نيجيريا: مقتل 5 أشخاص في هجوم انتحاري على مسجد

الرئيس يدعو إلى «التسامح الديني» وسط تصاعد «التعصب والإرهاب»

تجمّع السكان بالقرب من موقع التفجير الذي استهدف مسجداً في سوق غامبورو بمدينة مايدوغوري يوم 24 ديسمبر 2025... وأفاد شهود عيان ومصادر أمنية «وكالة الصحافة الفرنسية» بأن انفجاراً هزّ مسجداً بمدينة مايدوغوري شمال شرقي نيجيريا (أ.ف.ب)
تجمّع السكان بالقرب من موقع التفجير الذي استهدف مسجداً في سوق غامبورو بمدينة مايدوغوري يوم 24 ديسمبر 2025... وأفاد شهود عيان ومصادر أمنية «وكالة الصحافة الفرنسية» بأن انفجاراً هزّ مسجداً بمدينة مايدوغوري شمال شرقي نيجيريا (أ.ف.ب)
TT

نيجيريا: مقتل 5 أشخاص في هجوم انتحاري على مسجد

تجمّع السكان بالقرب من موقع التفجير الذي استهدف مسجداً في سوق غامبورو بمدينة مايدوغوري يوم 24 ديسمبر 2025... وأفاد شهود عيان ومصادر أمنية «وكالة الصحافة الفرنسية» بأن انفجاراً هزّ مسجداً بمدينة مايدوغوري شمال شرقي نيجيريا (أ.ف.ب)
تجمّع السكان بالقرب من موقع التفجير الذي استهدف مسجداً في سوق غامبورو بمدينة مايدوغوري يوم 24 ديسمبر 2025... وأفاد شهود عيان ومصادر أمنية «وكالة الصحافة الفرنسية» بأن انفجاراً هزّ مسجداً بمدينة مايدوغوري شمال شرقي نيجيريا (أ.ف.ب)

قتل 5 أشخاص على الأقل، وأصيب 35 آخرون، في هجوم إرهابي استهدف مسجداً بمدينة مايدوغوري؛ عاصمة ولاية بورنو، أقصى شمال شرقي نيجيريا، فيما أعلن الرئيس بولا أحمد تينيبو أنه سيواصل العمل على ما سماه «تعزيز التسامح الديني».

تجمعت الشرطة والمواطنون أمام المسجد عقب الهجوم (إعلام محلي)

وتزامن الهجوم على المسجد مع احتفالات واسعة في نيجيريا بأعياد الميلاد، حيث يشكل المسيحيون أكثر من 40 في المائة من سكان البلاد، وهو موسم تتصاعد فيه وتيرة الهجمات الإرهابية، التي تأخذ في كثير من الأحيان طابعاً طائفياً.

وقالت الشرطة إن الهجوم استهدف مسجداً مساء الأربعاء، حين كان العشرات يؤدون صلاة المغرب، فيما تشير المعطيات الأولية إلى أن الهجوم نفذه انتحاري باستخدام عبوة ناسفة تقليدية الصنع.

وقالت الشرطة إن التحقيقات مستمرة للكشف عن ملابسات ما حدث، وطلبت من السكان «التحلي بالهدوء واليقظة»، وقال كينيث داسو، المتحدث باسم قيادة ولاية بورنو: «تتواصل حالياً عمليات تمشيط مستمرة تنفذها الشرطة وفرق إزالة المتفجرات».

يتفقد عسكريون موقع التفجير بسوق غامبورو في مايدوغوري يوم 24 ديسمبر 2025 (أ.ف.ب)

في غضون ذلك، قال الجيش إن المسجد الذي استهدفه الهجوم الإرهابي يقع داخل سوق شعبية في حي غامبورو بمدينة مايدوغوري، وهي المدينة الأشد تضرراً من الهجمات الإرهابية خلال 15 عاماً الأخيرة.

وقال مسؤول الإعلام في عملية «هادين كاي» لمحاربة الإرهاب، المقدم ساني أوبا، إن «التحقيقات الأولية تشير إلى أن الانفجار تسبّب فيه انتحاري يُشتبه في أنه إرهابي من (بوكو حرام)، فجّر عبوة ناسفة بدائية الصنع؛ ما أدى إلى مقتله ومقتل مدنيين اثنين في موقع الهجوم».

