مصر «غير منشغلة» بجدل استخباراتي إسرائيلي عن حرب أكتوبر

خبراء: أشرف مروان كان أداة خداع استراتيجية وطنية

المجند المصري محمد عبد السلام العباسي لدى رفعه العلم المصري على خط بارليف في حرب أكتوبر عام 1973 (الشرق الأوسط)
المجند المصري محمد عبد السلام العباسي لدى رفعه العلم المصري على خط بارليف في حرب أكتوبر عام 1973 (الشرق الأوسط)
TT

مصر «غير منشغلة» بجدل استخباراتي إسرائيلي عن حرب أكتوبر

المجند المصري محمد عبد السلام العباسي لدى رفعه العلم المصري على خط بارليف في حرب أكتوبر عام 1973 (الشرق الأوسط)
المجند المصري محمد عبد السلام العباسي لدى رفعه العلم المصري على خط بارليف في حرب أكتوبر عام 1973 (الشرق الأوسط)

قللت مصادر مصرية مطلعة من أهمية جدل استخباراتي إسرائيلي يدور حالياً حول حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، بعد إثارة الموساد تحذيرات جديدة من «الاستخفاف بالعدو»، وطرح «كتاب» يعيد تكرار السردية الإسرائيلية عن «دور رجل الأعمال المصري الراحل أشرف مروان في تلك الفترة».

وتشهد تل أبيب حالة جدل حول الحرب طرفاها جهاز الاستخبارات الخارجية (الموساد)، وشعبة الاستخبارات العسكرية في الجيش (أمان)، حيث يحاول الموساد «تبرئة نفسه من الإخفاقات والقول إنه كان قد حذّر من قدوم الحرب مرات عدة، لكن الجيش استخف بتحذيراته»، وفق وسائل إعلام عبرية.

حرب 1973 أو حرب «العاشر من رمضان» كما تُعرف في مصر، وحرب «الغفران» كما تُعرف في إسرائيل، هي حرب شنتها مصر وسوريا على إسرائيل بشكل مباغت، وتمكن الجيش المصري خلالها من اجتياز قناة السويس التي كانت تخضع للسيطرة الإسرائيلية. وهي رابع الحروب العربية الإسرائيلية بعد حرب النكبة 1948، وحرب السويس 1956، وحرب النكسة (حرب الأيام الستة) في يونيو 1967».

ويعلق مصدر مصري مطلع لـ«الشرق الأوسط»، على السجال الإسرائيلي قائلاً: «التنافس بين الأجهزة الأمنية ينعكس أحياناً في صراعات معلوماتية؛ الكل يحاول تبرئة نفسه؛ يريد أن يكون بطلاً». ويضيف المصدر: «يجب ألا ننشغل بمعارك تصفية الحسابات، ويجب ألا نعتمد عليها في كتابة التاريخ العسكري والأمني».

وحذر رئيس جهاز الاستخبارات الإسرائيلية الخارجية، ديفيد بارنياع، القيادة السياسية في تل أبيب، الخميس، من «تكرار الإخفاقات والتصرف بغرور استخفافاً بقوة العدو واحتمالات التقدم نحو عملية سلام».

ونشر «الموساد»، أخيراً، كتاباً بعنوان «ذات يوم، حين يكون الحديث مسموحاً به»، كتبه فريق من «الدائرة التاريخية»، ووقّع بأول حرفين من اسم مسؤولة الفريق «ر.م». ويرفض الكتاب «ادعاءات» (أمان) في حينه، بأن أشرف مروان، صهر الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر ومساعد الرئيس أنور السادات، «كان عميلا مزدوجاً»، كما يرفض الادعاء المصري بأنه كان «بطلاً قومياً نجح في جلب أهم المعلومات عن العدو».

