تدابير قمعية في إب اليمنية تخوفاً من انتفاضة شعبية

اتساع موجة السخط جراء الإنفاق على الاحتفالات الطائفية

حملة رسم العَلم اليمني أحرجت جماعة الحوثي ودفعتها إلى إجراءات سرية للتعرف على متبنيها (إكس)
حملة رسم العَلم اليمني أحرجت جماعة الحوثي ودفعتها إلى إجراءات سرية للتعرف على متبنيها (إكس)
TT

تدابير قمعية في إب اليمنية تخوفاً من انتفاضة شعبية

حملة رسم العَلم اليمني أحرجت جماعة الحوثي ودفعتها إلى إجراءات سرية للتعرف على متبنيها (إكس)
حملة رسم العَلم اليمني أحرجت جماعة الحوثي ودفعتها إلى إجراءات سرية للتعرف على متبنيها (إكس)

خوفاً من انتفاضة شعبية، صعّدت الجماعة الحوثية من تدابيرها القمعية في محافظة إب اليمنية بالتوازي مع استعداداتها للاحتفال بالمولد النبوي في عموم مناطق سيطرتها، وهو الاحتفال الذي تمنحه الجماعة صبغة طائفية وسياسية للتأكيد على نفوذها وهيمنتها، وذلك بالتوازي مع موجة رفض شعبي لكل مظاهر الهيمنة الحوثية.

ومنذ أسابيع تعمل جماعة الحوثي على جمع بيانات عن أهالي محافظة إب وممتلكاتهم ومصادر دخلهم، ووفقاً لمصادر في المحافظة، فإن عناصر الجماعة وزّعوا على سكان المدينة (193 كيلومتراً جنوب العاصمة صنعاء)، وهي مركز المحافظة، استمارات حول ممتلكاتهم ومصادر دخلهم، وإن كان لهم أقارب داخل المحافظة أو خارجها يساعدونهم مالياً أو ينفقون عليهم.

صعّدت جماعة الحوثي حملاتها الأمنية في مدينة إب بالتزامن مع استعداداتها للاحتفال بذكرى الانقلاب والمولد النبوي (إكس)

وألزمت الجماعة مسؤولي الأحياء المعروفين بـ«عقال الحارات» بالإشراف على تعبئة الاستمارات والتحقق من جميع البيانات الواردة فيها، والتي تتضمن هويات الساكنين وأعدادهم ومصادر دخلهم وأملاكهم وطبيعة المساكن وملكيتهم لوسائل المواصلات وقِطع السلاح، وعدد أقاربهم المغتربين أو الموجودين في قرى ومدن المحافظة أو محافظات أخرى، وهل لديهم ممتلكات خارج المحافظة.

وكشفت مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط»، عن ترتيبات أمنية غير مسبوقة تجريها جماعة الحوثي تحسباً لأي تحرك شعبي مناهض لها بالتزامن مع احتفالاتها بالمولد النبوي والذكرى التاسعة للانقلاب، خصوصاً وأن أهالي المحافظة أطلقوا حملة للاحتفال الشعبي بثورة «26 سبتمبر» من خلال رسم عَلم الدولة على الجدران وخزانات المياه.

وبحسب ناشط سياسي في المحافظة؛ فإن هذه الحملة «مثّلت إحراجاً كبيراً للميليشيات الحوثية، ودفعتها إلى اتخاذ إجراءات سرية لمحاولة التوصل إلى متبني الحملة، واتخاذ التدابير التي تحُول دون تحولها حراكاً شعبياً مناهضاً».

ويوضح الناشط الذي تتحفظ «الشرق الأوسط» على بياناته، أن الحملة تسعى إلى توحيد موقف أهالي المحافظة ضد الجماعة، وتحريضهم ضدها بطريقة تمنعها من التعرض للمشاركين فيها أو استهدافهم بشكل مباشر، «فثورة 26 سبتمبر هي أساس بناء الدولة اليمنية الحديثة ووثيقة ميلادها، والتي تدعي الميليشيات أنها تدافع عنها»، وفق تعبيره.

مخاوف من انتفاضة

رغم أن انقلاب الحوثيين في 21 سبتمبر (أيلول) 2014؛ كان يستهدف الدولة اليمنية والجمهورية التي نشأت في 26 سبتمبر 1962؛ فإن قادة الجماعة لم يتجرأوا على إعلان ذلك؛ لعلمهم بمكانة هذه الثورة في وجدان اليمنيين، فسعوا إلى استهدافها بنيوياً، وزعموا احترامها، وحافظوا على بعض مظاهرها.