يتفقد عسكريون موقع التفجير داخل مسجد بسوق غامبورو في مايدوغوري يوم 24 ديسمبر 2025 (أ.ف.ب)

وأضاف أنه فور وقوع الهجوم تحركت قوات الجيش والشرطة ومختلف الأجهزة الأمنية، وقال: «أُمّنت المنطقة المتضررة سريعاً وطُوّقت لمنع وقوع أضرار إضافية، كما نُقل المصابون إلى المستشفى العام ومستشفى جامعة مايدوغوري التعليمي لتلقي العلاج». وأوضح أن «هنالك مصابين في وضعية حرجة؛ مما يزيد من احتمالات ارتفاع عدد الضحايا، حيث توفي اثنان في المستشفى، ولا يزال مصابان آخران في وضعية حرجة جداً».

وقال المقدم ساني أوبا إن الإجراءات الأمنية شُدِّدت في مدينة مايدوغوري والمناطق المحيطة بها عقب الهجوم، وذلك لمنع وقوع حوادث أخرى، لا سيما خلال موسم الأعياد، وطلب من السكان «تجنب الأماكن المزدحمة، والإبلاغ عن أي تحركات أو أنشطة مشبوهة».

قتل 5 أشخاص على الأقل وأصيب 35 آخرون في هجوم إرهابي استهدف مسجداً بمدينة مايدوغوري عاصمة ولاية بورنو أقصى شمال شرقي نيجيريا

إلى ذلك، ندد ⁠باباجانا زولوم، حاكم ولاية بورنو، بالهجوم، وقال إنه «‌مستنكَر تماماً، ووحشي وغير إنساني»، ودعا في بيان إلى توخي الحذر في دور العبادة والأماكن العامة خلال موسم الاحتفالات.

وجدد الرئيس بولا أحمد تينيبو التزامه حماية جميع الأديان في أجواء يسودها التسامح والانسجام، وقال في خطاب عشية موسم أعياد الميلاد إن إدارته ستبني على الحوار المستمر مع قادة الديانات الكبرى لمنع النزاعات وتعزيز التعايش السلمي، في إطار الجهود الأوسع الرامية إلى ترسيخ الوحدة الوطنية والاستقرار.

وأضاف أن «الحوار مع القادة المسيحيين والمسلمين ظل محوراً أساسياً في تعامل إدارته مع قضايا التعصب الديني وانعدام الأمن»، مشيراً إلى أن «هذه اللقاءات ستتوسع لتعزيز الانسجام في أنحاء البلاد».

وتطرق تينيبو إلى الشكاوى المتعلقة بانعدام الأمن والتعصب الديني في نيجيريا، متعهداً بتعميق التواصل مع الهيئات الدينية لتعزيز السكينة.

تأتي هذه التصريحات في وقت يحتفل فيه مسيحيو نيجيريا بأول عيد ميلاد منذ مزاعم عن إبادة جماعية بحق المسيحيين، وهي مزاعم نفتها الحكومة الفيدرالية، لكنها دفعت الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، إلى تصنيف نيجيريا دولةً «موضع قلق خاص»، ولوح بعمل عسكري لحماية المسيحيين.

من جهة أخرى، قال رئيس أركان الدفاع في الجيش النيجيري، الجنرال أولوفيمي أولوييدي، إن «الوطن مدين للقوات المرابطة في الخطوط الأمامية»، وأضاف أن شعب نيجيريا «يعبر عن تقديره للقوات على يقظتها الدائمة ومواجهتها مختلف التهديدات التي تستهدف السلم والأمن الجماعيين».

يقف مسؤول طوارئ خارج «مستشفى بورنو التخصصي» حيث يعالَج المصابون في انفجار وقع خلال الصلاة بأحد المساجد في مايدوغوري بنيجيريا يوم 24 ديسمبر 2025 (رويترز)

وقال الجنرال أولوييدي، في رسالة موجهة لأفراد القوات المسلحة بمناسبة أعياد الميلاد، إن «شجاعتكم وانضباطكم واحترافيتكم وخدمتكم المتفانية، التي غالباً ما تُقدَّم بتضحيات شخصية جسيمة، تجسّد أسمى تقاليد القوات المسلحة النيجيرية».

وأضاف: «أنتم تواصلون اليقظة ومواجهة شتى التهديدات التي تمسّ سلامنا وأمننا الجماعيين، بينما يستمتع الآخرون بأعياد الميلاد مع أحبّتهم. ولهذا؛ فإن الوطن مدين لكم بامتنان لا يُقدَّر بثمن».

