روسيا وأفريقيا... طريق «الشراكة الاستراتيجية» مليئة بالمطبات

كره «الهيمنة الاستعمارية» يجمع الطرفين وتباين الأولويات يعوق العلاقة

من القمة الروسية - الأفريقية في سان بطرسبورغ (رويترز)
من القمة الروسية - الأفريقية في سان بطرسبورغ (رويترز)
TT

روسيا وأفريقيا... طريق «الشراكة الاستراتيجية» مليئة بالمطبات

من القمة الروسية - الأفريقية في سان بطرسبورغ (رويترز)
من القمة الروسية - الأفريقية في سان بطرسبورغ (رويترز)

من القمة الروسية - الأفريقية في سان بطرسبورغ (رويترز)

عكست الأجواء الودية، التي سادت خلال أعمال القمة الروسية - الأفريقية الثانية في عاصمة الشمال الروسي سان بطرسبورغ، مستوى مهماً من التقارب، يسهم هذا النجاح في تسريع وتائر زيادة حجم التبادل التجاري الاقتصادي بين روسيا وبلدان القارة خلال الأشهر الأخيرة، فضلاً عن بروز تطابق في المواقف حول غالبية القضايا المطروحة، وعلى رأسها الموقف من الحضور الغربي في «القارة السمراء».

لقد حرص غالبية الزعماء الحاضرين على التذكير بإسهامات الاتحاد السوفياتي السابق في تحرير بلدانهم من الاستعمار الغربي، والتأكيد على أن العلاقة مع روسيا تعد امتداداً للإرث التاريخي من الصداقة والتعاون. وهكذا، شكلت القمة نجاحاً سياسياً مهماً للكرملين، بعد تزايد المخاوف من نجاح الضغوط الغربية في عرقلة انعقادها، لكن هذا لم يخف التباين في أجندة الأولويات لدى الطرفين.

في ظل توافق روسي أفريقي على رفض «الهيمنة الغربية»، والدعوة إلى «عالم متعدد الأقطاب» تشغل فيه القارة الأفريقية مكانة مرموقة، لم تُخفِ العبارات البروتوكولية للزعماء الأفارقة قلق بلدانهم بسبب احتدام المواجهة الروسية مع الغرب واستمرار الحرب الأوكرانية التي تهدد الأمن الغذائي وأمن واستقرار العالم.

وفي حين انصب تركيز الكرملين على التوجه «الاستراتيجي» للشراكة بين روسيا وبلدان القارة، وضرورات إيجاد آليات لزيادة تنسيق السياسات المالية والاقتصادية في مواجهة العقوبات الغربية، ركز الجانب الأفريقي أكثر على متطلبات التنمية وبناء البُنى التحتية وملفات الأمن ومكافحة الإرهاب ومواجهة التهديدات المعاصرة.

وعود كبيرة...

حضر القمة الثانية من نوعها، بعدما كان القادة الروس والأفارقة قد التقوا في أول قمة من هذا النوع قبل 4 سنوات، زعماء ومسؤولون من 49 بلداً أفريقياً. ولم يخفِ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ارتياحه لانعقاد القمة في توقيتها رغم «الضغوط» الغربية الواسعة التي مورست لحمل بلدان القارة على مقاطعة الاجتماع في روسيا.

إلا أنه لا يمكن في المقابل تجاهل حقيقة أن مستوى تمثيل الوفود الأفريقية في القمة خيب إلى حد ما آمال الكرملين. وللمقارنة، مقابل حضور 43 زعيماً أفريقياً «قمة سوتشي» (القمة الأولى) عام 2019، جاء إلى سان بطرسبورغ في القمة الثانية 17 رئيس دولة فقط، ومُثل الجزء الأكبر من البلدان الأفريقية على مستوى رؤساء الوزارات أو مبعوثين رئاسيين.

ولكن، لم يمنع ذلك بوتين من تأكيد أن بلاده منفتحة على تعزيز التعاون في المجالات كافة. وتشير الأرقام إلى أن حجم التبادل التجاري بين روسيا وأفريقيا بلغ عام 2022 نحو 18 مليار دولار، وزاد في النصف الأول من عام 2023 بنحو 35 في المائة. كذلك، فإن مجالات التعاون الرئيسية بين روسيا والقارة الأفريقية باتت تشمل الطاقة واستخدام التربة والزراعة ومجالات أخرى كثيرة لم تكن تدخل في قطاعات التعاون، التي كانت تقتصر مع بعض بلدان القارة على إمدادات السلاح والتقنيات العسكرية.

- بوتين يتكلم خلال القمة (أ.ف.ب)

في المجالات السياسية، ركز الرئيس الروسي على استعداد بلاده للمساعدة في تعزيز سيادة الدول الأفريقية، بصفتها «شريكاً مهماً وأساسياً»، متعهداً بدعم مطلب مهم للمجموعة الأفريقية يتمثل في الانضمام إلى «مجموعة الدول العشرين» في قمتها المقبلة بالهند.

وشن بوتين هجوماً قوياً على الغرب، وربط كل مصائب أفريقيا بالماضي الاستعماري في القارة. ومن ثم، رأى أن «النزاعات العرقية والإثنية لا تزال مستمرة ولم تُحل في الكثير من المناطق الأفريقية، والأزمات السياسية والاجتماعية والاقتصادية الحادة لا تزال باقية ومتفاقمة».

من جهة أخرى، ما كان ممكناً خلال الحوار، تجاهل أزمة إمدادات الغذاء بسبب تعطل «صفقة الحبوب». وهنا، مع دفاعه عن صواب قرار موسكو بالانسحاب من الصفقة لأنها «لم تُنفَّذ بالكامل» تعمد بوتين إظهار «انفتاح» بلاده على «تسويات جزئية» لتخفيف معاناة بعض البلدان الأفريقية، متعهداً بتوفير ما بين 25 و50 ألف طن من الحبوب مجاناً لبوركينا فاسو وزيمبابوي ومالي والصومال وجمهورية أفريقيا الوسطى وإريتريا خلال الأشهر المقبلة.

وكان الأبرز، أن موسكو، في مقابل تبرير انسحابها من الصفقة، وعدت بمساعدة الدول الأفريقية في مجالات عدة لتطوير قدراتها على صعيد ضمان الأمن الغذائي. وقال بوتين إن موسكو «ستعمل لكي تتمكن أفريقيا في المستقبل، من خلال تطبيق التقنيات الزراعية المناسبة والتنظيم المناسب للإنتاج الزراعي، ليس فقط من إطعام نفسها وضمان أمنها الغذائي، بل أيضاً من أن تصبح كذلك مصدِّرة لأنواع مختلفة من الغذاء، ولن تلاقي في ذلك سوى كل الدعم من جانب روسيا».

