إلى لندن مؤخراً. جاؤوا من بلدانهم يحملون معهم أحلامهم الكبيرة وطموحات تتجاوز حدودها المحلية. لكن لندن هنا ليست مجرد محطة احتفالية عابرة، بل جزء من خُطَّة استراتيجية تسعى إلى ربط المواهب الناشئة في المنطقة العربية وصناعة الأزياء العالمية عبر مزيج من الإرشاد المهني، وفرص البيع بالتجزئة والانخراط المباشر مع شبكة الفاعلين في القطاع.

انطلقت الفعاليات بحفل استقبال جمع الفائزين بعدد من الأسماء المبدعة والمؤثرة في مجالات الأزياء والتصميم والثقافة، مثل إميليا ويسكتيد وديفيد كوما وغيرهم من المصممين. لقاء لم يكن مجرد مناسبة اجتماعية، بل مساحة عمل ممتدة، كون هذا الحفل الافتتاحي فقط تمهيداً لثلاثة أيام من الجلسات المهنية ركَزت على بناء العلامة التجارية لكل واحد منهم، من خلال فهم استراتيجيات التجزئة والقيادة والتواصل وريادة الأعمال. فالنجاح حالياً لا يقتصر على التطوير الإبداعي، وبالتالي لا تكتفي «فاشن تراست أرابيا» منذ تأسيسها في عام 2018 بدعم هذا الجانب وحده ولا على تسليط الضوء على المواهب العربية، بل تسعى لتوفير أدوات عملية ولوجستية تساعدهم على تطوير مشاريع قابلة للاستمرار والنمو، ومع الوقت بناء علامات تتحول إلى حضور عالمي يتنافس مع الكبار.

وهذا ما تؤكده تانيا فارس، الشريكة المؤسسة لـ«فاشن تراست أرابيا» قائلةً: «إن دعم المواهب العربية لا يقتصر على الظهور الإعلامي والمظاهر الاحتفالية، بل يقوم على توفير أدوات فعالة تُمكِّنهم من تطوير مشاريع مستدامة»، مشيرةً إلى أهمية الجمع بين الإرشاد وخلق الفرص التجارية ضمن بيئة واحدة.

فمن أبرز التحديات التي تواجه المصممين في بداياتهم القدرة على اختراق منافذ تسويقية تؤمن بموهبتهم وتمنحهم مساحة للعرض. هنا تلعب المبادرات الداعمة دوراً حاسماً، عبر إدخال المواهب الناشئة مبكراً في شبكة من العلاقات المهنية. بالنسبة إلى «فاشن تراست أرابيا» نجحت في ربط شراكة مع متجر «هارودز» بلندن، عمرها قبل أربع سنوات.

بموجب هذه الشراكة، توفِّر «هارودز» منصة عرض ثابتة للفائزين، بشكل حصري سواء داخل المتجر أو عبر المنصة الرقمية الخاصة به، إضافةً إلى الترويج لهم عبر باقي قنواته التسويقية. الآن وأكثر من أي وقت مضى تزيد أهمية هذه الشراكة بالنظر إلى الوضع الاقتصادي العالمي غير المستقر نسبياً، حيث أصبحت فرص الظهور الدولي للمصممين الناشئين مرتبطة بالشراكات الكبيرة وبدور الأزياء العالمية، فيما يعاني المصممون المستقلون والشباب من شُح الفرص.

إلى جانب البُعد الذي توفره الشراكات مع متاجر مثل «هارودز»، فإن تأثير «فاشن تراست أرابيا» لا يقتصر على فتح أبواب العرض أو خلق فرص للبيع فحسب، بل يمتد إلى كشف المهارات التي تتوفر في المنطقة العربية من خلال مصممين يتمتعون بخيال خصب ورغبة في التفوق. وكالعادة، عكس الفائزون في دورة 2025، تبايناً في أساليبهم ومدارسهم الإبداعية. القاسم المشترك بينهم كان التشبث بالهوية. في أعمال المصرية فرح رضوان، مؤسِّسة علامة «RYR» ظهر جلياً تعاملها مع المجوهرات كمساحة للذاكرة أكثر من كونها امتداداً للتراث. ورغم استلهامها من تقاليد الصاغة في مصر القديمة، فإنها لا تُقدِّمها بترجمة حرفية أو بنزعة حنين إلى الماضي بل كإعادة صياغة داخل سياق معاصر يجمع روح باريس والقاهرة. هذا التداخل الجغرافي في عملية الإنتاج، والجمع في القطعة الواحدة بين الحرفة اليدوية والمواد الحديثة مثل الفضة الإسترليني والذهب عيار 18 قيراطاً والجلود والأحجار المختارة، هو ما يمنح أعمالها طبقة من التميز.