وأكد الجنرال أولوييدي أن «المؤسسة العسكرية ستواصل التزام واجبها الدستوري في الدفاع عن سيادة نيجيريا ووحدة أراضيها ومؤسساتها الديمقراطية»، مشيراً إلى أنه سيعمل على تحسين ظروف القوات المسلحة، وقال: «نحن ملتزمون تحسين ظروف المعيشة والعمل لأفراد القوات المسلحة وعائلاتهم، من خلال تعزيز حزم الرعاية، وتحسين الخدمات الصحية، وتوفير سكن أفضل، وصرف المستحقات في مواعيدها، ومواصلة دعم عائلات أبطالنا الذين سقطوا».

ولم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن الهجوم، الذي يأتي وسط مخاوف أمنية متصاعدة في ‌شمال شرقي ‌نيجيريا، حيث يشن ‌متشددون ⁠​من جماعة ‌«بوكو حرام» وتنظيم «داعش - ولاية غرب أفريقيا» حملة عنف على مدى 15 عاماً، تستهدف المدنيين والمساجد والأسواق.

وفي أغسطس (آب) الماضي، قال مسؤولون محليون وسكان إن متشددين هاجموا مسجداً ومنازل قريبة في ولاية كاتسينا شمال غربي البلاد؛ ما ‌أسفر عن مقتل من لا يقلون عن 50 شخصاً.


مقالات ذات صلة

القضاء اللبناني يبرّئ فضل شاكر من دعوى قتل

المشرق العربي الفنان اللبناني فضل شاكر وأحمد الأسير يشاركان في احتجاج ببيروت عام 2013 (أرشيفية - رويترز)

القضاء اللبناني يبرّئ فضل شاكر من دعوى قتل

برّأ القضاء اللبناني، اليوم (الأربعاء)، الفنان فضل شاكر من قضية محاولة اغتيال مسؤول محلي لمجموعة مرتبطة بـ«حزب الله»، وفق ما قال مصدر قضائي.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
العالم أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

أستراليا تعلن عودة 13 من مواطنيها مرتبطين بـ«داعش» من سوريا

أعلنت الشرطة الأسترالية الأربعاء أن مجموعة مؤلفة من 13 امرأة وطفلا أستراليّا مرتبطين بعناصر يشتبه في انتمائهم لتنظيم داعش سيعودون إلى الوطن من سوريا.

«الشرق الأوسط» (سيدني)
شؤون إقليمية أكراد يرفعون صورة لأوجلان مطالبين بإطلاق سراحه خلال احتفالات عيد النوروز في إسطنبول 22 مارس الماضي (أ.ف.ب)

تركيا: حليف لإردوغان يقترح إنشاء مكتب لأوجلان لإدارة «عملية السلام»

تصاعدت الدعوات مجدداً إلى تغيير وضع زعيم حزب «العمال الكردستاني» السجين في تركيا عبد الله أوجلان ومنحه الحرية لقيادة «عملية السلام»

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
أفريقيا صورة غير مؤرخة نشرها الجيش الفرنسي لمرتزقة روس في شمال مالي (أ.ب) p-circle

مالي: ماذا يعني أن يجمعَ غويتا الرئاسة والدفاع؟

الرئيس غويتا يتولى وزارة الدفاع... ومراقبون يرون أنها رسالة إلى الروس بأن الشراكة مستمرة رغم اغتيال رجلهم.

الشيخ محمد (نواكشوط)
أوروبا صورة وزَّعها الجيش الفرنسي لمقاتلين من المرتزقة الروس خلال صعودهم مروحية بشمال مالي - أبريل 2022 (الجيش الفرنسي - أ.ب) p-circle

مالي: «الفيلق الأفريقي» يعلن القضاء على 150 إرهابياً على حدود موريتانيا

مالي: «الفيلق الأفريقي» يعلن القضاء على 150 إرهابياً على حدود موريتانيا والسلطات تكشف تورط سياسيين وضباط في هجمات السبت ضد باماكو

الشيخ محمد (نواكشوط)

