العملية العسكرية في النيجر «مؤجلة» بانتظار استنفاد المساعي الدبلوماسية

تقرير فرنسي: أنصار الرئيس بازوم طلبوا تدخل باريس لإعادته إلى السلطة

مظاهرة داعمة للمجلس العسكري في نيامي السبت (أ.ف.ب)
مظاهرة داعمة للمجلس العسكري في نيامي السبت (أ.ف.ب)
TT

العملية العسكرية في النيجر «مؤجلة» بانتظار استنفاد المساعي الدبلوماسية

مظاهرة داعمة للمجلس العسكري في نيامي السبت (أ.ف.ب)
مظاهرة داعمة للمجلس العسكري في نيامي السبت (أ.ف.ب)

يبدو الوضع في النيجر رهينة السباق بين المساعي السلمية من جهة، والتوجه إلى التصعيد العسكري من جهة أخرى، بانتظار معرفة نتائج زيارة البعثة الدبلوماسية التي أرسلتها المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس) للتفاوض مع المجلس العسكري من أجل استعادة الانتظام الدستوري، والنتائج التي يمكن أن تفضي إليها جهود مبعوث الأمم المتحدة إلى غرب أفريقيا، ليوناردو دوس سانتوس سيماو، الذي التقى علي الأمين زين، رئيس الحكومة النيجري المعين (الجمعة).

وبمواجهة القرارات التي أفضت إليها اجتماعات أكرا، عاصمة غانا، طيلة يومين لقادة جيوش 11 دولة من المجموعة الاقتصادية لغرب أفريقيا، من أصل 15 دولة عضو، التي بيّنت أن «إيكواس» تتحضر حقيقة للتدخل العسكري حال صدور الأوامر إليها من قادة المجموعة، فإن جبهة انقلابية مواجهة آخذة عملياً بالنشوء. ووفق ما أذاعه التلفزيون الرسمي النيجري (صباح السبت)، فإن اجتماعاً لقادة عسكريين لم يحدد رتبهم أو وظائفهم من النيجر ومالي وبوركينا فاسو عُقد في نيامي من أجل بلورة «استراتيجية دفاعية مشتركة» لمواجهة «إيكواس» في حال اختارت «تصعيد الحرب».

الملاذ الأخير

لا يُمثّل اجتماع نيامي مفاجأة، إذ إن باماكو وواغادوغو اللتين يحكمهما مجلسان عسكريان، كما الحال في النيجر منذ 26 يوليو (تموز) الماضي، سارعتا إلى الإعلان أن أي تدخل عسكري لمجموعة «إيكواس» سيعد بمثابة «إعلان حرب» عليهما، وبالتالي ستعمدان إلى الوقوف إلى جانب القوات النيجرية المسلحة.

وبحسب عبد الفتاح موسى، مفوض الشؤون السياسية والسلام والأمن في «إيكواس»، فإن أعضاء التكتل الذين حضروا اجتماعات أكرا كافة، مستعدون للمشاركة في العملية العسكرية، باستثناء الرأس الأخضر التي عارضتها. وفي أية حال، فإن «إيكواس» ما زالت تنظر إلى التدخل العسكري لإعادة الرئيس المخلوع محمد بازوم إلى السلطة على أنه «الملاذ الأخير».

وترى مصادر دبلوماسية أوروبية في باريس أن التدخل المشار إليه، إن كان سيحصل، فإنه «لن يحل بين يوم وآخر، إذ يتعين التحضير له سياسياً وعسكرياً ولوجيستياً، ومعرفة الدول المستعدة للمشاركة فعلياً في عملية عسكرية معقدة، ونقل الوحدات العسكرية المشارِكة إلى قرب الحدود مع النيجر»، حيث إن نيجيريا وبينين هما الدولتان الوحيدتان، من بين الدول المستعدة للمشاركة، اللتان لديهما حدود مشتركة مع النيجر.

