العرق صمام الأمان للحياة في حرارة الصيف

ملايين الغدد العرقية تعمل على تبريد الجسم

العرق صمام الأمان للحياة في حرارة الصيف
TT

العرق صمام الأمان للحياة في حرارة الصيف

العرق صمام الأمان للحياة في حرارة الصيف

يظل نشاط عمليات إفراز العرق، مقارنة بأي شيء آخر قد يقوم به الجسم، هو الخطوة الأهم في تبريد نفسه. ولذا يُعد التعرّق صمام الأمان للحياة أثناء الوجود في الأجواء المناخية الشديدة الحرارة. وكلما كانت كفاءة الجسم في إنتاج كمية العرق اللازمة لحفظ درجة حرارته الداخلية ضمن النطاق الطبيعي استطاع المرء البقاء والعيش في الأجواء الحارة.

وبالمقابل، كلما تراكمت الظروف التي تعيق إنتاج الكمية اللازمة من العرق لتبريد الجسم، أو التي تعيق إتمام تبخر العرق عن سطح الجلد، اختلت عملية التبريد اللازمة للجسم.

ملايين الغدد العرقية

ولكن يتسبب حر الصيف وضرورة نشاط الغدد العرقية لتبريد الجسم في مشكلة للبعض، وهي زيادة إفراز العرق مع القيام بأدنى قدر من المجهود البدني. ما قد يتسبب في إحراج ظهور البلل على الملابس. كما قد يرافق هذا وجود تغيّر في رائحة الجسم بصفة غير مُحببة.

والإنسان البالغ لديه ما يتراوح بين 2 و4 ملايين غدة عرقية، تتوزع في جميع مناطق الجلد، ما عدا جلد الشفتين والحلمتين والأعضاء التناسلية الخارجية. وتوجد الغدد العرقية في طبقة الأدمة، التي تحت طبقة البشرة الخارجية للجلد. وذلك بقرب كل من بُصيلات الشعر ونهايات الشبكة العصبية للجلد ونهايات الشعيرات الدموية.

ويتكون تركيب الغدد التشريحي من أنبوب طويل مجوف. والجزء السفلي من هذا الأنبوب يكون بشكل ملفوف. وفي هذا الجزء يتم إنتاج سائل العرق، ثم يصعد من خلال الجزء المستقيم (من أنبوب الغدة العرقية)، وصولاً إلى فتحات المسام على طبقة البشرة الجلدية، كي يخرج العرق من خلالها إلى سطح الجلد. وأحد أهم العوامل التي تتحكم في إفراز الغدد العرقية لسائل العرق هو الجهاز العصبي اللاإرادي، ما يعني أن إفراز العرق عملية تتم بشكل لاإرادي.

أنواع الغدد العرقية

الغدد العرقية ليست نوعاً واحداً، بل ثلاثة أنواع. ثالثها هو نوع متحور يوجد في القناة الخارجية للأذن، ومهمته إفراز شمع الأذن. والنوعان الآخران مهمتهما إفراز سائل العرق، وهما: «الغدد العرقية المُفْترزة»، و«الغدد العرقية الفارزة». ووفق ما تشير إليه مصادر فسيولوجيا علم وظائف الجسم، فإنهما تختلفان في وقت بدء نشاطهما، وفي توزيعهما على مناطق الجلد المختلفة، وفي طبيعية عملهما، وفي مكان خروج سائل العرق منهما، وفي مكونات سائل العرق الذي تنتجه كل منهما.

* وللتوضيح، فإن «الغدد العرقية الفارزة» Eccrine Sweat Glands تنتشر في جميع مناطق الجلد، ولكن تتركز بشكل أكبر في راحة اليدين وباطن القدمين والجبين والصدر. ويبدأ تكوّنها في وقت مبكّر جداً من عمر الإنسان، وتحديداً في عمر أربعة أشهر للجنين، وهو في رحم أمه. وتمتاز بأن مسامها تفتح مباشرة على سطح الجلد، ليخرج العرق من خلالها مباشرة، وينتشر على سطح الجلد. وسائل العرق الذي تنتجه هذه النوعية من الغدد العرقية هو بالأصل سائل لا رائحة له ولا لون، ويحتوي على ماء وأملاح فقط.

