«قسد» تعلن انتهاء العملية العسكرية في ريف دير الزور

إصدار عفو عن مئات من مسلحي العشائر... ودمشق تنتقد زيارة وفد أميركي لشرق سوريا

TT

«قسد» تعلن انتهاء العملية العسكرية في ريف دير الزور

قوات سوريا الديمقراطية خلال المواجهات في بلدة البصيرة بريف دير الزور يوم 4 سبتمبر الحالي (أ.ف.ب)
قوات سوريا الديمقراطية خلال المواجهات في بلدة البصيرة بريف دير الزور يوم 4 سبتمبر الحالي (أ.ف.ب)

أعلنت قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، اليوم الجمعة، انتهاء العمليات العسكرية الأساسية في دير الزور ومقتل 25 من عناصرها و29 مسلحا و9 مدنيين خلال العملية الأمنية. وقال بيان «قسد» إن العملية استهدفت بدرجة أساسية خلايا تنظيم «داعش»، واتهم الأجهزة الأمنية التابعة للنظام السوري «بتوجيه الأحداث لمنحى آخر». وأضاف البيان أن النظام السوري أدخل عناصر مسلحة إلى قرى دير الزور من الضفة الغربية لنهر الفرات ودمجها مع خلايا مسلحة تابعة له تحت مسمى «جيش العشائر». وأشارت «قسد» إلى أن قواتها «لم تستخدم الحزم والعنف خلال سير العملية في أيامها الأولى»، إلا أن «عناصر مسلحة تمادت واعتدت على المؤسسات الخدمية مما شكل خطرا على الأهالي»، مضيفة أنها تدخلت بناء على مناشدة من الأهالي من أجل «إنهاء حالة الفوضى وتخريب المؤسسات». واتهم البيان النظامين السوري والتركي «بخلق فتنة في سوريا» و«إعطاء أبعاد خطيرة للأحداث، وخاصة في منطقة دير الزور».

وكشف إبراهيم العاصي، القيادي في «مجلس دير الزور» المنضوي في صفوف «قسد» (قسد)، أن قواتهم اتخذت سلسلة من الإجراءات والتدابير الأمنية الاحترازية لتأمين المناطق التي شهدت مواجهات عسكرية محتدمة طوال 13 يوماً الماضية.

وفي اتصال هاتفي مع «الشرق الأوسط»، قال العاصي«تعمل قواتنا وبالتعاون مع قوى الأمن الداخلي على اتخاذ الإجراءات الأمنية الاحترازية لتأمين المنطقة بشكل كامل». وشدد على أن قواتهم على أهبة الاستعداد لمنع تسلل العناصر والمسلحين من خارج المنطقة، مضيفاً: «سنمنع تسلّل العناصر الإجرامية مَرّةً ثانية، ونعمل على فرض الأمن والاستقرار كي يتسنى للمؤسَّسات المدنيّة البدء بتقديم خدماتها للأهالي».

واتهم جهات خارجية لم يسمها بـ «افتعال وجود صراع قومي» في مناطق شمال شرقي سوريا، في إشارة إلى التقارير التي تفيد بأن ما يحدث هو صراع بين العشائر العربية والأكراد. وتابع: «تسعى تلك الجهات جاهدة إلى تحريف الحقائق بإخراج مهمة مكافحة الفساد من مفهومها وجعلها كنزاع قبلي وعشائري». وتوجه بالشكر إلى سكان دير الزور خصوصاً أهالي بلدات البصيرة والشحيل وذيبان الذين قدموا «كل التضحيات والمساعدة لمقاتلي مجلس دير الزور وقوات سوريا الديمقراطية». وأضاف: «نشكرهم على تعاونهم في إعادة ضبط الأمن في المنطقة، ونشكر على وجه الخصوص شيوخها ووجهاءها؛ لأنهم فضَّلوا المصلحة الوطنية العليا على مصالحهم الشَّخصية، وساندوا قواتهم خلال العملية بقوة».

وفي وقت أفيد بأن «قوات سوريا الديمقراطية» دخلت دون اشتباكات تُذكر مع مسلحين تابعين لعشائر عربية قرى أبو حمام والكشكية وغرانيج بريف دير الزور الشرقي بهدف تمشيطها، فإنها أعلنت حظراً جزئياً للتجول في بلدات الشحيل والبصيرة وذيبان منعاً لتسلل مسلحين من خارج المنطقة، وتهيئة الظروف لاستئناف عمل المؤسسات المدنية والخدمية التابعة لـ«مجلس دير الزور المدني» وتقديم خدماتها لسكان المنطقة.