وتضيف هذه المصادر أنه يتعين مراقبة رد فعل الاتحاد الأفريقي الذي لم يعطِ الضوء الأخضر للتدخل العسكري. وفي الاجتماع الذي عقدته «لجنة الأمن والسلام» المنبثقة منه، برز انقسام واضح بين مَن يدعم العمل العسكري ومَن يعارضه، وكانت النتيجة أن أي بيان رسمي لم يصدر بنهاية اجتماع اللجنة الذي دام ما لا يقل عن 10 ساعات. وأشارت هذه المصادر إلى التناقض في كلام مفوض الشؤون السياسية والسلام والأمن، إذ إنّه يدعي، من جهة، أن القادة العسكريين «اتخذوا القرار بشأن اليوم المحدد للتدخل العسكري في النيجر» من غير الإعلان عنه، ومن جهة ثانية، يؤكد أن القوات المستعدة للانخراط في العملية العسكرية تنتظر الأوامر التي لم تصدر من قادة «إيكواس».

محاولة لتخفيف الضغوط

تريد «المجموعة الاقتصادية» تجنب «الانخراط في حوار لا نهاية له». إلا أنها في الوقت عينه لم تحدد مهلة زمنية أو تعطِ «إنذاراً» للانقلابيين للعودة إلى ثكناتهم بعد الإنذار الفاشل الذي وجهه القادة الأفارقة للمجلس العسكري، حيث أمهلوهم أسبوعاً واحداً، حتى نهاية الأول من أغسطس (آب)، قبل التدخل.

والحكمة في ذلك أن قادة «إيكواس» الراغبين في وضع حدّ لمسلسل الانقلابات العسكرية الذي ضرب 7 مرات بلدانهم خلال 3 سنوات فقط، يريدون المحافظة على هامش من المناورة، خصوصاً أن دولاً مؤثّرة جداً، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية وألمانيا وإيطاليا والجزائر وتشاد وغيرها، تعارض بشدة اللجوء إلى القوة العسكرية وتريد استنفاد الوسائل الدبلوماسية قبل الوصل إلى «الملاذ الأخير».

ويسعى علي الأمين زين، رئيس الحكومة النيجري المعيّن الذي يتمتع بعلاقات واسعة باحترام داخلي وأفريقي ودولي نظراً للمناصب السابقة التي تبوأها، إلى التخفيف من الضغوط التي تتم ممارستها سياسياً واقتصادياً ومالياً وتجارياً على النيجر. ويتحرك الأخير على أكثر من مستوى، وأشار خلال الزيارة التي قام بها إلى نجامينا ولقائه الرئيس محمد إدريس ديبي إلى أن بلاده «تمر بمرحلة انتقالية»، أي سوف تعود لاحقاً إلى النظام الديمقراطي، ما يقوي التوجه إلى حل سلمي على مراحل. كذلك، ردّ رئيس الحكومة على المعلومات التي تتحدث عن تدهور صحة بازوم، مؤكداً أنه «لن يتعرض لسوء». وكانت ردة فعل أفريقية ودولية قد برزت في الأيام الأخيرة عقب شيوع معلومات تفيد بأن صحة بازوم «تدهورت» وأن ظروفه المعيشية قد تراجعت.

دور المبعوث الأممي

ثمة عامل إضافي برز في المعادلة الراهنة، وعنوانه الدور الذي يمكن أن يضطلع به المبعوث الأممي الذي التقى المجلس العسكري من أجل «مناقشة سبل عودة البلاد بأسرع ما يمكن إلى النظام الدستوري الطبيعي والقانوني أيضاً». وعبّر سيماو عن قناعته بأن أمراً مثل هذا «ممكن دائماً بالحوار». وحتى أيام قليلة، اكتفت الأمم المتحدة، على لسان أمينها العام أنطونيو غوتيريش، بالدعوة إلى العودة إلى الانتظام الدستوري والإعراب عن القلق على صحة بازوم. لذا، فإن مباشرة المبعوث الأممي وساطته من شأنها توفير مزيد من الوقت للجهود الدبلوماسية قبل رسو القرار على الخيار العسكري.

تصاعد العنف الإرهابي

ثمّة عامل مقلق عنوانه ازدياد الهجمات الإرهابية التي تضرب النيجر في الأسابيع الأخيرة، وأبرزها عمليتان؛ الأولى استهدفت قافلة عسكرية أوقعت 20 قتيلاً وعشرات الجرحى، والأخرى راح ضحيتها 28 مدنياً. وكلتا العمليتين حصلت فيما يسمى «المثلث الحدودي» بين النيجر ومالي وبوركينا فاسو، حيث تتركز بشكل خاص أنشطة تنظيمين إرهابيين هما «القاعدة» و«داعش».