تأكيد إصابة أحد ركاب سفينة سياحية بسلالة من فيروس «هانتا» تنتقل بين البشر

السفينة السياحية التي تعرضت لتفشٍ محتمل لفيروس «هانتا» (أ.ف.ب)
السفينة السياحية التي تعرضت لتفشٍ محتمل لفيروس «هانتا» (أ.ف.ب)
TT

تأكيد إصابة أحد ركاب سفينة سياحية بسلالة من فيروس «هانتا» تنتقل بين البشر

السفينة السياحية التي تعرضت لتفشٍ محتمل لفيروس «هانتا» (أ.ف.ب)
السفينة السياحية التي تعرضت لتفشٍ محتمل لفيروس «هانتا» (أ.ف.ب)

أعلن المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم غيبرييسوس، الأربعاء، عن إجلاء الحالات الثلاث المشتبه في إصابتها بفيروس «هانتا» من سفينة «إم في هونديوس» السياحية، بؤرة تفشي الفيروس، ونقلها إلى هولندا.

وقال أدهانوم غيبرييسوس، في منشور عبر منصة «إكس» نحو الساعة 9.45 صباحاً بتوقيت غرينتش: «جرى إجلاء 3 مرضى يُشتبه في إصابتهم بفيروس (هانتا) من السفينة، وهم في طريقهم لتلقي العلاج في هولندا، بالتنسيق مع منظمة الصحة العالمية، والشركة المشغلة للسفينة، والسلطات الوطنية في الرأس الأخضر والمملكة المتحدة وإسبانيا وهولندا».

صورة مجهرية تُظهر البنية الدقيقة لعدد من جسيمات فيروس «هانتا» (رويترز)

وأعلن وزير الصحة في جنوب أفريقيا، أرون موتسوليدي، الأربعاء، عن إصابة أحد ركاب السفينة بسلالة الأنديز من فيروس «هانتا» وهي سلالة قابلة للانتقال بين البشر.

وقال الوزير أرون موتسوليدي أمام لجنة برلمانية إن «الفحوصات الأولية أظهرت أن الفيروس من سلالة الأنديز»، «وهي السلالة الوحيدة من بين 38 سلالة يُعرف بأنها تنتقل بين البشر».

وقالت شيناز ​الحلبي، ممثلة منظمة الصحة العالمية في جنوب أفريقيا، ‌إن ‌تأكيد إمكانية ​انتقال ‌فيروس ⁠«هانتا» ​المتفشي على متن ⁠سفينة سياحية من إنسان إلى آخر لا يُغير ⁠تقييم المخاطر ‌الذي ‌أجرته ​المنظمة، ‌والذي ‌لا يزال عند مستوى «منخفض».

وأضافت: «لا، هذا لا يُغير تقييم ‌المخاطر لأن... (الانتشار) يحدث في المقام الأول ⁠عند ⁠ملامسة قوارض مصابة وحتى... الانتقال من إنسان لآخر (يحدث فقط) في حالات الاتصال الوثيق ​جداً ​جداً».

ويمكن تفشي فيروس «هانتا»، الذي قد يُسبب أمراضاً تنفسية قاتلة، عندما تنتقل جزيئات من براز القوارض أو بولها عبر الهواء. ولا ينتقل ⁠الفيروس بسهولة بين البشر. ولا توجد أدوية محددة لعلاج ‌المرض، لذا يركز العلاج على الرعاية ‌الداعمة، بما في ذلك وضع المرضى ​على أجهزة التنفس الصناعي في ‌الحالات الخطيرة.

وفيما لا تزال السفينة راسية قبالة سواحل الرأس الأخضر، قالت وزارة الصحة الإسبانية، الثلاثاء، إنها لن تحسم قرارها لجهة السماح للسفينة السياحية بالرسوّ إلى حين اكتمال تحليل البيانات الوبائية.


مالي: ماذا يعني أن يجمعَ غويتا الرئاسة والدفاع؟

جنود ينتظرون بدء مراسم جنازة وزير الدفاع المالي السابق ساديو كامارا في باماكو 30 أبريل 2026 (أ.ب)
جنود ينتظرون بدء مراسم جنازة وزير الدفاع المالي السابق ساديو كامارا في باماكو 30 أبريل 2026 (أ.ب)
TT

مالي: ماذا يعني أن يجمعَ غويتا الرئاسة والدفاع؟

جنود ينتظرون بدء مراسم جنازة وزير الدفاع المالي السابق ساديو كامارا في باماكو 30 أبريل 2026 (أ.ب)
جنود ينتظرون بدء مراسم جنازة وزير الدفاع المالي السابق ساديو كامارا في باماكو 30 أبريل 2026 (أ.ب)

قرر رئيس المجلس العسكري والرئيس الانتقالي في مالي الجنرال آسيمي غويتا أن يتولى شخصياً حقيبة وزارة الدفاع، بعد تسعة أيام من اغتيال وزير الدفاع السابق الجنرال ساديو كامارا، في خطوة أثارت الكثير من التعليقات في البلد المضطرب الذي يواجه واحدة من أصعب اللحظات في تاريخه.