تعزيز تدريس اللغة الروسية

وفي إطار الوعود الروسية أيضاً، جرى التطرق إلى رُزمة واسعة من المساعدات التي تنوي موسكو تقديمها إلى بلدان القارة، بينها «دعم أفريقيا ليس فقط فيما يتعلق بالتعليم العالي، بل كذلك في مؤسسات التعليم العام والثانوي وإعداد كوادر المعلمين، وتعزيز تدريس اللغة الروسية في بعض الدول».

وأما في قطاع الطاقة، فقال الرئيس الروسي إن صادرات النفط الخام والمنتجات البترولية والغاز الطبيعي المسال من بلاده إلى أفريقيا زادت بمقدار 2.6 مرة، ويوجد الآن أكثر من 30 مشروعاً واعداً للطاقة بمشاركة روسية في 16 دولة أفريقية بدرجات متفاوتة من التنمية. وفي سياق موازٍ، حث البلدان الأفريقية على توسيع تعاونها مع موسكو في مجال مواجهة تداعيات العقوبات الغربية، قائلاً: «من الضروري التحرك بنشاط أكبر في مجال التحول إلى التسويات المالية للمعاملات التجارية بالعملات الوطنية، بما في ذلك الروبل، من أجل زيادة توسيع النطاق الكامل للعلاقات التجارية والاقتصادية».

وأبدى الكرملين أيضا استعداداً للعمل مع البلدان الأفريقية لتطوير بنيتها التحتية المالية، وربط المؤسسات المصرفية بالنظام الذي أنشئ في روسيا لنقل الرسائل المالية، التي تسمح بالدفع عبر الحدود، «بعيداً من بُعد الأنظمة الغربية الحالية المقيدة».

تطلّعات أفريقية: لا نقف ممدودي الأيدي!

في المقابل، برز تباين واضح في أولويات القارة، رغم تطابق المواقف حيال بعض القضايا؛ إذ أشاد رئيس الاتحاد الأفريقي عثمان غزالي، بـ«التعاون الروسي مع بلدان القارة لمكافحة المشكلات الزراعية».

وحيال التعويل الأفريقي على دعم تطلعات القارة الأفريقية في إطار تعزيز «المشاركة الفعالة في اتخاذ القرارات الدولية، وأن يكون للاتحاد الأفريقي مكان في مجلس الأمن»، فضلاً عن ترسيخ الوجود الأفريقي في «مجموعة العشرين»، ركزت كلمات أخرى للقادة الأفارقة على أهمية تصحيح «خطأ تاريخي» حرم القارة السمراء من التمثيل العادل في المؤسسات الدولية. بل، وطالب بعضهم روسيا بأن تؤدي دوراً لتصحيح هذا الخطأ.

أيضاً، مع تأكيد كل الوفود الأفريقية رفض «التركة الاستعمارية»، تفاوتت الكلمات في الجلسة الموسعة بين أطراف ركزت فقط على الهيمنة الغربية، وأطراف شددت على «ضرورات التعاون مع روسيا» لمواجهة «الاستعمار الجديد»، كما قال رئيس بوركينا فاسو والقائم بأعمال الرئاسة في مالي، وهما بلدان لعبت فيهما روسيا دوراً عسكرياً مباشراً لمواجهة الوجود الفرنسي. وحض الطرفان البوركيني والمالي بقية الدول الأفريقية على تبني مواقفهما، وأنه «يجب على قادة الدول الأفريقية ألا يكونوا دمية في أيدي الإمبرياليين والمستعمرين».

أما رئيس جمهورية أفريقيا الوسطى فحدد مطالب القارة من روسيا، قائلاً إن البلدان الأفريقية تمتلك ثروات هائلة لا يُصار إلى استغلالها جيداً. وحث بالتالي روسيا على المساعدة في تطوير بناها التحتية.

هذا أمر أثاره كذلك رئيس الكونغو في مداخلته، التي شددت على أن «هدفنا هو التنمية. لقد حاربنا الاستعمار في الماضي، واليوم علينا أن نواجه تحديات معاصرة، وأن نعمل من أجل رفاهية ما يصل إلى ملياري أفريقي بحلول عام 2050». وتابع الرئيس الكونغولي أن القارة الأفريقية تحتاج إلى الكهرباء، وأن نحو 600 مليون أفريقي يعيشون في الظلام. وأردف: «نحتاج إلى الكهرباء من أجل تدشين الصناعات، وعلينا بناء سكك الحديد والبنى التحتية للتجارة والنقل»، مذكراً بأن القارة الأفريقية «لا تتوقع السخاء من أحد، ولا نقف ممدودي اليدين، بل نرى أن للتعاون بين روسيا وأفريقيا مستقبلاً مشرقاً». وحقاً، بدا هذا المدخل موحداً تقريباً لأجندة غالبية البلدان الأفريقية، في مقابل التطلعات الروسية من القمة.

- الرئيس الجنوب أفريقي رامافوزا (جي سي آي إس)

أما رئيس جنوب أفريقيا سيريل رامافوزا، فسعى إلى إيجاد عناصر للربط بين الأجندتين، من خلال الدعوة إلى تعزيز تعاون البلدان الأفريقية مع مجموعة «بريكس». وقال إن «الشركاء في (بريكس) يشاركون في الدعم الاقتصادي لأفريقيا». وزاد أن «على الدول الأفريقية تقرير مصيرها بنفسها كشعوب وككيان مشترك. لدينا مصادر وموارد علينا أن نستفيد بها من أجل مصلحة أفريقيا». ثم أضاف أن بلدان القارة تريد أن تصدّر المنتجات الجاهزة ذات القيمة المضافة، و«لا بد أن يكون هناك احترام لما نقوم به على المستوى الوطني. يجب علينا أن نوقف البلدان التي تستغل مواردنا الطبيعية عند حدها».

في الوقت ذاته، برزت دعوات بعض القادة إلى وضع استراتيجية واضحة للتعاون المستقبلي بين روسيا وبلدان القارة، تقوم على «خريطة طريق» مدروسة وتضع سقفاً زمنياً لتنفيذ مشاريع حيوية مهمة.

وشكلت هذه نقطة بارزة لم تتطرق إليها القيادة الروسية خلال الحوار، تضاف إلى مسألة القلق المتزايد على متطلبات الأمن الغذائي للقارة رغم التطمينات الروسية حول زيادة الصادرات من الحبوب. وهذا أمر برز من خلال تركيز غالبية القادة الأفارقة على أهمية التعامل بشكل إيجابي مع «المبادرة الأفريقية للسلام» (بين روسيا وأوكرانيا) التي كانت بلدان القارة قد اقترحتها في وقت سابق. وهو ما تجنب الرئيس الروسي الرد عليه في الجلسة المفتوحة، مكتفياً بالإشارة إلى أن هذا الموضوع سيكون محور نقاش خلال جلسات مغلقة.

