انتقادات واسعة لهدم مقابر وأضرحة تراثية جديدة بالقاهرة

وسط محاولات للحفاظ على لوحاتها ونقوشها الفريدة

مقابر قديمة تم إزالتها بمنطقة الإمام الشافعي
مقابر قديمة تم إزالتها بمنطقة الإمام الشافعي
TT

انتقادات واسعة لهدم مقابر وأضرحة تراثية جديدة بالقاهرة

مقابر قديمة تم إزالتها بمنطقة الإمام الشافعي
مقابر قديمة تم إزالتها بمنطقة الإمام الشافعي

أثار هدم مقابر وأحواش تراثية جديدة بجبانة القاهرة التاريخية انتقادات واسعة في البلاد من قبل آثاريين وسياسيين خلال الساعات القليلة الماضية، وأعرب عدد كبير من محبي التراث عن حزنهم الشديد لما آلت إليه جبانة القاهرة.

وفي محاولة لإنقاذ الشواهد واللوحات والنقوش والمقرنصات الفريدة، عكف مهتمون بالتراث على تجميع بعض هذه القطع خوفاً عليها من السرقة، وحفاظاً عليها من الاندثار، معبرين عن خوفهم من هدم نحو 17 مقبرة مسجلة بقائمة الجهاز القومي للتنسيق الحضاري، من بينها مقبرة علي باشا فهمي، ومقابر عائلة الدرامللي، وذلك بعد هدم مدفن عتقاء البرنس إبراهيم حلمي ابن الخديوي إسماعيل، التي مرّ على إنشائها أكثر من قرن، وسط حالة شديدة من استياء الآثاريين.

مدفن عائلة الدرامللي

وبينما أكد الدكتور أبو بكر عبد الله، نائب قطاع الآثار الإسلامية والقبطية، بوزارة السياحة والآثار المصرية، في تصريحات مقتضبة لـ«الشرق الأوسط»، على «عدم هدم أي مبنى أثري مسجل في قوائم الآثار الإسلامية»، فإن آثاريين اتهموا وزارة السياحة والآثار بالتقصير والإهمال الشديد لعدم حماية المدافن التراثية الفريدة التي جرى هدمها ويتم التخطيط لهدم أخرى غيرها، ورأوا أنها ينطبق عليها شروط المباني الأثرية من حيث مرور 100 عام على إنشائها بجانب طرازها المعمار الفريد الذي يجب الاهتمام به بدلاً من السماح بهدمه.

مصر تسعى لشق طرق بالقرافة الصغرى

وأعرب الدكتور محمد عبد المقصود، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار سابقاً، عن «استيائه من صمت الجهات المختصة بحماية الآثار والتراث، وعدم توضيح حقيقة الأمور للجمهور العادي».

مبيناً أنه من «غير المنطقي ترك حماية التراث والنقوش واللوحات النادرة للجهود الشخصية».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «في الوقت الذي تحاول فيها قطاعات وزارة الآثار وجهاز التنسيق الحضاري، التنصل من المسؤولية، فإنه لا يمكن للجرافات إزالة أي مبنى بمدافن القاهرة التاريخية من دون الحصول على موافقتها».

مدفن علي باشا فهمي

ولفت عبد المقصود إلى أن «وزارة السياحة والآثار تقاعست عن أداء دورها في تسجيل الآثار بعد صدور قرار وزاري في عهد وزير الآثار الأسبق الدكتور ممدوح الدماطي بضرورة تشكيل لجان وتسجيل المباني التاريخية بالمنطقة في عام 2015، مؤكداً أنه لم يتم إلغاء هذا القرار حتى الآن».

شواهد متبقية من مقابر تم إزالتها

وتسعى الحكومة المصرية لإنشاء محاور مرورية جديدة للربط بين شرق وجنوب القاهرة عبر هذه الجبانة التاريخية، المسجلة في قوائم تراث اليونسكو.

بدوره، أدان الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، في بيان له، الخميس، التعدي على تراث القاهرة العمراني في أعمال الإنشاءات التي طالت منطقة جبانات القاهرة الأثرية، وقال إنه «يتابع بقلق بالغ تطورات أعمال الإنشاءات بنطاق القاهرة التاريخية، التي طالت منطقة جباناتها الأثرية، والتي تعد أحد أهم معالم تراث المدينة العمراني الممتد عبر مئات السنين من التراكم الحضاري والإنساني».

