بنايات طشقند الحديثة... إرث معماري وإلهام للمحافل الدولية

استوحيت منها أجنحة أوزبكستان في "إكسبو أوساكا" و"بينالي فينيسيا"... وتنتظر مكانها في قائمة اليونيسكو

أوتيل أوزبكستان رمز معماري (كاريل بالاس. من كتاب "طشقند: عاصمة الحداثة"، ريزولي نيويورك. بإذن من مؤسسة أوزبكستان لتنمية الفن والثقافة.)
أوتيل أوزبكستان رمز معماري (كاريل بالاس. من كتاب "طشقند: عاصمة الحداثة"، ريزولي نيويورك. بإذن من مؤسسة أوزبكستان لتنمية الفن والثقافة.)
TT

بنايات طشقند الحديثة... إرث معماري وإلهام للمحافل الدولية

أوتيل أوزبكستان رمز معماري (كاريل بالاس. من كتاب "طشقند: عاصمة الحداثة"، ريزولي نيويورك. بإذن من مؤسسة أوزبكستان لتنمية الفن والثقافة.)
أوتيل أوزبكستان رمز معماري (كاريل بالاس. من كتاب "طشقند: عاصمة الحداثة"، ريزولي نيويورك. بإذن من مؤسسة أوزبكستان لتنمية الفن والثقافة.)

لمدينة طشقند بأوزبكستان طابع خاص؛ فهي تتميز بالبنايات العصرية في الغالب، وليست أي بنايات؛ فهي تتميز بالحجم الضخم والامتداد على مساحات واسعة، ولا يبدو ذلك غريباً في المدينة التي تتميز بشوارعها العريضة التي تحدها الحدائق والأشجار. ولكن للبنايات التي تصادفنا تاريخاً ومعماراً متميزاً.

وفي العموم، تستحق المباني الحديثة التي بُنِيت في النصف الثاني من القرن العشرين الزيارة والتأمل في تفاصيل المعمار الحديث المخلوط بعوامل من التراث الإسلامي للمدينة. لكل بناية حكاية ومصممون معماريون من الروس والأوزبك، ولكن العنصر الجامع بينها هو المعمار المميز بالصلابة والقوة والضخامة، أمر كان مهماً بعد الزلزال المدمر الذي قضى على أجزاء كبيرة من طشقند في عام 1966.

كلية الفنون الجمهورية (كاريل بالاس. من كتاب "طشقند: عاصمة الحداثة"، ريزولي نيويورك. بإذن من مؤسسة أوزبكستان لتنمية الفن والثقافة.)

وحالياً، يجري مشروع ضخم لحصر ومعاينة مباني مدينة طشقند الأيقونية بأوزبكستان التي جعلت من المدينة مركزاً مهماً في آسيا الوسطى إلى درجة أن أُطلق عليها لقب «موسكو الشرق». وبحسب جايان عوميروفا المدير التنفيذي لمؤسسة تنمية الفنون والثقافة تحت إشراف وِزَارَة الثقافة في أوزبكستان، فالطرز المعمارية التي تميزت بها المباني في طشقند خرجت عن الأنماط الأوروبية، ودمجت الأنماط التراثية والأشكال الإسلامية مع التصاميم المعاصرة.

عوميروفا تقود مع فريق من المعماريين والباحثين وخبراء الترميم العالميين مشروعاً ضخماً لأرشفة وتوثيق العمارة الحداثية في طشقند. وأسفرت مجهودات المؤسسة عن تسجيل 20 مبنى في القائمة الوطنية، لتصبح مواقع تراثية محمية. وتنتظر المنظمة قرار اليونيسكو بإدراج 16 من المباني تحت بند التراث العالمي.

تشير عوميروفا في مقدمة كتاب Tashkent Modernism إلى أهمية المحافظة على البنايات الشهيرة، وأنه أصبح أمراً ملحاً، لا سيما بعدما دُمّرت بناية «بيت السينما» الشهير في طشقند عام 2017. وتضيف: «لقد أدركنا بوضوح أن المباني التي أصبحت رموزاً لطشقند الحديثة تحتاج إلى حماية من الدولة وحملة لرفع مستوى الوعي بأهميتها». وبحسب تقرير اليونيسكو تُعدّ البنايات الـ16 «نماذج بارزة للعمارة السوفياتية الحديثة، بفضل تصميمها الفريد. كما تعكس التعاون بين معاهد التصميم في طشقند وموسكو، وتطور البحث المعماري من عام 1960 إلى عام 1991. وقد أدّت التجارب إلى ابتكارات في علم الأنماط والتقنيات لمقاومة الزلازل، وتخفيف آثار المناخ، والتكيُّف مع الثقافة الإقليمية».