 

البيان الختامي... لقاء في منتصف الطريق

* عكس البيان الختامي للقمة أن الطرفين سعيا إلى إيجاد صياغات عامة تلبي مصالح روسيا والقارة الأفريقية، لكن الحصيلة لم تصل إلى مستوى توقعات بعض القادة الأفارقة الذين كانوا يدفعون نحو وضع آليات واضحة لتطوير التعاون.

 

لقد شملت الوثيقة بنوداً كثيرة تنطلق من رؤية مشتركة لمواجهة «التركة الاستعمارية»، بما في ذلك المطالبة بالتعويض عن الأضرار الناجمة عن السياسة الاستعمارية، وتعزيز إعادة الممتلكات الثقافية، والعمل في مجلس الأمن الدولي لتخفيف ورفع العقوبات المفروضة على الدول الأفريقية. وكذلك، معارضة العقوبات أحادية الجانب - بما في ذلك العقوبات الثانوية - وتجميد احتياطيات الذهب والنقد الأجنبي السيادية.

وأكد البيان على دعم انضمام المجموعة الأفريقية إلى «مجموعة العشرين»، والسعي المشترك لإصلاح منظمة التجارة العالمية، والمساهمة في تعميق الشراكة بين «بريكس» وأفريقيا وإطلاق حوار بين منظمة «معاهدة الأمن الجماعي» والاتحاد الأفريقي، وبين «منظمة شنغهاي للتعاون» والاتحاد الأفريقي. ولفت إلى تعاون مستقبلي في عقد اجتماع إقليمي حول الأمن في استخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، ومواصلة التعاون الوثيق الهادف إلى تسوية ومنع النزاعات في القارة الأفريقية، ومعارضة إيجاد بدائل للقانون الدولي، ومحاربة انتشار «الأفكار الراديكالية بين الشباب».

وأيضاً شدد على معارضة التمييز على أساس الجنسية والعرق، بما في ذلك التمييز ضد الأفروفوبيا ورهاب روسيا. ونص كذلك، على بذل جهود مشتركة لضمان الأمن الغذائي وأمن الطاقة على المدى الطويل في أفريقيا، وعلى التعاون في الوقاية من الكوارث الطبيعية والأوبئة، وتحفيز انتقال عادل لمصادر الطاقة. وتكلم عن تنفيذ مشاريع إعلامية مشتركة، وتنمية التعاون في مجال حماية القيم الثقافية وتنظيم رحلات متبادلة للشخصيات الثقافية، وإدخال اللغات الأفريقية والروسية في المناهج الدراسية.

- قوات «فاغنر» في أفريقيا (آ ب)

تحديات تواجه تطوير التعاون الروسي الأفريقي

* لا شك في أن القمة الروسية - الأفريقية الثانية عكست شكلاً من تداعيات الأزمة الدولية المتصاعدة، بسبب المواجهة بين روسيا والغرب. ولكن في مقابل الحرص على إبداء قدر كبير من التفاهم والرغبة في الانتقال إلى علاقات استراتيجية فاعلة، برزت تحديات جدية أمام هذا التوجه... ليس أصعبها التباين في أجندة الأولويات بين الطرفين.

روسيا أبدت جاهزيتها «لتوسيع حضورها العسكري والأمني في القارة»، وفاخر الرئيس بوتين بأن بلاده تقدم مساعدات إلى نحو 40 دولة أفريقية بالأسلحة لجيوشها في إطار اتفاقيات ثنائية.

هذا أمر مهم لبلدان القارة لكنه لا يخفي الحاجة الماسة، قبل أي شيء، لتطوير البنى التحتية، وهو ما لا تستطيع موسكو وحدها تخصيص موازنات ضخمة للوفاء به، كما أنها تواجه منافسة شديدة من جانب «القوة الناعمة» الصينية، والحضور القوي للغرب في عدد من بلدان القارة.

اللافت أن موسكو ربطت تنشيط تحركاتها لدعم المشاريع التحديثية في القارة، وتقديم العون في مسائل إعداد الكوادر المؤهلة، مع متطلباتها لتعزيز مواقفها في المواجهة مع الغرب... وذلك عبر ضرورة الانتقال نحو التعامل بالعملات الوطنية لتجاوز العقوبات الغربية وتحسين قدرات الأطراف على توسيع التعاون.

وصحيح أن موسكو تتبع نهجاً مختلفاً عن النهج الغربي مع القارة الأفريقية، من خلال تقديم مساعدات في شكل إعفاءات من الديون ومساعدات وقت الأزمات، كما أنها تركز في استثماراتها على الموارد والطاقة، لكن العلاقات التجارية بين روسيا وأفريقيا ظلَّت متواضعة للغاية رغم جهود الطرفين لتطويرها. ذلك أن حجم التبادل التجاري مع القارة لا يزيد على 18 مليار دولار، وهذا رقم أقل بـ16 مرة تقريباً من حجم التبادل مع الصين، ويشكل نحو خُمس حجم التبادل مع الولايات المتحدة.

أيضاً نسبة الاستثمارات الروسية من الاستثمارات الأجنبية المباشرة في أفريقيا لا تزيد على واحد في المائة، ونسبة الصادرات الأفريقية إلى روسيا أقل من نصف في المائة من إجمالي الصادرات الأفريقية. ولا يزيد عدد المنشآت الروسية في القارة الأفريقية على 330 منشأة، بين بنية تحتية ومصنع. فضلاً عن أن نحو 70 في المائة من تجارة روسيا مع أفريقيا تنحصر في 4 دول، هي: مصر والمغرب والجزائر وجنوب أفريقيا. وتشكل مصر وحدها نحو ثلث التجارة بين روسيا وأفريقيا، بنحو 6 مليارات دولار عام 2022.

التحدي الثاني المهم يتمثل في غياب وحدة المواقف الأفريقية من الحضور العسكري الروسي في القارة. وبالفعل أظهرت دراسة نشرها أخيراً «مركز أفريقيا للدراسات الاستراتيجية» أن روسيا «حاولت تقويض الديمقراطية في أكثر من 20 دولة أفريقية من خلال التدخل السياسي وحملات تضليل معلوماتية ونشر مرتزقة من مجموعة (فاغنر) الروسية».

ولكن، رغم ذلك، دلَّت الدراسة إلى أن آراء مواطني القارة السمراء ما زالت منقسمة حيال السياسة الروسية في أوكرانيا؛ إذ أظهر استطلاع للرأي أجري خلال يونيو (حزيران) في كل من جنوب أفريقيا وكينيا ونيجيريا والسنغال وأوغندا وزامبيا أن غالبية المستفتين تعتقد أن الغزو الروسي لأوكرانيا كان مخالفاً لمبادئ القانون الدولي.