وتواجه مالي أزمة أمنية حادة منذ هجوم شنّه انفصاليون طوارق ومسلحون مرتبطون بتنظيم «القاعدة» قبل أكثر من أسبوع، وأسفر عن مقتل كامارا إثر تفجير سيارة مفخخة استهدفت منزله.

وزير دفاع مالي الراحل الجنرال ساديو كامارا خلال اجتماع في واغادوغو عاصمة بوركينا فاسو يوم 15 فبراير 2024 (أ.ف.ب)

وتمكنت هذه الجماعات من السيطرة على مدينة كيدال الاستراتيجية في الشمال، قبل أن تسيطر الجمعة على القاعدة العسكرية في تساليت بعد انسحاب الجيش المالي وحلفائه من الروس منها. وتُعد هذه الهجمات المنسقة هي الكبرى في البلاد منذ نحو 15 عاماً، وأسفرت المعارك العنيفة في مناطق عدة، بينها محيط العاصمة باماكو، عن مقتل 23 شخصاً على الأقل. وأفادت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) الجمعة بأن مدنيين وأطفالاً كانوا بين القتلى والجرحى.

صورة وزَّعها الجيش الفرنسي لمقاتلين من المرتزقة الروس خلال صعودهم مروحية بشمال مالي... أبريل 2022 (الجيش الفرنسي - أ.ب)

وشاركت جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين» المرتبطة بـ«القاعدة»، إلى جانب «جبهة تحرير أزواد»، وهي حركة انفصالية للطوارق، في الهجمات ضد السلطة العسكرية وحلفائها الروس.

وتعهد متحدث باسم «جبهة تحرير أزواد» بمواصلة القتال للسيطرة على شمال البلاد، متوقعاً «سقوط» المجلس العسكري الذي استولى على السلطة عبر انقلابين في 2020 و2021.

قرار غويتا جاء في مرسوم صادر عن الرئاسة الانتقالية المالية، ينص على أن الرئيس الانتقالي الجنرال آسيمي غويتا، القائد الأعلى للقوات المسلحة، سيتولى مهام وزير الدفاع وشؤون المحاربين القدامى، فيما عُين الجنرال عمر ديارا، قائد هيئة الأركان العامة للجيوش سابقاً، وزيراً منتدباً لدى وزير الدفاع.

وبهذا القرار يحكم غويتا قبضته على مقاليد الحكم في مالي، حيث يجمع تحت يده خيوط القرار العسكري والأمني في البلاد، ولكن ما دلالة أن يجمع غويتا الرئاسة والدفاع؟

شارع في العاصمة المالية باماكو عقب تجدد الاشتباكات بين الجيش وتحالف المتمردين الطوارق ومتشددين يوم 26 أبريل الماضي (أ.ف.ب)

قيادة قوية

منذ اغتيال وزير الدفاع على يد تنظيم «القاعدة»، وسقوط مدن الشمال في قبضة المتمردين الطوارق، زاد الشك في نفوس الماليين، وخاصة سكان العاصمة باماكو، التي أصبحت في مرمى نيران مقاتلي «نصرة الإسلام والمسلمين»، الموالية لتنظيم «القاعدة».

ويعتقدُ كثيرون من أنصار المجلس العسكري الحاكم أن قرار الجنرال غويتا أن يتولى بنفسه وزارة الدفاع هو رسالة طمأنة إلى الماليين، وتأكيد لهم بأن اغتيال ساديو كامارا لن يؤثر على عزيمة المجلس العسكري، ومضيه قدماً في الحرب على الإرهاب والتمرد.