وأشار إلى هذه المنطقة تعرضت لإهمال بالغ، وشهدت أعمال نهب، أحدثها ما تعرض له مدفن أمير الشعراء أحمد شوقي بالسرقة، وسط غياب كامل لدور المؤسسات المعنية».

ودعا الحزب إلى تنفيذ «التزامات الحكومة الخاصة بإعادة دراسة موقف أعمال التطوير، وملائمتها لتاريخية المناطق موقع التنفيذ، وتكثيف أعمال التأمين والحراسة وفتح تحقيق عاجل».

شارك في إنشاء مدافن القاهرة عدد من كبار المعماريين الأجانب، منهم المهندس الإيطالي إرنستو فيروتشي، كبير المهندسين في السرايات الملكية، وصاحب تصميم قصر رأس التين، ومبنى معهد الموسيقى العربية، وإضافات قصر عابدين.

وتضم جَبَّانة القاهرة بين جوانبها مقابر بعض الشخصيات الشهيرة، أمثال الإمام ورش، صاحب «قراءة ورش» القرآنية، ومقام الإمام وكيع مقرئ الإمام الشافعي، والشيخ محمد رفعت، وعبد الخالق باشا ثروت، والشمسي باشا، وعثمان مصطفى، ومحمد نسيم توفيق.

كما تضم رفات فنانين مشاهير، من بينهم يوسف وهبي، وأم كلثوم، وعبد الحليم حافظ، وأسمهان، وفريد الأطرش، وهند رستم، وصلاح ذو الفقار.

ومن الشعراء تضم مقبرة محمود سامي البارودي، الذي خدم وزيراً للحربية، و«شاعر النيل» حافظ إبراهيم، و«عميد الأدب العربي» طه حسين.

من جهتها، قالت الدكتورة سهير حواس، أستاذة العمارة والتصميم العمراني بقسم الهندسة المعمارية بجامعة القاهرة، إن المقابر والأضرحة التي يتم هدمها بالفعل ليست موجودة في قوائم الآثار، لكنها مسجلة في قوائم هيئة التنسيق الحضاري، وقد تشكلت لجنة من وزارة الآثار للبتّ في قضية 17 مقبرة مسجلة ضمن قوائم المنشآت والمباني المحمية بموجب القانون لدى الهيئة القومية للتنسيق الحضاري، فضلاً عن منظمة اليونسكو.

وتتساءل حواس: «ما هي المنفعة العامة التي توضع في الميزان أمام التراث؟»، لافتة: «هذه مقابر مهمة وغير جائز التخلص منها، لأنها لعائلات ورموز مهمة جداً في تاريخ الوطن».

يوجد 17 مقبرة مسجلة بقوائم تراث الجهاز القومي للتنسيق الحضاري (تصوير: عبد الفتاح فرج)

وأضافت حواس لـ«الشرق الأوسط»: «كانت هناك لجنة سابقة تشكلت بناء على قرار رئيس الجمهورية بوقف أعمال الإزالة لحين إبداء الرأي في قيمة المقابر، ولا أحد يعلم ما الذي خرجت به هذه اللجنة، وما الذي اتخذته»، موضحة أنه تم «تشكيل لجنة جديدة للبت في قرار الـ17 مقبرة المسجلة، لإخراجها من قائمة الحماية».


مقالات ذات صلة

مخاوف في مصر من تسرب مياه الصرف إلى جامع أحمد بن طولون

يوميات الشرق صحن جامع أحمد بن طولون (وزارة السياحة والآثار)

مخاوف في مصر من تسرب مياه الصرف إلى جامع أحمد بن طولون

الإجراءات العاجلة والتحركات التي أعلنتها وزارة السياحة والآثار المصرية من أجل حماية جامع أحمد بن طولون الأثري من مياه الصرف الصحي، لم تمنع مخاوف أثرية عليه.

