«بريكس»... وجهة الحالمين بـ«تغيير العالم»

التجمع يتمدّد بهدوء من أجل «التعددية القطبية» وتوسيعه يعزّز حضوره

من قمة «بريكس» الأخيرة في جوهانسبرغ (إ.ب.أ)
من قمة «بريكس» الأخيرة في جوهانسبرغ (إ.ب.أ)
TT

«بريكس»... وجهة الحالمين بـ«تغيير العالم»

من قمة «بريكس» الأخيرة في جوهانسبرغ (إ.ب.أ)
من قمة «بريكس» الأخيرة في جوهانسبرغ (إ.ب.أ)

«إننا جميعاً متفقون على تشكيل نظام عالمي متعدد الأقطاب يكون عادلاً بحق». بهذه الكلمات خاطب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين القمة الـ15 لتجمع دول «بريكس»، التي اختتمت أعمالها أخيراً في مدينة جوهانسبرغ الجنوب أفريقية. ولقد بدا بوضوح الهدف من كلمة الرئيس الروسي، الذي خاطب القمة عبر الفيديو، خشية إلقاء القبض عليه بموجب مذكرة توقيف صادرة بحقه من المحكمة الجنائية الدولية على خلفية الحرب في أوكرانيا، ألا وهو تشكيل نظام عالمي متعدد الأقطاب.

تكرر التعبير عن هدف «التعددية القطبية» بمفردات ولغات متنوعة على ألسنة قادة التجمع في قمة «بريكس» التاريخية الأخيرة في جوهانسبرغ، التي ربما كانت التدشين العملي للمكانة العالمية للتجمع، ليس باعتباره تجمعاً اقتصادياً ناجحاً فحسب، بل بقدرته أيضاً على اجتذاب الحالمين بـ«عالم جديد» والمشاركة في قيادة العالم، الذي يبدو التغيّر قاعدته الأكثر ثباتاً.

أكثر من هذا، ربما تؤكد اختيارات الدول الست المدعوة للانضمام إلى «بريكس» مطلع العام المقبل، وهي «المملكة العربية السعودية ومصر ودولة الإمارات العربية المتحدة وإثيوبيا وإيران والأرجنتين»، التوجه اللافت لدى قادة التجمع لتحويل التجمع من مجرد تكتل فاعل اقتصادياً، إلى كيان مؤثر سياسياً واستراتيجياً في تشكيل ملامح نظام دولي جديد.

الباحث أوليفر ستونكل، يقول في كتابه «بريكس ومستقبل النظام العالمي» (نشر عام 2015)، الذي يعدّه كثير من الباحثين أفضل ما كُتب حتى الآن لتحليل تجمع «بريكس»، إن «بريكس» أكبر من أن يكون مجرّد تجمع اقتصادي أو نادٍ لاقتصادات ناشئة.

ويؤكد الباحث الألماني - البرازيلي أن البُعد السياسي ظاهر في تأسيس التجمع منذ اللحظة الأولى، بل يعدّه «قوة قادرة على إنشاء نظام دولي موازٍ، أو تقديم بدائل للمؤسسات الاقتصادية العالمية والعملات الأكثر هيمنة على المعاملات الدولية».

قد لا تكون هذه الرؤية بهذا الوضوح لدى كثرة من المراقبين عند تأسيس «بريكس» قبل 14 سنة، بل إن التجمع لم يكن بتلك الجاذبية التي يحظى بها اليوم، وخاصة عقب توسيع العضوية، ذلك أن الأزمات التي عاشها العالم خلال السنوات القليلة الماضية جعلت «بريكس» محط أنظار كثير من دول العالم، ليس تلك الراغبة في تعزيز علاقاتها مع مجموعة من أسرع البلدان نمواً فقط، بل الساعية أيضاً إلى بناء نظام دولي مغاير لما عهده العالم على مدى أكثر من 3 عقود، بقيادة أميركية منفردة. ومعلوم أن هذه الحالة لطالما اقترنت بتنظيرات حول «نهاية التاريخ» و«صدام الحضارات»، في حين يقدم «بريكس» - على الأقل حتى الآن - صورة تبدو مختلفة وتبشر بإمكانية «إعادة إحياء التاريخ»، عبر «تعاون» الحضارات، لا صراعها.

جاذبية عالمية

يواجه تجمع «بريكس» منذ تأسيسه نظرة متفاوتة تصل إلى حد التطرف في تقييمه. إذ «يستهين» البعض، وخاصة في الغرب، بقدرته على تقديم بديل عالمي لنظام «الأحادية القطبية» الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة، التي لن تسمح بسهولة بمنافستها أو محاولة مشاركتها قيادة العالم.

وفي المقابل، «يهوّل» آخرون في توقعهم ما يمكن أن يقدمه التجمع لبناء عالم متعدد الأقطاب، ويروّج أنصار هذه الرؤية تعابير لا تخلو من «رومانسية» أحياناً، حول انتفاضة «الجنوب العالمي»، متجاهلين كثيراً من حقائق الواقع بشأن الهيمنة السياسية والاقتصادية التي لا تزال تتمتع بها دول «الشمال».

لكن بعيداً عن الاستهانة والتهويل، تبقى الحقيقة التي يعترف بها الباحثون الغربيون أنفسهم هي أن الـ«بريكس» بات أكثر بريقاً مما كان متوقعاً، وأنه غدا عاملاً مهماً في صياغة مستقبل العالم، ليس بما يضمه من «دول مؤسسة» (البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا) فقط، بل بما ينتظره بعد توسيع العضوية أيضاً. وهنا تبرز دعوة دول ذات تأثير اقتصادي وسياسي لافت في أقاليم عدة عبر العالم، في مقدمها السعودية والإمارات ومصر في منطقة الشرق الأوسط والفضاءين الآسيوي والأفريقي. هذا مع وجود لائحة انتظار طويلة، تضم دولاً أخرى لا تزال تترقب دعوتها، كثير منها يبدو متحمساً لتجاوز «أسيِجة الهيمنة الأميركية».

قراءات غربية

وزير الخارجية سيرغي لافروف مثّل روسيا في غياب فلاديمير بوتين (رويترز)

من ناحية أخرى، تبرز قراءة تحولات النظرة الغربية نحو «بريكس» حجم ما بات يتمتع به التجمع من تأثير. إذ رأى مارتن وولف، كاتب العمود في صحيفة الـ«فاينانشيال تايمز»، عام 2011، أي بعد سنتين من انعقاد قمة «بريكس» الأولى، أن دول التجمع «ليست مجموعة» و«ليس لديها أي شيء مشترك في الأساس»، مستنداً إلى أن هناك كثيراً من التباينات بين أعضاء التجمع المؤسسين. إذ اعتبر أن الصين وروسيا دولتان «شموليتان»، بينما كل من البرازيل والهند وجنوب أفريقيا دول «ديمقراطية». وبعكس بقية أعضاء «بريكس»، لا تمتلك البرازيل وجنوب أفريقيا أسلحة نووية، فضلاً عن وجود صراع حدودي حاد بين الصين والهند، حيث يندلع القتال مراراً وتكراراً بين العملاقين الآسيويين.

