في زمنٍ تعاقبت فيه أجيال كرة القدم من بيليه إلى مارادونا، ثم ليونيل ميسي، بقي اسم واحد حاضراً في جميع هذه المحطات التاريخية، هو الصحافي والمعلق الأرجنتيني إنريكي ماكايا ماركيز الذي يشارك في تغطية كأس العالم للمرة الثامنة عشرة في مسيرته المهنية، بعمر 91 عاماً.
ورغم تقدمه في السن، لا يزال ماكايا يواصل عمله الإعلامي خلال مونديال 2026 في الولايات المتحدة، من خلال محطة إذاعية وقناة تلفزيونية تابعتين لمجموعة «دايركت تي في»، مؤكداً أن وجوده في كأس العالم بالنسبة إليه ليس مجرد عادة، بل إنه التزام مهني، وشخصي.
وقال في حديث لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «أشعر بأن لدي التزاماً تجاه هذا الحدث. ما دمت قادراً على العمل، والعطاء، فسأواصل الاستفادة من كل فرصة متاحة».
وتعود أولى تجاربه مع كأس العالم إلى عام 1958، عندما كان يبلغ من العمر 23 عاماً فقط، وأوفدته إذاعة «بلغرانو» الأرجنتينية إلى السويد لتغطية البطولة. ومنذ تلك النسخة لم ينقطع حضوره عن الحدث الكروي الأكبر في العالم.
ويستذكر ماكايا رحلته الأولى إلى السويد باعتبارها مغامرة استثنائية، إذ اضطر إلى التنقل عبر الطائرات، والقطارات، والعبّارات، مروراً بعدة دول للوصول إلى وجهته، في وقت كانت فيه الرحلات الطويلة أكثر تعقيداً بكثير مما هي عليه اليوم.
ومن أبرز الذكريات التي يحتفظ بها من تلك البطولة مشاهدته للأسطورة البرازيلية بيليه وهو يقود منتخب بلاده إلى أول لقب عالمي في تاريخه بعمر 17 عاماً فقط.
وقال عن بيليه: «كان لاعباً يملك قدرات بدنية وفنية استثنائية، لكنه تميز أيضاً بذكائه الكبير، وقدرته على خدمة الفريق، سواء بشكل فردي، أو جماعي».
ورغم متابعته لأعظم اللاعبين في تاريخ اللعبة، يرفض ماكايا الدخول في مقارنات حاسمة حول هوية الأفضل على الإطلاق، معتبراً أن لكل جيل نجومه، وظروفه الخاصة.
ومع ذلك، يعترف بإعجابه الكبير بألفريدو دي ستيفانو، نجم ريال مدريد التاريخي، والذي لم يسبق له المشاركة في كأس العالم رغم مكانته الاستثنائية في تاريخ اللعبة.
وكشف ماكايا أن علاقته بدي ستيفانو بدأت منذ طفولتهما في بوينس آيرس، حيث كان يسكن بالقرب من منزله، قبل أن تتحول تلك المعرفة إلى صداقة استمرت لسنوات طويلة.
أما عن دييغو مارادونا، فيرى أن التركيز المبالغ فيه على هدف «يد الله» في مرمى إنجلترا خلال مونديال 1986 حجب أحياناً قيمة الهدف الآخر الذي سجله في المباراة نفسها، والذي بات يُعرف لاحقاً باسم «هدف القرن» بعدما راوغ ستة لاعبين قبل هز الشباك.
ويؤكد أن ذلك الهدف تحديداً كان من أكثر اللحظات التي ساهمت في ترسيخ مكانة كرة القدم الأرجنتينية على الساحة العالمية.
وبعد ما يقارب سبعة عقود من متابعة اللعبة، يعتقد ماكايا أن كرة القدم شهدت تغيرات كبيرة على مختلف المستويات، سواء من حيث الضغوط، أو المصالح الاقتصادية، أو حجم التأثير الذي باتت تتركه النتائج على الأندية، والمنتخبات.
وأضاف: «لم تعد كرة القدم مجرد لعبة كما كانت في السابق. أصبحت مرتبطة بعوامل عديدة تتجاوز حدود المستطيل الأخضر».
ورغم التطور البدني الكبير الذي شهده اللاعبون، يرى أن ذلك لا يعني بالضرورة أن المهارات الفنية أصبحت أفضل مما كانت عليه في الأجيال السابقة.
وكان الاتحاد الدولي لكرة القدم قد كرّم ماكايا خلال مونديال قطر 2022، ومنحه لقب أكثر الصحافيين حضوراً في تاريخ كأس العالم.
وعن سر استمراره في العمل حتى اليوم، يختصر ماكايا الأمر بجملة بسيطة: «التعلم المستمر، والتحدث مع الناس، والتعلم منهم. هذه هي الطريقة الوحيدة للتطور».
أما عن طقوسه قبل المباريات بعد كل هذه السنوات، فيجيب مبتسماً: «لا أفعل شيئاً على الإطلاق».