وبالتزامن مع ذلك، كشف القائد العام لقوات «قسد» مظلوم عبدي عن إصدار عفو عام أفرج بموجبه عن مئات المقاتلين المحليين الذين شاركوا في المواجهات المسلحة شرق سوريا، لكن العفو استثنى المقاتلين المرتبطين بالحكومة السورية الذين انضموا إلى مسلحي العشائر، وألقي القبض عليهم في مناطق سيطرة «قسد».

قوات سوريا الديمقراطية في ريف دير الزور بشرق سوريا يوم 4 سبتمبر الحالي (أ.ب)

وفي المقابل، رأت وزارة الخارجية السورية، الجمعة، أن دخول وفد أميركي إلى شمال شرقي البلاد ولقاءه مع «قوات سوريا الديمقراطية» يمثّلان «انتهاكاً فاضحاً» لسيادة سوريا ووحدة وسلامة أراضيها. ونقلت الوكالة العربية السورية للأنباء عن الوزارة قولها إن ما وصفته بالتدخل «السافر» من الولايات المتحدة في الشؤون الداخلية للبلاد يظهر دور واشنطن في سوريا والذي يهدف إلى «إطالة أمد الأزمة فيها وزيادة معاناة شعبها». وكانت «قوات سوريا الديمقراطية» قد كشفت في وقت سابق هذا الشهر عن عقد اجتماع مع إيثان غولدريتش نائب مساعد وزير الخارجية الأميركي وجويل فويل قائد عملية العزم الصلب التابعة للتحالف الدولي ضد «داعش» في شمال شرقي سوريا. وتناول الاجتماع «مناقشة أوضاع دير الزور والتدخلات الخارجية فيها»، وفق بيان «قسد».

إبراهيم العاصي القيادي في (مجلس دير الزور العسكري) داخل بلدة ذيبان بريف دير الزور الشرقي والتي شهدت مواجهات دموية عنيفة (المكتب الإعلامي لقوات سوريا الديمقراطية)

في هذه الأثناء سيّرت القوات الأميركية ولليوم الثاني على التوالي دورية جالت بلدتي الشحيل وذيبان قادمة من قاعدة حقل العمر، وتفقدت النقاط العسكرية والحواجز الأمنية التي نُصبت على الطريق الرئيسية التي تصل هذه البلدات ببقية مناطق ريف دير الزور على سرير الضفة الشمالية لنهر الفرات، وسط تحليق مروحي لطيران التحالف على علو منخفض.

ومحافظة دير الزور الحدودية مع العراق ذات غالبية عربية يوجد فيها عشرات العشائر والقبائل العربية، وهذه المدينة منقسمة السيطرة منذ بداية الحرب السورية 2011 حيث تبسط قوات «قسد» وقوات التحالف الدولي بقيادة واشنطن السيطرة على الضفة الشرقية للفرات، بينما تسيطر قوات الحكومة السورية التي تساندها فصائل موالية لطهران على الضفة الغربية.


مقالات ذات صلة

مقتل جنديَين سوريين شمال شرقي حلب بهجوم مسلحين

المشرق العربي عناصر من الجيش السوري في الرقة (أرشيفية - أ.ف.ب)

مقتل جنديَين سوريين شمال شرقي حلب بهجوم مسلحين

أعلنت وزارة الدفاع السورية، ‌اليوم (السبت)، أن جنديَين ‌قتلا ⁠في هجوم شنه ⁠مسلحون مجهولون ⁠بالقرب ‌من ‌مدينة منبج شمال ‌شرقي ‌حلب، دون ‌تقديم مزيد من التفاصيل.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي سورية تحمل يوم 24 أبريل 2026 صور أقارب لها قُتلوا في «مجزرة التضامن» التي وقعت عام 2013 جنوب دمشق على أيدي قوات النظام السابق (إ.ب.أ)

مفتي سوريا يحذّر من ممارسات تؤدي إلى «فتنة»

دعا المفتي العام لسوريا الشيخ أسامة الرفاعي المواطنين ‌‏‌‏إلى «الابتعاد عن أي تصرفات غير منضبطة قد تفتح باب الفتنة»، بعد احتجاجات ضد مناصري النظام السابق.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
الاقتصاد شاشة تعرض شعار شركة «كونوكو فيليبس» في قاعة بورصة نيويورك (رويترز)

«كونوكو فيليبس» الأميركية تستعد لتوقيع أول عقد نفطي ضخم مع سوريا

تستعد شركة «كونوكو فيليبس» لتصبح أول شركة أميركية كبرى في قطاع النفط والغاز توقع عقداً رسمياً مع الحكومة السورية الجديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي سوريا... رفض عودة «الشبيحة» يتحول إلى حراك

سوريا... رفض عودة «الشبيحة» يتحول إلى حراك

دعت وزارة الداخلية السورية المواطنين إلى عدم الانجرار إلى أي أعمال انتقامية أو اعتداءات خارج إطار القانون.