ويعزو مدير إدارة الشؤون المعنوية الأسبق بالجيش المصري، اللواء سمير فرج، الأحاديث الإسرائيلية الحالية إلى «الفشل الذي مُنيت به إسرائيل في حرب السادس من أكتوبر 1973». وأشار في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «لجنة (أجرانات) التي حققت في هزيمة إسرائيل في الحرب لم تكشف عن جميع نتائجها بعد حتى اليوم».

وتعليقاً على إعادة تناول السردية الإسرائيلية الخاصة برجل الأعمال المصري أشرف مروان، والإشارة إلى أنه «عمل في خدمة إسرائيل»، قال فرج: «هذا الكلام يكررونه مع كل ذكرى للحرب. أشرف مروان كان رجلاً عظيماً، خدع الإسرائيليين، وجرى تكريمه رسمياً في مصر. و«الموساد» يروج لهذا لدى الشعب الإسرائيلي لتبرير فشلهم».

وتوفي مروان في يونيو (حزيران) 2007 بعد أن سقط من شرفة منزله في لندن، ولم يُعرف حتى الآن «رسمياً» ما إذا كان موته قتلاً أم انتحاراً. وفور رحيله، أمر الرئيس الأسبق حسني مبارك بإقامة جنازة عسكرية له في القاهرة، وأصدرت مؤسسة الرئاسة بياناً لتأكيد وطنيته. وقال مبارك، عقب ذلك، إنه «قام بأعمال وطنية لم يحن الوقت بعد لكشفها»، لكنه أضاف أن مروان «لم يكن جاسوساً على الإطلاق لأي جهة».

وبينما يقول خبير الشأن الإسرائيلي، وعضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، الدكتور أحمد فؤاد أنور، إن حرب أكتوبر «لا تزال جرحاً نافذاً ينزف في إسرائيل». يرى، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن أشرف مروان «كان إحدى أدوات الخداع الاستراتيجية لمصر في حرب أكتوبر، وأكبر دليل على أنها كانت فعالة هو نجاحها في خداع الإسرائيليين ومفاجأتهم بالمعركة»

بدأت حرب 6 أكتوبر عام 1973، الموافق 10 رمضان 1393 هجرياً، بهجومين مفاجئين ومتزامنين على القوات الإسرائيلية، أحدهما للجيش المصري على جبهة سيناء المحتلة، والآخر للجيش السوري على جبهة هضبة الجولان المحتلة، وقد أسهمت بعض الدول العربية في الحرب، سواء بالدعم العسكري أو الاقتصادي.

وانتهت الحرب رسمياً مع نهاية يوم 24 أكتوبر، من خلال اتفاق وقف إطلاق النار الموقع بين الجانبين العربي والإسرائيلي، لكنه لم يدخل حيز التنفيذ على الجبهة المصرية فعلياً حتى 28 أكتوبر.


مقالات ذات صلة

أوروبا تسعى لحماية نفسها صاروخياً وصفقة دفاعية كبرى فرنسية - أوكرانية

أوروبا الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون والأوكراني فولوديمير زيلينسكي في جادة الشانزليزيه (أ.ف.ب)

أوروبا تسعى لحماية نفسها صاروخياً وصفقة دفاعية كبرى فرنسية - أوكرانية

أوروبا تسعى لحماية نفسها صاروخياً وصفقة دفاعية كبرى فرنسية - أوكرانية وهدية ماكرون للفرنسيين في آخر سنة من ولايته: عرض عسكري استثنائي.

ميشال أبونجم (باريس)
المشرق العربي وفد سوري يستمع إلى تجربة هيروشيما في إعادة الإعمار والتخطيط العمراني (الأشغال العامة والإسكان)

وفد سوري يختتم زيارة لليابان للاستفادة من إعادة بناء هيروشيما

كان الوفد السوري قد بدأ زيارته الرسمية، الجمعة، إلى اليابان، في إطار تعزيز التعاون الدولي والاستفادة من الخبرات العالمية في إعادة الإعمار والتعافي المبكر.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
يوميات الشرق تحفة عبرت الزمن قبل أن تعبر الحدود (أ.ف.ب)

عشرات الآلاف يتسابقون لرؤية تحفة تستردُّها إنجلترا بعد 950 عاماً

توقّع مدير المتحف البريطاني، نيكولاس كولينان، أن يشهد المتحف «إقبالاً هائلاً» على معرض «نسيج بايو»، مع بدء بيع التذاكر لمشاهدة هذه التحفة الفنية من القرن الـ11.