في المقابل، تغيّرت هذه النظرة مع اتساع رقعة نفوذ دول «بريكس»، على وقع الأزمات الدولية الراهنة، وتنامي جاذبية التجمع لدى كثير من دول العالم. وهذا ما يعترف به الباحثان ثورستن بينر وأوليفر ستونكل (من المعهد الدولي للسياسات العامة في برلين) في تحليل منشور مطلع شهر أغسطس (آب) الماضي، إذ يريان أن «الجاذبية» التي بات يتمتع بها «بريكس» لدى كثير من دول العالم «يجب أن تثير انتباه دول الغرب، وتدفعها إلى تقديم تحولات في نهج تعاملها على الساحة الدولية». ويلفت الباحثان إلى أن هذه الجاذبية تمثِّل «حجباً للثقة عن النظام الدولي الحالي»، وإلى أنه «يتوجّب على ألمانيا وأوروبا طرح عروض جادة للإصلاح، منها امتناع القارة عن تعيين رئيس صندوق النقد الدولي تلقائياً، والعمل بدلاً من ذلك من أجل تمثيل أفضل لأفريقيا وأميركا اللاتينية وآسيا في مجلس الأمن ومؤسسات الأمم المتحدة، بل تقديم عروض جيدة وعادلة في السياسات التجارية».

أدوات القوة

ولا تقتصر أسباب صعود «بريكس» سلم الاهتمام العالمي على تنامي جاذبيته فقط، أو قوة اقتصادات بعض أعضائه، وفي مقدمهم الصين ثاني كبرى القوى الاقتصادية في العالم، التي من المتوقع أن تغدو الأكبر خلال العقود القليلة المقبلة. وهي تشكل سوقاً ضخمة، خاصة للمواد الخام، ومصنعاً لا يُستغنى عنه لكل دول العالم، بما فيها الولايات المتحدة. ذلك أن الأمر يكمن في كثير من أسباب القوة التي استطاعت دول «بريكس» تطويرها، وعلى رأسها تقديم البديل. والبديل هنا لا يقتصر على فكرة طرح دول التجمع لبناء «عالم متعدد الأقطاب» كشعار نظري، بل عبر تحويل الشعار إلى واقع.

هنا، على سبيل المثال نجح التعاون بين دول «بريكس» في الصمود بوجه الأزمات العالمية، وخاصة الجائحة والحرب الروسية في أوكرانيا. إذ نأت دول «بريكس» بنفسها منذ بداية الأزمة، فلم تشارك الهند أو البرازيل أو جنوب أفريقيا أو الصين بفرض عقوبات على موسكو، وتأكد هذا بشكل متزايد مع المستويات شبه التاريخية للتجارة بين الهند وروسيا، أو في اعتماد البرازيل على الأسمدة الروسية.

أيضاً، قدمت دول «بريكس» بدائل تضاهي المنتديات والمؤسسات الاقتصادية والسياسية بزعامة الدول الغربية، مثل «مجموعة السبع الكبار» والبنك وصندوق النقد الدوليين. واليوم، يبلغ إسهام دول «بريكس» في الاقتصاد العالمي 31.5 في المائة من الاقتصاد العالمي، متجاوزاً إسهام الدول الصناعية السبع الكبرى. ويتوقع أن يرتفع إلى أكثر من 37 في المائة مع انضمام الدول الست المدعوة في قمة جوهانسبرغ.

كذلك، دشنت دول «بريكس» أخيراً «بنك التنمية الجديد» (NDB) برأس مال مبدئي قدره 50 مليار دولار في عام 2014 كبديل للبنك وصندوق النقد الدوليين. وقدم البنك (مقره شنغهاي بالصين) أكثر من 30 مليار دولار قروضاً لمشاريع تنموية بشروط أكثر يسراً من تلك التي تقدمها المؤسسات الدولية التي تهيمن عليها القوى الغربية، لمنح أعضاء التجمع مزيداً من السيطرة على تمويل التنمية.

ولم يقف الأمر عند ذلك، بل أسست دول التجمع صندوقاً احتياطياً للطوارئ، الغاية منه دعم الدول الأعضاء المكافحة من أجل سداد الديون بهدف تجنب ضغوط السيول، وأيضاً تمويل البنية التحتية والمشاريع المناخية في البلدان النامية. ومن جانب آخر، أنشأت دول التجمع نظام «دفع بريكس»، وهو نظام دفع للمعاملات بين دول «بريكس» دون الحاجة إلى تحويل العملة المحلية إلى دولارات. وتدرس هذه الدول الآن بجدية التوسع في التبادل التجاري فيما بينها بالعملات المحلية، أو إصدار عملة موحدة للتعامل البيني، وهو ما يعدّه مراقبون كثر طرحاً بديلاً بعيد المدى، وإن كان لن يؤثر في المستقبل القريب على هيمنة الدولار الأميركي الذي يمثل حالياً 60 في المائة من احتياطيات النقد الأجنبي لدى البنوك المركزية عالمياً.

شعار «بنك التنمية الجديد»

بناء متدرج

هذا البناء المتدرج لأدوات القوة من جانب دول الـ«بريكس» تراه الدكتورة نيفيديتا كوندو، خبيرة العلاقات الدولية، وزميلة مركز أبحاث المجلس الهندي للشؤون العالمية التابع لوزارة الشؤون الخارجية الهندية، «وسيلة فعالة» من جانب دول التجمع لفرض نفسها بشكل متزايد على الساحة السياسية العالمية، ولا سيما مجالات كالمفاوضات الدولية وحفظ السلام وجهود حل الصراعات، وبالأخص بعد انضمام دول كالسعودية والإمارات ومصر، تلعب أدواراً بارزة في أزمات منطقة الشرق الأوسط، وتتمتع بثقل في ملفات دولية عدة.

غير أن كوندو في ردّها على أسئلة لـ«الشرق الأوسط» تشدّد على أهمية الإدراك أن دول الـ«بريكس» راهناً «لا تهدف إلى الحلول محل الغرب، بل تسعى إلى تحقيق قدر أكبر من التمثيل والتأثير في الشؤون العالمية، والدعوة إلى بناء نظام اقتصادي وسياسي عالمي أكثر إنصافاً وشمولاً». وتشير إلى أن «بريكس» استفاد من نقاط قوته الجماعية، التي ازدادت قوة بإضافة الدول الست الجديدة، ورفعت حجم إسهام التجمع في الاقتصاد العالمي وامتلاكه انتشاراً وتنوعاً أكبر في الأسواق وأدوات التأثير، بما يساهم في زيادة قدرة «بريكس» على دفع التحول إلى اقتصاد عالمي أكثر استدامة وعدالة.

ونوّهت كوندو بأن استثمارات دول التجمع في التقنيات الناشئة كالذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة يمكن أن تجعلها محرّكات رئيسة للنمو الاقتصادي العالمي والابتكار في المستقبل القريب. وأضافت الخبيرة الهندية أنه من المتوقع بحلول عام 2030 أن تتمكن دول الـ«بريكس»، بعد «توسّع» جوهانسبرغ أو في مراحل أخرى مقبلة، من الإسهام بأكثر من 50 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. وإذا توصلت هذه الدول إلى اتفاق لإجراء التجارة باستخدام عملة مشتركة، فقد يؤدي ذلك إلى تسريع عملية إلغاء الدولار، الأمر الذي من شأنه أن يزيد من ترسيخ أهميتها على الساحة الدولية.

تغيير الجغرافيا السياسية

الاستحواذ على 50 في المائة من الناتج الإجمالي العالمي يبدو طموحاً مستقبلياً لدول الـ«بريكس»، علماً بأن هذه الدول تمتلك تقريباً هذا الرقم، ولكن من تعداد سكان الأرض ومن مساحة اليابسة عليها. إذ يضم التجمع 5 من أكبر دول العالم مساحة وأكثرها كثافة سكانية، وقد تعاظم مع توسيع العضوية، ليصبح «أداة لتغيير الجغرافيا السياسية»، وفق رؤية الدكتورة أميرة شوقي سليمان، وكيلة الدراسات العليا والبحوث بكلية الدراسات الأفريقية العليا في جامعة القاهرة.