ويعزى هذا التصعيد لتوقف التعاون بين الجيش النيجري والقوات الأجنبية الموجودة في النيجر، الفرنسية والأميركية والألمانية والإيطالية، ولقرار الانقلابيين سحب وحدات إلى العاصمة؛ لمواجهة تدخل عسكري محتمل من مجموعة «إيكواس». والتخوف الكبير مصدره احتمال أن تنجح التنظيمات الإرهابية في الاستفادة من الفراغ، وإقامة منطقة رمادية تمكّنها من التحرك بحرية وتوسيع أنشطتها.

تدخل فرنسي

أمس، كشفت صحيفة «لو موند» المستقلة في عددها الأخير معلومات جديدة، يفيد جانب منها، بأن عسكريين نيجيريين كانوا يحضّرون لعملية لتحرير بازوم. والجانب الآخر يفيد بأن شخصيات نيجرية رفيعة، من بينها وزير الخارجية حسومي مسعودو، ومسؤولون عسكريون كبار عقدوا سريعاً، بعد الانقلاب الذي حصل يوم 26 يوليو، لقاءات مع ضباط فرنسيين من القوة الفرنسية المرابطة في النيجر، التي يبلغ عددها 1500 رجل، وطلبوا منهم التدخل من أجل تحرير الرئيس المحتجز.

نيجريون يطالبون فرنسا بمغادرة بلادهم في مظاهرة بنيامي الأحد الماضي (أ.ب)

وأضافت الصحيفة أن الجانب الفرنسي أصرّ على الحصول على طلب مكتوب للتدخل. وتضيف معلومات الصحيفة أن طلباً رسمياً قُدم لفرنسا يجيز لها التدخل العسكري واستهداف القصر الرئاسي، حيث يُحتجز بازوم. كذلك تم تحرير نص آخر وقع نيابة عن رئيس أركان القوات المسلحة. وكشفت مصادر الصحيفة أن قوة فرنسية وصلت إلى موقع الاجتماع، وأن طوافات عدة كانت جاهزة للتدخل. وأكد العسكريون الفرنسيون أنهم «قادرون» على القيام بالعملية دون إلحاق الأذى بالرئيس المحتجز. إلا أن العملية لم تحصل لسببين: الأول أن بازوم نفسه رفضها. والثاني، التغير الذي حصل سريعاً في نيامي عندما التحقت القوات المسلحة بالانقلابيين واشتراط باريس أن تكون مهمة قوتها دعم ومساعدة قوة نيجرية وليس الانفراد بها. والخلاصة أن العملية لم تحصل، وأن نحو الشهر قد مضى على الانقلاب، وأن الانقلابيين ما زالوا يسيطرون على الوضع.


مقالات ذات صلة

النيجر تطرح مخزونها من اليورانيوم للبيع في السوق الدولية

أفريقيا الجنرال عبد الرحمن تياني (الثاني على اليسار) رئيس النظام العسكري في النيجر (أ.ف.ب)

النيجر تطرح مخزونها من اليورانيوم للبيع في السوق الدولية

أعلنت النيجر، الأحد، طرح اليورانيوم الذي تنتجه شركة «سومير» التابعة لشركة «أورانا» الفرنسية العملاقة قبل تأميمها في يونيو (حزيران)، للبيع في السوق الدولية.

«الشرق الأوسط» (نيامي)
أفريقيا الجنرال عبد الرحمن تياني (الثاني على اليسار) رئيس النظام العسكري في النيجر والذي جاء إلى السلطة بانقلاب يُحيّي حشداً من الناس في نيامي في يوليو 2024 (أ.ف.ب) p-circle

تاريخ حافل بالاضطرابات... ما أبرز الانقلابات العسكرية في أفريقيا خلال العقد الأخير؟

تاريخ أفريقيا حافل بها... فيما يلي الانقلابات العسكرية الناجحة في السنوات العشر الأخيرة في القارة السمراء وآخرها انقلاب غينيا بيساو يوم الأربعاء 26 نوفمبر.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
شمال افريقيا سفير النيجر بالجزائر يسلم أوراق اعتماده للرئيس تبون (الرئاسة الجزائرية)