والهدف الرئيسي من إنتاجها هو تبريد الجسم عند التعرّض للأجواء الحارة. والإنسان البالغ، ودون أن يشعر، ينتج كمية 700 ملّيلتر باليوم من هذا العرق عند وجوده في أجواء معتدلة الحرارة. وتزيد تلك الكمية إلى حوالي 6 أضعافها أو أكثر، عند الوجود في ظروف الحرارة الشديدة.

* أما «الغدد العرقية المُفْترزة» Apocrine Sweat Glands فهي تشريحياً أكبر حجماً من «الغدد العرقية الفارزة». ويتركز حصرياً انتشارها في مناطق الإبطين والأعضاء التناسلية والجلد حول فتحة الشرج وجلد منطقة السرة وفروة الرأس وأطراف الجفون. أي في أماكن جلدية يغزر فيها نمو الشعر.

وإضافة إلى كبر حجمها، فإن مسامها لا تفتح مباشرة على سطح الجلد، بل تفتح مسامها داخل بُصيلة الشعر. وبالتالي فإن عرقها يخرج مع ساق الشعرة نفسها. وبخلاف «الغدد العرقية الفارزة» التي تتكون وتعمل لدى الإنسان أثناء مرحلته الجنينية، فإن «الغدد العرقية المُفْترزة» لا تبدأ في إفراز العرق إلا مع بلوغ مرحلة المراهقة، تحت تأثير التغيرات في الهرمونات الجنسية. وتفيد مصادر فسيولوجيا وظائف الجسم بأن نشاط إفراز هذه الغدد العرقية يزيد سريعاً مع ارتفاع مستوى هرمون الأدرينالين. ولذا يزيد إفراز العرق في مناطق وجودها، عند معايشة حالة من التوتر النفسي أو الإحساس بالألم أو الانفعال العاطفي الجسدي.

اختلافات سائل العرق

والفارق الخامس بين «الغدد العرقية المُفْترزة» و«الغدد العرقية الفارزة»، هو أن سائل عرقها يحتوي على ماء وأملاح و«بروتينات ودهون». وبالرغم من أنه سائل لا رائحة ولا لون له عند «لحظة» إفرازه على الجلد، فإن وجود البروتينات والدهون ضمن مكوناته، وانتشارهما على سطح الجلد في مناطق وجودها (في الإبطين والمناطق التناسلية) يُحفز البكتيريا (الموجودة بالأصل في منطقة الإبطين والأعضاء التناسلية) على القيام بتفتيت تلك الدهون والبروتينات التي في العرق، واستخدامهما غذاء للبكتيريا تلك.

وهذا يتطلب من البكتيريا إفراز عدد من المواد الكيميائية، التي تغيّر رائحة العرق في تلك المناطق من الجسم. ولذا فإن إحدى الحقائق الطبية هي أن تنظيف مناطق الإبطين بالماء والصابون «العادي»، هو أفضل وسيلة للتغلب على رائحة العرق، عبر إزالة البكتيريا المتسببة في تكوين تلك المركبات الكيميائية ذات الرائحة.

ولمزيد من التوضيح حول دور «الدهون والبروتينات» في سائل العرق، ودور البكتيريا على سطح الجلد في تكوين رائحة غير مُحببة للعرق، فإن سائل العرق في مناطق الجبين والظهر والساعدين والأفخاذ لا رائحة له، حتى في وجود البكتيريا على سطح جلد هذه المناطق. والسبب أن العرق في هذه المناطق (التي تفرزه الغدد العرقية الفارزة) هو عرق لا يحتوي على دهون أو بروتينات كي تتفاعل البكتيريا معهما. ومع ذلك، فإن وجود مواد كيميائية على سطح الجلد، مثل التي يفرزها الجسم عند تناول الثوم أو البهارات، قد تتبخر مع سائل العرق، وتتسبب برائحة غير مُحببة. وعكس ذلك عند وجود مركبات العطور على سطح الجلد، فإن تبخر العرق (الذي لا رائحة له بالأصل) مع تلك المركبات، يكوّن عبيراً محبباً حول الجسم حتى في الأجواء الحارة.