جايان عوميروفا المديرة التنفيذية لمؤسسة تنمية الفنون والثقافة تحت إشراف وِزَارَة الثقافة في أوزبكستان (ACDF)

أُتيحت لـ«الشرق الأوسط» المشاركة في جولة مركزة على أهم المباني بالمشروع، برفقة عدد من الخبراء العالميين الذي يعملون حالياً على توثيقها في كتاب يصدر قريباً. وركزت الجولة أيضاً على أهمية المعمار الحديث في استلهام موضوعات أجنحة الدولة في «إكسبو أوساكا» و«بينالي فينيسيا» للعمارة. وفيما يلي نظرة على بعض المباني الأيقونية بالعاصمة الأوزبكية.

متحف الدولة لتاريخ أوزبكستان

يقع المتحف في مبنى ضخم بواجهة تحمل كثيراً من العناصر الشرقية المتمثلة في أسلوب الأرابيسك الذي يميز الواجهة. انتهى بناء المبنى في 1974 وصممه معماريون روس ليكون أحد المتاحف المخصصة للزعيم الروسي لينين.

وبحسب المهندسة المعمارية، المشاركة في المشروع إيكاترينا جولوفاتيوك، وهي أيضاً قيمة مشاركة على جناح أوزبكستان في بينالي فينيسيا للعمارة التي رافقتنا في الجولة؛ فالمتحف أصبح مقياساً للمباني المماثلة بعد ذلك، كما أنه أصبح أيقونة رمزية لمدينة طشقند.

تقول جولوفاتيوك إنَّ المبنى يتميز ببنائه من الصلب الذي اعتبر ملائماً لمدينة عاصرت زلزالاً مدمراً في الستينات.

وتؤكد أن التصميم المعماري أكد العناصر التراثية التقليدية مثل «البانجارا» أو السواتر الخشبية، وهي تماثل المشربيات الخشبية التي تميز المباني التقليدية في البلاد الإسلامية التي كانت تستخدم لحجب أشعة الشمس المباشرة، وأيضاً للخصوصية.

اللافت أن المباني الحديثة في أوزبكستان خلال الستينات، وحتى التسعينات من القرن الماضي كثفت من استخدام العناصر التراثية وعناصر الأرابيسك في واجهات المباني. وأصبح استخدام طراز السواتر الخشبية أو المشربيات جامعاً بين الوظيفة والعناصر الجمالية.

متحف التاريخ بطشقند (كاريل بالاس. من كتاب "طشقند: عاصمة الحداثة"، ريزولي نيويورك. بإذن من مؤسسة أوزبكستان لتنمية الفن والثقافة.)

بناية زم تشونغ السكنية

يعد المعماريون نمط بناية زم تشونغ في طشقند مرادفاً لمفهوم «المحلة»، وهو ما يوازي نظام «الحارة». والبناية يمكن اعتبارها مجتمعاً سكنياً، بحسب تصميمها المعتمد على وجود فناء واسع له شرفة ضخمة مفتوحة تطل عليه أبواب الشقق، ويتكرر كل ثلاثة أدوار. نصعد مع الفريق المعماري المصاحب لتفقد أدوار البناية الفريدة في تصميمها، وهو للمعمارية أوفيليا آيدينوفا.

التصميم بالفعل مختلف. ومع أن البناية تحتاج إلى صيانة، فإن ذلك لم يُفقِدها أهميتها، ولا خصوصيتها التي يحرص عليها السكان. تقترب منا سيدة يبدو عليها الانزعاج من وجود غرباء في المبنى، وتتساءل لماذا نحن هنا. ويجيبها أحد المعماريين بغرضنا من الزيارة، وأننا برفقة واحدة من السكان. هذا الاهتمام يدل على الإحساس بالجماعة، كما يقول المعماري المرافق لنا: «السكان هم من يتولون إدارة هذا المبنى، ولا يريدون التدخل الخارجي في أمورهم».