استئناف الحوار بين الجزائر والنيجر بعد تصاعد الأزمة في 2023

يسعى وفد من حكومة النيجر يزور الجزائر حالياً، لطي خلاف حاد نشأ في صيف 2023 بسبب الانقلاب العسكري الذي أطاح بالرئيس محمد بازوم، واشتدت الأزمة باحتجاج نيامي على …

أفريقيا رئيس النيجر المخلوع محمد بازوم (أرشيفية - أ.ف.ب)

النيجر نحو تنظيم «مؤتمر وطني» بشأن ميثاق انتقالي

أعلنت وزارة الداخلية في النيجر أن النظام العسكري الحاكم سينظّم «مؤتمراً وطنياً» من 15 حتى 19 فبراير (شباط)، يهدف خصوصاً لتحديد مدة للفترة الانتقالية.

«الشرق الأوسط» (نيامي)
الولايات المتحدة​ قاعدة أغاديز (أرشيفية - أ.ب)

الجيش الأميركي أنهى سحب قواته من آخر قاعدة في النيجر

أعلن الجيش الأميركي، الاثنين، إنهاء سحب كل قواته من قاعدته الأخيرة في النيجر؛ تلبية لمطلب قادة الانقلاب العسكري في الدولة الأفريقية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

نيجيريا: نشر الجيش في كوارا بعد مقتل العشرات على يد «إرهابيين»

عربات وبيوت مدمرة نتيجة الهجوم المسلح على قرية وورو في ولاية كوارا (أ.ب)
عربات وبيوت مدمرة نتيجة الهجوم المسلح على قرية وورو في ولاية كوارا (أ.ب)
TT

نيجيريا: نشر الجيش في كوارا بعد مقتل العشرات على يد «إرهابيين»

عربات وبيوت مدمرة نتيجة الهجوم المسلح على قرية وورو في ولاية كوارا (أ.ب)
عربات وبيوت مدمرة نتيجة الهجوم المسلح على قرية وورو في ولاية كوارا (أ.ب)

أعلن رئيس نيجيريا بولا أحمد تينيبو، مساء الخميس، أنه أمر بنشر كتيبة من الجيش في ولاية كوارا، غرب البلاد على الحدود مع دولة بنين، وذلك بعد هجوم إرهابي عنيف أودى بحياة أكثر من 75 شخصاً، حسب حصيلة رسمية، في حين تشير مصادر محلية إلى أن الحصيلة قد تتجاوز 170 قتيلاً.

وبحسب وسائل إعلام محلية، فإن مجموعة من مقاتلي «بوكو حرام»، بقيادة شخص يُدعى مالام صديقي، اجتاحوا قرية وورو في وقت متأخر من ليل الثلاثاء/ الأربعاء، وسيطروا عليها لعدة ساعات، وارتكبوا مجازر بحق السكان، قبل أن ينسحبوا نحو الغابات القريبة.

ويوصف الهجوم بأنه الأكثر دموية في نيجيريا منذ بداية العام (2026)، ويأتي في وقت تحاول نيجيريا رفع نسق الحرب على الإرهاب في شمال البلاد، وذلك بدعم وضغط داخلي وخارجي، وخاصة من طرف الولايات المتحدة.

قوات نيجيرية في ولاية كوارا بعد الهجوم الإرهابي على القرية المسلمة (أ.ف.ب)

تحرك الجيش

وقال الرئيس تينيبو في تغريدة على حسابه بمنصة «إكس»، مساء الخميس، إنه استقبل في القصر الرئاسي حاكم ولاية كوارا، عبد الرحمن عبد الرزاق، من أجل الاطلاع على تفاصيل الهجوم الإرهابي الأخير، مشيراً إلى أن سكان القرية «استُهدفوا بسبب رفضهم آيديولوجيا المتطرفين».

وقال تينيبو: «أدين بأشد العبارات هذا الهجوم الجبان والوحشي». وأضاف: «إن المسلحين بلا رحمة؛ لأنهم يختارون أهدافاً رخوة في حملتهم الإرهابية الفاشلة. أفعالهم تُهين إنسانيتنا وإيماننا وقيمنا المشتركة كأمة».

وقالت صحيفة «بريميوم تايمز» النيجيرية، إن الرئيس تينيبو أمر بنشر كتيبة من الجيش في الولاية التي وقع فيها الهجوم، وقال إن الكتيبة «ستقود عملية (درع السافانا) للقضاء على هؤلاء الإرهابيين المتوحشين وحماية السكان العزل».