أهالي إب يواجهون حملات القمع الحوثية برسم عَلم الدولة على الجدران (إكس)

ويذهب الناشط إلى أن الجماعة تلتزم الصمت إزاء مشاركة أهالي المحافظة في الحملة ولا تبدي اعتراضاً على قيامهم برسم العَلم الجمهوري على الجدران والسيارات وخزانات المياه؛ إلا أنها اتخذت ترتيبات سرية متنوعة للتوصل إلى من تتوقع أنهم يقفون خلف الحملة، والذين يهدفون إلى قيادة حراك شعبي مضاد لها خلال الأيام المقبلة.

وتزداد وتيرة الترتيبات الأمنية الحوثية، طبقاً للمصادر؛ بعد أن لاحظ قادة الجماعة في المحافظة عودة تداول الأهالي مقاطع وفيديوهات الشاب حمدي المكحل الذي تم اغتياله في سجن تديره الجماعة في مارس (آذار) الماضي بعد اختطافه على خلفية مواقفه وتحريضه الأهالي ضد ممارسات وهيمنة الحوثيين.

وتسبب مقتل المكحل حينها بموجة غضب وانتفاضة شعبية، وخلال تشييع جثمانه ردد أهالي مدينة إب هتافات مناهضة للجماعة، وطالبوا برحيلها.

وواجهت الجماعة ذلك بحملات أمنية واختطافات طالت العشرات من شباب المدينة القديمة، لا يزال أغلبهم في السجون.

وتشهد محافظة إب، مثل غيرها من المحافظات الواقعة تحت سيطرة جماعة الحوثي، استعدادات كبيرة للاحتفال بالمولد النبوي، وتتضمن هذه الاستعدادات إلزام السكان، خصوصاً التجار ورجال الأعمال ومُلاك المحال التجارية؛ بالتبرع للاحتفال نقداً وعيناً، وقسرهم على نشر مظاهر الاحتفال من زينات وطلاء للجدران.

استهداف الناشطين

عادت جماعة الحوثي إلى تنفيذ حملة رقابة واختطافات واسعة النطاق، ووزّعت عناصرها لتفتيش هواتف السكان في الشوارع والأسواق بشكل عشوائي إلى جانب ما يجري من تفتيش وتحريات في نقاط وحواجز التفتيش.

أعمال حوثية متسارعة لتهيئة ساحات للاحتفال بالمولد النبوي (إعلام حوثي)

وشنّ الحوثيون حملة اختطافات طالت مُلاك المحال التجارية في مدينة إب، وهي مركز المحافظة، بسبب رفضهم الامتثال للتوجيهات بتعليق ونشر الزينة من قِطع الأقمشة الخضراء وتركيب إنارات باللون نفسه، وطلاء الجدران والأرصفة أمام محالهم.

وأفادت مصادر محلية في المحافظة، بأن مسلحين حوثيين انتشروا في شوارع مدينة واقتحموا المحال التجارية التي لم تلتزم بتعليق ونشر الزينات والإضاءات الخضراء، واعتدوا على مُلاكها قبل أن يقتادوهم إلى السجون.

واختطفت جماعة الحوثي فضل الهندي المسؤول النقابي في نادي المعلمين اليمنيين في محافظة إب، على خلفية الإضراب الذي ينفذه المعلمون اليمنيون منذ شهرين للمطالبة برواتبهم المتوقفة منذ 7 أعوام، وهو الإضراب الذي أقلق جماعة الحوثي من تحوله حراكاً شعبياً، خصوصاً بعد التضامن الواسع الذي حظي به، وما رافقه من مطالب بقية قطاعات الموظفين العموميين بالرواتب.

منذ أشهر تلاحق جماعة الحوثي الأهالي بسبب طمس شعاراتها وصور قادتها من على الجدران (إكس)

وفي السياق أيضاً، اختطف قيادي حوثي زوجة وطفل صحافي من أبناء المحافظة واحتجزهما، مانعاً إياهما من الالتحاق به في مدينة عدن لإجباره على إعلان ولائه للجماعة.