تقول سليمان لـ«الشرق الأوسط» إنه مع انضمام الدول الست الجديدة، ومعظمها دول تمتك قدرات اقتصادية واعدة، وإمكانية انضمام مزيد من الأعضاء مستقبلاً (نحو 20 دولة تقدمت بطلبات رسمية، معظمها من جنوب الكرة الأرضية) «سيؤثر هذا على الجغرافيا السياسية والجيو اقتصادية العالمية بشكل كبير، ويمكن القول إن (بريكس) قد يعيد رسم خريطة العالم».

وتضيف الأكاديمية المصرية أن دول التجمع «تشهد حالياً صحوتها الجيوسياسية»، وأنه خلال السنوات العشر الماضية، حققت المجموعة نتائج مثمرة في الأمن السياسي والاقتصاد والتجارة والتمويل والتبادلات الثقافية والحوكمة العالمية وغيرها من مجالات التعاون. وأصبحت نموذجاً للتعاون بين دول الجنوب العالمي، وجذبت مزيداً من الدول النامية الراغبة في الانضمام إلى «بريكس» يوماً بعد يوم. وتستطرد لتقول إنه مع انضمام السعودية والإمارات ومصر وإيران، وهي دول منتجة للنفط والغاز، فضلاً عن استثماراتها المستقبلية في مجال الطاقة الخضراء، أصبحت المجموعة تمتلك أكثر من نصف حصة النفط والغاز الطبيعي العالميين، ما يعزز مكانة المجموعة في سوق الطاقة، وبالتالي يضاعف نفوذها العالمي.

مواجهة الغرب مؤجلة

في المقابل، فكرة الصراع مع الغرب لا تبدو - على الأقل حتى الآن - ضمن أولويات «بريكس»، ولعل ذلك من أدوات قوة التجمع، فدول الـ«بريكس» لا تتبنى عقيدة «مَن ليس معنا فهو ضدنا» التي عكستها السياسة الأميركية طيلة عقود. ولا تتوقع دول التجمع من جميع أعضائه اختيار تحالفات ثابتة، أو تبديل ارتباطهم بعلاقاتهم مع الدول الغربية، فالصين التي تمثل أقوى مؤسسي التجمع تمتلك علاقات تجارية وثيقة ومتنامية مع الولايات المتحدة وأوروبا، تتجاوز كثيراً حجم تجارتها مع دول «بريكس» نفسها. ولدى الهند والبرازيل أيضاً علاقات وطيدة مع الدول الغربية.

ومن ثم، فإن توسيع عضوية التجمع كما عكسته قرارات قمة جوهانسبرغ، وفق كثير من المراقبين، منهم باول كاريوكي، الباحث السياسي الجنوب أفريقي، «لا يعتمد على فكرة الهيمنة والاستقطاب». ويوضح كاريوكي لـ«الشرق الأوسط» أن تلك «المرونة في منح أعضاء (بريكس)، عقب التوسيع، حرية بناء التحالفات... يمكن أن تكون عنصر جذب لكثير من الدول، وفي مقدمتها الدول الأفريقية، التي انضمت منها دولتان (مصر وإثيوبيا) ولهما علاقات قوية مع الولايات المتحدة وأوروبا... إذ تريد معظم دول القارة تعزيز شراكتها مع (بريكس) من دون أن يكلفها ذلك الدخول في صراعات مع الغرب».

«بريكس»... من نظرية «محل شك» إلى «واقع» يفرض حضوراً عالمياً

جيم أونيل (بلومبرغ)

* مجموعة «بريكس»، التي كانت تحمل اسم «بريك» في بدايتها، صاغ فكرتها جيم أونيل، كبير الاقتصاديين في بنك «غولدمان ساكس» عام 2001. وجاء الاسم من الأحرف الأولى بالكتابة اللاتينية لأسماء كل من البرازيل وروسيا والهند والصين.

وكانت الفكرة تقوم على إمكانية بناء تحالف اقتصادي بين تلك الاقتصادات البازغة، ومحاولة تقديمها إطاراً مختلفاً للتعاون بين دول «الجنوب»، الذي غالباً ما خُصّ بنظرة متشككة في قدرته على النمو وتحقيق التقدم بعيداً عن هيمنة المنظومة الغربية «الشمالية».

شكوك كثيرة حاصرت «نظرية» أونيل وحاولت هدم الفكرة، من منطلق أن الدول الأربع ذات تنوع كبير يحول دون اصطفافها تحت لواء واحد. وهذا الأمر دفع البعض إلى القول إن «بريك» ليست سوى حيلة تسويقية من قبل بنك «غولدمان ساكس»، إلا أن الفكرة أخذت منحى مختلفاً في خضم الأزمة المالية العالمية.

وبينما كانت الدول الأربع تدرس تأسيس تجمعها منذ عام 2006، كانت الأزمة المالية العالمية آخذة في التصاعد. ومع انطلاق أولى قمم «بريك» عام 2009، بلغت الأزمة العالمية ذروتها، وفرضت تداعياتها على الجميع، لكن الدول الأربع رأت في الأزمة دافعاً إضافياً للتعاون.

عقد الاجتماع الأول لدول «بريك» عام 2009، في قمة استضافتها مدينة يكاترينبورغ الروسية، ولاحقاً ضمّت جنوب أفريقيا عام 2010 إلى التجمع، ليكتسب اسمه الحالي، أي... «بريكس».

اللافت أن عدوى الانتقاد انتقلت في ما بعد إلى صاحب النظرية نفسه. فقبل سنتين نشر جيم أونيل مقالاً هاجم فيه تباطؤ إنجاز «بريكس»، مشيراً إلى أنه «بخلاف إنشاء بنك بريكس، لم تحقق المجموعة إنجازاً غير الاجتماع السنوي».

غير أن «محنة» الأزمات العالمية، تتحول دائماً إلى «منحة» لدول الـ«بريكس». إذ تضاعف الاهتمام الدولي بالتجمع، مع تصاعد وتيرة أزمات ما بعد الجائحة والحرب في أوكرانيا. وبدلاً من تكريس الانتقادات لتباطؤ إنجاز «بريكس» وانفراد الصين بمعدلات النمو المرتفعة، ضاعفت الهند تقريباً نسبة الناتج المحلي الإجمالي إلى الفرد. ومنذ عام 2015، بدأ مؤشر الاستثمار الأجنبي المباشر في التقارب مع مؤشر البرازيل، ثم تجاوز البرازيل، حيث زاد المؤشر بأكثر من الضعف في عام 2020 وحده، ما وضع الهند في المركز الثاني ضمن المجموعة.

والأهم أن النظرة إلى «بريكس» أخذت تتجاوز الأطر الاقتصادية، وصار «التجمع» مساراً للتنسيق السياسي والأمني والاستراتيجي، في عالم يخطو بسرعة باتجاه مواجهة عواصف من شتى الأنواع والاتجاهات.


مقالات ذات صلة

بوتين: منافسو «بريكس» الغربيون يحاولون استعادة زعامتهم بطرق «غير لائقة»

العالم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان خلال جلسة على هامش قمة «بريكس» (إ.ب.أ) p-circle

بوتين: منافسو «بريكس» الغربيون يحاولون استعادة زعامتهم بطرق «غير لائقة»

قال الرئيس الروسي، الجمعة، خلال زيارة للهند لحضور مؤتمر مجموعة «بريكس»، إن المنافسين الغربيين للمجموعة يحاولون استعادة «زعامتهم السابقة» بطريقة «غير لائقة».