نقل جثث ضحايا الهجوم الإرهابي (رويترز)

وأضاف الرئيس: «من الجدير الإشادة بأفراد المجتمع المسلمين؛ لأنهم رفضوا الانخراط قسراً في معتقد شاذ يروّج للعنف على حساب السلام والحوار». وأكد: «لن تسلّم نيجيريا شعبها أبداً للتطرف والإرهاب المتخفيين تحت ستار الدين». وخلص الرئيس إلى أنه أصدر تعليمات بتعزيز التنسيق بين الوكالات الاتحادية ووكالات الولاية لتقديم الدعم الفوري وإغاثة المتضررين من الهجوم الإرهابي، وأضاف أن الإرهابيين «سيطارَدون حتى آخر واحد منهم، ولن يفلتوا من العقاب».

غياب الأمن

بيوت مدمرة نتيجة الهجوم المسلح على قرية وورو في ولاية كوارا (أ.ب)

ورغم تطمينات الرئيس فإن السكان المحليين يشتكون غياب الجيش عن المنطقة. وقال صالحُ عمر، وهو عمدة قرية وورو التي تعرضت للهجوم، إن الهجوم استمر لعدة ساعات من دون أي تدخل أمني، وأضاف العمدة في تصريحات صحافية أن اثنين من أبنائه قُتلا في الهجوم، في حين اختُطفت زوجته وبناته الثلاث.

وقال العمدة في تصريح لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «قتلوا اثنين من أبنائي أمام منزلي وخطفوا زوجتي الثانية وثلاثاً من بناتنا»، وأضاف الرجل البالغ من العمر 53 عاماً، وهو يمسك بسبحته: «في حدود الساعة الخامسة مساءً (الثلاثاء)، وصل المجرمون وبدأوا إطلاق النار. كانوا يبحثون عني، لكنهم لم يجدوني في المنزل؛ لأنني كنت خارجه. اختبأت في بيت آخر وسمعت صوت الرصاص».

وتابع عمدة وورو، وهي بلدة ريفية صغيرة ذات أغلبية مسلمة تقع على حدود ولاية النيجر قرب غابات يُعتقد أنها تؤوي إرهابيين وعصابات مسلحة: «أُحرِقَ أشخاص أحياء داخل منازلهم»، وخلص إلى القول: «مع بزوغ الفجر، كانت الجثث في كل مكان».

دفن جثث ضحايا الهجوم الإرهابي المسلح على قرية وورو في ولاية كوارا (رويترز)

أرض محروقة

لم تعد قرية وورو، التي كانت تضم بضعة آلاف من السكان، سوى ظلٍّ لما كانت عليه؛ فقد هجرها جميع سكانها، ولم يبقَ فيها سوى عدد قليل من الرجال الذين يواصلون البحث ودفن القتلى. وعلى جانبَي الشارع الرئيسي تنتشر دكاكين ومنازل مدمّرة ومحترقة.

ويقول محمد عبد الكريم، وهو متقاعد يبلغ 60 عاماً فقد 12 فرداً من عائلته في الهجوم الذي انتهى فجر الأربعاء: «كنت على جانب الطريق حين رأيت دراجة نارية عليها ثلاثة رجال يرتدون زياً عسكرياً ويحملون بنادق (كلاشنيكوف)... كانوا قطّاع طرق لا جنوداً، وبعد ثلاث ثوانٍ سمعت إطلاق النار».

أوبا ساني حاكم ولاية كادونا يصافح رعايا كنيسة اختُطفوا سابقاً من قِبل مجموعات مسلحة بعد عودتهم (أ.ب)

ويصف الرجل، الذي خُطف ابنه البالغ عامين ونصف العام على يد المهاجمين، ما جرى قائلاً: «كانوا يمسكون بالناس، يربطون أيديهم خلف ظهورهم، ثم يطلقون النار على رؤوسهم»، ويضيف: «بين أمس واليوم، دفنّا 178 جثة».