تقول لنا سيدة من السكان إن الفناءات الموزَّعة على المبنى هي مساحات للقاء السكان، وقد تحتضن الأفراح أو حفلات الشواء.

على السطح نرى بركة للسباحة كان الصغار يسبحون فيها في أوقات الصيف، ونعرف أن هذه البركة مهمة لتصميم العمارة، حيث يساعد ثقل الماء على توازن البناية.

جانب من بناية بناية زم تشونغ السكنية (كاريل بالاس. من كتاب "طشقند: عاصمة الحداثة"، ريزولي نيويورك. بإذن من مؤسسة أوزبكستان لتنمية الفن والثقافة.)

أوتيل أوزبكستان

يُعتبر هذا الفندق بتصميمه اللافت على هيئة صفحة كتاب مفتوح من أهم النماذج البصرية المميزة لمعمار مدينة طشقند. شُيّد المبنى في عام 1974 بوسط المدينة، ويتميز بواجهته التي تشبه الشبكة الخراسانية، وتحمل طابعاً جمالياً مقتبساً من فن الأرابيسك... مزج فريق المعماريين في هذا التصميم الهائل حجماً بين الاستفادة من الشكل الجمالي للمبنى وحماية الغرف من أشعة الشمس المباشرة.

السينما البانورامية

المبنى الدائري للسينما البانورامية يحتل رقعة ضخمة من الأرض تحيط به مساحات فارغة تُركت عمداً لضمان حركة الجماهير التي تفد لهذا المبنى الذي يحتضن فعاليات مهرجان طشقند السينمائي الدولي. يجسد المبنى روح المدينة في ستينات القرن الماضي، ويكتسب أهمية خاصة، بسبب تصميمه التجريبي.

السينما من خارجها، كما داخلها، تتميز بالحجم الضخم. ومن الواضح أنها صُمّمت لأعداد كبيرة جداً من الجمهور، غير أن نمط السينما البانورامية لم يستمر طولياً، ما جعل الشاشة الضخمة والتقنيات المعدة لمثل هذه العروض من دون فائدة.

ولهذا يتم تحويل نشاطات السينما لاستضافة مسرحيات ومؤتمرات أو جلسات للكونغرس وما شابه ذلك.

مبنى السينما البانورامية (الشرق الأوسط)

مبان ملهمة

ضمَّت الجولة زيارة مبانٍ مختلفة الوظائف، مثل محطة مترو «كوزمونوت» المخصصة للاحتفاء بعلماء ورواد الفضاء من أوزبكستان، ومبنى فرن الطاقة الشمسية في منطقة باركنت خارج العاصمة، وهو الذي مثَّل الإلهام لجناح الدولة في «إكسبو أوسكا» باليابان... هناك أيضا مبنى البازار الضخم «خورسو» المميز بقبة هائلة تضمّ أسفل منها مساحات واسعة حيث تُقام منصات لبيع الخضراوات والأطعمة والملابس. مبنى السيرك أيضاً من المباني التي تطمح أوزبكستان لأرشفتها.

محطة مترو "كوزمونوت" (الشرق الأوسط)

جناح أوزبكستان ببينالي فينيسيا

يبدو بارعاً استخدام أجنحة الدولة في المحافل العالمية أنماط العمارة المحلية لتسليط الضوء عليها؛ ففي «بينالي فينيسيا للعمارة» استوحى المعماريان إيكاترينا جولوفاتيوك وجياكومو كانتوني تصميم الجناح من مبنى Heliocomplex «معهد الشمس للعلوم المادية» خارج العاصمة طشقند. ويتأمل الجناح في أهمية معمار أوزبكستان الحديث وإمكاناته، ويتناول الأهمية التاريخية والمعاصرة لمبنى «معهد الشمس»، مسلطاً الضوء على دوره العلمي وأهميته الثقافية خارج الحدود الوطنية.