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
العالم فنان يضع اللمسات الأخيرة على لوحات لقادة الدول أعضاء مجموعة «بريكس» في أمريتسار بتاريخ 10 سبتمبر 2026 قبل القمة التي ستُعقَد يومي 12 و13 سبتمبر بالعاصمة الهندية نيودلهي (أ.ف.ب)

قادة «بريكس» يجتمعون في الهند على وقع توترات جيوسياسية متزايدة

تستضيف الهند، في عطلة نهاية الأسبوع، قادة بارزين من تكتل «بريكس»، بينهم رؤساء الصين وروسيا وإيران، في قمة تُعقَد وسط اضطرابات جيوسياسية عالمية متزايدة.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي - موسكو - بكين)
الاقتصاد أعلام البرازيل وروسيا والصين وجنوب أفريقيا والهند... الدول المؤسسة لـ«بريكس» (رويترز)

دول «بريكس» تناقش ربط أنظمة الدفع والعملات الرقمية بين بنوكها المركزية

قال محافظ بنك الاحتياطي الهندي، إن مجموعة «بريكس» تناقش عمليات ربط محتملة لأنظمة الدفع السريع والعملات الرقمية بين البنوك المركزية في الدول الأعضاء.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
الاقتصاد أعلام البرازيل وروسيا والصين وجنوب أفريقيا والهند الدول المؤسسة لـ«بريكس» (رويترز)

الصين تحث دول «البريكس» على معارضة الحمائية التجارية

دعت الصين دول «البريكس» للدفاع عن النظام التجاري متعدد الأطراف ومعارضة الحمائية، حسبما قال نائب وزير التجارة الصيني في الاجتماع السادس عشر لوزراء تجارة دول «الب

«الشرق الأوسط» (بكين)
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري يلتقي وزير التجارة والصناعة الهندي على هامش اجتماع وزراء خارجية بريكس (الخارجية المصرية)

مصر تُروج لفرصها الاستثمارية والاستفادة من التوسع الهندي نحو أفريقيا

روجت مصر لفرصها الاستثمارية خلال لقاءات عقدها وزير الخارجية بدر العاطي، مع وزير التجارة والصناعة الهندي وعدد من الشركات.

محمد محمود (القاهرة)

هل «يفلت» علي الزيدي من حصار المواعيد؟


جانب من اجتماع للحكومة العراقية برئاسة علي الزيدي  (أ.ف.ب)
جانب من اجتماع للحكومة العراقية برئاسة علي الزيدي (أ.ف.ب)
TT

هل «يفلت» علي الزيدي من حصار المواعيد؟


جانب من اجتماع للحكومة العراقية برئاسة علي الزيدي  (أ.ف.ب)
جانب من اجتماع للحكومة العراقية برئاسة علي الزيدي (أ.ف.ب)

للمرة الأولى، منذ تشكيل أول حكومة عراقية بعد عام 2003، فتحت الحكومة الحالية برئاسة رجل المال والأعمال علي الزيدي ملفات كانت بين المسكوت عنه أو المتخوف من التعامل معه بصوت مرتفع. وفي غضون «الأيام المائة» التي أكملتها الحكومة أخيراً، تضمّن برنامجها المتضمّن أهم فقرتين وضعهما رئيس الوزراء ضمن أولى أولوياته، وهما: حصر السلاح بيد الدولة، ومحاربة الفساد المالي والإداري المستشري في البلاد. والواقع أن هذا الوضع بات يهدد كيان الدولة نفسه مع وضعها على حافة الإفلاس. من جهة ثانية، في حين يبدو ملف مكافحة الفساد شأناً داخلياً فإن ملف حصر السلاح، بقدر ما هو شأن داخلي يتمثل في العلاقة المتشنجة بين الحكومة وقوى السلاح المنفلت، فله بُعدان؛ أولهما إقليمي يتعلق بطبيعة العلاقة بين العراق وإيران. وثانيهما دولي يتمثل في العلاقة بين العراق والولايات المتحدة. وبالطبع يبقى هناك قاسم مشترك بين ملف السلاح وطبيعة العلاقة المركّبة العراقية - الأميركية - الإيرانية.

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي (رويترز)

يبدو علي الزيدي، رئيس الوزراء العراقي، في وضع مريح على صعيد إيفائه بوعده في البدء بتطبيق فقرتي محاربة الفساد وحصر السلاح من برنامجه الحكومي، إلا أنه بعد تجاوز حكومته فترة «الـ100 يوم» لا يزال يعاني من حصار المواعيد السياسية. والقضية الرئيسة هنا أن الحكومة لا تزال ناقصة 9 حقائب وزارية تدار حالياً بالوكالة بسبب الخلافات بين الكتل السياسية على حصصها من هذه الوزارات.

ومع أن الزيدي لا يبدو مسؤولاً عن إكمال «الكابينة» (التشكيلة) الحكومية التي تحتاج إلى توافق سياسي بين القوى التي فازت بالانتخابات، وحازت على مقاعد برلمانية تؤهلها للحصول على حقائب، تكمن الإشكالية في أن تأخر إكمال «الكابينة» يبقي الحكومة على الحافة؛ إذ إن استقالة أي وزيرين منها، تحت أي ظرف، يفقدها شرعية البقاء، ويبقي رئيس الوزراء محاصراً من القوى السياسية التي يرفض بعضها إكمال الحقائب المتبقية لكي يبقى الزيدي رهينة لضغطه.

من ثم تتبقى القضيتان المتصلتان بفقرتي الفساد والسلاح.

محاربة الفساد

إجراءات محاربة الفساد بدأت منذ أربعة شهور عبر ما سُمي بـ«صولة الفجر» التي اعتقل خلالها عددٌ كبير من النواب والمسؤولين الكبار، كما فرّ وزراء ونواب ومسؤولون كبار آخرون. إلا أنه مع تأخر فتح ملف الموقوفين حالياً، أو إحالتهم إلى المحاكم، فإن بقاءهم خلف القضبان من دون محاكمة بات يُشعر بعض الناس بأن ثمة «مشروع» تسوية مالية معهم.

والواقع، يتزامن مع هذا الحال، مع بدء إجراءات حكومية على صعيد إلقاء القبض على مسؤولين بدرجات متدنّية وإحالتهم إلى القضاء. وهو يعطي انطباعاً بأن حملة محاربة الفساد تحوّلت من محاربة الفساد كـ«منظومة متكاملة»، إلى محاربة الرّشى التي هي أحد أوجه الفساد لا أكثر.

حصر السلاح

أما مسألة حصر السلاح بيد الدولة فقد تحوّلت إلى ملف شائك بعدما تمكّنت إيران ومَن معها من قوى «الإطار التنسيقي» الشيعي من احتواء الأمر عبر تمديد مهلة التعامل مع ملف السلاح، بدلاً من حصره نهائياً بحلول يوم 30 سبتمبر (أيلول) الحالي إلى ما بعد هذا التاريخ.

العصا والعجلة

وسط هذه الوقائع، تسعى الأطراف السياسية إلى وضع مزيد من العِصّي في عجلة رئيس الوزراء الباحث عن إنجاز يحقّقه وسط دعم شعبي قوي من عدد كبير من القوى السياسية والجماهيرية. وبين أبرز الخطوات الهادفة إلى احتواء خطوات الزيدي، محاولات إيجاد ذرائع لتعطيل حملة محاربة الفساد، بحيث تقتصر على الحلقات الوسطى في الدولة.