موفق محمد (دمشق) «الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي شهدت سوريا السبت امتحانات شهادة الثانوية العامة في مختلف محافظات البلاد (سانا)

امتحانات الثانوية العامة في سوريا على وقع نزاع سياسي وقلق أمني

للمرة الأولى منذ 13 عاماً، أُجريت الامتحانات في مناطق الجزيرة السورية (شمال شرقي البلاد) بإشراف مشترك بين الحكومة والإدارة الذاتية (الأكراد).

سعاد جروس (دمشق)

هل تنجح إيران في الاحتفاظ بنفوذها داخل العراق؟

رئيس الوزراء العراقي الجديد علي الزيدي خلال لقائه السفير الإيراني محمد كاظم آل صادق في بغداد (إعلام حكومي)
رئيس الوزراء العراقي الجديد علي الزيدي خلال لقائه السفير الإيراني محمد كاظم آل صادق في بغداد (إعلام حكومي)
TT

هل تنجح إيران في الاحتفاظ بنفوذها داخل العراق؟

رئيس الوزراء العراقي الجديد علي الزيدي خلال لقائه السفير الإيراني محمد كاظم آل صادق في بغداد (إعلام حكومي)
رئيس الوزراء العراقي الجديد علي الزيدي خلال لقائه السفير الإيراني محمد كاظم آل صادق في بغداد (إعلام حكومي)

يراقب سياسيون عراقيون هذه الأيام ما يصفونها بـ«الآثار الجانبية» التي ستخلفها صيغة أي اتفاق أميركي - إيراني على الأوضاع في البلاد.

ويحاجج طيف من المراقبين بصعود محتمل لنفوذ واشنطن خلال المرحلة المقبلة مقابل تراجع نفوذ طهران، فيما يدافع آخرون عن «مرحلة جديدة» للهيمنة يمكن أن تدشنها الأخيرة في غضون الأشهر أو السنوات المقبلة.

مع حالة الغموض التي تحيط مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران، خصوصاً بشأن الموقف من «الأذرع والوكلاء» في المنطقة، تبدو الرسائل الصادرة من طهران وواشنطن غير قادرة على فك شيفرة مستقبل العراق، وأي حلقة من حلقات نفوذ العدوَّين اللدودين يمكن أن يقع في داخلها لاحقاً.

الموقف الأميركي

حتى مع التحذيرات الأميركية المتواصلة لبغداد بشأن منع إشراك الفصائل المصنفة في «لائحة الإرهاب الأميركية» بالسلطة، فإن الغموض قد أحاط بموقف واشنطن؛ الذي قدمه القائم بأعمال السفارة لدى العراق، جوشوا هاريس، من مرحلة ما بعد توقيع الاتفاق الأميركي - الإيراني، وانعكاساته على العراق، حيث رد هاريس على سؤال لموقع «الحرة»، وهو وسيلة إعلام أميركية ناطقة بالعربية، عمّا إذا كان الاتفاق بين طهران وواشنطن سيؤثر على الأوضاع في العراق وهل سيساعد هذا في تقويض الفصائل المسلحة أم في توسعة نفوذها؟ بالقول إن «الأهم في هذه اللحظة هو رؤية حكومة تقدم مصالح العراقيين أولاً. الولايات المتحدة تضع الأميركيين ومصالحهم دائماً أولاً».

وأضاف هاريس أن «أساس الشراكة (بين واشنطن وبغداد) المفيدة للطرفين هو أن تتعامل الدولة مع تحدي الميليشيات وحصر سلاحها بيد الدولة. هذا هو الأساس. هو العتبة التي يجب تحقيقها وتجاوزها لكي يمكن تحقيق هذه الشراكة».

إيران أعلى فاعلية

في المقابل، تبدو التحركات الإيرانية في طريق عودتها إلى نشاطها المعتاد قبل الحرب التي اندلعت في نهاية فبراير (شباط) الماضي؛ إذ تقول وسائل إعلام مقربة من إيران إن وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، يعتزم زيارة بغداد قريباً لـ«يناقش مع المسؤولين العراقيين المباحثات في سويسرا، والتحضيرات لتشييع المرشد الإيراني السابق علي خامنئي».