وتحدث الصحافي محمد عبد الله القادري عن إقدام القيادي الحوثي رشاد الشبيبي، وهو من مشرفي الجماعة في مديرية حبيش وعضو مجلس شوراها، على اختطاف زوجته وابنه البالغ من العمر 7 أعوام، مشترطاً عليه العودة إلى مدينة إب، وإعلان ولائه لجماعة الحوثي. ومنع الشبيبي زوجة وطفل القادري من التواصل معه أو مع أيٍ من أقاربهما.

وسبق أن أعلن الصحافي والناشط السياسي المنتمي إلى المحافظة إبراهيم عسقين عن تلقيه تهديداً من قيادي حوثي باستهداف أولاده؛ بسبب تناوله انتهاكات جماعة الحوثي في محافظة إب، مؤكداً أن هذا التهديد لم يكن الأول، بل تلقى تهديدات سابقة من القيادي الحوثي محمد عبد الغني الطاووس المشرف العام للمحافظة، بقطع لسانه حال عودته إلى إب.

وبالمثل أعلن الصحافي أحمد الصباحي عن تلقيه تهديداً من أحد عناصر جماعة الحوثي، والذي كان صديقه قبل الانقلاب؛ إذ أعلمه بأنه لن يستطيع العودة إلى المحافظة مجدداً.


مقالات ذات صلة

اليمن يعزز تدابيره الدفاعية في مواجهة تهديد الحوثيين

العالم العربي جانب من أحدث اجتماع للحكومة اليمنية في العاصمة المؤقتة عدن (سبأ)

اليمن يعزز تدابيره الدفاعية في مواجهة تهديد الحوثيين

تصعيد الحوثيين في جنوب البحر الأحمر وضد المنشآت المدنية يدفع الحكومة اليمنية لرفع الجاهزية وتعزيز حماية الاقتصاد والملاحة، وسط دعوة لشراكة دولية أكثر فاعلية

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي سكان مناطق سيطرة الحوثيين يواجهون مخاوف التعرض للاعتقال (رويترز)

بين الزنزانة والقبر... سجون الحوثيين توسّع ملف التعذيب

تشتد ممارسات التعذيب الحوثية في السجون وتفضي إلى الموت داخل الزنازين أو الإصابات المزمنة، فبالتزامن مع التصعيد على الجبهات يجري تصعيد آخر خلف القضبان.

وضاح الجليل (عدن)
العالم العربي جنود من القوات البحرية اليمنية يقومون بدورية في البحر الأحمر (أ.ف.ب)

البحرية اليمنية تحبط هجوماً حوثياً جنوب البحر الأحمر

إحباط هجوم حوثي في البحر الأحمر بعد ضبط شحنة معدات إيرانية، بالتزامن مع قصف المخا وتعز، وتصاعد الجهود اليمنية لقطع خطوط تهريب السلاح وتأمين الملاحة

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي صبي ملطخ وجهه بالألوان يشارك في حشد للحوثيين بصنعاء (رويترز)

احتفالات حوثية باهظة تتجاهل احتياجات اليمنيين الأساسية

ينفق الحوثيون ملايين الدولارات على احتفالات المولد النبوي، بينما تتفاقم أزمات الغذاء والفقر، وتتسبب عمليات الحشد في حوادث مميتة تكشف مخاطر التعبئة الجماعية

«الشرق الأوسط» (صنعاء)
العالم العربي عشرات المعتقلين في سجون الحوثيين يواجهون أوامر بالإعدام (إ.ب.أ)

الحوثيون يمهّدون لمحاكمة 5 من أبرز العاملين بالمنظمات الدولية

يمهد الحوثيون لمحاكمة خمسة من أبرز العاملين في الأمم المتحدة والمنظمات، بعد عامين من اعتقالهم، وسط اتهامات بالتجسس وشكاوى من التعذيب وتدهور أوضاعهم الصحية

محمد ناصر (عدن)

مصر تدعم «عملية سياسية دون تدخلات خارجية» في السودان

وزير الخارجية المصري ونظيره السوداني خلال لقاء سابق في القاهرة (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري ونظيره السوداني خلال لقاء سابق في القاهرة (الخارجية المصرية)
TT

مصر تدعم «عملية سياسية دون تدخلات خارجية» في السودان

وزير الخارجية المصري ونظيره السوداني خلال لقاء سابق في القاهرة (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري ونظيره السوداني خلال لقاء سابق في القاهرة (الخارجية المصرية)

أكدت مصر دعمها تدشين «عملية سياسية ذات ملكية سودانية ودون تدخلات خارجية»، بما يُسهم في إنهاء الأزمة الراهنة واستعادة الأمن والاستقرار.