ويمثل كامارا رمز القوة في المجلس العسكري، حيث كان مهندس صفقات السلاح والشراكة مع روسيا، ويرى فيه الماليون القائد الفعلي للمعركة الميدانية ضد الإرهاب والتمرد، وحين اغتاله تنظيم «القاعدة» بدا ذلك كأنه ضربة قاضية لمشروع الاستقرار في مالي.

وزير خارجية روسيا في موسكو برفقة وزير الدفاع المالي (يساراً) الذي قُتل قرب باماكو يوم 28 فبراير 2024 (رويترز)

وفي تقارير نشرتها صحف محلية موالية للمجلس العسكري وتقوم بكثير من الدعاية له، قالت إن الفراغ الذي خلفه كامارا لا يمكن أن يملأه إلا الجنرال غويتا بنفسه، لأن الرجلين خاضا معاً المسار العسكري والحرب في الشمال، ثم قادا فيما بعد الانقلاب العسكري، وكانا معاً حين قررا التخلي عن فرنسا والتوجه نحو الشراكة مع روسيا.

ووصفت هذه الصحف قرار غويتا بأنه «خطوة تظهر قوة القيادة»، وأضافت: «في زمن الحرب، يتولى الرئيس شخصياً حقيبة الدفاع لتوحيد سلسلة القيادة ومنع أي تشتت للسلطة».

تركيز السلطة

في المقابل، انتقد القرار من طرف جهات معارضة للمجلس العسكري، ولكن صوتها ضعيف الحضور في مالي بسبب الوضع الاستثنائي في البلاد، وقالت هذه الجهات إنه «يمثل أقصى درجات مركزية السلطة وتوحيد القيادتين السياسية والعسكرية».

جانب من مشهد عام لباماكو (رويترز)

وحذرت هذه الجهات من «تزايد النزعة السلطوية» لدى الجنرال غويتا، الذي يحكم مالي منذ 2020 دون تنظيم أي انتخابات، وغياب أي خطة للعودة إلى الوضع الدستوري، خاصة بعد حل جميع الأحزاب السياسية في البلاد، وتعطيل جميع مظاهر الحياة السياسية.

وأشارت إلى أن تولي غويتا لمنصب وزير الدفاع، إلى جانب رئاسة الدولة، ربما يخفي «انقسامات داخل الجيش وفقداناً للثقة في الحلفاء الروس بعد الانتكاسات العسكرية الأخيرة»، وفق تعبير مصدر فضل حجب هويته.

رسالة الكرملين

رغم هذه المخاوف، يؤكد مراقبون أن الجنرال آسيمي غويتا من خلال قراره الأخير، بعث برسالة واضحة إلى الكرملين، مفادها أنه متمسك بالشراكة العسكرية والأمنية مع روسيا، ولا مجال للتراجع عنها حتى بعد اغتيال رجل موسكو في مالي والساحل.

من الواضح أن غويتا، بعد أن خسر مهندس الشراكة مع روسيا، لا يريد أن يحدث أي فراغ على مستوى التواصل مع موسكو، فقرر أن يتولى المهمة بنفسه، مع استحداث منصب وزير منتدب لدى وزير الدفاع، اختار له الجنرال عمر ديارا، في الغالب سيكون مبعوث الرئيس ومندوبه للأنشطة الميدانية.

وبذلك يكون غويتا قد اختار أن يتولى بنفسه الملفات الاستراتيجية، مثل الشراكة مع روسيا وصفقات السلاح، والصلة الوثيقة بالفيلق الأفريقي الروسي، ولكنه يبقى بعيداً عن الأضواء، تماشياً مع الإجراءات الأمنية الجديدة، التي فرضتها عملية اغتيال وزير الدفاع السابق.

قائد ‌المجلس العسكري الحاكم في مالي آسيمي غويتا يتفقد جرحى بأحد مستشفيات باماكو (رويترز)

أزمة ثقة؟

في المقابل، يثير مراقبون شكوكاً حول السبب الذي دفع غويتا لاستحداث منصب وزير منتدب لدى وزير الدفاع وإسناده إلى ديارا، بدل أن يسند وزارة الدفاع مباشرة إلى جنرال محنك وله خبرة واسعة في قضايا الأمن والدفاع، وكان يتولى قيادة الجيش.

تشير هذه المصادر إلى أن هجمات «القاعدة» الأخيرة، بالتحالف مع المتمردين، واغتيال وزير الدفاع، أسفرت جميعها عن حالة من الشك وانعدام الثقة بين أطراف المؤسسة العسكرية، خاصة بعد سلسلة الاعتقالات المستمرة منذ الجمعة الماضي، على خلفية الهجمات.