والعنصر الثالث اللافت الذي يشكل تحدياً للعلاقة، يتمثل في التباين الكبير حيال ملف الأمن الغذائي. صحيح أن موسكو سعت إلى تبرير موقفها من تقويض «صفقة الحبوب»، وتعهَّدت في المقابل بحلول جزئية تقوم على تقديم «هبات» من القمح للدول الأكثر حاجة، لكن برز الخلاف على الموضوع بوضوح في غياب موقف مشترك معلن حيال الأزمة الأوكرانية كلها في البيان الختامي.

اللافت هنا أن الرئيس الروسي أعلن في ختام القمة أن الطرفين أعدا وثيقة مشتركة حول أوكرانيا، لكن هذه الوثيقة غابت عن الوثائق الختامية للقمة. وبرر الناطق باسم الكرملين ديمتري بيسكوف لاحقاً ذلك بالقول إن روسيا «أعدَّت مسودتها بعد مناقشة الوضع في أوكرانيا في القمة الروسية - الأفريقية وسلمتها إلى وفد جنوب أفريقيا بصفته منظم مبادرة الوساطة الأفريقية». وأضاف بيسكوف: «بمجرد الاتفاق على النص النهائي فإن الجانب الجنوب أفريقي سينشر الوثيقة». لكن تلك الوثيقة لم تبصر النور حتى الآن.


مقالات ذات صلة

واشنطن تحتفي بشي... وترمب يتحدث عن «صداقة عظيمة»

الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب والسيدة الأولى ميلانيا يستقبلان الرئيس الصيني شي جينبينغ وزوجته بنغ لييوان في البيت الأبيض بواشنطن 24 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

واشنطن تحتفي بشي... وترمب يتحدث عن «صداقة عظيمة»

دعا الرئيس الصيني شي جينبينغ خلال لقائه الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى إدارة التنافس بين الصين وأميركا، وإبقاء الذكاء الاصطناعي تحت الرقابة البشرية.

هبة القدسي (واشنطن)
العالم الرئيس الأميركي دونالد ترمب والرئيس الصيني شي جينبينغ يتفاعلان خلال اجتماع ثنائي في بوسان... كوريا الجنوبية 30 أكتوبر 2025 (رويترز)

من التجارة إلى تايوان وإيران... ماذا ينتظر قمة ترمب وشي؟

يبحث ترمب وشي خلال قمتهما المقبلة ملفات التجارة وتايوان وحرب إيران، وسط مساعٍ لتحقيق الاستقرار في العلاقات بين واشنطن وبكين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم فنان يضع اللمسات الأخيرة على لوحات لقادة الدول أعضاء مجموعة «بريكس» في أمريتسار بتاريخ 10 سبتمبر 2026 قبل القمة التي ستُعقَد يومي 12 و13 سبتمبر بالعاصمة الهندية نيودلهي (أ.ف.ب)

قادة «بريكس» يجتمعون في الهند على وقع توترات جيوسياسية متزايدة

تستضيف الهند، في عطلة نهاية الأسبوع، قادة بارزين من تكتل «بريكس»، بينهم رؤساء الصين وروسيا وإيران، في قمة تُعقَد وسط اضطرابات جيوسياسية عالمية متزايدة.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي - موسكو - بكين)
آسيا «قمة شنغهاي» بين مسعى تعدد الأقطاب وتحدي مواجهة الأزمات

قمة شنغهاي: «إعلان بيشكيك» يرفض «الهيمنة الأحادية» ويتجاهل الصراع في أوكرانيا

قمة شنغهاي: «إعلان بيشكيك» يرفض «الهيمنة الأحادية» ويتجاهل الصراع في أوكرانيا وبوتين يذكر العالم بـ«السيد لا» وشي يؤكد استعداد بلاده للمساهمة في تسوية الأزمات

رائد جبر ( موسكو )
آسيا الرئيس الصيني شي جينبينغ يلتقي بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين على هامش قمة «منظمة شنغهاي» للتعاون 2026 في بيشكيك بقرغيزستان يوم 31 أغسطس 2026 (أ.ب)

شي وبوتين يعقدان محادثات ثنائية مع بدء قمة «منظمة شنغهاي» في قرغيزستان

بدأ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الصيني شي جينبينغ محادثات ثنائية الاثنين في قرغيزستان، حيث تُعقد قمة لمنظمة شنغهاي للتعاون الاثنين والثلاثاء.

«الشرق الأوسط» (بيشكيك (قرغيزستان))

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس
TT

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

بعد ساعات قليلة من توقيع الرئيسة الفنزويلية المؤقتة ديلسي رودريغيز، مع وزير النفط الأميركي كريس رايت، على الاتفاق الذي تتخلّى بموجبه فنزويلا عن 22 في المائة من احتياطيها النفطي، صرّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب من البيت الأبيض، بأن الظروف الراهنة لا تسمح بإجراء الانتخابات الموعودة في فنزويلا. rnوأضاف أنه ورودريغيز يرغبان في إجرائها «عندما تتوافر الأجواء المناسبة». في غضون ذلك، كانت تتوالى الانتقادات لهذا الاتفاق، وهو الأكبر في العالم، بما في ذلك بين أوساط المعارضة الفنزويلية التي كانت قد هللت من قبل للتدخل العسكري الأميركي الذي أطاح نيكولاس مادورو، والتي بدأ التصدّع يظهر في صفوفها بعد إصرار واشنطن على تهميشها وفتح قنوات الحوار مع النظام.

تصريحات الرئيس دونالد ترمب جاءت بعد الكشف عن بعض تفاصيل الاتفاق التي بيّنت أن سيطرة واشنطن على خُمس احتياط النفط الفنزويلي لفترة مائة سنة، ستكون عبر مساهمتها في شركة خاصة فنزويلية يملكها صديق لترمب هو المليونير أليخاندرو بيتانكور. وبالمناسبة، هذا الأخير ملاحق قضائياً في كل من سويسرا وإسبانيا بتهم تبيض الأموال.

في المقابل، أعربت أوساط المعارضة الفنزويلية عن مخاوفها من أن يشكّل هذا الاتفاق حافزاً لإبقاء الحكومة المؤقتة في السلطة، وتأجيل عملية الانتقال الديمقراطي، او حتى صرف النظر عنها كلياً.

ديلسي رودريغيز (آ فب/يونهاب)

فنزويلا ليست جاهزة للانتخابات

ترمب قال في تصريحاته حول الموضوع: «لا أعتقد أن فنزويلا جاهزة للانتخابات... إنها حكومة جديدة أنقذناها من النظام السابق ونقيم معها الآن علاقات جيدة، والرئيسة ديلسي رودريغيز تقوم بعمل ممتاز وتحظى باحترام الجميع، وهذا ما نريده».