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم  الطائرات المسيّرة أصبحت أحد أبرز أسلحة الحروب الحديثة (رويترز)

كيف تعمل أنظمة الدفاع الجوي ضد المسيّرات؟

يؤكد خبراء الدفاع أن صغر حجم المسيّرات وانخفاض ارتفاع تحليقها وتكلفتها المنخفضة جعلت مواجهتها أكثر تعقيداً من التعامل مع الطائرات التقليدية

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق ما دفنه الزمن... لم ينسه المكان (مؤسّسة ألامو)

قذيفة حربية عمرها 190 عاماً تروي أسرار معركة تاريخية

عثر باحثون في ولاية تكساس الأميركية على قذيفة مدفع حديدية يُعتقد أنها استُخدمت خلال معركة ألامو عام 1836.

«الشرق الأوسط» (تكساس)

الجيش المصري يشجع «منقبين غير شرعيين» على تسليم أنفسهم بعد معارك محتدمة

حملة الجيش المصري الشهر الماضي أسفرت عن ضبط أسلحة (المتحدث العسكري)
حملة الجيش المصري الشهر الماضي أسفرت عن ضبط أسلحة (المتحدث العسكري)
TT

الجيش المصري يشجع «منقبين غير شرعيين» على تسليم أنفسهم بعد معارك محتدمة

حملة الجيش المصري الشهر الماضي أسفرت عن ضبط أسلحة (المتحدث العسكري)
حملة الجيش المصري الشهر الماضي أسفرت عن ضبط أسلحة (المتحدث العسكري)

إصدار مرئي من الجيش المصري تحت عنوان «درع الجنوب» سلط الضوء على مستجدات مواجهة منقبين غير شرعيين على الحدود الجنوبية مع السودان، بعد نحو 3 أشهر من تحرك عسكري وأمني لإحباط عمليات تنقيب غير شرعي عن الذهب وتوقيف أجانب، فيما نشر الإصدار شهادات لمضبوطين تظهر تلقيهم «معاملة إنسانية».

ذلك الإصدار، الذي نشره المتحدث العسكري للجيش المصري، العقيد أحمد عتمان، عبر صفحته الرسمية بـ«فيسبوك»، الثلاثاء، يحمل رسالة أمنية واستراتيجية، بحسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أبرزها «فرض سيادة الدولة على المناطق النائية، وعدم السماح بوجود مناطق خارج السيطرة، والحفاظ على مقدرات البلاد وسيادتها، وطمأنة للمخالفين بوجود مسار قانوني يحترم الحقوق يمكن اللجوء له».

وقال المتحدث العسكري إن ذلك الإصدار المرئي يعد «الحلقة الأولى من سلسلة (درع الجنوب) التي ترصد كيف تعاملت القوات المسلحة والشرطة المدنية مع العناصر التي سلّمت نفسها عقب الحملة المكبرة في المنطقة الجنوبية، في إطار قانوني وفقاً للمعايير والمواثيق الدولية بما يفرض الأمن ويحفظ الحقوق».

مضبوطات خلال حملة للجيش المصري في يونيو الماضي (المتحدث العسكري)

الخبير العسكري والاستراتيجي، اللواء عادل العمدة، يرى أنه يمكن قراءة إصدار عملية «درع الجنوب» في إطار أوسع من مجرد ملاحقة المنقبين غير الشرعيين، موضحاً أنها «تمثل رسالة أمنية واستراتيجية تؤكد أن الدولة المصرية تنظر إلى الحدود الجنوبية باعتبارها أحد أهم مسارح حماية الأمن القومي، خاصة مع اتساع المساحات الصحراوية وتشابك تحديات التهريب والهجرة غير المشروعة والتنقيب غير القانوني عن المعادن».