وأجرى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي اتصالَين هاتفيين، الجمعة، مع نظيره السوداني محيي الدين سالم، وكبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، تناولا الأوضاع الجارية في السودان وسبل إنهاء الأزمة، حسب بيانين منفصلين لـ«الخارجية المصرية».

وجاء اتصال عبد العاطي وسالم، في إطار «متابعة تطورات العلاقات الثنائية في مختلف المجالات، وتطورات الأوضاع الميدانية في السودان»، وجدّد عبد العاطي تأكيد دعم وحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه ومؤسساته الوطنية.

وذكر البيان أن وزير الخارجية المصري أكد أهمية «وجود عملية سياسية ذات ملكية سودانية ودون تدخلات خارجية، بما يُسهم في إنهاء الأزمة واستعادة الأمن والاستقرار في السودان».

كما تبادل الوزيران الرؤى بشأن التطورات في منطقة القرن الأفريقي وأمن البحر الأحمر، وأكدا أهمية تعزيز التنسيق بين الدول المشاطئة، وضرورة الحفاظ على أمن وسلامة الملاحة البحرية، فضلاً عن دعم الجهود الرامية إلى ترسيخ السلم والأمن والاستقرار في منطقة القرن الأفريقي، بما يحفظ مصالح دول المنطقة وشعوبها.

بينما تناول اتصال عبد العاطي وبولس «الجهود الإقليمية والدولية المبذولة لدعم الأمن والاستقرار في السودان الشقيق، وتأكيد أهمية مواصلة الجهود لدعم سيادته، والتوصل إلى حل سياسي يضمن إنهاء معاناة المدنيين ويصون للسودان وحدته وسلامة أراضيه»، وفقاً لبيان «الخارجية المصرية».

وكان رئيس مجلس السيادة والقائد العام للجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، قد وافق على مبادرة تقدمت بها مجموعة من السودانيين لتشكيل آلية وطنية مستقلة تتولى التمهيد لحوار شامل. وتعهد البرهان بعدم تدخل الدولة في تنظيم الحوار، أو تحديد أطرافه، وأجندته، ومخرجاته.


اليمن يعزز تدابيره الدفاعية في مواجهة تهديد الحوثيين

جانب من أحدث اجتماع للحكومة اليمنية في العاصمة المؤقتة عدن (سبأ)
جانب من أحدث اجتماع للحكومة اليمنية في العاصمة المؤقتة عدن (سبأ)
TT

اليمن يعزز تدابيره الدفاعية في مواجهة تهديد الحوثيين

جانب من أحدث اجتماع للحكومة اليمنية في العاصمة المؤقتة عدن (سبأ)
جانب من أحدث اجتماع للحكومة اليمنية في العاصمة المؤقتة عدن (سبأ)

لم يعد التهديد الحوثي المتصاعد مقتصراً على خطوط التماس أو الهجمات ذات الطابع العسكري المباشر، بل بات يضغط في اتجاه يشمل الموانئ والمنشآت الاقتصادية والممرات البحرية، في وقت تحاول فيه الحكومة اليمنية إعادة ترتيب أدوات الدولة للتعامل مع تهديد ترى أنه يتجاوز حدود الصراع الداخلي إلى أمن الملاحة والتجارة الدولية.

ويأتي هذا التحرك الحكومي في ظل تصعيد على الساحل الغربي والبحر الأحمر، شمل في أحدث تطوراته خلال الساعات الماضية إطلاق صواريخ باليستية باتجاه الجزر المحررة ومناطق قريبة من خطوط الملاحة الدولية، إلى جانب محاولة استخدام مسيرة انتحارية، بالتزامن مع إحباط البحرية اليمنية محاولة زوارق حوثية الاقتراب من جزر محررة، وفق ما أفاد به الإعلام العسكري.

وتضع هذه التطورات الحكومة اليمنية أمام معادلة معقدة؛ إذ لا تقتصر مهمة مؤسساتها على احتواء الهجمات العسكرية، وإنما تمتد إلى حماية المنشآت المدنية والتجارية، وتأمين سلاسل الإمداد، والحفاظ على قدرة الاقتصاد على العمل، في بلد أنهكته سنوات الحرب التي أشعلها الحوثيون والانقسام المالي والنقدي.