كان رئيس بلدية طهران، علي رضا زاكان، قد أعلن في وقت سابق، نقل جثمان المرشد السابق مطلع شهر يوليو (تموز) المقبل، في إطار عملية التشييع التي تسبق مراسم دفنه.

وحتى مع عدم اليقين بنقل الجثمان، فإن الإعلان عنه يؤكد «علو الكعب» الإيراني في الساحة العراقية، وفق مراقبين.

السفير الإيراني

ورغم المشكلات الأمنية التي تسببت فيها فصائل موالية لإيران جراء انخراطها في الحرب لمصلحة إيران، فإن السفير الإيراني لدى العراق، محمد كاظم آل صادق، قال في مقابلة صحافية، إن بلاده «لم تطلب من أي طرف التدخل؛ لأنها لا تحتاج إلى ذلك»، في إشارة إلى أن الفصائل المسلحة هي التي تبرعت بالوقوف إلى جانب طهران في الحرب.

ورأى مصدر مقرب من الفصائل المسلحة، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن تصريحات آل صادق بشأن «مبادرة الفصائل الطوعية» توضح الفارق الذي يجعل طهران تتفوق استراتيجياً في العراق.

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي خلال لقائه المبعوث الأميركي توم برَّاك في بغداد يوم 16 يونيو 2026 (إعلام حكومي)

ماذا عن حصر السلاح؟

وبشأن ملف حصر السلاح بيد الدولة، الذي تُظهر فيه واشنطن تشدداً واضحاً؛ على الأقل حتى الآن، أكد السفير الإيراني أن «هذا شأن داخلي عراقي، وأي قرار تتخذه الحكومة العراقية بهذا الخصوص فإننا نحترمه».

وفي إشارة إلى موقف بلاده الرافض نزع سلاح الفصائل، شدد السفير على «الانتباه إلى الأسباب التي تدفع الفصائل المسلحة في العراق إلى الرغبة في الاحتفاظ بسلاحها»، وعلى أن «تُسمع أصواتها وتتم الاستجابة لهواجسها ومخاوفها».

ويعتقد المصدر أن «إيران أثبتت طيلة العقدين الأخيرين أنها تعرف بالضبط ما تريده من العراق، خلافاً للتخبط الأميركي، وأظن أن ذلك سيستمر حتى بعد توقيع الاتفاق الأميركي - الإيراني».

ورجح المصدر، الذي فضل عدم الإشارة إلى اسمه، أن «تنتهج إيران سلوكاً مختلفاً بعد الاتفاق، غير معلن تماماً ولا يغضب واشنطن، لكنه يتمسك بنفوذه المعتاد في العراق».

ويتوقع أن تبقى طهران «ممسكة بأرض السياسة العراقية عبر مجموع الشخصيات والأحزاب الموالية لها».

ورقة النفط

في المقابل، يرى كثير من الاتجاهات المناهضة للنفوذ الإيراني في العراق أن الإدارة الامريكية بقيادة الرئيس دونالد ترمب عازمة وقادرة على تحجيم هذا النفوذ، من خلال الضغوط المتصاعدة على إيران، أو عبر الضغوط الشديدة التي تمارسها على صناعة القرار في العراق.

وتعتقد هذه الاتجاهات أن «ملف التلويح بالعقوبات الاقتصادية وحده يكفي لدفع القادة والأحزاب السياسية الشيعية بشكل خاص إلى إعادة التفكير في مخاطر استمرار وتنامي النفوذ الإيراني في العراق».

ومعروف أن أموال نفط العراق تأخذ طريقها بعد البيع إلى «الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي)» قبل أن يعيدها الأخير إلى البنوك العراقية.