قدرة الدولة

وأضاف أنها «تؤكد استمرار قدرة الدولة على فرض سيادتها على المناطق النائية وعدم السماح بوجود مناطق خارج السيطرة»، وفق العمدة، الذي لفت إلى أن السلسلة التي نشرها المتحدث العسكري تستعرض كيفية تعامل القوات المسلحة والشرطة مع من قاموا بتسليم أنفسهم عقب الحملة، مع التأكيد على أن الإجراءات تمت في إطار قانوني ومع مراعاة المعايير الإنسانية.

وتضمن الإصدار شهادات مصورة لسودانيين، أكدوا أنهم تلقوا معاملة إنسانية بعد استسلامهم، موجهين نداءات إلى بقية الموجودين داخل مناطق التنقيب غير الشرعي للإسراع في تسليم أنفسهم.

احترام الكرامة الإنسانية

ولفت العمدة إلى أن هذه الشهادات تعكس ما جرى بالفعل وتقدم رسالة بأن تطبيق القانون لا يتعارض مع احترام الكرامة الإنسانية، كما تؤكد أن «الهدف هو إنفاذ القانون وليس الانتقام مع الالتزام بالإجراءات القانونية والحقوق الأساسية للمقبوض عليهم».

ويشير إلى أن هذه الرسائل تسهم في تعزيز الثقة لدى المجتمعات الحدودية وتدعم صورة مؤسسات الدولة باعتبارها توازن بين الحسم الأمني والاعتبارات الإنسانية والالتزام بالمعايير القانونية والدولية.

جانب من موقوفين خلال حملة الجيش المصري الشهر الماضي (المتحدث العسكري)

ويؤكد العمدة أن دعوات تسليم المنقبين غير الشرعيين أنفسهم تسعى لتقليل احتمالات وقوع مواجهات أو خسائر بشرية غير ضرورية، وتشجع من تورطوا في التنقيب غير المشروع على إنهاء المخالفة عبر المسار القانوني، وبالتالي توفر على الدولة وقتاً وجهداً وتكاليف العمليات الأمنية الممتدة. كما تعزز الاستقرار في المناطق الحدودية عبر الجمع بين الردع وإتاحة فرصة للاستجابة الطوعية بما يدعم فرض الأمن ويحافظ على حماية الحدود الجنوبية وثروات الدولة.

وفي يونيو الماضي، أعلن الجيش المصري تنفيذ «حملة مكبرة»، بالاشتراك مع قوات الشرطة على حدود البلاد الجنوبية ضد «بؤر إجرامية» اتهمها بممارسة أنشطة غير مشروعة، منها الاتجار بالمخدرات، والسلاح، والتنقيب غير المشروع عن الذهب، والهجرة غير المشروعة. وأسفرت الحملة عن ضبط أكثر من 200 شخص بينهم 136 أجنبياً.

ووقتها تداول ناشطون مقاطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي تُظهر تسلل أفراد داخل حدود مصر الجنوبية مع السودان، وسط معلومات عن تنقيب غير مشروع عن الذهب في مصر، ومناشدات للسلطات المصرية باتخاذ اللازم حيال ذلك.

الجيش المصري أعلن الشهر الماضي تنفيذ «حملة مكبرة» بالاشتراك مع قوات الشرطة على حدود البلاد الجنوبية (المتحدث العسكري)

وقال الجيش المصري في بيان وقتها إنه «في إطار المهام التي تقوم بها القوات المسلحة لحماية الأمن القومي والحفاظ على المقدرات والمكتسبات الاقتصادية للوطن، قامت القوات المسلحة بالتعاون مع عناصر وزارة الداخلية بتنفيذ حملة مُكبَّرة بقطاع المنطقة الجنوبية العسكرية ضد عدد من البؤر الإجرامية التي تستغلها التنظيمات والشبكات الإجرامية لممارسة أنشطة غير مشروعة منها (الاتجار بالمواد المخدرة والسلاح، والتنقيب غير المشروع عن الذهب، والهجرة غير المشروعة) بما يمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي، فضلاً عن تأثيراتها السلبية على الاستقرار الاقتصادي ومناخ الاستثمار وجهود التنمية المستدامة».