إزالة رائحة الإبطين وإفراز العرق

ثمة فرق بين «مزيلات رائحة العرق» Deodorants وبين المستحضرات المضادة للتعرّق Antiperspirant؛ إذ إن «مزيلات رائحة العرق» مستحضرات تهدف إلى التخلص من الرائحة الكريهة. وتُضاف إليها، أو لا تُضاف، مواد معطّرة. كما يحتوي غالبها على كحول أو مواد أخرى لديها قدرة القضاء على البكتيريا بشكل مؤقت. أما «مضادات التعرّق الموضعية» فإنها تعمل على تكوين سدادة هلامية لقناة الغدة العرقية، وبالتالي تمنع إفراز السائل.

وتشمل مضادات التعرّق مركبات الألمنيوم التي تُضاف في المستحضرات الموضعية المضادة للتعرّق، ومجموعة من الأدوية التي يُمكن الحصول عليها من دون وصفة طبية أو يتطلب الحصول عليها وصفة طبية. ولكن تلك السدادة تزول بمرور الوقت، ما يتطلب إعادة استخدام «مضادات التعرّق الموضعية». وثمة مستحضرات تحتوي على كل من: مزيل رائحة العرق مع مُضاد التعرّق.

وتجدر ملاحظة أن البقع الصفراء، التي تظهر على أجزاء القمصان البيضاء التي تغطي منطقة الإبطين، ليس مصدرها العرق نفسه. بل هي ناتجة عن تفاعل كيميائي بين كل من: مكونات المستحضرات المضادة للتعرّق وألياف قماش الملابس والعرق. أي أن تلك البقع الصفراء ناجمة بالأصل عن وجود عنصر الألمنيوم في مكونات مضادات التعرق. والألمنيوم مكون نشط في كثير من مضادات التعرق، ويُضاف بهدف التحكم في إفراز الغدد العرقية للعرق أو منعها تماماً من ذلك. وعندما يمتزج الألمنيوم مع الملح في العرق الطبيعي، تظهر بقع صفراء، وتلتصق على القميص.

ويلخص أطباء «كليفلاند كلينك» خطوات التعامل مع رائحة الإبطين بقولهم ما يلي:

- حافظ على نظافة البشرة من خلال الاستحمام اليومي، خصوصاً تنظيف منطقة الإبطين والأعضاء التناسلية.

- احرص على غسل الملابس بانتظام وعلى ارتداء ملابس نظيفة.

- قلل من تناول الأطعمة الغنية بالتوابل العطرية والثوم واللحوم الحمراء.

- استخدم مضادات التعرق الموضعية.

- حافظ على إزالة شعر الإبطين لتسهيل تبخر العرق بسرعة أكبر وعدم إعطاء البكتيريا وقتاً طويلاً للتفاعل مع مكوناته.

- ارتد ملابس مصنوعة من ألياف طبيعية (صوف أو قطن أو حرير) تسمح للجلد بالتنفس ولتبخر العرق بالنفاذ من خلالها.

- يمكن للحقن الصغيرة من البوتوكس، في الإبطين أن تمنع لفترة مؤقتة تأثير المواد الكيميائية التي تحفز التعرق.

- يمكن استخدام الأدوية الموصوفة لمنع التعرق، ولكن يجب استخدامها بعناية لأن الجسم قد لا تكون لديه القدرة على تبريد نفسه عند الحاجة بوسيلة إفراز العرق.

- يمكن للجراحة إزالة الغدد العرقية من تحت الذراعين أو منع وصول الإشارات العصبية إلى الغدد العرقية عبر عملية جراحية تسمى استئصال العصب الودي Sympathectomy.

آلية تبريد الجسم بإفراز العرق

لإدراك آلية تبريد الجسم بإفراز العرق، تجدر ملاحظة أن تبخر الماء يرافقه امتصاص الحرارة من الأسطح التي يوجد فيها، وبالتالي تبرد تلك الأسطح. وهو ما يُسمى بعملية «تبريد التبخير» Evaporative Cooling.

وعند توفر كمية من سائل العرق على سطح الجلد في الأماكن المكشوفة والمُعرضّة للهواء الطلق، فإن تبخره يُسهم في خفض درجة حرارة الجسم بواسطة تلك العملية، عبر خفض حرارة الدم في الأوعية الدموية فيه. وبعد تبخّر سائل العرق تبقى الأملاح على بشرة الجلد.