المغربية ليلي روكني، في المقابل، وهي مؤسسة «TALEL»، تتحرك في اتجاه مختلف. فهي تميل إلى خضِّ الهدوء البصري ولا تؤمن بإعادة تفسيره. عملية التصميم بالنسبة إليها تقوم على إدخال عناصر غير متوقعة في البنية الشكلية، سواء عبر النسب أو المواد أو العلاقة بين الأجزاء، بحيث تُصبح الحقيبة كتلة معمارية صغيرة مستلهَمة أحياناً من الفن المغربي وأحياناً من المدرسة الفرنسية. مشاركتها في مسابقة «فاشن تراست أرابيا» كانت لهدف واضح: «أتوق إلى تنمية علامتي عالمياً وتعزيز الجانب التجاري، وفي الوقت ذاته أتوق إلى اختبار أفكار جديدة ومبتكرة».

في جانب الأزياء الجاهزة، لا يختلف المغربي يوسف إدريسي، مؤسِّس علامة «لات فور وورك Late for Work»، كثيراً عن ليلى في رغبته في خض المتعارف عليه وخلق مقاربة تستند إلى تفكيك التصاميم التقليدية وإعادة تركيبها من الداخل. فالعلامة، وفق تصريحه، تنطلق من حس نقدي تتحول فيه التناقضات، بل حتى ما يعدّه البعض «عيوباً»، إلى جزء من اللغة التصميمية. يُوظِّف القصَّات غير المكتملة، والخطوط غير المتوازنة كعناصر تفاعلية مع الجسد. حسب قوله: «إنها نوع من العبثية المقصودة والبنية المدروسة».

في المقابل، ينتمي السعودي زياد بوعينين، الفائز بجائزة أفضل مصمم لأزياء المساء والسهرة، إلى مدرسة مختلفة تميل إلى التصاميم الكلاسيكية بلغة معاصرة بدل تفكيكها. يستمد خبرته وأفكاره من تنقلاته بين الخُبر وطوكيو ونيويورك وميلانو ولندن، وهو ما يمنح تصاميمه نكهة عالمية. يقول إنه عندما أطلق علامته بشكل رسمي عام 2021، انطلق من فكرة دمج الفن والثقافة بمرونة وانسيابية، مع مراعاة مفهوم الاستدامة كجزء أساسي من عملية التصميم المعاصر. ويؤكد بوعينين أن الاستدامة لا تتعارض مع الفخامة، بل هي جزء لا يتجزأ من خط الـ«هوت كوتور» بحكم أنه قائم على الحرفية العالية كما على عنصر توارث الأجيال للقطعة. رغم ما حققه من نجاح يتمثل في لائحة مهمة من الزبونات المهمات، فإن فوزه بجائزة أفضل مصمم في مسابقة «فاشن تراست أرابيا» هذا العام، فتح له أبواباً جديدة «من العلاقات مع صناع موضة ومؤثرين لهم وزن». فكلما توسَعت دائرة المعارف زادت المعرفة، وفق رأيه.


هل تنقذ باريس الموضة البريطانية من تداعيات الأزمة الاقتصادية؟

تستهدف المنصة جذب أنظار العالم إلى المصممين البريطانيين الشباب (مجلس الأزياء البريطاني)
تستهدف المنصة جذب أنظار العالم إلى المصممين البريطانيين الشباب (مجلس الأزياء البريطاني)
TT

هل تنقذ باريس الموضة البريطانية من تداعيات الأزمة الاقتصادية؟

تستهدف المنصة جذب أنظار العالم إلى المصممين البريطانيين الشباب (مجلس الأزياء البريطاني)
تستهدف المنصة جذب أنظار العالم إلى المصممين البريطانيين الشباب (مجلس الأزياء البريطاني)