كما أعلن الجيش وقتها قيام عدد من المتسللين بطرق غير شرعية إلى الأراضي المصرية بـ«تسليم أنفسهم للنقاط والتمركزات الأمنية، وتم ترحيلهم إلى بلادهم مع مراعاة احتياجاتهم الإنسانية كافّة».

وأكد الخبير العسكري والاستراتيجي، اللواء سمير فرج، أن ما حدث يبرز إحدى المهام الأصيلة للقوات المسلحة وهي تأمين الحدود الدولية للدولة، ومنع أي عناصر أجنبية من عبور هذه الحدود، وفي هذا الإطار جاءت عملية ردع الجنوب لمواجهة التنقيب غير الشرعي عن الذهب، لافتاً إلى أن مصر تعاملت بمنتهى الاحترافية، حيث تم ترحيل هذه العناصر خارج الحدود المصرية، مع الالتزام التام بالمعايير الآدمية والإنسانية في التعامل.

جانب من المضبوطات خلال حملة للجيش المصري في يونيو الماضي على الاتجاهات الاستراتيجية كافة (المتحدث العسكري)

وحول الرسائل التي وجهها المنقبون غير الشرعيين بشأن طريقة تعامل الجيش معهم، أشار فرج إلى أنها «تمثل أولاً رسالة للعالم أجمع بأننا شعب متحضر، ففي دول أخرى يعامل المتسلل الذي يدخل الحدود قسراً معاملة سيئة، لكن مصر دولة حضارية، فقد تمت السيطرة على كل من دخل الحدود بأسلوب غير شرعي، وترحيلهم بهدوء مرة أخرى إلى بلادهم».

وأكد أن الهدف من هذه الرسائل هو توعية الآخرين بأنه في حال مواجهة قوات الأمن أو الجيش، فلا داعي للمقاومة أو إطلاق النار، فالدولة المصرية تضع مصلحتهم في الاعتبار حتى عودتهم إلى بلادهم، موضحاً أن هذا النهج يساهم في تحقيق الأمن القومي مع الحفاظ على الوجه الحضاري للدولة المصرية.


موريتانيا: الأطراف السياسية تتفق على «خريطة طريق» الحوار الوطني

جانب من لقاء سابق للرئيس الموريتاني مع ائتلاف معارض في القصر الرئاسي (الرئاسة الموريتانية)
جانب من لقاء سابق للرئيس الموريتاني مع ائتلاف معارض في القصر الرئاسي (الرئاسة الموريتانية)
TT

موريتانيا: الأطراف السياسية تتفق على «خريطة طريق» الحوار الوطني

جانب من لقاء سابق للرئيس الموريتاني مع ائتلاف معارض في القصر الرئاسي (الرئاسة الموريتانية)
جانب من لقاء سابق للرئيس الموريتاني مع ائتلاف معارض في القصر الرئاسي (الرئاسة الموريتانية)

اتفقت الأطراف السياسية في موريتانيا على «وثيقة» ستكون «خريطة طريق» لـ«الحوار الوطني» المرتقب، في محطة وُصفت بأنها الأخيرة في مسار التحضير للحوار، وهو مسار مستمر منذ أكثر من عام، وواجه كثيراً من المطبّات التي كادت تعصف به.

وعقدت الأطراف السياسية المشاركة في الحوار، الاثنين، اجتماعاً مطولاً لمناقشة «الوثيقة» التي خضعت لكثير من التعديلات خلال الأسابيع الأخيرة، وتوصلت في نهاية الاجتماع إلى صياغة توافقية، على أن تُوقَّع الوثيقة مساء الثلاثاء.