ومن جهة أخرى، فإن الدخول الإيراني القويّ على مسألة حصر السلاح بيد الدولة، وجعله ملفاً إقليمياً مرتبطاً بالصراع بين الولايات المتحدة وإيران، أدى إلى تمديد المهلة المقرّرة لحصر السلاح. وهذه محاولة يراد منها إفراغ خطوات الزيدي من محتواها الحقيقي. وللتذكير، كانت الحكومة العراقية قد أعلنت أن موعد حصر السلاح بيد الدولة سيكون يوم 30 سبتمبر (الحالي)، وهو الموعد المقرر لانسحاب التحالف الدولي. لكن إيران دخلت على خط الموقف من الفصائل الرافضة لتسليم سلاحها، وأبرزها «كتائب حزب الله» و«حركة النجباء» و«حركة أنصار الله الأوفياء»، التي سبق لها أن أعلنت أن «لديها ارتباطاً عقائدياً» مع إيران. وبالتالي، فإن سلاحها يتجاوز الحدود الجغرافية للدول، كونه سلاح «مقاومة»، وفق السردية التي تعتمدها في خطابها السياسي.

نوري المالكي (آ ف ب)

زيارات سريّة ومعلنة

هذا الدخول الإيراني لصالح هذه الفصائل، وتجاهل موعد 30 سبتمبر، تجسّد أولاً في زيارة سرّية – كما هي العادة - لقائد «فيلق القدس» في «الحرس الثوري» الإيراني إسماعيل قاآني، تلتها بعد أقل من أسبوع زيارة مُعلنة لرئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف امتدت لأيام. ثم تبعتها زيارة سرّية أخرى لممثل المرشد الإيراني الأعلى مجتبى خامنئي جرى خلالها «تحديد طبيعة العلاقة» بين العراق وإيران، عبر الضغط على قوى «الإطار التنسيقي» لتبني سياسة أخرى، تختلف عن السياسة التي رسمها رئيس الوزراء الزيدي للتخلص من النفوذ الأجنبي في العراق.

زيارة قاليباف، وفق مصادر عراقية مطلعة، لم تحقق كل أهدافها، وبالأخص، لجهة «تليين موقف الزيدي من مسألة حصر السلاح بيد الدولة». وطبقاً لما كُشف عنه من كواليس اللقاءات والاجتماعات التي عقدها قاليباف، سواءً مع رئيس الوزراء العراقي أو مع قيادات «الإطار التنسيقي»، بحضور الزيدي، فإن الأخير بقي متمسكاً بموعد 30 سبتمبر بسبب؛ كونه ملتزماً مع الجانب الأميركي بهذا الشأن.

بحسب التقديرات المتداولة، فإن الزيدي خلال لقاءات خاصة جمعته مع نواب ومسؤولين، ليس في وارد أي تنازل عن تلك المهلة. بل بالعكس، يمكن أن يمضي إلى ما هو أبعد مما تتصوّره القوى السياسية التي تضغط عليه من أجل المهادنة. ثم إنه ليس في وارد تقديم استقالته، على نقيض ما تتمناه بعض القوى المتورطة في الفساد بأمل «خلط الأوراق» من جديد. بل يرجّح المراقبون أن يلجأ رئيس الوزراء إلى الشعب في خطاب صريح، آملاً أن يضعف موقف هذه القوى، وخصوصاًـ إذا دخل على خط دعمه مقتدى الصدر، زعيم «التيار الوطني الشيعي» أكبر كتلة شيعية في البلاد.

الزيدي ليس في وارد أي تنازل عن المهلة الزمنية لحصر السلاح... ولا يفكّر بتقديم استقالته

عالي المقام

إيران، من جهتها، كثّفت ضغوطها على «الإطار التنسيقي»، وعلى الزيدي معاً، وبالأخص، بعد إعادة ترتيب «الإطار التنسيقي» بإضافة عضو جديد لقيادته هو شبل الزيدي، زعيم فصيل «الإمام علي» ورئيس كتلة «خدمات» في البرلمان العراقي، وذلك في أعقاب هروب أحمد الأسدي وزير العمل والشؤون الاجتماعية السابق والقيادي في «الإطار» إثر اتهامه بملفات فساد، واستقالة أبو الولاء الولائي، الأمين العام لـ«كتائب سيد الشهداء».

وفي هذا السياق، دخل المرشد مجتبى خامنئي، شخصياً، على الخط، حين أرسل ممثله الخاص، محسن قمّي، بهدف احتواء التداعيات الخاصة بحصر السلاح بيد الدولة الذي يصرّ عليه رئيس الوزراء العراقي. وفي الوقت عينه، حث مبعوث خامنئي قوى «الإطار التنسيقي» على تحاشي وقوع أي صدام بين قوى «الإطار التنسيقي» والفصائل المسلحة التي ترفض تسليم سلاحها إلى الدولة مع نهاية المهلة المقررة.

إيران لا تريد ذرائع للتصادم

الهدف الذي ترمي إليه إيران من خلال اتباع هذه السياسة الجديدة هو عدم منح الحكومة أي ذريعة للتصادم مع الفصائل، وذلك بتشكيل لجان، وبدء مباحثات، ووضع آليات لغرض تسليم السلاح، وتحديد أي سلاح، وما هو المقابل.

هذا يعني التلاعب بالمهلة، ولكن بما لا يؤدي إلى إغضاب الحكومة المرتبطة بتفاهم مع واشنطن، ولا أن يؤدي إلى استفزاز واشنطن التي لا أحد يعرف حدود رد فعلها في حال لم تفِ الحكومة العراقية بمهلة حصر السلاح.

... مخاوف عند «الإطار التنسيقي»

في هذا السياق، يقول الدكتور غالب الدعمي، أستاذ الإعلام في الجامعة المستنصرية لـ«الشرق الأوسط»، إن «(الإطار التنسيقي) يشعر بالمخاطر المترتبة على حصر السلاح، كما يعرف مدى جدية واشنطن في هذا الملف، الأمر الذي جعلها تحاول قدر الإمكان البحث عن منفذ أو طريقة ما للامتناع عن تطبيق حصر السلاح مائة في المائة، لكن في الوقت نفسه يحقق الرضا الأميركي عن العراق».

وأضاف الدعمي أن «قوى (الإطار التنسيقي) تعرف جيداً أيضاً أن حصر السلاح بيد الدولة ومكافحة الفساد يصبّان في النهاية في مصلحة رئيس الوزراء علي الزيدي، بينما لا يريد (الإطار التنسيقي) لأي رئيس وزراء أن يحقق نجاحاً كبيراً. وبالتالي مسموح له أن يحقق نجاحاً محدوداً؛ لكيلا يتفرعن عليهم... بل يظل تحت سيطرتهم».

ثم أوضح أن «(الإطار)، في هذه الحالة، وبقدر ما يريد تجنب تأجيج الوضع مع أميركا فهو في الوقت نفسه لا يريد لرئيس الوزراء أن يبدو بطلاً شعبياً أمام الناس»، مؤكداً أن «هذا السلوك الذي تنتهجه القوى الشيعية ليس مقتصراً على معاملة الزيدي فقط، بل هو سياسة ثابتة اتبعتها مع كل رؤساء الوزراء السابقين، مع أن الفرصة الآن تختلف... حيث الكفة تميل الآن لصالح الزيدي كونه يحظى بدعم شعبي كبير يصعب مقاومته، ومع هذا تجري محاولات للالتفاف عليه».

لا لإسقاط الحكومة

من جانبه، حذّر نوري المالكي، زعيم ائتلاف «دولة القانون»، بعد يوم واحد من زيارة المبعوث الإيراني الرفيع المستوى، من محاولات لإشعال «حرائق» في المشهد السياسي وإرباك الواقع العراقي.