وتفيد مصادر فسيولوجيا وظائف الأعضاء بأن طاقة الجسم في استخدام الغدد العرقية بكفاءة لإتمام مهمة تبريد الجسم، تعتمد على عوامل داخل الجسم وعوامل في البيئة الخارجية المحيطة بالجسم. وأهم ثلاثة عوامل داخلية هي: وجود عدد طبيعي من الغدد العرقية في المناطق الجلدية المفتوحة على البيئة المحيطة بالجسم، وتوفر السوائل في الجسم، وكفاءة عمل الجهاز العصبي في مراقبة تغيرات حرارة الجسم وعمليات إفراز العرق.

وأهم عاملين خارجيين هما: مستوى رطوبة الهواء المحيط بالجسم، وتدفق الهواء على سطح الجلد الذي يوجد عليه العرق.

وعند ارتفاع الرطوبة، كما في أجواء المناطق الساحلية، تقل فرص تبخر العرق، وبالتالي تتدنى قدرة تبريد الجسم. كما أن عدد الغدد العرقية لدى كبار السن والأطفال الصغار جداً ومنْ لديهم حروق بالجلد، هو أقل مما لدى متوسطي العمر. وبالتالي تتدنى قدرتهم على تحمّل حرارة الأجواء. وعندما تكون ثمة أمراض في أعصاب الجلد، وفي الأوعية الدموية في الجلد، مثل اضطرابات عمل الجهاز العصبي المركزي أو الطرفي، كما في الجلطات الدماغية ومرض باركنسون وتلف الأعصاب لدى مرضى السكري، تقل فرص إنتاج العرق لتبريد الجسم. وجفاف الجسم عن السوائل، بعدم شرب الكميات الكافية منها، لا يُعطي الجسم وفرة من الماء كي يُنتج كميات كافية من العرق. ومع ارتداء ملابس ثقيلة تغطي أجزاء الجلد التي يجب أن يتبخر سائل العرق عن سطحها، تتدنى قدرة تبريد الجسم.

ولكن تجدر ملاحظة أن ثمة ظروفاً أخرى، غير مقدار درجة حرارة الأجواء، ترفع من زيادة إنتاج كمية إفراز العرق. ومنها زيادة وزن الجسم. وأبسط تفسيرات هذا الأمر هو أن الكتلة الكبيرة للجسم تتطلب إفراز كمية أكبر من العرق لحفظ معدلات حرارته ضمن النطاق الطبيعي. ولذا فإن خفض وزن الجسم إحدى وسائل تخفيف كمية إفراز العرق.

وبذل المجهود البدني هو عامل آخر يزيد من إفراز العرق، خصوصاً لدى الأشخاص الذين لا يُمارسون الرياضة بانتظام. ولذا يُقلل من كمية العرق التي يفرزها الجسم عند بذل المجهود البدني ممارسة الرياضة وزيادة لياقة الجسم. وأبسط تفسيرات هذا الأمر هو أن رفع لياقة الجسم، يزيد من قدرة الجسم على ضبط حرارته حال بذل الجهد البدني، مما يُقلل من اضطراره إلى إفراز مزيد من العرق للتبريد.


مقالات ذات صلة

هل يكشف قصر النظر عن حجم ذكائك؟

صحتك دراسة أميركية تدق ناقوس الخطر بشأن علاج لقصر النظر (جامعة هيوستن)

هل يكشف قصر النظر عن حجم ذكائك؟

دراسة تحلل الروابط الجينية والسلوكية بين قصر النظر والقدرات المعرفية العالية. تفكك الدراسة الطبية الارتباط بين «الميوبيا» والمؤشرات البصرية والذكاء.