الرئيس الأميركي امتنع أيضاً عن تحديد موعد لإجراء الانتخابات الموعودة، أو الشروط التي ينبغي أن تتوافر لإجرائها، مكتفياً بالقول إنها «قد تحصل قريباً». وبالتالي، يؤكد هذا الموقف المعلن لإدارة ترمب منذ العملية العسكرية الخاطفة التي انتهت باعتقال الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو واقتياده إلى الولايات المتحدة لمحاكمته بتهمة الاتجار بالمخدّرات.

إذ يستند موقف واشنطن، التي تمارس عملياً الوصاية على فنزويلا، إلى «خارطة طريق» من ثلاث مراحل: إعادة بناء قطاع النفط الذي يشكّل المحرك الأساسي للاقتصاد الفنزويلي، و«تحقيق الاستقرار» (وفق واشنطن)، وبعد ذلك انتقال السلطة إلى حكومة جديدة «عبر انتخابات حرة».

وفي هذا الاتجاه، يشدّد المسؤولون عن الملف الفنزويلي في واشنطن على أن الهدف ليس إجراء الانتخابات لمجرد إجرائها، بل لكي تؤدي إلى قيام «نظام سياسي ثابت ومستقر»، عبر حوار صريح وجدّي بين الحكومة المؤقتة وممثلين عن المعارضة، من المفترض أن ينطلق أواسط الشهر الجاري. وللعلم، كان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قد ردّ أخيراً على استفسار صحافي حول الانتخابات التي وعدت واشنطن بإجرائها في فنزويلا بالقول: «لا يمكن للانتخابات وحدها أن تحلّ كل المشكلات. إنها شرط لقيام نظام ديمقراطي لا يقتصر فقط على إجرائها. الاستقرار هو الذي يسمح بترسيخ هذا النظام اقتصادياً وقانونياً، وأن تكون هناك صحافة حرة، وأحزاب سياسية أُتيحت لها الظروف والوقت الكافي لتنظيم صفوفها، وأن تُجرى الانتخابات على أساس نظام قانوني يبعث على الثقة ولا يُقصي احداً».

اعتراف من المعارضة... وانتقادات بالجملة

في المقابل، تعترف المعارضة الفنزويلية ذاتها بأن المؤسّسات الفنزويلية الضامنة للنظام الديمقراطي «تعطّلت وأُفرغت من صلاحياتها» إبان الحقبة السابقة. وبناءً عليه، لا بد من إعادة بنائها قبل الانتقال إلى إجراء انتخابات حرة ونزيهة. بيد أن معظم قيادات هذه المعارضة بدأت تساورها شكوك حول نيّات واشنطن الحقيقية بعدما لمست مدى التناغم والتقارب بين إدارة ترمب والرئيسة المؤقتة التي كانت لسنوات طويلة من الركائز الأساسية في نظام مادورو، وقبله في نظام هوغو تشافيز.

الرئيس ترمب وصف الاتفاق بـ«التاريخي». وقال إنه «هديّة من الشعب الفنزويلي إلى الولايات المتحدة». وأردف أنه لن يكلّف بلاده فلساً واحداً، بل سيساعد على تجديد احتياطي النفط الأميركي الاستراتيجي الذي وصل حالياً إلى أدنى مستوياته منذ أربعة عقود.

ولكن، منذ أن بدأت ترشح المعلومات الأولى عن بنود هذا الاتفاق -الذي جرى التفاوض والموافقة عليه سرّاً- حتى سارعت جميع أطياف المشهد السياسي الفنزويلي، من أركان النظام السابق وأنصاره إلى المعارضة، إلى انتقاده بشدة لكونه يجعل من الحكومة الاميركية الشريك الرئيس في مؤسسة تسيطر على 17 من آبار النفط الفنزويلية طيلة 25 سنة قابلة للتجديد ثلاث مرات، كما أعلنت الرئيسة المؤقتة ديلسي رودريغيز.

يضاف إلى ما تقدّم، أن كل التفاصيل الأخرى في الاتفاق ما زالت طي الكتمان، سوى أنه سيجعل الاقتصاد الفنزويلي في قبضة الولايات المتحدة، وعملية الانتقال السياسي رهينة مزاج الرئيس الأميركي وحساباته السياسية الداخلية.

اقرأ أيضاً

لا يمكن للانتخابات وحدها أن تحلّ كل المشكلات... إنها شرط لقيام نظام ديمقراطي لا يقتصر فقط على إجرائها

روبيو

تطابُق مصالح مرحلي

لويس فيسنتي ليون، الخبير الاقتصادي المحاضر في جامعة كاراكاس، قال معلّقاً إن هذا الاتفاق هو «ثمرة تطابق المصالح الاميركية والفنزويلية في هذه المرحلة. فهو يفتح امام واشنطن نافذة لتجديد احتياطيها الاستراتيجي من النفط الذي وصل إلى أدنى مستوياته، بينما تواصل أسعار المحروقات ارتفاعها على أبواب استحقاق الانتخابات النصفية، فضلاً عن أن الحرب مع إيران ما زالت بعيدة عن الحسم ويرجَّح أن تطول أكثر مما كان متوقعاً. أما الحكومة الفنزويلية، فهي بحاجة ماسة إلى الموارد، وليس لديها أي هامش للمناورة مع واشنطن».

وأردف: «... والحماسة التي أبداها الرئيس الأميركي، عند إعلانه الاتفاق، تدعم مواقف الذين سبق أن ندّدوا بالعملية العسكرية التي أطاحت مادورو تحت عنوان مكافحة تجارة المخدرات، واتهامهم واشنطن بأن الهدف منها هو السيطرة على موارد النفط وليس تسهيل العودة إلى النظام الديمقراطي... التي كلفت المعارضة سنوات من النضال ومئات الضحايا وملايين المهاجرين».

وتابع فيسنتي ليون، في حوار هاتفي مع «الشرق الأوسط»، أن هذا الاتفاق «يضرّ بصورة الولايات المتحدة في أميركا اللاتينية، إذ يدحض بشكل نهائي المزاعم بأن التدخل العسكري الأميركي مطلع هذا العام كان دفاعاً عن الديمقراطية في وجه نظام مستبد، ويبيّن أن سياسة واشنطن لا تقيم أي وزن للقيم والمبادئ التي تتشدّق بها».

من جهة ثانية، يرى آخرون أن شركات النفط الأميركية التي تجاوبت مع دعوة ترمب إلى الاستثمار في قطاع النفط الفنزويلي «إنما فعلت ذلك مكرهة بفعل الضغوط التي تعرّضت لها... وأنها كانت مترددة للإقدام على هذه الخطوة بسبب المخاطر التي تلمسها في بلد تحكمه رئيسة غير منتخبة، ويحتاج قطاعه النفطي إلى استثمارات ضخمة قبل أن يستعيد مستويات الإنتاج السابقة». ويبدو أن ذلك التردد هو الذي دفع الرئيس ترمب إلى اتخاذ قرار يجعل من حكومته المستثمر في هذه الصفقة، بواسطة مكتب رأس المال الاستراتيجي التابع لوزارة الحرب (البنتاغون).

