النيجر: عقبات تَحول دون التدخل العسكري الأفريقي

صعوبة الحصول على تغطية دولية... ومخاطر مواجهة واسعة مع جبهة الانقلابيين

لافتة تقول «وداعاً فرنسا» خلال مظاهرة في نيامي الخميس (رويترز)
لافتة تقول «وداعاً فرنسا» خلال مظاهرة في نيامي الخميس (رويترز)
TT

النيجر: عقبات تَحول دون التدخل العسكري الأفريقي

لافتة تقول «وداعاً فرنسا» خلال مظاهرة في نيامي الخميس (رويترز)
لافتة تقول «وداعاً فرنسا» خلال مظاهرة في نيامي الخميس (رويترز)

الأحد المقبل، تنتهي مهلة الإنذار الذي وجهه قادة المجموعة الاقتصادية لغرب أفريقيا (إيكواس) في اجتماعهم يوم 30 يوليو (تموز) في أبوجا، عاصمة نيجيريا، لقادة الانقلاب في النيجر، للتراجع عن خلع الرئيس محمد بازوم والعودة إلى «الانتظام الدستوري»، أي إلى عودة الأخير لممارسة سلطاته الدستورية.

أما في حال امتناع الانقلابيين الذين فرضت عليهم «المجموعة» عقوبات اقتصادية وتجارية ومالية صارمة، فيتعين على قادة النيجر الجدد أن يواجهوا تدخلاً عسكرياً من أجل إعادة الأمور إلى نصابها في نيامي.

وفي العاصمة النيجيرية، تتواصل اجتماعات رؤساء أركان جيوش 11 دولة منتمية إلى «المجموعة» من أجل التباحث وتنسيق المواقف وترتيب الخطط.

ويبدو، أكثر من أي وقت مضى، أن نيجيريا التي تترأس هذه «المجموعة» في الوقت الحاضر، تلعب الدور الرائد ويدفع رئيسها بولا تينوبو، الذي وصل إلى السلطة نهاية مايو (أيار) الماضي، باتجاه المواقف الأكثر تشددا إزاء الانقلابيين ولا يستبعد التدخل العسكري وإن عدَّه الأفارقة «الخيار الأخير».

بالنظر لاقتراب المهلة الزمنية للإنذار الجماعي من نهايتها، فإن الاتصالات السياسية والدبلوماسية، على المستويين الأفريقي والدولي، تذهب في كل اتجاه.

لجنة رؤساء أركان دول «إيكواس» خلال اجتماعها في أبوجا الأربعاء (أ.ف.ب)

وبالتوازي مع الاجتماعات العسكرية التحضيرية، عمدت «إيكواس» إلى إرسال الرئيس النيجيري الأسبق عبد السلام أبو بكر، على رأس وفد رفيع المستوى إلى نيامي، في مهمة حاسمة هدفها نقل مطالبها إلى قادة النيجر الجدد واستطلاع إمكانية الخروج من الأزمة سلمياً، والطريق الوحيدة، بنظرها، لذلك هي عودة العسكر إلى ثكناتهم وتقديم عروض لهم تتناول على الأرجح مستقبل قادتهم والضمانات التي يطالبون بها.

وحتى اليوم، ما زالت الولايات المتحدة ترى أن هناك «نافذة» لإيجاد حل سياسي. وجاء في بيان صادر عن ماتيو ميلر، الناطق باسم الخارجية الأميركية، أن واشنطن «عازمة على إيجاد تسوية سياسية تتيح للنيجر أن تبقى شريكاً موثوقاً من أجل أمن وتطور المنطقة».

وأشارت كاترين كولونا، وزيرة الخارجية الفرنسية، أكثر من مرة، إلى أن الوضع القائم حالياً في النيجر «ليس نهائياً» بمعنى إمكانية العودة إلى الوضع السابق.