صاروخ أطلقه الحوثيون في وقت سابق لاستهداف مدينة المخا ومينائها (أ.ف.ب)

وتعامل مجلس الوزراء اليمني، خلال أحدث اجتماع له في عدن، مع التصعيد الحوثي باعتباره جزءاً من مسار يستهدف مقومات الدولة وليس مجرد عمليات عسكرية متفرقة. وركز على استهداف الحوثيين للبنية الاقتصادية والمنشآت المدنية والتجارية، وفي مقدمتها ميناء المخا، باعتباره محاولة لإعاقة حركة التجارة والملاحة والإمدادات.

وتكتسب المخا أهمية تتجاوز موقعها المحلي، بالنظر إلى قربها من واحد من أهم الممرات البحرية في العالم. ولذلك فإن أي تهديد للميناء أو للمناطق الساحلية المحيطة به لا ينعكس على الاقتصاد اليمني وحده، بل يضيف طبقة جديدة من المخاطر إلى أمن الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب.

توسيع معركة المواجهة

في حين تسعى الحكومة اليمنية إلى تقديم نفسها بوصفها قادرة على إدارة المواجهة عبر مجموعة متوازية من المسارات العسكرية والأمنية والاقتصادية، وجه مجلس الوزراء بإبقاء الجاهزية في أعلى مستوياتها، وتعزيز منظومات الرصد والإنذار والاستجابة، ورفع التنسيق بين الأجهزة العسكرية والأمنية والمدنية، بما يسمح بالتعامل السريع مع التهديدات وحماية المؤسسات والمنشآت والمصالح الوطنية.

يمني يتلقى الرعاية في المستشفى إثر إصابته في هجوم حوثي (أ.ب)

لكن الإجراءات لم تتوقف عند الجانب الأمني، فقد ناقش المجلس أوضاع الكهرباء والغاز، واختناقات الإمداد، والرقابة على الأسواق وسلاسل التوريد، إلى جانب تشديد الرقابة على المنافذ والإيرادات ومكافحة التهريب وتمويل الأنشطة غير المشروعة.

وتكشف هذه الحزمة عن محاولة لربط الأمن الاقتصادي بالأمن العسكري؛ فالحكومة ترى أن قدرة الدولة على الصمود أمام التصعيد تتطلب منع اضطراب الأسواق والإمدادات، وفي الوقت نفسه تجفيف الموارد التي يمكن أن يستفيد منها الحوثيون في تمويل عملياتهم العسكرية.

ويعكس ذلك أيضاً إدراكاً رسمياً بأن أي تصعيد طويل الأمد في البحر الأحمر يمكن أن يضاعف الضغوط على اقتصاد هش أصلاً، خصوصاً إذا أدى إلى تعطيل الموانئ أو التأثير في حركة السلع والغذاء والدواء.

أشخاص يبحرون بقاربهم بمحاذاة سفن حاويات بالقرب من مضيق باب المندب (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، شدد مجلس الوزراء اليمني على ضرورة عدم تحول إجراءات مكافحة التهريب إلى عائق أمام التجارة المشروعة، في محاولة لتحقيق معادلة تجمع بين تجفيف مصادر التمويل غير المشروع والحفاظ على تدفق الاحتياجات الأساسية للسكان.

شراكة دولية

بالتوازي مع تحركات الحكومة، برزت دعوة يمنية إلى توسيع الشراكة مع المجتمع الدولي، خصوصاً مع الولايات المتحدة، للتعامل مع المخاطر التي لم تعد محصورة داخل الحدود اليمنية.

وفي لقاء عبر الاتصال المرئي مع القائم بأعمال السفير الأميركي لدى اليمن نيل هوب، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي سلطان العرادة على أن أمن البحر الأحمر وباب المندب مسؤولية مشتركة، وأن حماية حرية الملاحة وخطوط التجارة العالمية تتطلب ضغوطاً سياسية واقتصادية أكبر على الحوثيين، إلى جانب تجفيف مصادر تمويلهم وتسليحهم.

وتحاول القيادة اليمنية من خلال هذا الخطاب نقل النقاش من إطار الحرب اليمنية إلى إطار أوسع يتعلق بأمن الممرات البحرية الدولية، مستندة إلى أن استمرار عدم الاستقرار في اليمن ينعكس مباشرة على أمن المنطقة وحركة التجارة العالمية.