مبنى معهد الشمس للعلوم المادية (الشرق الأوسط)

يمثل Heliocomplex «معهد الشمس للعلوم المادية» آخر المشروعات العلمية للاتحاد السوفياتي، وبُنِي عام 1987 ويُعدّ واحداً من اثنين في العالم متخصصَيْن في دراسة تحولات المواد تحت درجات حرارة هائلة، ويتميز المبنى بموقعة المتربع على تلة عالية وبتصميمه اللافت والمرايا التي تغطي واجهته. خلال زيارتنا للمبنى نلحظ وجود العائلات التي تحرص على زيارة المبنى وإتاحة الفرصة للأطفال للاطلاع على التجارب العلمية البسيطة التي يقوم بها فريق من الخبراء أمام الزوار. وبحسب بيان العرض، فسيقدم القيمان سرداً مزدوجاً لـ«معهد الشمس»، مستكشفين إرثه المتناقض، كإنجاز تكنولوجي متقدم وبنية تحتية شكلتها قيود عصره. سيسلط المعرض الضوء على كيفية تجسيد هذا الهيكل للتناقضات؛ فهو حداثي وقديم، مستدام وغير مستدام، تعليمي وسري، احتفالي ونفعي. من خلال إعادة تفسير أهميته المعمارية والعلمية. يهدف المعرض إلى إثارة نقاشات حول الحفاظ على التراث والابتكار ودوره في صياغة المستقبل. وسيعرض داخل الجناح بعض القطع التي زينت المعهد، ويتم حالياً تفكيك بعض الثريات العملاقة التي تتخذ من الشمس موضوعاً لها، ولها جماليات عالية.

جناح أوزبكستان في أوساكا والمسجد الكبير

تضم مدينة خيوة في ولاية خوارزم بغرب أوزبكستان أعجوبة أثرية، تتمثل في قلعة إيجان، وهي مدينة داخلية مسورة داخل المدينة، ومحمية كموقع تراث عالمي. تحوي المدينة القديمة أكثر من 50 أثراً تاريخياً تعود للقرن الثامن عشر والتاسع عشر.

المسجد الجامع في خيوة (الشرق الأوسط)

ومن أمثلة هذه المباني المسجد الجامع الذي شيد في القرن العاشر، وأعيد بناؤه في عامي 1788 و1789م، ويتميز ببهو معمد يتألف من 112 عموداً خشبياً مأخوذة من بناية المسجد القديم. هناك جو خاص للمسجد المنخفض السقف، ويمثل الوقوف بين الأعمدة المتتالية وتأمل الطريقة التي ثُبّتت بها في الأرضية تجربة ممتعة للزائر.

بعض الأعمدة الخشبية أصابتها الأَرَضَة، وبعضها الآخر تم استبداله، ونلحظ خلال الجولة أن العواميد الجديدة تختلف في لونها ونقوشها. تعمل حالياً بعثة ترميم ألمانية على ترميم بعض الأعمدة وتثبيت القطع المتكسرة بها عبر إضافة قطع من خشب مماثل.

جانب من تصميم جناح أوزبكستان في «إكسبو أوساكا» (أتيليه بروكنر - مؤسسة تنمية الفنون والثقافة في أوزبكستان ACDF

المسجد الجامع أيضاً كان ملهماً لتصميم جناح أوزبكستان في «إكسبو أوساكا» الذي يحمل عنوان «حديقة المعرفة... مختبر للمجتمع في المستقبل»، وصمَّمه أتيليه بروكنر، ويركز على مفهوم الاستدامة والابتكار والثقافة الأوزبكية.

يمزج الجناح المكوَّن من طابقين، بمساحة 750 متراً مربعاً، بين التقاليد والتصميم المستقبلي، ليعكس دورة حياة الحديقة. ويُعيد الجناح تفسير تراث مدينة خيوة كمساحة معاصرة للتجمع والتبادل. يدمج هيكله بين الطوب والطين، اللذين يُمثلان الأرض والتراث، وخشب السوجي، وهو نوع من السرو يُزرع بالقرب من أوساكا.


مقالات ذات صلة

فسيفساء أموية من قصر الحلابات في البادية الأردنية

ثقافة وفنون فسيفساء أموية من قصر الحلابات في البادية الأردنية

فسيفساء أموية من قصر الحلابات في البادية الأردنية

تحوي البادية الأردنية مجموعة كبيرة من المنشآت العمرانية الأموية، منها قصر يقع على بعد 25 كيلومتراً، شمال شرقي مدينة الزرقاء، يُعرف باسم قصر الحلابات.