لا يختلف اثنان أن لندن تواجه تحديات متزايدة في الحفاظ على زخمها التجاري في مرحلة ما بعد «بريكسيت» وعدم استقرار الاقتصاد العالمي. صناعة الموضة لم تسلم من تبعات هذه المرحلة لكنها لم تستسلم لها، وتعمل على إيجاد حلول مستدامة. تاريخها يشهد لها بقدرتها على الصمود ومواجهة التحديات. كانت دائما الحلقة الأضعف بين العواصم العالمية: نيويورك، ميلانو، باريس، إلا أنها كانت تتفوق عليهم بخصوبتها في إنجاب مُبدعين شباب. جعلت من دمائهم الفائرة وجموحهم المجنون للابتكار ورقتها الرابحة دائماً، بحيث كانت تُصدِرهم لهذه العواصم لإنعاش ما يمكن إنعاشه من بيوت أزياء عريقة، وليس أدل على هذا من جون غاليانو في «ديور» سابقاً وألكسندر ماكوين في «جيفنشي» وفيبي فيلو في «سيلين» وستيلا ماكارتني في «كلوي» و«لويز تروتر» حالياً في دار «بوتيغا فينيتا»، وهلم جراً، من الأسماء التي تركت بصماتها في باريس وميلانو.

من عرض علامة «لابروم» (موقع لابروم)

فهذه الدماء الشابة جعلت من أسبوع لندن في فترة من الفترات أقوى من ميلانو ونيويورك من ناحية الابتكار. لكن شتان بين الأمس واليوم. فالأوضاع الاقتصادية في بريطانيا عموماً ووضع صناعة الموضة في لندن خصوصاً، ليسا في أفضل حالاتهما هذه الأيام. صحيح أن لندن لم تفقد روحها الإبداعية، إلا أن محاولات ترويض هذا الإبداع لإرضاء الجانب التجاري باتت ملموسة. ثم جاءت الأزمة الاقتصادية العالمية، وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ثم الحروب المتتالية، لتزيد الوضع تعقيداً. لهذا كان لا بد من البحث عن منفذ يفتح أماما مصمميها أبواب الأسواق العالمية بشكل مستدام. وهنا أعلن المجلس البريطاني للأزياء التزامه بتعزيز منصة «London Show Rooms» التي تقام خلال أسبوع الموضة الرجالي في باريس بين 25 و30 يونيو (حزيران) الحالي، وذلك لأربع سنوات قادمة، في محاولة لتوفير مساحة أكثر تركيزاً خلال واحدة من أكثر الفترات أهمية في روزنامة الموضة العالمية: أسبوع الموضة الرجالية.

من تصاميم «بالمر هاردينغ» (موقع مجلس الأزياء)

شرحت لورا وير، الرئيسة التنفيذية للمجلس الفكرة قائلة إن البرنامج «يهدف إلى تعميق حضورنا في الأسواق العالمية الرئيسية عبر توفير فرص مستدامة لنمو أعمال المصممين البريطانيين وتعزيز مرونتهم التجارية، وباريس تُمثّل محوراً أساسياً في هذه الرؤية. فهي بوابة مهمة للتوسع الدولي وتمكين المصممين من الوصول إلى جماهير جديدة وشراكات وفرص عالمية».

اختار المجلس للمشاركة في هذا المعرض عدداً من الأسماء الواعدة مثل كليو بيبيات، يودون تشوي، لابروم لندن، نيكولاس دايلي، بالمر أند هاردينغ، توندولو، وآخرين.

أغلب المشاركين في المعرض من خريجي برامج داعمة للشباب الواعدين (موقع مجلس الأزياء)

أغلبهم استفادوا من برامج دعم المواهب التابع للمجلس البريطاني للأزياء «نيو جين» و«فاشن إيست» ويأتي هذا التوسع ضمن برنامج «بي.إف.سي إنترناشيونال» أحد المحاور الرئيسية لاستراتيجية المجلس «BFC 2030: Access, Creativity, Growth» التي تركز على تعزيز فرص الوصول إلى الأسواق الدولية ودعم الإبداع وتحقيق نمو مستدام للمصممين البريطانيين الشباب. وبحسب المجلس، فإن الخطوة تُمثّل مرحلة جديدة لتطوير معرضها الباريسي كمنصة تستقبل حضوراً عالمياً أوسع، مع خطط مستقبلية لإطلاق صيغ عرض جديدة وشراكات وأنشطة تسويقية تهدف إلى ربط المصممين البريطانيين بأسواق وفرصة دولية إضافية.