وقال مصدر في المعارضة إن «خريطة الطريق» ستوقَّع من طرف أقطاب الحوار الستة؛ 3 أقطاب من المعارضة، و3 من الموالاة، على أن تسلم نسخة من الوثيقة إلى الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني، الذي سيحدد موعد انطلاق جلسات الحوار المباشرة.

الوثيقة الجديدة

تشير المصادر إلى أن الوثيقة الجديدة حددت 4 محاور هي التي تشكل «خريطة الحوار الوطني» المرتقب، بدلاً من 8 محاور كانت في الوثيقة التي ناقشتها الأطراف الشهر الماضي، وأثارت كثيراً من الجدل، وكادت تعصف بالحوار؛ بسبب اقتراح مناقشة تعديلات دستورية جرى تحصينها وحددت عدد الولايات الرئاسية باثنتين.

من تجمع سابق لقادة المعارضة (الشرق الأوسط)

ووفق ما أكدته مصادر سياسية، فإن الوثيقة الجديدة لخصت الحوار الوطني في 4 محاور فقط: الوحدة الوطنية والانسجام الاجتماعي، والنموذج الديمقراطي للبلاد، ونموذج الحوكمة، وإدماج الفئات الهشة والوقاية من المخاطر والتهديدات.

وفي هذا السياق، قال منسق «الحوار الوطني»، موسى أفال، إن تحديد هذه المحاور «جاء بعد مشاورات تمهيدية مع مختلف الأطراف المعنية»، وأكد أنها «تعكس أبرز الانشغالات التي عبّر عنها الفاعلون السياسيون، ومنظمات المجتمع المدني والشخصيات الوطنية المستقلة، ومختلف مكونات المجتمع الموريتاني».

لكن رغم اتفاق الأطراف السياسية على «خريطة طريق الحوار»، فإن السؤال الأهم الذي يطرحه الموريتانيون هو عمّا إذا كانت الأطراف قد طوت الخلاف بشأن نقطة «المأموريات الرئاسية»، وتجاوزته بشكل نهائي، أم إنها فقط أجّلت هذا الخلاف، الذي قد يعود إلى الواجهة خلال الحوار، ويسبب مشكلات قد تعصف بالحوار نفسه.

في هذا السياق، قال نور الدين محمدو، رئيس حزب «موريتانيا إلى الأمام» نائب رئيس قطب ائتلاف المعارضة الديمقراطية المشارك في الحوار، إن المعارضة لا تزال متمسكة بموقفها الرافض أي حوار يتطرق إلى تعديل المواد المحصنة من الدستور، خصوصاً «المأموريات الرئاسية».

وأضاف ولد محمدو، في بث مباشر بصفحته على «فيسبوك»، عقب اجتماع للمعارضة ليل الاثنين - الثلاثاء، أن «الحكمة انتصرت في النهاية، ونحن في المعارضة موقفنا واضح: لن نشارك في أي انتكاسة دستورية، أو أي رجوع للوراء نحو (المأمورية الثالثة)».

كما أشار ولد محمدو إلى النقاشات التي جرت، الاثنين، بين المعارضة والموالاة، والتي أفضت إلى سحب عبارة كانت مدرجة في الوثيقة تشير إلى أنه بإمكان أي طرف مشارك في الحوار إضافة أي موضوع للحوار، وهي العبارة التي اعترضت عليها المعارضة؛ «لأنها تتعارض مع خريطة الطريق نفسها، وتفتح الباب أمام إدراج موضوعات ليست محل اتفاق».

من جهة أخرى، قال مصدر في الغالبية الرئاسية إن جميع الموضوعات ستطرح على طاولة الحوار، دون استثناء، رافضاً ما تروج له المعارضة من استبعاد بعض النقاط بطلب منها، وقال إن تلك إشاعات لا صحة لها.