محمود الزيباوي
يوميات الشرق الخاتم المكتشف وعليه نقش للفنار القديم (وزارة السياحة والآثار)

اكتشاف أول صورة لفنار الإسكندرية يُبرز آثار مصر الغارقة

سلَّط اكتشاف خاتم برونزي منقوش عليه صورة لفنار الإسكندرية، يُعدُّ الأول من نوعه، الضوء على الآثار الغارقة في مصر.

محمد الكفراوي (القاهرة)
يوميات الشرق فريق البحث يجري أعمال التنقيب عن بقايا الحيوان المنقرض في كهف دينيسوفا جنوب سيبيريا (جامعة ستوكهولم)

اكتشاف سلالة منقرضة من الأبقار في سيبيريا

كشفت دراسة دولية عن سلالة منقرضة من الأبقار لم تكن معروفة من قبل، عاشت في جنوب سيبيريا خلال العصر الجليدي، واستمر وجودها في المنطقة حتى نحو 27 ألف عام مضت.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون مجسمات أموية من قصر الحير الغربي

مجسمات أموية من قصر الحير الغربي

ازدهرت العمارة المدنية في الحقبة الأموية، وتميّزت بحللها الزينية المتعدّدة الأشكال التي جمعت بين الحجر والطوب والآجر

محمود الزيباوي
يوميات الشرق دار الكتب المصرية أنشئت نهاية القرن التاسع عشر (دار الكتب والوثائق المصرية)

مصر لحفظ كنوز «الكتبخانة الخديوية» برقمنة آلاف المخطوطات

نظمت دار الكتب والوثائق القومية بمصر احتفالية بمناسبة مرور 156 عاماً على تأسيس «الكتبخانة الخديوية» التي تعد النواة الأولى لدار الكتب المصرية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )

«مابستري»... بلدة بريطانية تروي تاريخها بالخيوط والإبر

التجسيد الفريد لبلدة «هايهام فيريرز» باستخدام الأقمشة والخيوط (معرض «هايهام فيريرز»)
التجسيد الفريد لبلدة «هايهام فيريرز» باستخدام الأقمشة والخيوط (معرض «هايهام فيريرز»)
TT

«مابستري»... بلدة بريطانية تروي تاريخها بالخيوط والإبر

التجسيد الفريد لبلدة «هايهام فيريرز» باستخدام الأقمشة والخيوط (معرض «هايهام فيريرز»)
التجسيد الفريد لبلدة «هايهام فيريرز» باستخدام الأقمشة والخيوط (معرض «هايهام فيريرز»)

في وقت يتزايد فيه الاهتمام البريطاني «بنسيج بايو» الشهير، تسعى بلدة «هايهام فيريرز» الصغيرة، في مقاطعة نورثهامبتونشير بوسط إنجلترا، إلى جذب الأنظار نحو تحفتها الفنية الخاصة، التي توثق تاريخها ومعالمها المعمارية بخيوط التطريز وقطع القماش، حسب «بي بي سي» البريطانية..

ويحمل العمل اسم «مابستري» (Mapestry)، ويبلغ طوله 1.5 متر، وقد صُنع من مواد معاد تدويرها، بمبادرة من فاي كاديك، معلمة الفنون المتقاعدة، وبمشاركة مجموعة من صديقاتها يُطلقن على أنفسهن اسم «فتيات المواد» (The Material Girls). واستغرق إنجازه ثلاث سنوات، بدأت عام 2009.

وتقول ليز بارنات، رئيسة الشراكة السياحية والمجتمعية في البلدة، إن العمل يمثل وسيلة مبتكرة للتعريف بتاريخ هايهام فيريرز، مضيفة: «قلنا للجميع: هذا هو نسيج بايو الخاص بنا. إنها طريقة رائعة للترويج لبلدتنا وإبراز كيفية إنتاج هذا العمل».

وتوضح بارنات أن القائمين على الترويج السياحي تحركوا سريعاً بعدما علموا بأن نسيج بايو سيُعرض في لندن، أملاً في الاستفادة من الاهتمام الذي يحظى به هذا العمل التاريخي.