كوثر وكيل (لندن)
صحتك يمكن أن تؤدي زيادة استهلاك السكريات المضافة إلى كثير من المشاكل الصحية (رويترز)

ماذا يحدث لضغط دمك عند تقليل استهلاك السكر؟

قال موقع «فيري ويل هيلث» إن استهلاك كميات كبيرة من السكريات المضافة يرتبط بارتفاع ضغط الدم

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
صحتك  قد يؤدي التوقف المفاجئ عن تناول القهوة إلى بعض الأعراض المزعجة (أ.ب)

ماذا يحدث لجسمك عند التوقف المفاجئ عن شرب القهوة؟

قد يؤدي التوقف المفاجئ عن تناول القهوة المحتوية على الكافيين إلى أعراض انسحاب الكافيين وبعض الأعراض المزعجة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك هناك أطعمة لا يجب تركها على سطح المطبخ أبداً (رويترز)

8 أطعمة لا يجب أبداً تركها على سطح المطبخ

بينما يمكن حفظ بعض الأطعمة بأمان على سطح المطبخ لساعات أو حتى أيام إلا أن أنواعاً أخرى تحتاج إلى التبريد أو التخزين بطريقة مختلفة للحد من نمو البكتيريا

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك نضارة البشرة لا تعتمد فقط على المنتجات بل على العادات اليومية البسيطة (بيكساباي)

أسرار بسيطة لبشرة شابة ومشرقة

نضارة البشرة لا تعتمد فقط على المنتجات أو العلاجات المكلفة، بل تبدأ من العادات اليومية البسيطة، مثل تنظيف البشرة بطريقة صحيحة، وتغيير غطاء الوسادة بانتظام.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

الذكاء وقصر النظر... شفرة جينية مشتركة أم ضريبة لنمط الحياة؟

دراسة أميركية تدق ناقوس الخطر بشأن علاج لقصر النظر (جامعة هيوستن)
دراسة أميركية تدق ناقوس الخطر بشأن علاج لقصر النظر (جامعة هيوستن)
TT

الذكاء وقصر النظر... شفرة جينية مشتركة أم ضريبة لنمط الحياة؟

دراسة أميركية تدق ناقوس الخطر بشأن علاج لقصر النظر (جامعة هيوستن)
دراسة أميركية تدق ناقوس الخطر بشأن علاج لقصر النظر (جامعة هيوستن)

في عالم الطب والعلوم المعرفية، تظل الألغاز التي تربط بين التكوين الفيزيولوجي للإنسان وقدراته العقلية مثار بحث مستمر. ومن بين أكثر هذه الروابط إثارة للجدل والاهتمام، تلك العلاقة الجدلية بين قصر النظر (الميوبيا) وارتفاع مستويات الذكاء. فما كان يُنظر إليه تاريخياً في الموروث الشعبي كسمة لـ«المثقفين» و«عشاق الكتب»، بات اليوم محوراً لدراسات سريرية وتحليلات جينية تحاول فك الشفرة: هل قصر النظر علامة بيولوجية على الذكاء، أم أنه مجرد ضريبة بصرية لنمط حياة فكري؟

صورة تعبيرية من بيكسباي

الارتباط الإحصائي: الأرقام تتحدث

تشير البيانات الصادرة عن مؤسسات بحثية عالمية على غرار غوتنبرغ الصحية و جامعة ماينتس الألمانية ومختبرات معهد جورجيا للتكنولوجيا، إلى وجود ارتباط إحصائي وثيق لا يمكن إغفاله بين درجات قصر النظر والقدرات المعرفية العالية.

وتظهر الفحوصات السريرية الممنهجة أن الأفراد المصابين بقصر النظر يحققون، في المتوسط، درجات تفوق أقرانهم في اختبارات الذكاء المعياري (IQ).

ولا يقتصر هذا التميز على الذكاء الفطري المجرد، بل يمتد بشكل ملموس إلى الوظائف التنفيذية للدماغ، التي تشمل مهارات التخطيط والمنطق المرن. ويتجلى ذلك بوضوح في قدرة أصحاب النظارات على إحراز نتائج متقدمة في اختبارات قياس حل المشكلات المعقدة، مثل «اختبار برج لندن» الشهير. هذا التفوق الإدراكي يترجم عملياً على أرض الواقع التعليمي، حيث يلاحظ العلماء وجود تناسب طردي دقيق بين عمق قصر النظر وعدد سنوات التحصيل الأكاديمي المنجز، مما يجعل الخلل البصري والانكباب على العلم وجهين لعملة واحدة.