ترمب (آ ف ب/غيتي)

تأثير الاتفاق على فرص ترمب

مع هذا، فإن المعارضين لهذا الاتفاق يراهنون على الانتخابات النصفية الأميركية أواسط الخريف المقبل التي يرجح كثيرون أن تكون حاسمة بالنسبة لمستقبل ترمب وخططه. فالرئيس الأميركي يعرف أن أسعار المحروقات لن تنخفض بموجب هذا الاتفاق قبل مرور فترة طويلة، لكنه يريد استخدام هذه الورقة لإطلاق وعود بأن الأنباء السارة قادمة، لا سيما أن التوقعات تشير إلى أن الجمهوريين قد يخسرون الغالبية في مجلس النواب، وربما في مجلس الشيوخ أيضاً.

المعارضة المنقسمة

في هذه الأثناء، على الجبهة الفنزويلية يشكّل هذا الاتفاق «رافعة» أساسية لتحسين الوضع الاقتصادي المتردي، وخوض الانتخابات المقبلة تحت شعاره. ولقد كان لافتاً كيف أن اركان النظام سوّقوا الاتفاق في تصريحاتهم وتغريداتهم على منصّات التواصل الاجتماعي، حتى إن نجل نيكولاس مادورو نشره على حسابه، مؤكداً أن تيّار والده سيفوز في الانتخابات المقبلة.

وحقاً، ليس مستغرباً أن يسود التفاؤل أوساط أنصار النظام بعد التصدّع الذي بدأ يظهر في صفوف المعارضة التي لم تنجح في توحيد مواقفها طيلة سنوات. إذ سارع اثنان من الأحزاب الرئيسية في المعارضة، هما «العدالة أولاً» و«الإرادة الشعبية»، إلى التجاوب مع دعوة واشنطن لاستئناف جولات التفاوض مع النظام حول الانتقال الديمقراطي، في حين كانت الأحزاب اليمينية المنضوية تحت زعامة ماريا كورينا ماتشادو، الحائزة «جائزة نوبل للسلام» والتي ما زالت واشنطن تقصيها عن الدور التي كانت موعودة به، تتكلّم عن «خيانة» الحلفاء في المعسكر المعارض.

هذا، ووعدت ماتشادو، التي ما زالت خارج فنزويلا، بأنها ستعود قريباً لتستأنف التواصل مع أنصارها، رافضةً «الاكتفاء بالفُتات الذي ربما أثمرته المفاوضات مع النظام»، الأمر الذي يؤكد أنها لم تعُد الورقة التي كانت تراهن عليها واشنطن للتغيير في فنزويلا.


رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
TT

رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!

مع انتهاء العطلة الصيفية، عادت الحياة تدب في شرايين السياسة الفرنسية، والأنظار تتركز، منذ اليوم، على الاستحقاق الرئاسي العام المقبل. وما بين نتائج استطلاعات الرأي وتموضع المرشحين الذين يزيد عددهم على الثلاثين وبرامجهم، تبدو قراءة المشهد بالغة التعقيد. وما يميزه أن هناك وجوهاً معروفة سبق لها أن ترشحت العديد من المرات مثل مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان، أو مرشح اليسار الراديكالي جان لوك ميلونشون. لكن هناك سياسيين يخوضون غمارها للمرة الأولى. هم جُدد في هذه «المهنة» رغم خبراتهم السابقة وزراء أو نواباً في البرلمان الفرنسي أو الأوروبي. وأبرز هؤلاء، في الوقت الحاضر، رافاييل غلوكسمان الذي أعلن ترشّحه أواخر الشهر الماضي ويحلم بأن يكون مرشح الحزب الاشتراكي ومرشح حزبه الصغير المسمّى «الساحة العامة».

الأمور بالنسبة للمرشح رافاييل غلوكسمان يتوقع أن تحسم في اقتراع إلكتروني لأعضاء الحزبين، الشهر المقبل. مع العلم أن غلوكسمان رغم خوضه الانتخابات الأوروبية على رأس اللائحة الاشتراكية مرتين (2019 و2024)، يجهل الفرنسيون الكثير من تفاصيل حياته. بل، ربما أكثر ما يعرفه العديد منهم أنه «رفيق درب» الصحافية ليا سلامة، ابنة وزير الثقافة اللبناني غسان سلامة.

ولقد أسهمت الصور التي نشرتها «باري ماتش»، مجلة المشاهير، على غلافها أخيراً وهي تُظهر الاثنين معاً بملابس البحر خلال عطلتهما الصيفية في جزيرة كورسيكا، في تقريب السياسي والصحافي السابق من الجمهور الفرنسي. بيد أن ذلك لا يكفي؛ إذ لا يمكن فهم انخراط رافاييل في العمل السياسي خارج سيرة عائلته، وانخراط والده أندريه في معمعة الجدل الفكري والسياسي طيلة عقود طويلة.

الإرث العائلي: من الجد إلى الأب

مساء يوم 31 يناير (كانون الثاني) من العام الحالي، بثت قناة التلفزيون التابعة لمجلس الشيوخ الفرنسي فيلماً وثائقياً عن عائلة غلوكسمان بأجيالها الثلاثة التي بدأت قصتها مع الجدّ روبين غلوكسمان، المولود عام 1889، في مدينة تشرنيفستي التابعة حينذاك للإمبراطورية النمساوية ــ المجرية (قائمة حالياً في أوكرانيا)، في عائلة يهودية أشكنازية (يهود أوروبا الوسطى والشرقية)، وتواصلت مع ابنه المفكّر والفيلسوف الفرنسي الماركسي - الماوي أندريه، ثم الآن مع حفيده رافاييل.

رافاييل كان قد خاض منذ بضع سنوات الحقل السياسي، وهو اليوم مرشح للانتخابات الرئاسية الفرنسية التي ستجرىَ نهاية شهر أبريل (نيسان) وبداية شهر مايو (أيار) من العام المقبل. لكن لا بد من القول إن قصة هذه العائلة مشوّقة.

فالجد روبين، الذي تبنى لاحقاً اسم روفين غيدوني، وخدم جندياً في الجيش الإمبراطوري، هاجر في عام 1920 إلى فلسطين مع زوجته مارتا كيسلر، بعدما اعتنق كلاهما العقيدة الصهيونية عندما أصبحت بريطانيا السلطة المَنتدَبة على فلسطين عقب انهيار الخلافة العثمانية.