ويستعرض «مابستري» عدداً من أبرز معالم البلدة، من بينها كنيسة سانت ماري، ودار بيد، وساحة السوق، و«بيلجيوم هاوس»، وكلية تشيتشيلي، وحانة غريفين، في لوحة تجمع بين الحرف اليدوية والذاكرة المحلية.

وجاءت فكرة العمل من أمينة المكتبة لين كيرنوت، قبل أن تتولى كاديك تصميمه وتحديد تفاصيله وتوزيع عناصره. وعُرض للمرة الأولى في مكتبة البلدة، ثم نُقل إلى مدرسة هنري تشيتشيلي الابتدائية، حيث تعرض للتآكل بفعل الاستخدام والعوامل الجوية، ما دفع مجلس البلدة إلى استعادته.

وأشرفت كاديك على ترميمه في عملية استغرقت ستة أشهر، قبل نقله إلى كنيسة هوب الميثودية، التي وفرت مساحةً مناسبةً لعرضه في بهو المدخل. ووُضع العمل داخل إطار، وكُشف عنه للجمهور في أكتوبر (تشرين الأول) 2025.

وقال متحدث باسم مجلس البلدة إن «مابستري» يحتفي بتاريخ هايهام فيريرز عبر الأقمشة والخيوط والتطريز، مشيراً إلى أن إنجاز هذه التحفة الفنية تطلب سنوات من العمل وآلاف الغرز.

وهكذا، تقدم البلدة روايتها الخاصة للتاريخ، لا عبر الكلمات وحدها، بل من خلال نسيج فني يحول معالمها القديمة إلى حكاية تنبض بالألوان والخيوط.


ركوب الخيل يحسّن سلوك الأطفال المصابين بالتوحّد

أنشطة الفروسية ساعدت الأطفال على تخفيف أعراض التوحد السلوكية (جامعة كولورادو أنشوتز)
أنشطة الفروسية ساعدت الأطفال على تخفيف أعراض التوحد السلوكية (جامعة كولورادو أنشوتز)
TT

ركوب الخيل يحسّن سلوك الأطفال المصابين بالتوحّد

أنشطة الفروسية ساعدت الأطفال على تخفيف أعراض التوحد السلوكية (جامعة كولورادو أنشوتز)
أنشطة الفروسية ساعدت الأطفال على تخفيف أعراض التوحد السلوكية (جامعة كولورادو أنشوتز)

كشفت دراسة أميركية أن ركوب الخيل ضمن برامج علاجية منظَّمة قد يساعد في تخفيف فرط النشاط وتحسين السلوك وتنظيم المشاعر لدى الأطفال المصابين باضطراب طيف التوحُّد، خصوصاً الذين يعانون اضطرابات نفسية مصاحبة.

وأوضح الباحثون من جامعة كولورادو أنشوتز أن النتائج تفتح المجال أمام الاستفادة من الأنشطة المرتبطة بالخيول بوصفها وسيلة داعمة للعلاجات التقليدية، ونُشرت النتائج، الجمعة، بدورية (Pediatrics).

واضطراب طيف التوحُّد هو اضطراب في النمو العصبي يؤثر في التواصل والتفاعل الاجتماعي، وقد يصاحبه تكرار بعض السلوكيات ومحدودية الاهتمامات، إلى جانب اختلافات في الاستجابة للمؤثرات الحسية، مثل الأصوات والضوء واللمس. وتظهر علاماته عادة خلال السنوات الأولى من الطفولة، وتختلف أعراضه وشدتها من شخص لآخر. ورغم عدم وجود علاج نهائي للتوحُّد، فإن التدخل المبكر والبرامج التعليمية والسلوكية والعلاجات الداعمة قد تساعد الأطفال على تطوير مهارات التواصل والتفاعل الاجتماعي وتحسين جودة حياتهم.

وهدفت الدراسة إلى التحقق من نتائج أبحاث سابقة أظهرت فوائد لبرامج ركوب الخيل العلاجي، استمرت بين 8 و10 أسابيع، لدى الأطفال المصابين بالتوحد، إلى جانب معرفة ما إذا كانت الأنشطة التعليمية المرتبطة بالخيول تحقق فوائد مماثلة دون الحاجة إلى ركوبها أو التفاعل المباشر معها.