وأكد المالكي، في تصريحات صحافية، دعم «الإطار التنسيقي» لاستمرار الحكومة ورفض تغييرها أو إسقاطها. وقال طبقاً لبيان صدر عن مكتبه، الأربعاء الماضي، إن العراق «يمرّ بمرحلة حساسة تتطلب قدراً عالياً من الحكمة والمسؤولية»، مشيراً إلى وجود محاولات لإرباك المشهد السياسي، في وقت يواصل فيه «الإطار التنسيقي» دعمه للحكومة حرصاً على استقرار البلاد ومصالحها العليا.

ثم شدد رئيس الحكومة الأسبق على ضرورة معالجة ملف حصر السلاح بيد الدولة، «بعيداً عن التصعيد أو المواجهة»، محذراً من «تحوّل هذا الملف إلى صدام بين الدولة والفصائل سيكون بالغ الخطورة، وقد يهدد استقرار العراق ويفتح الباب أمام مواقف سياسية متباينة».

وأكد المالكي أن أي مواجهة داخلية ستكون «خسارة للعراق بأكمله»، وليس لطرف أو مكون بعينه. وأن من يتصوّر أن أي صراع محتمل سيكون «شيعياً - شيعياً» فهو واهم؛ لأن تداعياته ستطال الدولة والمجتمع وجميع المكونات.

وتابع أن الحكومة و«الإطار التنسيقي» لن يسمحا بانزلاق البلاد إلى اقتتال داخلي، داعياً إلى «بلورة رؤية وطنية وإقليمية واضحة تحول دون تعرض العراق للمخاطر، وتمنع تحوله إلى ساحة لتصفية الصراعات أو تنازع المصالح الإقليمية والدولية، بما يحفظ أمنه وسيادته واستقراره».

«مجلس قيادة» شيعي

في هذه الأثناء، في سياق الترتيبات الجديدة التي «هندستها» إيران، فإن همام حمودي القيادي البارز في «الإطار التنسيقي» وزعيم «المجلس الإسلامي الأعلى» - الذي جعلته إيران صلة الوصل بينها وبين باقي قيادات «الإطار» - أعلن عن تشكيل «مجلس قيادة» شيعي لتفادي اندلاع حرب شيعية - شيعية.

حمودي حذر مما أسماه مسعى لإشعال حرب «شيعية - شيعية»، بالقول إن «هدفها الظاهر حماية المصالح العامة، بينما يكمن باطنها - بحسب وصفه - في زعزعة النفوذ السياسي والاجتماعي الشيعي وإبعاد القوى المؤثرة من مواقعها».

وأضاف حمودي، خلال مشاركته في جلسة نقاشية ضمن أعمال مؤتمر «حوار بغداد الثامن» الذي ينظمه المعهد العراقي للحوار، إن «وجود المرجعية العليا والالتزام الديني ووعي أبناء الشعب العراقي بحقيقة المؤامرة الخبيثة (بحسب وصفه) - ستحول دون نجاح أي رهان على حرب شيعية - شيعية... ولن يفلحوا».


هاكون الثامن ملكاً على النرويج بلاد «الفايكينغز» وإحدى الأغنى عالمياً

نجح هاكون في الحفاظ على نسبة تأييد شعبي مرتفعة. إذ يُنظر إليه على أنه قريب من الشعب ومتواضع وقادر على قيادة البلاد مثل والده،
نجح هاكون في الحفاظ على نسبة تأييد شعبي مرتفعة. إذ يُنظر إليه على أنه قريب من الشعب ومتواضع وقادر على قيادة البلاد مثل والده،
TT

هاكون الثامن ملكاً على النرويج بلاد «الفايكينغز» وإحدى الأغنى عالمياً

نجح هاكون في الحفاظ على نسبة تأييد شعبي مرتفعة. إذ يُنظر إليه على أنه قريب من الشعب ومتواضع وقادر على قيادة البلاد مثل والده،
نجح هاكون في الحفاظ على نسبة تأييد شعبي مرتفعة. إذ يُنظر إليه على أنه قريب من الشعب ومتواضع وقادر على قيادة البلاد مثل والده،

دخلت العائلة المالكة في النرويج عهداً جديداً مع وفاة الملك الواسع الشعبية هارالد عن عمر 89 سنة، وتولي ابنه هاكون، البالغ من العمر 53 سنة، العرش وسط تراجع في شعبية العائلة المالكة متأثرة بعدد من الفضائح، مع أن هذه الشعبية على يبدو تعافت أخيراً. فلقد أظهر استطلاع أجرته هيئة البثّ العام «إن آر كا» بعد وفاة الملك هارالد، قبل أسبوع، أن شعبية العائلة المالكة وصلت إلى 72 في المائة في ارتفاع عن مايو (أيار) الماضي، عندما انخفض التأييد للعائلة إلى أدنى مستوياته، فبلغ 54 في المائة فقط! وطوال فترة حكمه التي امتدت 35 سنة، حظي الملك هارالد الراحل بشعبية عالية بين النرويجيين، وكان ينظر إليه على أنه «جدّ الأمة»، كما وصفه معلقون في النرويج. ومع أن الملك في النرويج لا سلطات فعلية له، فقد نجح بتوحيد البلاد، وكان دائماً يجد الكلام المناسب، حتى في أصعب الأوقات. أكثر من هذا، لم يتنازل هارالد عن العرش رغم أنه عانى في السنوات العشر الأخيرة من عدد من الأمراض المتتالية أثّرت بشكل كبير على صحته. وفي السنوات الأخيرة، هزّت العائلة المالكة عدة فضائح مرتبطة بزوجة ابنه هاكون، الملك الجديد، وابنته الأميرة مارتا لويز، التي تكبر هاكون سناً، لكنها لم ترث والدها على العرش بسبب قوانين قديمة، ما كانت تسمح إلا بتولي الذكور العرش. إلا أنه جرى تغيير القوانين تلك عام 1990 للسماح بالابن أو الابنة الكبرى بأن تصبح ولي العهد، ولكن بقي القانون القديم مطبقاً على أبناء هارالد. وبعد وفاة والده، تولّى هاكون العرش في مراسم متواضعة ألقى خلالها القسم، من دون حفل تتويج بعد إلغائه في النرويج قبل عقد من الزمن.

 

 

 

كان لافتاً غياب زوجة الملك هاكون («هوكون» كما يلفظ الاسم محلياً) عن حفل أدائه القسم غداة وفاة والده. عوضاً عن ميته ماريت، كانت ابنته إنغريد ألكسندرا حاضرة إلى جانبه، وأدّت القسم لتصبح وريثته على العرش.

العائلة الملكية برّرت غياب ميته ماريت بأنها تعاني من مضاعفات بعد إجراء عملية زرع رئة في منتصف شهر يوليو (تموز) الماضي. وبالفعل، شوهدت الملكة الجديدة تصل إلى مستشفى أوسلو برفقة زوجها الملك، بعيد حفل أدائه القسم، في سيارة «رينج روفر»، قادها هو بنفسه... ومكث معها قرابة الساعة ليغادر ويعود بعد وقت قليل ليأخذها معه.

فضائح «ميته ميريت»

بيد أن غياب الأميرة قد يكون أيضاً مناسباً للعائلة المالكة لإبعاد الأضواء عنها بسبب الفضائح الكثيرة المرتبطة بها منذ سنوات، التي تسببت بدعوات لتجريدها من ألقابها الملكية لأنها «غير جديرة بها». فمنذ سنوات، واسم ميته ماريت بات مرتبطاً بالمليونير الأميركي جيفري إبستين الذي وجد ميتاً في السجن بعد توقيفه بتهم تتعلق الاتجار بالقاصرين لأغراض جنسية من بين تهم أخرى. ولقد كشفت صحف نرويجية منذ عام 2019 عن علاقة صداقة تجمع بين ميته ماريت وإبستين.