حذاء شاكيرا الرياضي يكتب فصلاً جديداً في أناقة المستطيل الأخضر

حذاء شاكيرا الرياضي يكتب فصلاً جديداً في أناقة المستطيل الأخضر
TT

حذاء شاكيرا الرياضي يكتب فصلاً جديداً في أناقة المستطيل الأخضر

حذاء شاكيرا الرياضي يكتب فصلاً جديداً في أناقة المستطيل الأخضر

في العاصمة المكسيكية مكسيكو سيتي، حيث تتمازج حرارة المدرجات بشغف الساحرة المستديرة، لم تكتفِ النجمة الكولومبية شاكيرا بإشعال الحماس عبر أغنية المونديال الرسمية «داي داي»، بل خطفت الأضواء بـ«ضربة معلم» في عالم الموضة الرياضية.

تحول حذاء النجمة على العشب الأخضر من مجرد تفصيل متمم للإطلالة إلى بيان فني صاخب يعيد تعريف أزياء الملاعب، ويمزج بكبرياء بين التمرد الأنثوي ومتطلبات الأداء الحركي الفائق في افتتاح كأس العالم 2026.

شاكيرا تألقت في تقديم الحفل الموسيقي (رويترز)

هندسة الجاذبية على المستطيل الأخضر

في وقت كان العالم يترقب فيه دوران الكرة، اختارت شاكيرا أن تؤسس لمنطقها الخاص في الحركة، حيث اعتلت المسرح بحذاء رياضي ضخم ذي منصة مرتفعة (Platform) من العلامة النيويوركية المتمردة R13.

الحذاء، الذي ينتمي إلى طراز «Riot High-Top» والمصنوع من الجلد الأبيض الناصع، جاء بكعب شاهق يصل إلى 4.45 سنتيمتر مدعوماً بقاعدة سميكة بارتفاع 3.8 سنتيمتر.

هذا الخيار الاستثنائي شكّل تحدياً صارخاً للقواعد التقليدية لملابس الملاعب، مانحاً النجمة قامة ممشوقة وثباتاً راسخاً تناغم بدقة مع لوحات فرقتها الراقصة.

من ثورة «الحفاء» إلى صخب الـ «غرانج» (Grunge) النيويوركي

شاكيرا تقدمت الفنانين في حفل افتتاح كأس العالم 2026 (رويترز)

تاريخياً، ارتبطت هوية شاكيرا المونديالية بالتحرر، ففي نسخة جنوب أفريقيا 2010 وأغنيتها الشهيرة «واكا واكا»، آثرت الغناء حافية القدمين لتكريس اتصالها العضوي بالأرض.

أما في مكسيكو سيتي، فقد عكس الحذاء الرياضي المستوحى من كلاسيكيات كرة السلة تحولاً جذرياً نحو جماليات الـ«Grunge» المعاصرة.

لقد كان هذا التصميم بمثابة درع ذكي، أمن لركبتيها وكاحليها الحماية القصوى أثناء أداء رقصاتها المعقدة والسريعة، لتثبت للعالم أن الأناقة الرفيعة لا تقصي الكفاءة البدنية.

فلسفة اللون وتناغم الإيقاع البصري

لم يكن اختيار الحذاء الأبيض معزولاً عن سياقه الفني، بل جاء بتنسيق مبتكر صممته دار Off-White بالتعاون مع منسق أزيائها نيكولاس برو. وتمثلت اللمسة الذكية في استبدال الأربطة التقليدية بأخرى ذات لون أصفر فوسفوري مشع تحاكي روح العلم الكولومبي وتتناغم مع بدلتها الرياضية، بينما أضفت نظارات بالنسياغا Balenciaga المستقبلية هالة من الغموض الثوري. هذا المزيج المدروس يعكس كيف تحول الرموز الفنية «المستطيل الأخضر» إلى منصة عرض أزياء عالمية تحاكي جيل الحداثة.