وشملت الدراسة أطفالاً مصابين بالتوحد واضطرابات نفسية مصاحبة، قُسموا إلى 3 مجموعات؛ شاركت الأولى في جلسات ركوب الخيل، بينما مارست الثانية أنشطة تعليمية داخل مركز للفروسية باستخدام حصان محشو بالحجم الطبيعي، دون احتكاك مباشر بالخيول، في حين وُضعت المجموعة الثالثة على قائمة انتظار للمقارنة.

وأظهرت النتائج أن الأطفال الذين شاركوا في جلسات ركوب الخيل حققوا تحسناً أكبر بشكل ملحوظ في أعراض فرط النشاط، مقارنة بالمجموعتين الأخريين.

فوائد سلوكية

كما سجل المشاركون في مجموعتي ركوب الخيل والأنشطة التعليمية المرتبطة بها تحسُّناً في جوانب سلوكية وعاطفية متعددة، شملت انخفاض التهيُّج، وتحسن القدرة على تنظيم المشاعر والتفاعل الاجتماعي، مقارنة بالأطفال الذين لم يشاركوا في أي من البرنامجين.

وأشارت النتائج إلى أن الأنشطة التعليمية المرتبطة بالخيول قد توفر فوائد سلوكية وعاطفية للأطفال الذين لا يستطيعون ركوب الخيل أو لا يشعرون بالاستعداد لذلك، حتى دون التفاعل المباشر معها، وإن كان تأثيرها في تخفيف فرط النشاط أقل من ركوب الخيل نفسه.

وقالت روبن غابرييلز، أستاذة الطب النفسي في جامعة كولورادو أنشوتز الباحثة الرئيسية للدراسة، إن تجربة ركوب الخيل تنطوي على جوانب مميزة تجعلها مفيدة بصورة خاصَّة للأطفال الذين يعانون فرط النشاط.

وأضافت، عبر موقع الجامعة، أن العلاج بمساعدة الخيول قد يمثل وسيلة فعالة لتعزيز العلاجات الحالية للأطفال المصابين بالتوحُّد وفرط النشاط، وربما يوفر بديلاً لبعض العلاجات الدوائية التقليدية التي قد تسبب آثاراً جانبية غير مرغوبة، مع الحاجة إلى مزيد من الأبحاث لتحديد دوره العلاجي.

وأوضحت غابرييلز أن الخيول تتميز باستجابتها للغة الجسد وتفاعلها مع البشر دون إصدار أحكام، مما يتيح للأطفال فرصاً لممارسة مهارات التواصل وتنظيم المشاعر في بيئة مختلفة عن العيادات التقليدية.

وأكد الباحثون أن النتائج لا تعني أن ركوب الخيل سيكون مفيداً لجميع الأطفال المصابين بالتوحُّد، لكنها تقدِّم أدلة إضافية على إمكانية الاستفادة من الأنشطة المنظمة المرتبطة بالخيول ضمن نهج علاجي متكامل للتعامل مع التحديات السلوكية والعاطفية.


شاي خالٍ من الكافيين يحسِّن الهضم وصحة الكبد

شاي جذور الهندباء يساعد على تخفيف الانتفاخ (مجلة ريل سمبل)
شاي جذور الهندباء يساعد على تخفيف الانتفاخ (مجلة ريل سمبل)
TT

شاي خالٍ من الكافيين يحسِّن الهضم وصحة الكبد

شاي جذور الهندباء يساعد على تخفيف الانتفاخ (مجلة ريل سمبل)
شاي جذور الهندباء يساعد على تخفيف الانتفاخ (مجلة ريل سمبل)

قد يساعد شاي جذور الهندباء على تحسين الهضم، وتخفيف انتفاخ البطن واحتباس السوائل، إلى جانب احتوائه على مركبات مضادة للأكسدة قد تدعم صحة الكبد.

ويتميز هذا المشروب العشبي بخلوه الطبيعي من الكافيين، مما يجعله خياراً مناسباً للتناول في مختلف أوقات اليوم، دون القلق من تأثيره على النوم.