وأكد الجانب الأميركي، وفق الإعلام الرسمي اليمني، دعمه لمجلس القيادة الرئاسي والحكومة، واستعداده لمواصلة دعم مؤسسات الدولة وتعزيز قدراتها في مواجهة التحديات الأمنية والاقتصادية والإنسانية، مع التركيز على الحد من مصادر تمويل وتسليح الحوثيين.


بين الزنزانة والقبر... سجون الحوثيين توسّع ملف التعذيب

عناصر حوثيون يحرسون أحد تجمعات الجماعة المؤيدة للتصعيد العسكري (غيتي)
عناصر حوثيون يحرسون أحد تجمعات الجماعة المؤيدة للتصعيد العسكري (غيتي)
TT

بين الزنزانة والقبر... سجون الحوثيين توسّع ملف التعذيب

عناصر حوثيون يحرسون أحد تجمعات الجماعة المؤيدة للتصعيد العسكري (غيتي)
عناصر حوثيون يحرسون أحد تجمعات الجماعة المؤيدة للتصعيد العسكري (غيتي)

تراكمت وقائع التعذيب وسوء المعاملة والإخفاء القسري والحرمان من الرعاية الطبية في السجون ومقرات الاحتجاز التابعة للجماعة الحوثية، وخلال الأسابيع الأخيرة كُشف الستار عن وقائع لانتزاع الاعترافات القسرية في التحقيقات، وآلت بعض حالات الاحتجاز إلى الوفاة أو إصابات وآثار صحية خطيرة تلازم الضحايا بعد الإفراج عنهم.

وتأتي هذه الوقائع في وقت يشهد فيه اليمن تصعيداً عسكرياً متزايداً بدأته الجماعة المدعومة من إيران، ما يثير سؤالاً أوسع بشأن انعكاس مناخ الحرب والتعبئة الأمنية على التعامل مع المدنيين والمحتجزين في مناطق سيطرتها، وبرغم عدم وجود ارتباط سببي مباشرة بين التصعيد والتعذيب، لكنه يكشف عن تزامن بين تشدد الخطاب العسكري والأمني واتساع دائرة الاعتقالات والاتهامات ذات الطابع السياسي والأمني.

ونقلت قضية اعتقال الطبيب علي أحمد المضواحي الملف إلى مستوى أكثر حساسية يتمثل في الاعتقال الطويل والضغط لانتزاع اعترافات ذات مضمون سياسي وأمني.

سكان مناطق سيطرة الحوثيين يواجهون مخاوف التعرض للاعتقال (رويترز)

فبحسب ما نقلته زوجته عنه، أمضى المضواحي أكثر من 16 شهراً في زنزانة تحت الأرض، وتعرض للتعذيب والضغط لإجباره على الاعتراف بأنه «جاسوس» جندته منظمة الصحة العالمية. وقال، وفق روايتها، إن المحققين طالبوه أيضاً بالاعتراف بأن لقاحات الأطفال أدوات للتجسس، قبل أن يواجه تهديداً بإبقائه عقوداً في الاحتجاز إذا رفض التعاون.

واتهمت منظمة «هيومن رايتس ووتش» ورابطة أمهات المختطفين الجماعة بإحالة معتقلين، بينهم المضواحي وموظف أممي وعاملون في منظمات مدنية، إلى المحكمة الجزائية المتخصصة، وأشارت الأولى إلى تقارير عن التعذيب وانتزاع اعترافات قسرية، في حين نوّهت الثانية بإحالة موظف أممي آخر إلى النيابة رغم إصابته بالسرطان وحاجته إلى رعاية طبية مستمرة.

وتتبنى الجماعة الحوثية موقفاً سلبياً ومقيداً تجاه اللقاحات وحملات التحصين، وتصنّفها في أدبياتها وخطابها الإعلامي بـ«مؤامرة صهيونية» وأدوات للتجسس، وتمنع تنظيم حملات التطعيم الوطنية الجماعية في مناطق سيطرتها، وتفرض قيوداً صارمة على حركة الفرق الطبية وأنشطة المنظمات الدولية الإنسانية.

تصعيد داخل السجون

شهد الشهر الحالي عدداً من حالات التعذيب الحوثية المؤدية إلى الوفاة أو تدهور خطير في الصحة، فمنذ أيام ظهر ماجد صادق طه، من أهالي مديرية ذي السفال بمحافظة إبّ (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، بحالة صحية متدهورة بعد نحو ستة أشهر من احتجازه في مدينة القاعدة جنوب المحافظة.