قطرة للعين تسهم في تقليل مضاعفات قصر النظر على المدى الطويل (جامعة هيوستن)

التحليل البيولوجي... الجينات في مواجهة البيئة

وفي محاولة لتفسير جذور هذه الظاهرة، ينقسم المجتمع العلمي إلى معسكرين تكتمل برؤاهما أبعاد الصورة التفسيرية، حيث تركز الفرضية الأولى على الجانب البيئي والسلوكي. وتفترض هذه النظرية أن الذكاء المرتفع يدفع صاحبه غريزياً نحو الشغف بالقراءة، والبحث، والانخراط في الأنشطة الذهنية التي تتطلب التركيز البصري القريب لفترات طويلة منذ مرحلة الطفولة المبكرة. هذا المجهود البصري المستمر والمكثف، المصحوب عادة بالعزلة داخل الغرف المغلقة وغياب التعرض الكافي للضوء الطبيعي الخارجي، يؤدي طبياً إلى استطالة كرة العين، وهو المسبب الرئيسي لقصر النظر. بناءً على هذا الطرح، يصبح ضعف البصر مجرد «أثر جانبي» حتمي لنمط الحياة الذكي والمجهد ذهنياً.

وفي المقابل، تتبنى الفرضية الثانية تفسيراً وراثياً بحتاً يُعرف بـ«التعدد المظهري للجينات» (Pleiotropy). وتستند هذه الرؤية إلى نتائج تحليلات جينية موسعة ودراسات أجريت على التوائم، أثبتت وجود عوامل وراثية مشتركة تتحكم في تطوير الأنسجة العصبية في الدماغ وتشكيل شبكية العين في آن واحد. ووفقاً لهذا المنظور البيولوجي الرصين، فإن الجينات الطافرة التي تحفز النمو المتزايد للقشرة المخية وتزيد من كفاءتها المعرفية، هي ذاتها التي تسبب استطالة المحور البصري للعين. وبذلك، لا يكون قصر النظر نتاجاً للمذاكرة والقراءة فحسب، بل هو بصمة بيولوجية متزامنة تولد مع العقل المتميز.

قضاء وقت أطول في النظر إلى الشاشات يفاقم قصر النظر جامعة جنوب غربي تكساس

ما وراء العدسات... اتساع حدقة العين

وفي سياق متصل بالروابط البصرية والمعرفية، لم تعد الأبحاث تقتصر على طول المحور البصري فقط. فقد كشفت دراسات حديثة أجراها معهد جورجيا للتكنولوجيا أن حجم حدقة العين في مرحلة الراحة يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالذكاء السائل، والذاكرة العاملة، والتحكم الانتباهي. ويُعزى ذلك إلى نشاط «البقعة الزرقاء» (Locus Coeruleus) في الدماغ، وهي المنطقة التي تدير النواقل العصبية والعمليات المعرفية المعقدة، وتتحكم في الوقت ذاته باتساع الحدقة.

قصر النظر، من المنظور الطبي التحليلي، ليس «سبباً» للذكاء ولا يعد شرطاً حتمياً له، بل هو مؤشر فيزيولوجي وسلوكي متداخل

. هو نتاج تمازج معقد بين استعداد جيني كامن ونمط حياة يرتكز على الجهد الذهني المكثف. تبقى النظارة الطبية، في نهاية المطاف، وسيلة لتصحيح الانكسار البصري، لكنها في الوقت نفسه، قد تظل وساماً غير مباشر لشغف معرفي شكّل ملامح العين والدماغ معاً.


ماذا يحدث لضغط دمك عند تقليل استهلاك السكر؟

يمكن أن تؤدي زيادة استهلاك السكريات المضافة إلى كثير من المشاكل الصحية (رويترز)
يمكن أن تؤدي زيادة استهلاك السكريات المضافة إلى كثير من المشاكل الصحية (رويترز)
TT

ماذا يحدث لضغط دمك عند تقليل استهلاك السكر؟

يمكن أن تؤدي زيادة استهلاك السكريات المضافة إلى كثير من المشاكل الصحية (رويترز)
يمكن أن تؤدي زيادة استهلاك السكريات المضافة إلى كثير من المشاكل الصحية (رويترز)

قال موقع «فيري ويل هيلث» إن استهلاك كميات كبيرة من السكريات المضافة يرتبط بارتفاع ضغط الدم؛ وهي حالة خطيرة يمكن أن تؤدي - إذا لم يجرِ اكتشافها أو السيطرة عليها - إلى إلحاق الضرر بالشرايين والأعضاء الحيوية، مثل القلب والدماغ والعينين والكليتين.