«تحوّل» فكري في فلسطين

الطريف في القصة أن روبين ومارتا انتميا هناك إلى الحزب الشيوعي الفلسطيني، الذي كان يضم في حينه بضع عشرات من الأعضاء. بل يمكن القول إن روبين توجّه إلى فلسطين «صهيونياً» وعاد منها «شيوعياً»؛ إذ إنه انتمى لاحقاً إلى تنظيم «الكومنترن» الذي أنشأه لينين عام 1919، وكانت مهمته بث الفكر الشيوعي عبر العالم والتعجيل باندلاع الثورة الشيوعية العالمية.

ثم، بعد فلسطين، استقر روبين مع عائلته في مدينة هامبورغ الألمانية. وهناك كان، من الناحية الرسمية، موظفاً في شركة تأمين بينما كان في الحقيقة عميلاً لـ«الكومنترن» والاستخبارات السوفياتية، يشمل إطار مهمته العديد من البلدان الأوروبية. إلا أن هذا الوضع لم يَدُم؛ لأن صعود النازية في ألمانيا دفعه إلى الانتقال إلى فرنسا عام 1935، وبالأخص بعدما علم أن الشرطة السياسية الألمانية «الغستابو» تراقبه. وفي فرنسا، رسا خياره مع زوجته على العيش في ضاحية بولوني بييانكور الواقعة على مدخل باريس الغربي. وفي هذه المدينة ولد ابنه أندريه.

من باريس إلى لندن

أيضاً، لم يبق روبين طويلاً في باريس؛ إذ انتقل منها إلى لندن في عام 1937 حيث استقر وحيداً بغطاء مهني، مديراً لشركة تجارية «فار إيسترن فور تريدينغ كومباني» تتعاطى تجارة الفرو. لكن الشرطة البريطانية ساورتها الظنون سريعاً حول طبيعة عمله، وانتهى بها الأمر إلى أن ألقت القبض عليه مرتين في عام 1940.

وفي المرة الثانية، توافرت لها معلومات موثّقة عن حقيقة مهمته عميلاً استخباراتياً لصالح الاتحاد السوفياتي فاعتقل ثم صدر أمر بترحيله إلى كندا. غير أن الباخرة التي وضع على متنها، وكانت تحمل اسم «إس إس أراندورا ستار» أصيبت يوم 2 يوليو (تموز) من العام نفسه بمقذوف غواصة ألمانية دمّرها وأغرقها على بعد 140 كلم من الشواطئ الآيرلندية، وبذا انتهت حياة جد رافاييل غلوكسمان في مياه الأطلسي.

صحافي ومنتج أفلام وثائقية

قبل أن يغوص رافاييل غلوكسمان في بحر السياسة، جرّب الصحافة والإنتاج السينمائي والكتابة. وكان ينظر إليه على أنه مثقّف وكاتب ومفكّر، وأنه سار على درب والده أندريه صاحب الثلاثين كتاباً... تدور غالبيتها حول التوتاليتارية والحرب والسلم وحقوق الإنسان. والواقع أن أندريه تنقّل ما بين الماركسية اللينينية والماركسية الماوية لينهي رحلته الفكرية والسياسية يمينياً - وأحياناً يمينياً متطرفاً - يبرّر حرب جورج بوش «الابن» على العراق، ويدعم وصول نيكولا ساركوزي إلى قصر الإليزيه.

وبالفعل، دار الكثير من الجدل حول مواقفه السياسية ومواقف أقران له من مجموعة «الفلاسفة الجدد»، مثل برنار هنري ليفي وباسكال بروكنير.

النشأة والمسيرة

ولد رافاييل غلوكسمان في عام 1979، ودرس في باريس في ثانويتين معروفتين هما «لامارتين» و«هنري4». وبعدها دخل إلى «معهد العلوم السياسية» (سيانس بو) وتخرّج فيه في عام 2003. إلا أنه لم يَسِر على درب النخبة الفرنسية التي تتوجّه عادة إلى «معهد الإدارة الوطني» (إينا)، بل انصرف سريعاً إلى العمل الصحافي. وهنا كانت بداية غلوكسمان مع صحيفة جزائرية هي «لو سوار» بالتوازي مع عمله منتجاً لأفلام وثائقية أبرزها: وثائقي بعنوان «اقتلوهم جميعاً» عن مجازر التوتسي في رواندا وعن مسؤولية فرنسا فيها، ووثائقي آخر بعنوان «الثورة البرتقالية» في أوكرانيا. وخلال سنواتٍ عمل لمجلات ثقافية منها مجلات أميركية الهوى، لا بل من تيار «المحافظين الجدد».

بعدها، في عام 2017، عيّن غلوكسمان رئيساً لتحرير «المجلة الأدبية الجديدة». وكذلك تعاون مع عدة إذاعات وقنوات تلفزيونية، الأمر الذي جعله وجهاً معروفاً لدى الفرنسيين. غير أن دخوله المعترك السياسي، مباشرة، انطلق مع تأسيس حزب «الساحة العامة» عام 2018 برئاسة مشتركة بينه وبين أورور لالوك، وكان الهدف منه توحيد اليسار الداعم للاندماج الأوروبي والوقوف بوجه حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري المتشدد الذي يتزعمه جان لوك ميلونشون.

المخاض السياسي في الخارج والداخل

من جهة ثانية، تعود أول تجربة سياسية - انتخابية لغلوكسمان في فرنسا إلى عام 2019 عندما اقترح عليه الحزب الاشتراكي ترؤس لائحة مشتركة للانتخابات الأوروبية تضم الاشتراكيين و«الساحة العامة» وحزباً صغيراً آخر غير معروف اسمه «المُعطىَ الجديد». بيد أن هذه المحاولة فشلت عندما رفض «البيئويون» بتشكيلتيهم السياسيتين السير بمشروعه، وكذلك رفض الحزب الشيوعي، بينما اقتصر تجاوب الحزب الاشتراكي معه على الصعيد الانتخابي. وفي الحصيلة، أدى التحالف الانتخابي إلى انقسامات داخل الحزب الناشئ ودفع عدداً من كبار مؤسّسيه إلى الابتعاد عنه.

التجربة تجددت في انتخابات عام 2024، حين حصلت لائحة غلوكسمان على نحو 14 في المائة من الأصوات فحلت في المرتبة الثالثة. لكن قبل فرنسا، جرّب غلوكسمان السياسة في شرق أوروبا، وتحديداً في أوكرانيا وجورجيا.

ففي «عزّ» الحرب في جورجيا، سافر السياسي الطموح إلى عاصمتها تبيليسي، صيف عام 2008، ووضع نفسه في خدمة رئيسها ميكاييل سكاشفيلي ذي التوجّهات اليمينية الليبرالية الغربية، وأصبح في عام 2009 مستشاره الرسمي للشؤون الأوروبية، وكُلّف، من ثم، التفاوض مع بروكسل لانضمام جورجيا إلى النادي الأوروبي.