يستقل متمردون طوارق تابعون لـ«جبهة تحرير أزواد» شاحنات صغيرة في كيدال (أ.ف.ب)

وبررت المصادر شكوكها، بالقول إن منصب وزير الدفاع يحظى بأهمية كبيرة في مالي، نظراً لظروف الحرب الجارية، حيث إن الوزير الراحل ساديو كامارا كان ينظر له كمنافس للجنرال غويتا، وشريك في القرار، خاصة فيما يتعلق بالملفات الحساسة والاستراتيجية، وهي قوة لا يريد غويتا توريثها لأي شخص آخر.

بل إن مصدراً دبلوماسياً قال: «غويتا لم يعد يثق بأحد غير نفسه لتولي الدفاع، ولا يهتم بالانتقادات الموجهة له فيما يتعلق بالإفراط في مركزية السلطة، لأن هدفه الأول الآن هو أن يستعيد الجيش المبادرة أمام (القاعدة) والمتمردين».


مالي: ترقب وهدوء حذر وسط قلق دول الجوار

الرئيس السنغالي خلال حديث مع صحافيين محليين السبت (إعلام محلي)
الرئيس السنغالي خلال حديث مع صحافيين محليين السبت (إعلام محلي)
TT

مالي: ترقب وهدوء حذر وسط قلق دول الجوار

الرئيس السنغالي خلال حديث مع صحافيين محليين السبت (إعلام محلي)
الرئيس السنغالي خلال حديث مع صحافيين محليين السبت (إعلام محلي)

سادت حالة من الترقب والهدوء الحذر دولة مالي خلال عطلة نهاية الأسبوع، حيث لم تسجل أي هجمات أو مواجهات بين الجيش المدعوم من «الفيلق الأفريقي» التابع لوزارة الدفاع الروسية، ومسلحي تنظيم «القاعدة» المتحالفين مع المتمردين الطوارق، ومع ذلك لا يزال الوضع في مالي يثير مخاوف دول الجوار، وخاصة الجزائر، وموريتانيا والسنغال.

ورغم حالة الهدوء، تواصل جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين»، التابعة لتنظيم «القاعدة»، ما تقول إنه حصار العاصمة المالية باماكو، رغم أن الجيش ومصادر حكومية نفت أن يكون هنالك أي حصار، وأعلنت إلحاق خسائر كبيرة بالمسلحين خلال قصف جوي.

في غضون ذلك، تحدثت تقارير عن تسجيل حوادث اعتداء على أشخاص من طرف سكان باماكو، بعد الاشتباه في انتمائهم إلى تنظيم «القاعدة»؛ ما يعكس حالة الغضب الشعبي والاحتقان منذ الهجمات المسلحة المتزامنة، فجر السبت 25 أبريل (نيسان) الماضي، والتي استهدفت العاصمة باماكو، ومدن كاتي، وكونا، وموبتي، وسيفاري، وكيدال وغاو.

وتبنت جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين»، بالتحالف مع «جبهة تحرير أزواد»، هذه الهجمات التي راح ضحيتها عشرات المدنيين، من بينهم وزير الدفاع وأفراد عائلته، بينما أعلن المتمردون السيطرة على مدينتي كيدال وتساليت، في حين أكد الجيش المالي أن الوضع تحت السيطرة، وأن ملاحقة المسلحين مستمرة.

عائلة الوزير السابق منتقى تال قالت إنه تعرَّض للاختطاف ليل السبت الماضي (إعلام محلي)

اعتقال وزير سابق

إلى ذلك، فتحت السلطات العسكرية في مالي تحقيقاً في الهجمات، وأوقفت شخصيات عسكرية وسياسية عدة، من أبرزها الوزير السابق والمعارض للمجلس العسكري الحاكم مُنتقى تال، الذي أكدت عائلته في تصريحات نقلتها وكالة «أسوشييتد برس» أن رجالاً مسلحين وملثمين قد اختطفوه من منزله.

وحسب مصدر عائلي، فإن منزل الوزير السابق في العاصمة باماكو تعرَّض للاقتحام قبيل منتصف ليل السبت، وأضاف أن منفذي الاقتحام لم يكشفوا عن هويتهم أو عن سبب اعتقال تال، لكنه أكد أنهم ينتمون إلى القوات المسلحة. وأضاف: «لم يشرحوا السبب ولم يبرزوا مذكرة توقيف، كما أهان الجنود زوجة منتقى تال وصادروا هاتفها».