وأضاف أن الخبر السارّ هو أن تقليل استهلاكك للسكريات المضافة يمكن أن يخفض ضغط الدم، مما يحمي قلبك وصحتك العامة.

ويُعتقد أن استهلاك السكريات المضافة يسهم في ارتفاع ضغط الدم عبر عدة آليات تشمل مقاومة الإنسولين، واحتباس الصوديوم (الملح) والسوائل في الجسم، وتنشيط الجهاز العصبي الودي.

السكريات المضافة مثل سكر المائدة أو شراب الذرة عالي الفركتوز تُسهم في ارتفاع ضغط الدم (رويترز)

والجانب الإيجابي في الأمر أن تقليل السكريات المضافة يُعد أمراً يقع ضمن نطاق سيطرتك، ويمكن أن يساعد في خفض ضغط دمك، وهو ما يؤكده عدد من الدراسات العلمية المختلفة.

ومن الضروري جداً التمييز بين السكريات المضافة والسكريات الطبيعية؛ إذ تُعد السكريات المضافة المتهم الرئيسي والضار عندما يتعلق الأمر بالسيطرة على ضغط الدم.

وتوجد السكريات الطبيعية في الأطعمة التي تحتوي على الكربوهيدرات، مثل الفواكه والخضراوات والحبوب ومنتجات الألبان. وعلى عكس السكريات المضافة، لا تُشكل السكريات الطبيعية عادةً أي مصدر للقلق فيما يخص التحكم في ضغط الدم، بل على العكس من ذلك، فإن استهلاك السكريات الطبيعية - وتحديداً الفواكه الكاملة - كجزء من نظام غذائي متوازن، يمكن أن يساعد فعلياً في خفض ضغط الدم.

أما السكريات المضافة فهي تلك السكريات والشرابات التي تُضاف إلى الأطعمة والمشروبات أثناء مراحل التحضير والتصنيع؛ وذلك بهدف تعزيز حلاوتها وإطالة فترة صلاحيتها. ويمكن التعرف عليها من خلال قراءة الملصق الغذائي للمنتَج.

ويُعرَف ارتفاع ضغط الدم باسم «القاتل الصامت»؛ لأنه غالباً لا يسبب أي أعراض؛ ومع ذلك، وبمرور الوقت، يمكن أن تؤدي هذه الحالة الخطيرة إلى مضاعفات مثل النوبات القلبية، والسكتات الدماغية، وفقدان البصر، وأمراض الكلى.

وتُعد التدخلات المتعلقة بنمط الحياة وسيلة أساسية للوقاية من ارتفاع ضغط الدم والسيطرة عليه. ويتمثل أحد التدخلات الرئيسية في نمط الحياة، الهادفة إلى خفض ضغط الدم أو التحكم به، في تبنّي نظام غذائي صحي ومفيد للقلب.


طرق فعّالة للحفاظ على برودة الجسم خلال موجات الحر

يفضل تجنب التعرض المباشر لأشعة الشمس خلال ساعات الذروة (جامعة بوسطن)
يفضل تجنب التعرض المباشر لأشعة الشمس خلال ساعات الذروة (جامعة بوسطن)
TT

طرق فعّالة للحفاظ على برودة الجسم خلال موجات الحر

يفضل تجنب التعرض المباشر لأشعة الشمس خلال ساعات الذروة (جامعة بوسطن)
يفضل تجنب التعرض المباشر لأشعة الشمس خلال ساعات الذروة (جامعة بوسطن)

مع استمرار ارتفاع درجات الحرارة عالمياً وتزايد موجات الحر، أصبح من الضروري اتباع أساليب فعّالة وطبيعية تساعد على الحفاظ على برودة الجسم والوقاية من المخاطر الصحية المرتبطة بالطقس الحار، مثل الجفاف والإجهاد الحراري وضربة الشمس.