وعلى الرغم من أن الملكة أعلنت مراراً أنها قطعت علاقتها به عام 2013، بعد سنتين من تعرفها عليه، فإن المراسلات التي كشف عنها الكونغرس الأميركي أخيراً أظهرت أنها لم تكن تقول الحقيقة. إذ أكّدت تلك الوثائق وجود علاقة صداقة قويّة بينهما وتبادلهما لرسائل شخصية خاصة لسنوات استمرت حتى عام 2014.

وللعلم، اعتذرت ميته ماريت لاحقاً عن علاقتها بإبستين، لكنها نفت علمها بأنه كان مُداناً بجرائم جنسية على الرغم من اعترافها في واحدة من المراسلات التي بعثتها له بأنها بحثت عن اسمه في محرّك «غوغل» وأن النتائج «لم تكن جيدة». وللعلم، أدين إبستين بجرائم جنسية وجرائم احتيال منذ عام 2005، واعتقل كذلك وحكم عليه بالسجن لأشهر عام 2008 مع أنه لم يعتقل في ملف كبير إلا في عام 2019.

فضيحة ثانية...هذه المرة لابنها

وتسببت علاقة ميته ماريت بإبستين بدعوات في الصحافة النرويجية لتجريدها من منصبها ولقبها، أسوة بالأمير أندرو في بريطانيا. واقترح البعض أن يبقى زوجها ملكاً بعد تتويجه، ولكن شرط ألا تُمنح هي اللقب ولا تُمنح أي واجبات ملكية. غير أن ارتباط الملكة الجديد بإبستين جاء وسط فضيحة أخرى ارتبطت بابنها من زوجها الأول قبل زواجها من هارالد. إذ كان ابنها داريوس يخضع لمحاكمة في جرائم اغتصاب وعنف وتهريب مخدرات، أدين فيها لاحقاً وحكم عليه بالسجن لـ4 سنوات... يخدمها الآن في الحبس المنزلي بعد إجباره على ارتداء سوار تعقُّب.

وسط كل هذه الفضائح، اختار هاكون الوقوف إلى جانب زوجته، مقدماً لها كل الدعم. وفي الواقع، فإن تلك الفضائح تعكس تاريخ الزوجين والمشاكل التي أحاطت بهما قبل زواجهما. فهي تنتمي إلى عامة الشعب، وليست ابنة عائلة أرستقراطية، ولكن تلك لم تكن العقبة الأساسية. ذلك أن الملكة سونيا، أم الملك هاكون، وزوجة الملك هارالد، كانت هي أيضاً من عامة الشعب. وكانت الأولى من العامة التي تدخل العائلة المالكة النرويجية.

غير أن تاريخ ميته ماريت، وعلاقاتها السابقة، أثبتت منذ البداية أنها تشكّل تحدّياً لولي العهد آنذاك. فقد تعارفا عام 1999، وتزوّجا بعد ذلك بـ3 سنوات، علماً بأنهما كانا يعيشان معاً قبل زواجهما، ما تسبّب كذلك بانتقادات داخل الكنيسة اللوثرية التي تنتمي إليها العائلة المالكة النرويجية.

حياة غير عادية

للعلم، كان للملكة ميته ماريت ابن يدعى ماريوس، يبلغ من العمر 4 سنوات، عندما تعرّفت على هاكون، أنجبته من رجل أُدين بحيازة مخدرات. وعُرفت ميته ماريت أيضاً بماضيها الصاخب وحياتها المتقلّبة وتعاطيها المخدرات واختلاطها بأشخاص أدينوا لاحقاً بجرائم. بيد أنها قبل زواجها من هاكون، اعتذرت علناً عن ماضيها وأعلنت إدانتها للمخدرات.

وبالنسبة لهاكون، فإنه ظل على إعجابه بها رغم ماضيها الصاخب وانتقادات الصحافة لها، وأعلن قبل زواجهما أنهما حظيا بموافقة والديه، مضيفاً: «ما وجدناه معاً كان قوياً للغاية لدرجة لم أتمكن من التخلي عنه». ومن ثم، رزُق الزوجان بإنغريد ألكسندرا عام 2004، ثم بشقيقها سفيري ماغنوس في العام التالي.

فضلاً عما سبق، ووسط الفضائح الأخيرة، عادت صحة ميته ماريت إلى الواجهة أيضاً، بعدما أعلنت العائلة المالكة عام 2018 عن إصابتها بالتليّف الرئوي المُزمن. وساءت حالتها منذ مطلع العام، ما استوجب إجراء عملية زرع رئة لها خلال يونيو (حزيران) الماضي، يبدو أنها ما زالت تعاني من تبعاتها. وجاء الإعلان عن تدهور صحة ميته ماريت في وقت كانت تجري محاكمة ابنها داريوس وسط تغطية إعلامية كبيرة في النرويج.

الأميرة مارتا لويز... والتنجيم!

من جهة ثانية، يرى متابعون أن ميته ماريت ليست وحدها مصدر القلق بالنسبة للملك هاكون أو تراجع شعبيته، بل أيضاً شقيقته مارتا لويز كذلك. فهي الأخرى تسبب بمتاعب للعائلة المالكة كان آخرها ارتباطها بدوريك فيريت، وهو معلم روحي أميركي، أفريقي الأصل، ومن المؤمنين بنظريات المؤامرة.

ويصف الإعلام النرويجي فيريت بأنه «محتال»، لكن الأميرة مارتا نفسها تتهم الإعلام بأنه «عنصري» ويهاجم زوجها لأنه أسود. وبالفعل، تخلت الأميرة عن لقبها «صاحبة السمو» عام 2022 لكي تتمكن من متابعة مشاريعها التجارية، ولكنها واصلت استخدام لقب «أميرة»، وما زالت في ترتيب ولاية العرش بعد ابنة الملك هاكون.

بل يضاف إلى ما تقدّم، أن مارتا لويز نفسها تتسبب بجدل بسبب تعريفها نفسها بأنها «منجّمة» وتزعم القدرة على الاستبصار والتكلّم مع الملائكة (!)

بالتالي، في عام 2024، أظهر استطلاع للرأي حول مستوى التأييد الشعبي للملكية تراجعه إلى 68 في المائة مقارنة بـ81 في المائة عام 2017، وسمّى المُستطلعة آراؤهم الأميرة مارتا لويز وداريوس ابن ميته ماريت، السببين الرئيسين في تراجع تأييدهم للعائلة المالكة.

هاكون... الاستثناء

في ظل كل ذلك، نجح هاكون في الحفاظ على نسبة تأييد شعبي مرتفعة. إذ يُنظر إليه على أنه قريب من الشعب ومتواضع وقادر على قيادة البلاد مثل والده، بالوحدة والتواضع. وحقاً، تعهّد الملك هاكون نفسه في أول خطاب وجّهه للشعب، بأنه سيتبع طريقه الخاص كما فعل والده قبله، مع التأكيد على الأسس التي بُنيت عليها الملكية الدستورية في النرويج. وأعلن أنه سيبقي على شعار والده «كل شيء للنرويج». وعلّق رئيس الوزراء النرويجي على تولي الملك هاكون العرش بالقول إنه يتشارك كثيراً من الصفات مع والده، خاصة «قدرته على خلق مناخ من الوحدة» بين النرويجيين.

مسؤوليات متزايدة ... ودور منتظر

من ناحية ثانية، مع أن هاكون توجّ ملكاً في ظروف صعبة وتراجع في شعبية العائلة المالكة، فقد ولد وكبر بانتظار يوم يغدو فيه ملكاً. ولقد تحمل في السنوات الأخيرة مسؤوليات متزايدة مع غياب والده كثيراً بداعي المرض، ما جعله متمرّساً أكثر بالدور الأكبر، رغم تشكيك البعض بقدرته على ملء مكان والده الذي كان يحظى بشعبيته كبيرة. واليوم ها هو هاكون الملك الرابع في النرويج بعد إعادة الملكية عام 1905عندما استقلت البلاد عن السويد.