وتحدثت والدته عن تعرضه للحرق والحرمان من الطعام والنوم أثناء احتجازه، واتهمت أشخاصاً ينتمون للجماعة بالوقوف وراء اختطافه وتعذيبه.

اتهامات للحوثيين بإفشال اتفاق تبادل الأسرى الأخير وسط مخاوف على المحتجزين (أ.ف.ب)

وشهدت المحافظة أيضاً دخول شخص آخر العناية المركزة في إبّ بعد محاولة انتحار داخل زنزانته في سجن محكمة المخادر، وبينت مصادر محلية أنه احتُجز لنحو شهر للضغط على أسرته على خلفية قضية أمنية مرتبطة بأحد أبنائه.

وبحسب المصادر، فإن عبد الله الشرماني يعيش ظروفاً نفسية وصحية قاهرة بعد أن قضى نحو شهر كامل خلف القضبان كرهينة، للضغط على أسرته، ودون توجيه تهمة له، وسط استنكار الأهالي ومطالبتهم بالكشف عن ملابسات محاولته الانتحار، ومدى قسوة الظروف التي يتعرض لها داخل المعتقل.

وفي يوليو (تموز) الماضي، طالب أهالي محافظة البيضاء (242 كيلومتراً جنوب شرق صنعاء)، ومعهم مركز «رصد للحقوق والتنمية»، بالإفراج عن جثة محمد أحمد حسين الهدار الذي تُوفي داخل السجن المركزي في المحافظة والكشف عن سبب وفاته.

القبضة الأمنية للحوثيين تشتدّ بالتوازي مع التصعيد العسكري في الجبهات (أ.ف.ب)

وبحسب الأهالي والمركز، فإن الهدار اعتُقل من صنعاء في مايو (أيار) الماضي، دون مذكرة قضائية، قبل نقله إلى البيضاء، وظهرت على جثته آثار تشير إلى تعرضه للتعذيب والاعتداء الجسدي، بالتزامن مع حرمانه من الرعاية الطبية.

انتهاكات ممنهجة

سبق تلك الواقعة وفاة معتقل سابق بعد مضاعفات صحية قال مقربون من أسرته إنها نتجت عن التعذيب والإهمال الطبي اللذين تعرض لهما خلال سنوات اختطافه لدى الجماعة؛ إذ ظل عبد المجيد الشرفي يعاني من تدهور مستمر في حالته الصحية منذ الإفراج عنه، نتيجة الآثار الجسدية والنفسية التي خلفتها سنوات الاعتقال، قبل أن تنتهي معاناته بوفاته.

وعدّ فهمي الزبيري، مدير مكتب حقوق الإنسان في صنعاء، التابع للحكومة الشرعية، وفاة الشرفي دليلاً إضافياً على التداعيات الخطيرة للتعذيب والإهمال الطبي داخل السجون الحوثية التي يغادرها المحتجزون وهم يعانون أمراضاً وإصابات مزمنة قد تستمر معهم لسنوات، وقد تؤدي في بعض الحالات إلى الوفاة.

عربة أمنية حوثية أمام مقر أممي في صنعاء حيث اعتُقل العشرات من موظفي المنظمات الدولية (رويترز)

ووثّق مكتب حقوق الإنسان في صنعاء 3219 انتهاكاً بحق المدنيين خلال عامَي 2024 و2025، بينها 135 حالة تعذيب، و483 حالة اختطاف وإخفاء قسري، و307 محاكمات سياسية، شملت 39 حكماً بالإعدام. وارتفع إجمالي الانتهاكات من 1537 حالة في 2024 إلى 1682 في 2025، بزيادة بلغت 9.4 في المائة.

وتسود مخاوف على سلامة الناشطة سحر الخولاني وسط مطالب عائلتها بالكشف عن ظروف احتجازها والإفراج عنها، بعد أن أعيد اعتقالها مطلع هذا العام ووضعها في زنزانة انفرادية. ولم تكن قد أكملت عاماً منذ الإفراج عنها بعد اعتقال سابق دام 5 أشهر.

ومع اتساع التصعيد العسكري الحوثي، تبدو هذه الوقائع جزءاً من سؤال أكبر عن طبيعة العلاقة بين الحرب والقبضة الأمنية؛ إذ دائماً ما تقوم الجماعة بتشديد أعمال القمع وتوسيع الاعتقالات بالتزامن مع أي تصعيد عسكري جديد.