وبحسب أرقام نقلتها «وكالة الصحافة الفرنسية» عن «الصليب الأحمر»، الأربعاء، فقد جرى إحصاء ما لا يقل عن 162 جثة، في حين أعلن حاكم ولاية كوارا حصيلة قدرها 75 قتيلاً، كما أفاد عبدول إبراهيم، وهو ممرض متقاعد من سكان وورو، بأن عدد القتلى «يزيد على 165». ووفقاً لسعيدو بابا أحمد، عضو الجمعية المحلية، فإن «38 شخصاً، معظمهم من النساء والأطفال، اختطفهم القتلة».

الطاقم الأميركي في مجموعة العمل المشتركة بين نيجيريا والولايات المتحدة (رويترز)

رفض التطرف

وفي تصريحات نقلتها صحف محلية، قال صالحُ عمر، عمدة القرية: «أرسلوا لنا رسالة يُبلّغوننا فيها بأنهم سيأتون لإلقاء موعظة» في القرية، لكن «المجتمع غير مستعد لقبول آيديولوجيتهم»، مشيراً إلى أنه كعمدة أبلغ أجهزة الأمن المحلية فور تلقي الرسالة. وأضاف العمدة: «أعتقد أن هذا ما أغضبهم ودفعهم للقدوم وقتل الناس».

ويزداد الوضع الأمني صعوبة في نيجيريا، خاصة في ظل وجود تنظيم «داعش في غرب أفريقيا»، وجماعة «بوكو حرام»، ودخول جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين» التابعة لتنظيم «القاعدة» على الخط؛ إذ شنت الجماعة هجوماً في نفس المنطقة في شهر أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي، إيذاناً ببداية نشاطها الإرهابي في نيجيريا.

تجمُّع سكان بالقرب من موقع تفجير استهدف مسجداً في سوق غامبورو بمدينة مايدوغوري شمال شرقي نيجيريا يوم 25 ديسمبر 2025 (أ.ف.ب)

ومع تصاعد العنف، أصبحت الجماعات الإرهابية في نيجيريا مصدر قلق للولايات المتحدة بعدما قال الرئيس دونالد ترمب إن مسيحيي نيجيريا «يتعرضون للاضطهاد»، وإنهم ضحايا «إبادة جماعية» ينفذها «إرهابيون». غير أن أبوجا ومعظم الخبراء نفوا هذه المزاعم بشدة، مؤكدين أن العنف يطال المسيحيين والمسلمين على حد سواء في البلاد.

وخلال الأسابيع الأخيرة، قرر البلدان تعزيز تعاونهما العسكري عقب ضغوط دبلوماسية مارستها واشنطن على أبوجا بشأن أعمال العنف التي ترتكبها جماعات إرهابية وغيرها من الجماعات المسلحة.


«أطباء بلا حدود» تؤكد تعرض مستشفى تابع لها في جنوب السودان لـ«غارة حكومية»

أرشيفية لمرضى خارج قسم علاج سوء التغذية في مستشفى بونج بمدينة مابان بجنوب السودان (أ.ب)
أرشيفية لمرضى خارج قسم علاج سوء التغذية في مستشفى بونج بمدينة مابان بجنوب السودان (أ.ب)
TT

«أطباء بلا حدود» تؤكد تعرض مستشفى تابع لها في جنوب السودان لـ«غارة حكومية»

أرشيفية لمرضى خارج قسم علاج سوء التغذية في مستشفى بونج بمدينة مابان بجنوب السودان (أ.ب)
أرشيفية لمرضى خارج قسم علاج سوء التغذية في مستشفى بونج بمدينة مابان بجنوب السودان (أ.ب)

أعلنت منظمة أطباء بلا حدود، الأربعاء، أن مستشفاها في لانكين بجنوب السودان تعرض لغارة جوية حكومية خلال الليل، بعد نهب منشأة صحية أخرى تابعة لها.

وقالت المنظمة الخيرية الطبية إن المستشفى الواقع في ولاية جونقلي «تعرض لغارة جوية شنتها قوات حكومة جنوب السودان ليل الثلاثاء».

أضافت في بيان إنه تم «إخلاء المستشفى وإجلاء المرضى قبل ساعات من الهجوم» بعد تلقيها معلومات عن ضربة محتملة ضد المدينة، مشيرة إلى إصابة أحد موظفي المنظمة بجروح طفيفة.

وتابع البيان «تم تدمير المستودع الرئيسي للمستشفى خلال الهجوم، وفقدنا معظم إمداداتنا الحيوية لتقديم الرعاية الطبية».