حمدي عابدين (القاهرة )
يوميات الشرق القاهرة الخديوية تحظى بخطط تطوير (المقاولون العرب)

مصر تراهن على نجاح تحويل قلب القاهرة إلى مزار مفتوح

تراهن مصر على تحويل قلب القاهرة إلى متحف مفتوح عبر مشروعات للتطوير والترميم وإعادة تأهيل مواقع ومناطق مختلفة.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق وجوه الفيوم تحمل تعبيرات قوية (المتحف المصري)

«بورتريهات الفيوم»... عيون من الماضي تلتقي روما

هذه البورتريهات ليست صوراً تذكارية بالمعنى الحديث، وإنما ارتبطت بالممارسات الجنائزية المصرية.

محمد الكفراوي (القاهرة )
المشرق العربي الولايات المتحدة تعيد إلى لبنان قطعاً أثرية قديمة

الولايات المتحدة تعيد إلى لبنان قطعاً أثرية قديمة نُهبت من مدينة صور

أعلنت الولايات المتحدة، الخميس، أنها أعادت إلى لبنان قطعاً من توابيت رصاصية تعود إلى العصر الروماني، أُخرجت بشكل غير قانوني من مدينة صور الجنوبية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
يوميات الشرق ملوك ورؤساء وقادة العالم في افتتاح المتحف المصري الكبير (الصفحة الرسمية لملك إسبانيا على فيسبوك)

«المتحف الكبير»... أيقونة مصرية جديدة لاستقبال الزعماء والرؤساء

جددت زيارة الرئيس الصيني شي جينبينغ للمتحف المصري الكبير، الأربعاء، ضمن زيارته الرسمية لمصر خلال هذه الأيام، الحضور «الأيقوني» للمتحف الذي يعد الأكبر في العالم.

محمد الكفراوي (القاهرة)

نصيحتان من «مُدرب المديرين»... كيف تدفع الآخرين للإنصات إليك؟

إذا تعلمت أن تبدو وتتصرف كقائد فسيعاملك الناس كقائد (بيكسلز)
إذا تعلمت أن تبدو وتتصرف كقائد فسيعاملك الناس كقائد (بيكسلز)
TT

نصيحتان من «مُدرب المديرين»... كيف تدفع الآخرين للإنصات إليك؟

إذا تعلمت أن تبدو وتتصرف كقائد فسيعاملك الناس كقائد (بيكسلز)
إذا تعلمت أن تبدو وتتصرف كقائد فسيعاملك الناس كقائد (بيكسلز)

يقول جون بوي، الصحافي ومدرب الخطابة، في مقال على موقع «سي إن بي سي»: «بعد سنوات من تدريب المديرين التنفيذيين على التواصل الفعّال، أوافق على أن الملابس الأنيقة والوقفة الجيدة مفيدتان بلا شك. لكنهما لا تساعدانك في قيادة الناس أو الشركات».

تتلخص القيادة في إظهار حُسن التقدير باستمرار، وغالباً من خلال ما تقوله وكيف تقوله. الأشخاص الذين نراهم أصحاب سلطة يميلون إلى معرفة ما يقولونه قبل بقيتنا. يبدو أنهم ينقلون معنى أكثر بكلمات أقل، وينظمون الأفكار المعقدة بطرق بسيطة، والأهم: يعرفون متى يتوقفون عن الكلام.

ويضيف بوي: «هذه العادات تجعل الناس يرغبون في الاستماع إليك. إنها ليست قائمة على الشخصية، بل هي مهارات يمكنك تعلّمها». إليك أهم نصيحتين للبدء بهما:

تكلَّم أقل

تخيل أن شخصاً ما يسأل، في غرفة مليئة بالزملاء: «هل سيكون التقرير جاهزاً يوم الثلاثاء؟» قارن بين هاتين الإجابتين:

* «حسناً، آه، أعني، أعتقد أننا ربما سنتمكن من تجهيزه بحلول ذلك الوقت؟ ما زلنا ننتظر بعض الأرقام من فريق المالية، لكن بناءً على ما سيحدث هناك، بافتراض أننا سنحصل عليها صباح الاثنين أو حتى في وقت لاحق من الاثنين قبل، الساعة الثالثة، على ما أظن، إذن نعم، الثلاثاء يجب أن يكون ممكناً، أو هكذا نأمل».