وهاكون هو الابن الوحيد للملك الراحل هارالد وزوجته سونيا، وقد سمي على اسم جده الأكبر هاكون السابع، وهو أيضاً حفيد بعيد للملكة فيكتوريا، ملكة بريطانيا السابقة. ومثل معظم الرجال في العائلة المالكة، لهاكون خلفية عسكرية؛ فقد خدم في البحرية النرويجية بعد تخرجه من الأكاديمية البحرية عام 1995.

ولكن خلافاً لوالده وجدّه، فإن هاكون لم يدرس في جامعة أكسفورد العريقة في بريطانيا، بل اختار عوضاً عن ذلك جامعة كاليفورنيا - بيركلي المرموقة في الولايات المتحدة، حيث درس العلوم السياسية، ثم حصل على درجة الماجستير من مدرسة لندن للاقتصاد (LSE).

ومع أن هاكون كان يعي منذ صغره أنه وريث للعرش النرويجي، فقد وجد مسؤولياته الملكية صعبة في البداية، وكتب في مذكراته التي نشرت عام 2023: «نعم أنا من العائلة المالكة، ولكنني في المدرسة لم أشأ الحديث بالأمر، فقد كان ذلك يشعرني بالقلق». وفعلاً، بخلاف أولاد العائلة المالكة، أرتاد مدرسة عامة من مدارس الدولة في الثمانينات، ما عكس إرادة والديه آنذاك بإعطاء ولديهما نشأة عادية قدر المستطاع. وسريعاً صار هاكون ولي العهد وهو في سن الـ17 فقط عند وفاة جده الملك أولاف الخامس وتتويج أبيه هارالد ملكاً عام 1991.

تفاصيل من حياته العائلية

التقى هاكون بزوجته ميته ماريت عام 1999 في حفل موسيقي بمدينة كريستيانستاند من حيث تتحدر هي. ووصفتها الصحافة آنذاك بـ«سندريلا كريستيانستاند» نظراً لنشأتها المتواضعة هناك. وعلى الرغم من الجدل المحيط بارتباط الأمير بفتاة من العامة لديها ابن يبلغ من العمر 4 سنوات، تزوج هاكون من ميته ماريت عام 2001. وشبّه معلّقون في النرويج علاقتهما بعلاقة الملك إدوارد الثامن الذي تخلى عن العرش البريطاني كي يرتبط بواليس سيمبسون، السيدة الأميركية المطلقة.

آنذاك، تنبأ كثيرون بأن هذا الزواج قد يحمل نهاية العائلة المالكة. وتساءل كثيرون عما إذا كانت حياة ميته ماريت الصاخبة - قبل تعرفها على هاكون - مناسبة لحياة العائلة الملكية. لكنها نجحت بكسب ودّ النرويجيين عندما قدّمت اعتذاراً علنياً عن ماضيها وطلبت فتح صفحة جديدة. ومنذ زواجهما ينظر إليهما على أنهما يمثلان العائلة الملكية الحديثة، ويجيدان التواصل مع النرويجيين العاديين. ولكن شعبيتها عادت للتراجع، تحديداً مع تورط ابنها بقضايا اغتصاب، نفاها كلها، ثم تورّطها هي بعلاقة صداقة مع إبستين. ورغم تكرار العائلة الملكية بأن ماريوس لا يحمل أي ألقاب ملكية، فإن تلك الفضائح عادت وسلّطت الضوء بشكل سلبي على العائلة. وبالتالي، فالتحدّي الماثل أمام الملك هاكون اليوم هو مدى قدرته على إبعاد نفسه عن هذه الفضائح وإعادة الثقة وخلق مناخ وحدة بين النرويجيين كما فعل والده.


رابع ملوك سلالة غلوكسبورغ يتأهب لنقل النرويج إلى حقبة جديدة

الملك السابق الراحل هارالد الخامس (آ ف ب/غيتي)
الملك السابق الراحل هارالد الخامس (آ ف ب/غيتي)
TT

رابع ملوك سلالة غلوكسبورغ يتأهب لنقل النرويج إلى حقبة جديدة

الملك السابق الراحل هارالد الخامس (آ ف ب/غيتي)
الملك السابق الراحل هارالد الخامس (آ ف ب/غيتي)

منذ استقلال النرويج عن السويد عام 1905، تعاقب على عرشها أربعة ملوك من سلالة غلوكسبورغ قبل الملك الحالي هاكون الثامن، الذي تولى العرش قبل أيام.

جدير بالذكر أن الملك في النرويج لا يتمتع بسلطات سياسية تنفيذية ولكنه يعتبر رمزاً للبلاد ووحدتها، وبالتالي يعد دوره بروتوكولياً أشبه بدور الملك في بريطانيا.

كان أول ملوك النرويج بعد الاستقلال هاكون السابع الذي تولّى العرش بين العامين 1905 و1957. وتميّز عهده الطويل بترسيخ أركان النظام الملكي الدستوري، وتعزيز الهوية الوطنية النرويجية. وكان من أبرز مفاصل حكمه إبان الحرب العالمية الثانية، عندما رفض التعاون مع الاحتلال النازي، وغادر بلاده إلى بريطانيا مع الحكومة النرويجية، ليغدو رمزاً للمقاومة والوحدة الوطنية.

خلف هاكون السابع ابنه أولاف الخامس الذي تولى العرش بين العامين 1957 و1991. عُرف بشخصيته المتواضعة والقريبة من الشعب. وشهد عهده مرحلة طويلة من الاستقرار والازدهار الاقتصادي، بالتزامن مع اكتشاف النفط والغاز في بحر الشمال، وهو ما ساهم في تحوّل النرويج إلى واحدة من أغنى دول العالم. وفضلاَ عن ذلك اشتهر الملك أولاف بحبه للرياضة والتزلج وبأسلوب حياته البسيط الذي جعله يحظى بشعبية واسعة.

هارالد الخامس، ابن أولاف، الذي توفي قبل أسبوع، ثالث ملوك النرويج. ولقد تولى العرش عام 1991 بعد وفاة والده وبقي في منصبه نحو 35 سنة حتى وفاته. وخلال سنوات عهده واجهت النرويج قضايا سياسية واجتماعية واقتصادية كبرى، بينما عزّز هارالد صورة الملكية باعتبارها مؤسّسة جامعة للنرويجيين. وكان زواجه من الملكة سونيا، وهي من عامة الشعب، علامة على تغيّر المجتمع والملكية النرويجية. ومثل أبيه قبله، عرف هارالد بشخصيّته القريبة من الشعب وكان يتمتع بروح فكاهة جعلته واسع الشعبية. وبالأمس، بعد وفاته خلفه ابنه هاكون الثامن بعدما أمضى عقوداً ولياً للعهد يتأهب لدوره الملكي. وعلى الرغم من أن عهده بدأ للتو، فإن الشعبية الكبيرة التي تمتعت بها العائلة المالكة تراجعت أخيراً إلى حد ما.

الملك الجديد معروف باهتمامه بقضايا البيئة والشباب والتنمية وبخبرته الدولية الواسعة، بجانب كونه أول عاهل نرويجي يتلقى تعليمه الجامعي في الولايات المتحدة، بخلاف أبيه وجده اللذين درسا في جامعة أوكسفورد البريطانية، وهذا على الرغم من الروابط العائلية التي تجمع العائلتين الملكيتين النرويجية والبريطانية.