وشغل تال منصب وزير التعليم والعلوم في مالي بين عامي 2016 و2017، وهو رئيس حزب «المؤتمر الوطني للمبادرة الديمقراطية»، وهو حزب سياسي يعارض الحكومة العسكرية، وقد تم حله مثل بقية الأحزاب السياسية في مالي.

وبصفته محامياً، يمثل تال سياسيين وأفراداً آخرين اعتُقلوا بسبب انتقادهم للمجلس العسكري الذي يحكم مالي منذ 2020، إثر انقلاب عسكري أسفر عن تعطيل الدستور وحل الأحزاب السياسية؛ وذلك من أجل ما قال المجلس إنه التفرغ للحرب على الإرهاب واستعادة السيادة على جميع أراضي مالي.

وكانت مالي قد أعلنت الجمعة الماضي أن بحوزتها أدلة على تعاون جنود مع هذه الجماعات لشن الهجمات، ونفذت منذ ذلك الحين موجة من الاعتقالات. ومن جانبها، ذكرت عائلة تال أنها تقدمت بشكوى «بشأن الاختطاف والاختفاء» لدى قوات الأمن، في حين لم تعلق الحكومة بعد على هذه الاعتقالات.

قلق سنغالي

وفي أول تعليق على الأحداث في مالي، دعا الرئيس السنغالي بشيرو ديوماي فاي إلى أن تكون «مكافحة الإرهاب قضية أفريقية»؛ وذلك على ضوء الأحداث الأخيرة في دولة مالي المجاورة، حيث قال «الفيلق الأفريقي» الروسي قبل يومين إن عناصر «القاعدة» يلجأون في بعض الأحيان إلى دول مجاورة بينها السنغال.

وقال الرئيس السنغالي في مقابلة مع صحافيين محليين، إن الوضع الأمني الصعب في مالي «يؤثر بشكل مباشر على الدول المجاورة، بما فيها السنغال»، وأضاف: «كل ما يجري في مالي يؤثر على السنغال والعكس صحيح. نحن مرتبطون تاريخياً. إنهم إخوتنا». وطالب الرئيس السنغالي بتفعيل قوة عسكرية احتياطية ذات طابع إقليمي، على مستوى المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس)، مشيراً إلى أن هذه القوة من شأنها أن تساعد على مواجهة خطر الإرهاب.

ولم يتوقف القلق السنغالي على مستوى الرئاسة وصناع القرار، بل إن هيئات في المجتمع المدني السنغالي أصدرت بياناً مشتركاً حذَّرت فيه من سقوط مالي، وقالت إن ذلك يعني أن «جميع الدول المجاورة قد تسقط». ووقَّعت على هذا البيان هيئات، من أبرزها المنتدى الاجتماعي السنغالي والمنتدى الاجتماعي لغرب أفريقيا والمنتدى الاجتماعي الأفريقي، وقالت هذه الهيئات إن الهجمات التي تعرضت لها باماكو: «كانت صدمة للشعوب الأفريقية كافة». وأضاف البيان أن «حجم الهجمات والتنسيق الذي نُفذت به يظهر مرة أخرى أن هذه الجماعات المسلحة تمتلك أجندة واضحة ومستوى عالياً من التنظيم. ولكن ما يحدث في مالي والساحل عموماً، يجب أن يستنهض أفريقيا بأكملها، وخاصة منطقة جنوب الساحل».

وأكدت المنظمات في بيانها أن الوقت حان ليدرك الأفارقة أن مصيرهم مشترك في مواجهة الإرهاب، وقالت: «إن أحداث السبت في مالي تمثل نقطة تحول في الأزمة الأمنية والسياسية منذ اغتيال الزعيم الليبي معمر القذافي».

وخلصت المنظمات إلى أن «سقوط مالي قد يؤدي إلى سقوط دول الجوار، وأن منطقة الساحل قد تقع في أيدي الجماعات الإرهابية التي تسعى لإقامة دولة إسلامية كبرى في أفريقيا انطلاقاً من غرب القارة». وشددت المنظمات على أن «السنغال معنية بهذا الخطر بشكل مضاعف».