أيضاً لعب غلوكسمان دور الوسيط بينه وبين ساركوزي، وكذلك ساعد سكاشفيلي على كتابة خطاباته. وأكثر من ذلك، تزوّج غلوكسمان وزيرة الداخلية الجورجية إيكا زغولادزه في عام 2009 وأنجب منها صبياً اسمه ألكسندر. ولكن، بعد هزيمة سكاشفيلي في انتخابات عام 2013 الرئاسية، غادر غلوكسمان تبيليسي مع عائلته وانتقل إلى أوكرانيا، حيث انطلقت الحركة الاحتجاجية المعروفة بـ«يوروميدان»، وحيث تحمل زوجته جنسيتها، والتي عُيّنت لاحقاً نائبة لوزير الداخلية في أوكرانيا.

«مستشار» سياسي ذو تموضعات لافتة

في أوكرانيا، أصبح غلوكسمان مستشاراً للمرشح الرئاسي فيتالي كليتشكو. ومنذ سنوات، يُعدّ دعم أوكرانيا المطلق أحد أهم خياراته والتزاماته السياسية الأساسية. بالتوازي، شكّلت نتائج الانتخابات الأوروبية لعام 2024 «الرافعة» السياسية الأساسية لغلوكسمان الذي وضع لنهجه السياسي خطين عريضين: الأول مواجهة اليسار المتشدد ... والثاني مواجهة اليمين المتطرف.

وفي المعركة الرئاسية المقبلة، يجد الرجل نفسه بمواجهة جان لوك ميلونشون على تزعّم اليسار، علماً بأنه من دعاة الانفصال التام عن «فرنسا الأبيّة» ومن المروّجين لقدرة اليسار غير الميلونشوني على الفوز في الانتخابات. ولكن - كعادة غلوكسمان - لهذه «القاعدة استثناءات»؛ إذ سبق له دعم الجبهة اليسارية التي تشكلت بمناسبة الانتخابات التشريعية في عام 2024 من أجل قطع الطريق على وصول حزب «التجمع الوطني» بزعامة مارين لوبان إلى السلطة.

لكنه، في الانتخابات المحلية البلدية التي أجريت هذا العام، أعلن أنه لن يدعم أي قائمة مشتركة مع اليسار المتشدّد، على الرغم من احتمال الفشل وفوز اليمين المتطرّف في البلديات المعنيّة.

في الحقيقة، يصعب أحياناً تتبع انعطافات غلوكسمان السياسية. وحقاً، بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردّد في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات». ومع هذا، لم تمنعه هذه «الوفاة» من أن يخوض المنافسة الراهنة لتسميته مرشحاً عن الحزب «المتوفى» وعن حزبه الصغير «الساحة العامة».بالتالي، في غياب التسمية المشتركة، يفقد غلوكسمان أي أمل في الانتخابات الرئاسية العام المقبل. ومعلوم، أنه حتى اليوم، ووفق استطلاعات الرأي، يهيمن على هذه الانتخابات مرشحان رئيسان: اليمينية مارين لوبان، واليساري جان لوك ميلونشون؛ أي: ممثلَيْ التيارين اللذين يحاربهما غلوكسمان.


عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

ميلونشون (رويترز)
ميلونشون (رويترز)
TT

عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

ميلونشون (رويترز)
ميلونشون (رويترز)

تعترض طريق رافاييل غلوكسمان (47 سنة) لخلافة الرئيس إيمانويل ماكرون في مايو (أيار) من العام المقبل، عقبات لا يستهان بها.

غلوكسمان أعلن ترشحه لهذه الانتخابات يوم 26 أغسطس (آب) الماضي، لينضم بذلك إلى عدد كبير من المرشحين يتجاوز الثلاثين مرشحاً، يميناً ويساراً. ولكن سيتعيّن عليه اجتياز عقبة أولى تتمثّل بالانتخابات الداخلية التي ستجرى خلال الأسبوعين الأولين من الشهر المقبل للفوز بترشيح التيار الاشتراكي - الديمقراطي الممثل بالحزب الاشتراكي وبحزب «الساحة العامة» الذي أطلقه غلوكسمان في عام 2018، والحزب الآخر الصغير المسمى «اليسار الاشتراكي الجمهوري».

عددياً، المقترعون في هذه المنافسة قلة قليلة؛ إذ لا يتجاوز عديدهم 39 ألف مقترع في بلد يضم 67 مليون نسمة. ثم إن درب غلوكسمان ليس مفروشاً بالورود؛ إذ ينافسه، من الداخل، مرشحون أبرزهم: أمين عام الحزب الاشتراكي أوليفيه فور، والمرشحة الرئاسية السابقة سيغولين رويال، ويتربص به من الخارج الرئيس الاشتراكي الأسبق فرنسوا أولاند ورئيس الوزراء الأسبق برنار كازنوف.

لو بن (آ ف ب)

حتى اليوم، تبين استطلاعات الرأي أن غلوكسمان سيجتاز بنجاح العقبة الأولى. لكن بعدها عليه فرض نفسه في معسكر اليسار، حيث سيواجه المرشح العنيد جان لوك ميلونشون، زعيم حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري المتشدد، والخبير في المعارك الرئاسية؛ إذ يخوض منافسته الرابعة، ولقد كاد يتأهل عام 2022 للجولة الثانية الحاسمة بحصوله على نحو 22 في المائة من الأصوات. ولليوم، تبدو حملته الأكثر ديناميكية، كما أن استطلاعات الرأي ترجّح أن يتمكّن في الربيع المقبل من «السقف الزجاجي» الذي حال دوماً دون ولوجه المنافسة النهائية.

في المقابل، تبدو مارين لوبان، ابنة جان ماري لوبان، مؤسس «الجبهة الوطنية» التي تغيّر اسمها إلى «التجمّع الوطني» ووريثته السياسية، هي الوحيدة الواثقة من تأهلها للجولة الانتخابية الثانية، وفق نتائج استطلاعات الرأي التي تمنحها ما بين 33 و35 في المائة من الأصوات في الجولة الأولى، بينما أقرب منافسيها، ميلونشون، يلهث وراءها لكنه لا يزال بعيداً عنها بما لا يقل عن 15 إلى 18 في المائة من الأصوات.

أيضاً، تبين هذه الاستطلاعات أن لوبان ستفوز بفوارق كبيرة في الجولة الثانية الحاسمة، خصوصاً إذا كان منافسها ميلونشون.

حقيقة الأمر أن الموعد الرئاسي ما زال بعيداً، والرأي العام متحول، والمعركة الانتخابية ما زالت في بداياتها. ورهان غلوكسمان، أن تستمر «حرب» مرشحي «الكتلة المركزية»، بينما يتمكن هو من تجاوز ميلونشون، وعندها يجد الناخب الفرنسي نفسه ملزماً بالاختيار بينه وبين لوبان.