وتشير التوصيات الصحية إلى أن جسم الإنسان يعتمد على نظام دقيق لتنظيم درجة الحرارة الداخلية، التي تبلغ في المتوسط 37 درجة مئوية، إلا أن هذا النظام قد يتعرض للضغط في فترات الحر الشديد، مما يؤدي إلى فقدان الجسم للسوائل والأملاح الحيوية مثل الصوديوم والبوتاسيوم، وهو ما ينعكس سلباً على الصحة العامة، وفق موقع «نيكست هيلث» الصحي.

ويحذر خبراء الصحة من أن الفئات الأكثر عرضة لمضاعفات الحر تشمل الأطفال وكبار السن، بالإضافة إلى المصابين بأمراض مزمنة مثل السكري وأمراض القلب، حيث يمكن أن تؤدي درجات الحرارة المرتفعة إلى زيادة الضغط على القلب، والإرهاق، وانخفاض الطاقة والقدرة على التركيز.

ويسهم الحفاظ على الترطيب الجيد للجسم في تحسين الأداء البدني والذهني، ويقلل من خطر الإصابة بالمضاعفات المرتبطة بارتفاع درجات الحرارة.

وفي هذا السياق، ينصح الخبراء باتباع مجموعة من الإجراءات البسيطة للحفاظ على برودة الجسم، في مقدمتها شرب الماء بانتظام حتى في حال عدم الشعور بالعطش، وارتداء ملابس خفيفة وفضفاضة ذات ألوان فاتحة تسمح بتهوية الجسم.

كما يُفضل تجنب التعرض المباشر لأشعة الشمس خلال ساعات الذروة الممتدة من العاشرة صباحاً حتى الرابعة عصراً، إلى جانب استخدام القبعات والمظلات والنظارات الشمسية، وأخذ فترات راحة في أماكن مظللة أو مكيفة، والاستحمام بالماء البارد عند الشعور بالحر.

وسائل الوقاية

وفيما يتعلق بوسائل الوقاية الطبيعية من الجفاف، تلعب الأطعمة دوراً مهماً في تنظيم حرارة الجسم، حيث يُنصح بتناول الأطعمة الغنية بالماء مثل البطيخ والشمام، والخيار والطماطم، والزبادي وماء جوز الهند، إضافة إلى الخضراوات الورقية والسلطات. كما تساعد الفواكه الصيفية مثل البرتقال والأناناس والفراولة على ترطيب الجسم وتعزيز المناعة.

وتُعد المشروبات الطبيعية من أهم وسائل الوقاية من الجفاف، مثل ماء الليمون، واللبن الرائب، وماء جوز الهند، وعصائر الفواكه الطازجة، ومشروب النعناع البارد، لما لها من دور في تعويض السوائل والأملاح المفقودة.

وتحدث ضربة الشمس عندما يفشل الجسم في تنظيم حرارته الداخلية، وتظهر أعراضها في شكل دوخة وتسارع ضربات القلب والغثيان والارتباك. وللوقاية منها يُنصح بتجنب النشاط البدني في أوقات الذروة، والاستمرار في شرب السوائل، واستخدام وسائل التبريد مثل المراوح والمكيفات، مع مراقبة الأطفال وكبار السن بشكل مستمر.

كما يمكن خفض درجة الحرارة داخل المنزل بطرق بسيطة، مثل إغلاق ستائر النوافذ نهاراً وفتح النوافذ ليلاً لتحسين التهوية، وتحسين تدفق الهواء داخل الغرف، ووضع أوعية ماء بارد أمام المراوح، وتجنب تشغيل الأجهزة التي تولد حرارة عالية.

وتشير الإرشادات الصحية إلى أن اتباع نمط حياة بسيط يعتمد على الترطيب والتغذية السليمة وتجنب التعرض المباشر للحرارة يمكن أن يقلل بشكل كبير من مخاطر موجات الحر، ويحافظ على صحة الجسم ونشاطه طوال فصل الصيف، حيث تبقى الوقاية الطبيعية الوسيلة الأكثر فاعلية وأماناً للتعامل مع درجات الحرارة المرتفعة.