* «نعم. سنجهّزه يوم الثلاثاء».

يشرح بوي: «في تجربتي، كلما كان الرتبة أعلى، كانت الإجابات أقصر. غالباً ما يكون لدى الموظفين الجدد إحساس مفرط بالذات، وإدراك محدود للغاية بأن الطرف الآخر لا يريد سماعهم يفكرون بصوت عالٍ أو يثبتون ذكاءهم. الإطالة في الشرح هي واحدة من أسرع الطرق لإضعاف هيبتك».

لذا، فإن الخطوة الكبرى الأولى نحو الحضور التنفيذي هي التخلص من الكلمات والعبارات الزائدة التي تعترض الطريق. إليك بعض الأنواع الشائعة مما أسميه «الضجيج اللفظي»، والتي يمكنك البدء بحذفها من كلامك:

الحشو

كلمات مثل «آه» و«أتعلم» تجعل آذان الجمهور وعقولهم تعمل بجهد أكبر، لكنها لا تضيف شيئاً لفهمهم.

عبارات التلطيف

هي كلمات أو جمل تضعف قوة العبارة دون تغيير مضمونها، مثل «أعتقد» و«ربما» و«نوعاً ما» و«أردت فقط أن أقول بسرعة...» و«إن كان هذا منطقياً».

الصياغة المتعثرة أو الكلمات الزائدة

استبدل «سبعة» بـ«نحو ستة أو سبعة»، واستبدل «إذا حصلنا عليها بحلول الساعة 3 من بعد ظهر الاثنين»، بـ«بافتراض أننا سنحصل عليها صباح الاثنين أو حتى في وقت لاحق من الاثنين قبل، مثلاً، الساعة 3 مساءً».

الرطانة

العبارات الاصطلاحية تُضعف انتباه جمهورك وتجعلك أصعب في الفهم. استخدم دائماً أبسط العبارات وأكثرها مباشرة.

الشرح الزائد

الإجابات التي تتجاوز نطاق السؤال تضعف ما تحاول توصيله بمعلومات غير ضرورية وغالباً غير مفيدة.

أعطِ الإجابة أولاً

يجب أن تبدأ كلامك بالإجابة، ثم اشرح السبب، مع تقديم ثلاث إلى خمس نقاط داعمة متميزة لكلامك.

يُكوِّن الناس أحكاماً حول المتحدثين بسرعة ملحوظة. إذا لم يعرفوا أين تتجه بحديثك خلال بضع ثوانٍ، فقد يفقدون التركيز ويبدأون في التساؤل عما إذا كنت تعرف ما تتحدث عنه. لكن إذا أعطيت الناس الإجابة أولاً، فمن المرجح أن يستمروا في الاستماع.

من الواضح أن ليس كل سؤال يصلح لإجابة مختصرة مثالية؛ فأنت لا تريد التبسيط المفرط أو إيصال يقين زائف. الهدف هو التمييز بين المعلومات التي يحتاج إليها جمهورك والمعلومات التي تصادف أن تعرفها أنت.

كلما تعلّمت التحدث بلغة موجزة وتقريرية، وكلما تدربت أكثر على تقديم إجاباتك أولاً، أصبح من الأسهل التوقف عن الاسترسال، وتقليص عاداتك اللفظية السيئة، وتقديم ردود تبدو مقصودة وسهلة المتابعة، حتى عندما يكون الموضوع معقداً. على الأرجح ستصبح أيضاً أقل توتراً وأكثر ثقة. وفي مرحلة ما، لن تحتاج إلى تصنّع أو «إظهار» السلطة. بل ستمتلكها.


ما أفضل طريقة للتعبير عن حبك لأطفالك؟

تربية الأطفال أمر صعب ومرهق (رويترز)
تربية الأطفال أمر صعب ومرهق (رويترز)
TT

ما أفضل طريقة للتعبير عن حبك لأطفالك؟

تربية الأطفال أمر صعب ومرهق (رويترز)
تربية الأطفال أمر صعب ومرهق (رويترز)

طرحت هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) سؤالاً بشأن أفضل طريقة للتعبير عن حبك لأطفالك على خلفية الجدل الذي أثاره أسطورة كرة القدم الإنجليزية، مايكل أوين، هذا الأسبوع بعد تصريحه بأنه «لا يخبر أطفاله أبداً» بأنه يحبهم، رغم أنهم يمثلون بالنسبة له «أغلى ما في الوجود».