وأكد المصدر في حديث مع «الشرق الأوسط» أن المحاور الـ4 التي جاءت في «خريطة الطريق» تبقى مجرد «إطار عام» للحوار، وهي تمنح لكل طرف الحق في طرح النقاط التي يعتقد أنها تحتاج نقاشاً وحواراً.

وقال المصدر إن الحوار الذي دعا إليه الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني كان يقوم على مبدأين أساسيين: «أولهما أنه لا يستثني أحداً، وثانيهما أنه لا يستثني أي موضوع»، على حد تعبير المصدر.

رئيس حزب «الإنصاف» الحاكم في آخر اجتماع له (الحزب)

وتثير مسألة «المأموريات الرئاسية» جدلاً واسعاً في موريتانيا، حيث ينص الدستور الحالي للبلاد على أن رئيس الجمهورية يحق له الترشح لولايتين رئاسيتين فقط، وهي مادة دستورية محصنة، أي إنه لا يمكن تعديلها لا عبر البرلمان ولا حتى باستفتاء شعبي.

ويحكم ولد الغزواني موريتانيا منذ 2019، وأعيد انتخابه لولاية رئاسية ثانية عام 2024، ووفق الدستور الحالي، فإنه يجب أن يغادر السلطة عام 2029، فيما بدأت ترتفع أصوات تدعو إلى تعديل الدستور من أجل فتح الباب أمام ترشحه لولاية رئاسية ثالثة، وهو ما ترفضه المعارضة بشدة، وتعدّه انتكاسة ديمقراطية.


أزمة تعيينات المخابرات الليبية تهدد اجتماعاً مرتقباً لـ«الرئاسي»

موسى الكوني في لقاء مع وفد حزب تجمع الوحدة الوطنية الاثنين (الصفحة الرسمية للكوني)
موسى الكوني في لقاء مع وفد حزب تجمع الوحدة الوطنية الاثنين (الصفحة الرسمية للكوني)
TT

أزمة تعيينات المخابرات الليبية تهدد اجتماعاً مرتقباً لـ«الرئاسي»

موسى الكوني في لقاء مع وفد حزب تجمع الوحدة الوطنية الاثنين (الصفحة الرسمية للكوني)
موسى الكوني في لقاء مع وفد حزب تجمع الوحدة الوطنية الاثنين (الصفحة الرسمية للكوني)

صعّد عضو المجلس الرئاسي الليبي موسى الكوني خلافه مع رئيس المجلس محمد المنفي بشأن إدارة جهاز المخابرات، بعدما ربط مشاركته في الاجتماع المرتقب للمجلس، الثلاثاء، بإدراج بند صريح على جدول الأعمال، يقضي بإلغاء جميع القرارات المتعلقة بالتعيينات الأخيرة لقيادة الجهاز، معتبراً أن ذلك يمثل مدخلاً لمعالجة الأزمة المؤسسية داخل المجلس.

ويأتي موقف الكوني في ظل استمرار الخلاف، الذي تفجر أواخر يونيو (حزيران) الماضي، عقب إصدار المنفي قراراً بإعفاء رئيس جهاز المخابرات حسين العائب، وتكليف عبد المجيد مليقطة برئاسة الجهاز، وعبد الشفيع الجويفي نائباً له، وهو القرار الذي قوبل باعتراض معلن من الكوني، كما رفضه رئيس مجلس النواب عقيلة صالح.

عقيلة صالح رئيس مجلس النواب الليبي (رويترز)

وفي رسالة وجهها إلى المنفي، ربط الكوني نجاح أي اجتماع للمجلس الرئاسي بمعالجة أسباب الخلاف المؤسسي، وطالب بإلغاء جميع القرارات الخاصة بجهاز المخابرات وما ترتب عليها من آثار، معتبراً أنها صدرت من دون موافقته أو توقيعه على محضر الاجتماع الذي أُقرت فيه.