وتقول اختصاصية التغذية الأميركية إيمي شابيرو، إن شاي جذور الهندباء أصبح جزءاً من روتينها اليومي، بعدما تحول إلى مشروبها العشبي المفضل، بفضل مذاقه المميز وفوائده الصحية المحتملة.

وتوضح شابيرو أنها بدأت تناول هذا الشاي للاستفادة من خصائصه المرتبطة بتحسين الهضم ودعم وظائف الكبد، ولكنها واصلت شربه بانتظام لما يمنحها من شعور بالراحة. وتضيف أنها تفضله ساخناً أو بارداً حسب الطقس، وغالباً ما تتناوله بعد الظهر أو في المساء، عندما ترغب في مشروب يساعدها على الاسترخاء، حسب مجلة «Real Simple» الأميركية.

ويتميز شاي جذور الهندباء بمذاقه الترابي المائل قليلاً إلى المرارة، وهو مذاق قد لا يفضله الجميع، ولكنه من الأسباب التي تجعل شابيرو تفضله على أنواع أخرى من الشاي العشبي. كما أن خلوه من الكافيين يتيح لها تناوله في أي وقت، بخلاف القهوة والشاي الأسود والأخضر، التي قد تؤثر في جودة النوم أو تسبب التوتر لدى بعض الأشخاص.

وتُعد فوائده المحتملة للجهاز الهضمي من أبرز الأسباب التي تدفع شابيرو إلى تناوله يومياً؛ إذ استُخدمت جذور الهندباء تقليدياً لتحفيز الهضم وتعزيز إنتاج العصارة الصفراوية التي يفرزها الكبد، وتساعد على هضم الدهون وامتصاصها. وقد يسهم ذلك في تحسين الشعور بالراحة بعد تناول الطعام، رغم أن الأدلة العلمية التي تؤكد هذه الفوائد لدى البشر لا تزال محدودة.

وتشير شابيرو إلى أن شاي جذور الهندباء قد يمتلك أيضاً تأثيراً خفيفاً مدراً للبول، ما يساعد الجسم على التخلص من السوائل الزائدة، وبالتالي تخفيف الانتفاخ المرتبط باحتباس السوائل؛ خصوصاً بعد تناول وجبات غنية بالملح، أو خلال التغيرات الهرمونية المصاحبة للدورة الشهرية.

ولا تقتصر الفوائد المحتملة لهذا المشروب على تحسين الهضم؛ إذ تحتوي جذور الهندباء على مركبات نباتية مضادة للأكسدة، أبرزها البوليفينولات التي تساعد على حماية خلايا الجسم من الأضرار الناتجة عن الإجهاد التأكسدي. كما تحتوي على كميات ضئيلة من البوتاسيوم ومعادن أخرى يحتاجها الجسم لأداء وظائفه الحيوية.

وفيما يتعلق بصحة الكبد، توضح شابيرو أن بعض البحوث الأولية تشير إلى دور محتمل لجذور الهندباء في دعم وظائف الكبد وعملياته الطبيعية، للتعامل مع المواد الضارة والتخلص منها. ولكنها تؤكد أن هذه النتائج لا تزال أولية، وأن هناك حاجة إلى مزيد من الدراسات لتحديد مدى فعالية هذا المشروب لدى البشر.

وترى اختصاصية التغذية أن إدراج شاي جذور الهندباء ضمن الروتين اليومي قد يكون وسيلة بسيطة للاستفادة من المركبات النباتية الموجودة في الأعشاب، فضلاً عن كونه بديلاً خالياً من الكافيين للقهوة والشاي التقليدي، ومشروباً دافئاً يساعد على الاسترخاء.

ورغم هذه الفوائد المحتملة، فإن شاي جذور الهندباء ليس علاجاً مثبتاً لاضطرابات الهضم أو أمراض الكبد، ولا تزال تأثيراته الصحية بحاجة إلى مزيد من الدراسات السريرية. كما قد لا يناسب بعض الأشخاص؛ خصوصاً من يعانون حساسية تجاه نباتات الفصيلة النجمية أو يتناولون أدوية قد تتداخل مع مكوناته، لذا يُنصح باستشارة الطبيب قبل اعتماده مشروباً يومياً في هذه الحالات.