وقال الأب لأربعة أبناء، في مقابلة عبر بودكاست مع جيمي لينغ: «لا أقول شيئاً من هذا القبيل. أفترض ببساطة أن أفعالي ستُظهر لهم أنني أحبهم. وأعتقد أن معظمنا يتصرفون على هذا النحو».

وقالت «بي بي سي» إنه في حين أبدى البعض استغرابهم من تعليقات أوين، مؤكدين حرصهم الدائم على إخبار أطفالهم بمشاعرهم، فإنَّ آباء آخرين أشاروا إلى أنهم يشاركون المهاجم السابق وجهة نظره هذه.

وطرح هذا النقاش تساؤلاً مهماً: ما مدى أهمية الأفعال، أم الكلمات، أم كليهما؟

ويؤكد الخبراء أن شعور الطفل بالحب ينبع من أمور تتجاوز مجرد عبارة بسيطة.

وتقول الدكتورة باتريشيا بريتو، متخصصة علم النفس التربوي: «على الرغم من أهمية الكلمات في كثير من الأحيان، فإن الأمر الأهم هو أن يشعر الطفل بالأمان والتقدير والاستقرار العاطفي».

وتابعت: «لا ينبغي أن نستنتج أن الأطفال قد تعرَّضوا لأضرار نفسية لمجرد أنهم لا يسمعون تلك الكلمات؛ فقد يلمسون الحب بوضوح شديد من خلال الأفعال».

وتضيف الدكتورة بريتو أن المسألة الأهم بالنسبة لكثير من الأطفال تكمن في مدى شعورهم بأن المودة «يُعبَّر عنها باستمرار»، سواء كان ذلك عبر الكلمات أو الأفعال، أو - وهو الأفضل- من خلال الجمع بينهما.

وتوضح ذلك قائلة: «إذا قلت لطفل (أنا أحبك، أنا أحبك)، ولكنك لا تحضر أياً من مباريات كرة القدم أو العروض الخاصة به، فقد لا يشعر بالحب فعلياً؛ إذ قد يرى أنها مجرد كلمات جوفاء».

ويؤيد هذا الرأي الأب آرون ديل، مؤلف كتاب حول تربية الأبناء

إذ يقول: «الأمر لا يتعلق بالمفاضلة بين الكلمات والأفعال؛ فلا ينبغي أن تتنافس هذه العناصر مع بعضها، بل يجب أن تكمل بعضها بعضاً».

ويضيف: «الكلمات تُستخدَم لإيصال الرسالة، بينما تُعدُّ الأفعال بمثابة الدليل العملي عليها».

وأشار ديل إلى أن والده كان كثيراً ما يقول له «أنا أحبك» بعد أن يخذله، مما كان يقلل من قيمة تلك الكلمات ومعناها.

ومع ذلك، يرى بعض الآباء والأمهات أنه من الضروري للغاية أن يسمع الطفل عبارات تعبِّر عن حبهم له، فقد عبّر أب لطفلة تبلغ من العمر 7 سنوات عن استغرابه من تصريحات أوين، واصفاً إياها بأنها «فظيعة». وقال: «يجب عليك دائماً أن تخبر أطفالك بأنك تحبهم مهما حدث؛ سواء تصرفوا بشكل سيئ أو جيد».

وفي تعليق نُشر عبر الإنترنت رداً على مقطع الفيديو الخاص بأوين، كتب أب آخر: «يا أيها الآباء والأمهات - أو مَن يخططون للإنجاب - لا تستمعوا إلى هذا الرجل... أخبروا أطفالكم بأنكم تحبونهم كل يوم، حتى وإن كان ذلك يزعجهم».

ورغم أن تصريحات أوين قد أثارت ردود فعل قوية، فمن الواضح أن هناك طرقاً لا حصر لها يعبِّر بها الآباء عن حبهم لأبنائهم.