وعدّ الكوني تلك القرارات مخالفة للمرجعيات السياسية والقانونية المنظمة للمرحلة الانتقالية، ولآليات عمل المجلس الرئاسي، مؤكداً أن إلغاءها يمثل الأساس لمعالجة الخلاف القائم، ومعلناً استعداده للمشاركة في الاجتماع فور إدراج هذا البند صراحة على جدول الأعمال.

ولم يصدر تعليق فوري من المنفي على رسالة الكوني، بينما واصل الثلاثاء نشاطه الخارجي في العاصمة القطرية الدوحة، حيث قدم واجب العزاء إلى أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني في وفاة الأمير الوالد. كما كان قد استقبل في وقت سابق وفداً من «التجمع السياسي الوطني فزان»، الذي عرض عليه رؤية تتعلق بتعزيز مشاركة الإقليم في القرارين السياسي والتنموي.

المنفي يؤدي واجب العزاء لأمير قطر في وفاة الأمير الأب في الدوحة الثلاثاء (المجلس الرئاسي)

في المقابل، كثف الكوني خلال الأيام الماضية تحركاته السياسية لحشد الدعم لموقفه في أزمة جهاز المخابرات، مؤكداً في سلسلة لقاءات مع شخصيات سياسية واجتماعية ودبلوماسية، ضرورة تغليب المصلحة الوطنية، والحفاظ على وحدة المؤسسات السيادية، بما يضمن تجنيب البلاد مزيداً من الانقسام.

وشملت لقاءاته على مدار هذا الأسبوع وفداً من حزب تجمع الوحدة الوطنية، وأعيان ومشايخ الزاوية الكبرى، والمجلس الاجتماعي لسوق الجمعة والنواحي الأربع، إلى جانب تجمع أبناء فزان المقيمين في طرابلس. كما بحث تطورات الأزمة مع سفير الاتحاد الأوروبي لدى ليبيا، نيكولا أورلاندو، ونائبة الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية، ستيفاني خوري.

ستيفاني خوري (البعثة)

وينسجم موقف الكوني مع رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، الذي سبق أن عبر عن موقفه الرافض لقرارات المنفي، إذ وجه الأسبوع الماضي رسالة رسمية إلى حسين العائب، دعاه فيها إلى الاستمرار في مباشرة مهامه رئيساً لجهاز المخابرات، مستنداً إلى أحكام الإعلان الدستوري، والاتفاق السياسي الليبي، والقانون رقم (8) لسنة 2023 الخاص بإعادة تنظيم الجهاز.

وأعاد هذا الموقف تأكيد اعتراض صالح على قرار إعفاء العائب، إذ سبق أن اعتبر أن تغيير رؤساء المؤسسات السيادية يجب أن يتم وفق الأطر القانونية والتوافقات السياسية، وليس عبر قرارات أحادية، وهو ما عمق الخلاف حول آلية إدارة إحدى أبرز المؤسسات الأمنية في البلاد.

وما يزيد من تعقيد المشهد أن الغموض لا يزال يحيط بمصير رئاسة جهاز المخابرات، في ظل استمرار كل من حسين العائب وعبد المجيد مليقطة في ممارسة مهام ولقاءات رسمية من مقرين مختلفين في طرابلس، في مشهد يعكس ازدواجية الأمر الواقع، ويطرح تساؤلات حول الجهة التي تحظى بالشرعية الفعلية لإدارة الجهاز.

ويخشى مراقبون أن ينعكس استمرار هذا الخلاف على أداء المجلس الرئاسي، خصوصاً إذا تعذر التوصل إلى تسوية قبل الاجتماع المرتقب، في وقت تتزايد فيه الدعوات إلى احتواء الأزمة، عبر توافق سياسي يحافظ على تماسك المؤسسات السيادية، ويجنبها مزيداً من الانقسام في مرحلة لا تزال تشهد تعقيدات سياسية وأمنية متشابكة.