انطلاق الجولة الخامسة من المفاوضات مع إسرائيل وسط رفض لبناني لـ«الاحتلال والوصايات الخارجية»

الرئيس جوزيف عون مجتمعاً مع الوفد اللبناني المفاوض قبيل توجهه إلى واشنطن (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس جوزيف عون مجتمعاً مع الوفد اللبناني المفاوض قبيل توجهه إلى واشنطن (الرئاسة اللبنانية)
TT

انطلاق الجولة الخامسة من المفاوضات مع إسرائيل وسط رفض لبناني لـ«الاحتلال والوصايات الخارجية»

الرئيس جوزيف عون مجتمعاً مع الوفد اللبناني المفاوض قبيل توجهه إلى واشنطن (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس جوزيف عون مجتمعاً مع الوفد اللبناني المفاوض قبيل توجهه إلى واشنطن (الرئاسة اللبنانية)

أمل الرئيس اللبناني جوزيف عون أن تكون الجولة الجديدة من المفاوضات مع إسرائيل، التي انطلقت في واشنطن «حاسمة»، وسط رفض لبناني متنامٍ لربط لبنان بالتفاهمات الأميركية - الإيرانية، وتطمينات أميركية حول دعم السلطات اللبنانية في ممارسة «سيادتها الوطنية على كامل أراضيها بواسطة جيشها وقواها الأمنية وحدها»، في مسعى لتبديد الهواجس اللبنانية حولها.

وكان لافتاً، الاتصال الذي أجراه بعون نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس ووزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو، للمرة الثانية خلال أسبوع.

وأكد فانس وروبيو، وفق بيان للرئاسة اللبنانية، «دعم الولايات المتحدة الأميركية لمواقف رئيس الجمهورية والحكومة اللبنانية في توجهاتهما لبسط سلطة الدولة الشرعية وتعزيز سيادتها الوطنية على كامل أراضيها بواسطة جيشها وقواها الأمنية وحدها، وتمكينها من الالتزام بتعهداتها في هذا المجال».

وشدد فانس وروبيو على متابعة الولايات المتحدة الأميركية تنفيذ ما اتفق عليه في اجتماعات سويسرا، ومنها تشكيل خلية من الولايات المتحدة ولبنان وإيران لتثبيت وقف إطلاق النار في لبنان، ومراقبة تنفيذ الإجراءات المرتبطة بذلك. ولفتا إلى أنه تجري حالياً دراسة الترتيبات المتعلقة بعمل الخلية وطريقة تشكيلها.

‏وشكر عون نائب الرئيس الأميركي ووزير الخارجية على الاهتمام الذي تبديه الولايات المتحدة الأميركية حيال لبنان بهدف إنهاء الحرب فيه، وتعزيز سلطة الدولة اللبنانية واستقلالية قرارها باعتبارها المسؤولة وحدها عن حفظ السيادة الوطنية وكرامة اللبنانيين وسلامتهم.

وترأس عون في بيروت اجتماعاً للفريق اللبناني الاستشاري لمتابعة المفاوضات، شارك فيه أيضاً قائد الجيش العماد رودولف هيكل. ورأى عون أن «تطورات الأيام الماضية أثبتت صحة خيارنا بالذهاب إلى التفاوض؛ لأنه السبيل الوحيد المعتمد على مستوى العالم كله لتحقيق الأهداف الوطنية واستعادة كل الحقوق». وقال: «لذلك ذهبنا اليوم، وفي اليومين المقبلين، إلى جولة جديدة نأمل أن تكون حاسمة على طريق إنجاز ما نريد من خير لوطننا وشعبنا، وهذا الخير نراه في استعادة سيادة لبنان كاملة على كل ذرة تراب، وبسط سلطة الدولة على كل إنسان على أرضنا».

وأضاف عون: «نقول اليوم إننا لن نقبل إلا بزوال الاحتلال الإسرائيلي وبسقوط الوصايات الخارجية معاً؛ لأن خيارنا الوحيد هو سيادتنا الوطنية، ورهاننا الأوحد هو الدولة اللبنانية التي وحدها لا غير، تحمي الجميع وتصون حريات وكرامات الجميع، وتثمّر التضحيات، وترفع كل أصناف الخوف والغبن عن الجميع. هذه أمثولة تاريخنا المعاصر، وهذه إرادة شعبنا، وقد أقسمنا على تجسيدها لمصلحة لبنان وخير جميع اللبنانيين».

وجاء موقف الرئيس اللبناني في وقت بدأت فيه جولة جديدة من المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية للبحث في ترتيبات وقف إطلاق النار والانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية.

واشنطن لجعجع: ندعم الدولة اللبنانية

بالتزامن مع انطلاق جولة المفاوضات، برز تبادل الرسائل بين رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع ونائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، والذي عكس تقاطعاً حول أولوية دعم الدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية.

وردّ فانس على رسالة جعجع التي توجه له بها، الاثنين، مؤكداً «أن واشنطن تنظر إلى رئيس الجمهورية جوزيف عون والحكومة اللبنانية باعتبارهما السلطة الشرعية الوحيدة في لبنان»، مشدداً على أن «الولايات المتحدة ستواصل العمل مع الدولة اللبنانية بما يمكّنها من حماية سيادتها وترسيخ سلطتها الشرعية».