مايكل أوين نجم منتخب إنجلترا السابق (الشرق الأوسط)

وتؤكد الدكتورة بريتو أن الأهم من ذلك كله هو الحرص على أن يشعر الأبناء بالانتماء؛ إذ تتساءل: «هل يشعرون بأنهم محبوبون؟ وهل يشعرون بأنهم مرغوب فيهم؟».

وتضيف: «هل يشعرون بأنهم ذوو قيمة وأهمية، بدلاً من الاكتفاء بمجرد سماع الكلمات؟».

ولفتت «بي بي سي» إلى أن مهاجم إنجلترا السابق تحدث بمشاعر مؤثرة عن فقدان ابنه جيمس لبصره في عام 2024، قائلاً: «لو كان بإمكاني منحه عينيّ... لفعلت ذلك»، وعندما حثه مقدم البودكاست، لينغ، على توضيح سبب عدم إفصاحه بحرية عن عبارة «أنا أحبك»، أجاب أوين بأنه «يود لو كان ليناً بعض الشيء».

وقال: «أنا أصبح أكثر ليونة بالتأكيد، لكنني لم أصل بعد إلى درجة تسمح لي بقول شيء مثل هذا».

ويشير كل من ديل، والدكتورة بريتو، إلى أن استخدام كلمة «لين» (أو رقيق) لوصف التعبير للأطفال عن الحب يعكس مواقف راسخة لدى كثير من الآباء تجاه التربية.

ويقولان إن هذا الأمر ناتج عن سياقات مختلفة، مثل الثقافة، والطبقة الاجتماعية، والنوع الاجتماعي، والفجوة بين الأجيال.

ويقول ديل: «أعتقد أن هذا هو الجانب الخطير في الأمر؛ أي الاعتقاد السائد حول ما ينبغي على الرجال فعله، وما لا ينبغي عليهم فعله».

ويضيف أن كثيراً من الآباء يعتقدون أن دورهم يقتصر ببساطة على «توفير الاحتياجات المادية»، في حين أن بإمكانهم تقديم ما هو أكثر من ذلك بكثير.


145 مليار دولار ترسم خريطة العطاء السعودي حول العالم

عطاء سعودي بهوية محلَّية وأثر يتجاوز الحدود (واس)
عطاء سعودي بهوية محلَّية وأثر يتجاوز الحدود (واس)
TT

145 مليار دولار ترسم خريطة العطاء السعودي حول العالم

عطاء سعودي بهوية محلَّية وأثر يتجاوز الحدود (واس)
عطاء سعودي بهوية محلَّية وأثر يتجاوز الحدود (واس)

لم يكن البذل والعطاء في الثقافة السعودية يوماً موقفاً عابراً أو استجابة طارئة، وإنما هو امتداد لهوية وطنية جعلت من العطاء نهجاً مستداماً تخطَّى حدود الجغرافيا وعَبَرَ القارات، مادّاً يد العون لملايين المحتاجين في شتى بقاع الأرض، في مسيرة إنسانية جعلت كرامة الإنسان محورها الثابت وغايتها الأسمى.

وفي الوقت الذي يحتفي فيه العالم بـ«اليوم الدولي للعمل الخيري»، الذي يوافق الخامس من سبتمبر (أيلول) من كلِّ عام، تقف السعودية بتاريخها الإنساني المشرِّف أمةً جعلت من العطاء هوية، ومن الرحمة رسالة، ومن التكافل منهاجاً؛ إذ قدَّمت 9 آلاف و30 مشروعاً إنسانياً وتنموياً وخيرياً في 175 دولة، بقيمة تجاوزت 145 مليار دولار.

العطاء السعودي يصل إلى ملايين المحتاجين عبر قارات العالم (واس)

وأنشأت السعودية «مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية» في 13 مايو (أيار) 2015، بتوجيهات من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، ليكون الذراع الإنسانية للمملكة في الخارج، والجهة المخوَّلة بإيصال مساعداتها الدولية. وغدا المركز صوتاً للمكلومين، وأملاً للمحرومين، وجسراً تعبُر عليه قوافل الخير إلى كلِّ بقعة يشكو فيها إنسان، محقِّقاً منذ إنشائه 4 آلاف و457 مشروعاً إنسانياً وإغاثياً في 113 دولة، بقيمة تجاوزت 8 مليارات دولار.