وفي حادث منفصل، أفادت منظمة أطباء بلا حدود بأن منشأة صحية تابعة لها في بلدة بييري في جونقلي أيضا، تعرضت للنهب الثلاثاء على يد مهاجمين مجهولين، ما يجعلها «غير صالحة للاستخدام للمجتمع المحلي».

وأضافت المنظمة «اضطر زملاؤنا من لانكين وبييري إلى الفرار مع السكان المحليين، ولا يزال مصيرهم ومكان وجودهم مجهولا، ونحن نحاول الاتصال بهم».

وشدد غول بادشاه، مدير عمليات منظمة أطباء بلا حدود في جنوب السودان، على أن المؤسسة الخيرية «شاركت إحداثيات نظام تحديد المواقع لجميع منشآتنا مع الحكومة وأطراف النزاع الأخرى من قبل، وتلقينا تأكيدا بأنهم على علم بمواقعنا».

وأضاف أن «القوات المسلحة لحكومة جنوب السودان هي الطرف المسلح الوحيد الذي يملك القدرة على تنفيذ هجمات جوية في البلاد».

وأوضحت منظمة أطباء بلا حدود أنها المزود الصحي الوحيد الذي يخدم نحو 250 ألف شخص في لانكين وبييري، محذرة من أن الهجمات على منشآتها هناك «تعني أن المجتمعات المحلية ستترك من دون أي رعاية صحية».

ويعاني جنوب السودان، الدولة الأحدث عهدا في العالم، من حرب أهلية وفقر وفساد مستشر منذ نيله الاستقلال في عام 2011.

وأحصت منظمة أطباء بلا حدود تعرضها لثماني هجمات في جنوب السودان العام الماضي، ما أدى إلى إغلاق مستشفيين في أعالي النيل الكبرى وتعليق أنشطة الرعاية الصحية العامة في جونقلي وأعالي النيل وولاية الاستوائية الوسطى.

وجاء استهداف مستشفى منظمة أطباء بلا حدود هذا الأسبوع بعد أن فرضت حكومة جنوب السودان في ديسمبر (كانون الأول) قيودا على وصول المساعدات الإنسانية إلى المناطق التي تسيطر عليها المعارضة في جونقلي، ما حد من قدرة المنظمة على تقديم المساعدات الطبية الأساسية هناك.


مسلحون يقتلون عشرات في شمال ووسط نيجيريا

من الجماعات الإرهابية في نيجيريا (إعلام محلي)
من الجماعات الإرهابية في نيجيريا (إعلام محلي)
TT

مسلحون يقتلون عشرات في شمال ووسط نيجيريا

من الجماعات الإرهابية في نيجيريا (إعلام محلي)
من الجماعات الإرهابية في نيجيريا (إعلام محلي)

ذكرت الشرطة النيجيرية أن مسلحين قتلوا 13 شخصاً على الأقل في شمال نيجيريا، الأربعاء، في أحدث حلقة من سلسلة الهجمات التي تعصف بالدولة الواقعة في غرب أفريقيا، بعد يوم على مقتل نحو 160 شخصاً في وسط البلاد.

وقال المتحدث باسم الشرطة، أبو بكر صادق عليو، في بيان، إن المهاجمين «المسلحين بأسلحة خطيرة، بدأوا في إطلاق النار بشكل متقطع» الثلاثاء، في قرية دوما بمنطقة فاسكاري، في ولاية كاتسينا، شمال غربي البلاد، وأن التحقيقات تجري الآن لتحديد ملابسات الهجوم وهوية المسؤولين.

استنفار أمني في نيجيريا عقب هجوم إرهابي (غيتي)

وفي هجوم منفصل، الثلاثاء، قتل مسلحون أشخاصاً عدة في منطقتي: وورو، ونوكو، في ولاية كوارا شمال وسط البلاد، طبقاً لما ذكره حاكم الولاية عبد الرحمن عبد الرزاق، في بيان.

ولم يحدد عدد القتلى، إلا أن تقارير محلية تحدثت عن أكثر من 162 ضحية. ووصف عبد الرزاق الهجوم بأنه «تعبير جبان عن الإحباط من قبل خلايا إرهابية» رداً على العمليات الجارية لمكافحة الإرهاب في الولاية.