وأوضح فانس أن «الاتصالات التي تجريها الإدارة الأميركية مع إيران بشأن لبنان لا تهدف إلى منح طهران أي دور في تقرير مستقبل البلاد، بل تقتصر على دفعها للضغط على (حزب الله) للالتزام بالتعهدات المطلوبة منه»، مؤكداً استمرار متابعة الإدارة الأميركية للملف اللبناني ودعمها لسيادة لبنان ومؤسساته الشرعية.

وكان جعجع قد وجّه رسالة إلى فانس شدد خلالها على أن «دعم الدولة الحالية في بسط سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية، وحصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية، وإنهاء الوجود العسكري والأمني لـ(حزب الله)، يشكل المدخل الأساسي لبناء دولة سيدة وحرة وقوية وقادرة على تأمين الأمن والاستقرار والازدهار لجميع اللبنانيين».

رجي يطلب دعماً عربياً لاستقلالية المفاوضات

على خط موازٍ، حمل وزير الخارجية اللبنانية يوسف رجي ملف المفاوضات إلى اجتماع مجلس جامعة الدول العربية في عمّان، حيث طالب خلال اجتماع تشاوري مغلق بدعم عربي واضح للحفاظ على استقلالية المسار التفاوضي اللبناني عن المسار الأميركي - الإيراني.

وأكد رجي أن لبنان «يجب أن يكون شريكاً أساسياً في أي ترتيبات إقليمية تتناول مستقبل الشرق الأوسط، لا أن يُتخذ القرار بشأنه في محافل لا يشارك فيها». وشدد على أن أي قرار يتعلق بلبنان لا تتخذه سوى الدولة اللبنانية.

وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي (الوكالة الوطنية للإعلام)

وقال خلال اللقاء إن «المسار التفاوضي يمثل الطريق الوحيد لتحقيق الاستقرار وبسط سيادة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية»، مجدداً التزام الحكومة بحصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية، ومشدداً على ضرورة الفصل بين المسار اللبناني والمسار الأميركي - الإيراني، وأن يكون لبنان شريكاً حقيقياً في أي ترتيبات إقليمية تخص مستقبل المنطقة.

انسحاب إسرائيلي تدريجي بالتوازي مع انتشار الجيش

في قراءة للمسار التفاوضي، اعتبر عضو «اللقاء الديمقراطي» النائب مروان حمادة أن اجتماعات واشنطن تبقى المرجعية الأساسية للملف اللبناني، رغم الحديث عن أدوار إقليمية أخرى.

وأوضح أن «لجنة متابعة وقف الأعمال العسكرية، التي تعمل تحت إشراف القيادة الأميركية الوسطى وتضم لبنان وإسرائيل، ستتولى دراسة آليات الانسحاب الإسرائيلي»، مشيراً إلى أن العملية ستكون طويلة نسبياً لارتباطها بمسألة حصر السلاح وبالنقاش الداخلي حول ما يُعرف بـ«المناطق التجريبية».

ورجّح حمادة أن يتم الانسحاب الإسرائيلي «بشكل تدريجي وعلى مراحل، بالتوازي مع انتشار الجيش اللبناني وتثبيت الترتيبات الأمنية على الأرض». وقال: «لا أستطيع القول إن الحرب انتهت، لكن يمكن القول إن لبنان بات قادراً على التنفس خلال الصيف والتطلع إلى المستقبل بقدر من الإيجابية».

وأضاف أن وقف إطلاق النار «أعاد إلى لبنان جزءاً من الطمأنينة وفتح الباب أمام الانسحابات وإعادة الإعمار لاحقاً»، معتبراً أن الحديث عن مؤتمر «دوحة 2» أو تعديل «اتفاق الطائف» مقابل معالجة ملف السلاح، «غير وارد لدى كل الأطراف اللبنانية».

اعتراض على أي دور إيراني في تقرير مستقبل لبنان

في المقابل، تصاعدت المواقف الرافضة لإدراج لبنان ضمن التفاهمات الأميركية - الإيرانية، بعدما انتقد النائب نديم الجميل تصريحات رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف بشأن ضمان وحدة لبنان وسلامة أراضيه.