ولأنَّ هذا العطاء السعودي الممتدَّ إلى جهات العالم الأربع كان بحاجة إلى منصة تنظِّم العطاء وتوجِّه الطاقات الخيِّرة نحو مستحقيها، جاءت «البوابة السعودية للتطوُّع الخارجي» التابعة لـ«مركز الملك سلمان للإغاثة»، لتربط المتطوِّعين بالمحتاجين، من خلال مشاركة 84 ألفاً و388 متطوِّعاً في 1446 برنامجاً طبياً وتدريبياً وغيرها من البرامج، استفاد منها مليونان و857 ألفاً و813 فرداً في 59 دولة، فضلاً عن إجراء 273 ألفاً و350 عملية جراحية.

قوافل الإغاثة السعودية تمدُّ يد العون إلى المحتاجين حول العالم (واس)

كما أشرف المركز على «البرنامج السعودي للتوائم الملتصقة»؛ إذ درس 158 حالة، وأجرى 72 عملية ناجحة لتوائم ملتصقة من 28 دولة في 5 قارات حول العالم، ليكون من المبادرات الإنسانية النبيلة التي تقدِّمها المملكة. ويتحمَّل البرنامج جميع نفقات عمليات فصل التوائم وعلاجهم وتأهيلهم بعد الفصل، إلى جانب تكفُّله بمصاريف النقل واستضافة التوائم وذويهم داخل المملكة طوال فترة الرعاية الطبية، ليبقوا بالقرب من أبنائهم، ويبثَّ فيهم روح التفاؤل بمستقبل صحي مشرق لذريتهم، يزيح عن كاهلهم القلق والخوف.

ولإبراز جهود السعودية دولياً وحفظ حقوقها في العطاء، أسوة بالدول المانحة الكبرى، أُنشئت منصات مخصصة للتوثيق والتسجيل الدولي، مثل «منصة المساعدات السعودية» و«منصة المساعدات المقدَّمة للاجئين في المملكة». كما برزت منصة التبرُّع الإلكترونية «ساهم»، التي استطاعت جمع ما يزيد على مليار و701 مليون ريال، بمشاركة أكثر من 9 ملايين و829 ألف متبرع.

وحصدت السعودية، ممثَّلة بـ«مركز الملك سلمان للإغاثة»، سلسلة من الجوائز والتكريمات الدولية، منها «جائزة المؤسسات الصديقة للأسرة والطفولة» لعام 2024، تقديراً لجهوده في دعم الأطفال والأُسر الفلسطينية في ظروف الاحتلال، و«جائزة الإنجاز الإنساني العالمي» لإسهاماته البارزة في العمل الإغاثي والإنساني دولياً.

273 ألفاً و350 عملية جراحية ضمن برامج الإغاثة السعودية (واس)

واعتمدت الأمم المتحدة عام 2024 مبادرة المملكة بتخصيص يوم 24 نوفمبر (تشرين الثاني) يوماً عالمياً لـ«التوائم الملتصقة»، بهدف رفع مستوى الوعي حول هذه الحالات الإنسانية، والاحتفاء بالإنجازات في مجال عمليات فصل التوائم الملتصقة. كما حقَّقت المملكة المرتبة الثانية عالمياً والأولى عربياً بين الدول المانحة في تقديم المساعدات الإنسانية والإغاثية لعام 2025، وفق منصة التتبع المالي التابعة للأمم المتحدة (FTS).

ويأتي هذا الدور الإنساني البارز لـ«مركز الملك سلمان للإغاثة» متزامناً مع «اليوم العالمي للعمل الخيري»، ليؤكد أنَّ المملكة لا تكتفي بالاحتفاء بالمناسبة؛ بل تعكس معانيها واقعاً ملموساً، متَّخذة من رؤيتها الطموحة «2030» نبراساً يقود العمل الإنساني السعودي إلى معارج العلا، لتتجلَّى الإنسانية بأبهى صورها، سعودية الهوية، عالمية الأثر.