وسأل الجميل: «من أعطى إيران حق التحدث باسم لبنان؟»، معتبراً أن وحدة لبنان وسيادته لا يمكن أن تكونا موضع تفاوض بين دولتين أجنبيتين، وأن الدولة اللبنانية مطالبة بإعلان موقف واضح يؤكد أن لبنان ليس ملفاً إيرانياً ولا ساحة تفاوض لأحد.

وكتب الجميل على «إكس»: «وحدة لبنان لا تضمنها طهران، وسلامة أراضيه لا تُقرَّر في سويسرا، وسيادته ليست بنداً تفاوضياً بين دولتين أجنبيتين. إذا كانت الدولة اللبنانية تحترم نفسها فعليها أن تعلن بوضوح أن لبنان ليس ملفاً إيرانياً ولا ساحة تفاوض لأحد. وإذا كان مصير لبنان يُناقش بين واشنطن وطهران، فما جدوى مشاركة لبنان أصلاً في أي مفاوضات تُعقد في واشنطن بشأن مستقبل الجنوب أو ترتيبات الأمن والحدود مع إسرائيل؟».


«الحكم الذاتي» و«الاستيطان» في قلب المعركة الانتخابية الإسرائيلية

جرافات إسرائيلية تهدم منزلاً لعائلة فلسطينية في منطقة جنوب الخليل بالضفة الغربية المحتلة الثلاثاء (د.ب.أ)
جرافات إسرائيلية تهدم منزلاً لعائلة فلسطينية في منطقة جنوب الخليل بالضفة الغربية المحتلة الثلاثاء (د.ب.أ)
TT

«الحكم الذاتي» و«الاستيطان» في قلب المعركة الانتخابية الإسرائيلية

جرافات إسرائيلية تهدم منزلاً لعائلة فلسطينية في منطقة جنوب الخليل بالضفة الغربية المحتلة الثلاثاء (د.ب.أ)
جرافات إسرائيلية تهدم منزلاً لعائلة فلسطينية في منطقة جنوب الخليل بالضفة الغربية المحتلة الثلاثاء (د.ب.أ)

​مع اقتراب موعد الانتخابات الإسرائيلية المتوقع في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، وظَّف الإسرائيليون قضية المستوطنات في الضفة الغربية كجزء من الدعاية الانتخابية. وبعدما صرَّح رئيس الوزراء السابق نفتالي بنيت -وهو أحد أبرز منافسي رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو- بأنه يؤمن بحكم ذاتي في مناطق الضفة، وسيفكك مئات البؤر الاستيطانية الإسرائيلية في الضفة، هاجمه اليمين الإسرائيلي بقوة، ووصفته منصاته بأنه «يساري متطرف» لا يصلح للقيادة، ويشكل خطراً على ملايين الإسرائيليين.

وأثار بنيت ردود فعل غاضبة من اليمين، بعدما قال في مقابلة عرضت بعض مقاطعها هيئة البث العامة (كان)، الاثنين، إنه يرى أن البناء القانوني في المنطقة «ج»، على أراضي الدولة (يقصد إسرائيل) وليس على أراضي الفلسطينيين الخاصة، «أمر ممتاز»، أما البناء غير القانوني الذي يقع في المنطقة «ج»، أو الذي يقع على أراضٍ خاصة، فهو «غير شرعي».

وعندما قيل لبنيت، خلال المقابلة، إن مسألة البناء خاضعة لتفسيرات، وإن يائير غولان، زعيم حزب «الديمقراطيين» مثلاً سيقول إنه «غير قانوني»، بينما يقول الوزير المتطرف بتسلئيل سموتريتش، إنه قانوني، أجاب بنيت: «لا. هناك قانون». وأضاف: «لن يُسمح بما هو غير قانوني».

وسُئل بنيت أيضاً عما إذا كان هذا يعني أنه سيُخلي المواقع بالقوة، فأجاب: «بالتأكيد. ما هو غير قانوني، طبعاً».

مستوطنون إسرائيليون برفقة الوزير المتطرف بتسلئيل سموتريتش يرفعون علماً إسرائيلياً فوق مستوطنة جديدة في جبل الخليل بالضفة الغربية المحتلة يوم 16 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

وبنيت، الذي يحتل حزبه «معاً» حالياً مراكز متأخرة ببضعة مقاعد عن حزب «الليكود» الذي يتزعمه نتنياهو، مع بقاء نحو 4 أشهر قبل إجراء الانتخابات، هو مؤيد قديم للمستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، وهو المدير السابق لمجلس «يشع»، وهو هيئة جامعة للمستوطنات في المنطقة «ج» في الضفة.

«يعارض البؤر لكنه مع الضم الجزئي»

وفقاً لاتفاقية «أوسلو الثانية» الموقَّعة عام 1995 بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، تنقسم الضفة الغربية إلى 3 مناطق: (أ، وب، وج)، وتخضع المنطقة «ج» للسيطرة الإسرائيلية الكاملة، بينما المنطقة «ب» تحت السيطرة المدنية الفلسطينية، والسيطرة الأمنية الإسرائيلية، وبالنسبة للمنطقة «أ» فإنها من المفترض أن تكون تحت السيطرة الفلسطينية الكاملة.

ورغم أن بنيت يعارض البؤر الاستيطانية، فإنه أظهر أنه مع «الضم الجزئي». وقال: «في رؤيتي، ستكون المنطقة (ج) في نهاية المطاف جزءاً من دولة إسرائيل، وستكون المنطقتان (أ) و(ب) جزءاً من الحكم الذاتي الفلسطيني». وتشكل «ج» ثلثي مساحة الضفة الغربية.

فلسطينيون بينهم ملاك أراضٍ يفرُّون من الغاز المسيل الذي أطلقته قوات إسرائيلية بينما كانوا يحتجون على مصادرة أملاكهم لصالح مستوطنة قرب بلدة دورا في الضفة الغربية المحتلة يوم الجمعة الماضي (أ.ف.ب)

وفوراً رد الوزير المتطرف سموتريتش، الذي يقود حزب «الصهيونية الدينية» ويتمتع ببعض السلطة على الضفة الغربية، على تصريحات بنيت قائلاً: «قلت إنني أعلم أنهم إذا وصلوا إلى السلطة، فإن حكومة (غادي) آيزنكوت (زعيم حزب «يشار») ستزيل المستوطنات الجديدة والمزارع التي أنشأناها في يهودا والسامرة».

وتفوَّق حزب الجنرال آيزنكوت على بنيت في آخر استطلاعات للرأي، وتعادل مع حزب «الليكود»، ما قد يمكنه من تشكيل حكومة مع بنيت والآخرين.

وقال سموتريتش: «اليوم صرَّح بنيت الوزير المستقبلي في حكومة آيزنكوت علناً: سيُخلي البؤر الزراعية. وليس هذا فحسب؛ بل قال بنيت أيضاً إنه سيُقيم «حكماً ذاتياً فلسطينياً، أي بعبارة أخرى: دولة إرهابية في قلب البلاد!». وتابع: «يجب ألا نسمح لهم بتشكيل الحكومة المقبلة».

الفلسطيني سعود الأطرش يعانق والدته بينما تهدم قوات إسرائيلية منزل العائلة يوم الثلاثاء جنوب الخليل بالضفة الغربية بحجة عدم الحصول على ترخيص بناء (أ.ف.ب)

ويدعم بنيت الذي تولَّى منصب رئيس الوزراء في السابق حكماً ذاتياً فلسطينياً؛ لكنه يعارض بشدة دولة فلسطينية. وإضافة إلى سموتريتش فقد تلقَّى بنيت هجوماً متوقعاً من بقية قادة اليمين.

وقال يسرائيل غانتس، الذي يرأس مجلس «بنيامين» الاستيطاني في وسط الضفة الغربية، إن بنيت يتجاهل الواقع ويقود إسرائيل إلى انتحار وطني، ويشكل خطراً على حياة ملايين الإسرائيليين. والتصعيد في الضفة الغربية متوقع قبل الانتخابات الإسرائيلية.

وقبل أيام قليلة، كشفت مصادر مقربة من نتنياهو، أنه يخطط لفرض موضوع متفجر في المعركة الانتخابية، وهو ضم مناطق واسعة في الضفة الغربية إلى السيادة الإسرائيلية.

ويستند نتنياهو بهذه الفكرة إلى استطلاعات رأي عدة، أجراها حزبه «الليكود»، والتي تظهر أن 41 في المائة من الإسرائيليين عموماً يؤيدون ضم الضفة الغربية أو مناطق واسعة منها إلى إسرائيل، وأن هذه النسبة تصل إلى نحو 58 في المائة بين أنصار اليمين، وأنه إذا تحول موضوع الضم إلى عنصر أساسي في الانتخابات، فسيعود ناخبو «الليكود» الذين هربوا إلى نفتالي بنيت وأفيغدور ليبرمان، إلى بيتهم.

ولم يقرر نتنياهو بشكل نهائي، وقال إنه يريد استطلاع رأي الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وفحص موقفه.