متظاهر يرفع لافتة تقول: «لتحيا الولايات المتحدة الأفريقية: النيجر ومالي وبوركينا فاسو» في نيامي الخميس (إ.ب.أ)

بيد أن هناك مؤشرات تدفع باتجاه اللجوء إلى القوة العسكرية ومنها تصريحات عبد الفتاح موسى، مفوض الشؤون السياسية والأمنية، الذي قال في افتتاح اجتماعات قادة الأركان، أول من أمس، أنه إذا كان الخيار العسكري هو «الملاذ الأخير، إلا أنه يتعين علينا أن نتحضر لهذا الاحتمال».

والأهم من ذلك، قيام الولايات المتحدة بترحيل الدبلوماسيين غير الرئيسيين في سفارتها في نيامي، وهو ما فعلته بريطانيا أيضاً. يضاف إلى ذلك أن فرنسا وإيطاليا وألمانيا ودول أوروبية أخرى عمدت إلى إجلاء غالبية رعاياها من النيجر بسبب الأوضاع الأمنية ولكن أيضاً بسبب التخوف من الاحتكام إلى قوة السلاح.

وفي هذا السياق، تندرج الزيارة التي قام بها الجنرال مودي، رئيس الأركان النيجري السابق والرجل الثاني في الانقلاب، إلى باماكو وبوركينا فاسو من أجل تشكيل جبهة «انقلابية» تنضم إليها غينيا، بمواجهة جبهة «المجموعة». لكنّ السؤال الذي يطرح نفسه بقوة يتناول مدى قدرة «المجموعة» على حسم الأزمة عسكرياً وإعادة «الانتظام الدستوري» بقوة السلاح إلى النيجر.

في الاجتماع الذي عقده قادة «المجموعة» في أبوجا، بداية شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، تقرر إنشاء قوة إقليمية مشتركة لهدفين محددين: الأول، محاربة التنظيمات المتطرفة والإرهابية التي تضرب في أكثر من دولة عضو فيها، والآخر هو الحيلولة دون قيام أنظمة جديدة عن طريق الانقلابات العسكرية. وجاء ذلك بعد ثلاثة انقلابات جرت ما بين عامي 2020 و2022 وأطاحت بالحكومات المنتخبة في غينيا ومالي وبوركينا فاسو.

رفع لافتة ضد المجموعة الاقتصادية لغرب أفريقيا (إيكواس) خلال مظاهرة في نيامي الخميس (أ.ف.ب)

وقال عمر توراي، مفوض المجموعة وقتها، إن دول المجموعة «عازمة على إنشاء قوة إقليمية تتدخل عند الحاجة، لتوفير الأمن ومواجهة الإرهاب أو لإعادة الانتظام الدستوري في الدول الأعضاء». لكن منذ نهاية العام الماضي حتى اليوم، لم ترَ هذه القوة الموعودة النور.

من هنا، فإن اجتماعات أبوجا العسكرية تهدف كذلك إلى النظر في كيفية تشكيل هذه القوة الموعودة وهوية الدول القادرة على المساهمة بها.

وفي أي حال، فإن نيجيريا التي لها حدود مشتركة مع النيجر بطول 1600 كيلومتر، ولكونها الدولة الكبرى والأغنى والأكثر تسلحاً في غرب أفريقيا، ستشكل العمود الفقري لأي عمل عسكري. وما يدفع بهذا الاتجاه أن رئيسها الجديد أكد أكثر من مرة ضرورة الانتهاء من عصر الانقلابات، ولأن فشل المجموعة في النيجر سيحوّلها إلى كيان فارغ عديم الفائدة فيما تتواصل الحركات الانقلابية في غرب أفريقيا حيث إن أربعة من أعضائها الـ15 تحكمهم مجالس عسكرية وعضوياتهم معلقة.

أُنشئت «المجموعة» في عام 1975 في لاغوس (نيجيريا). وبعد 15 عاماً على إطلاقها (1990)، تدخلت عسكرياً للمرة الأولى في الحرب الأهلية المشتعلة في ليبيريا عن طريق إرسال «قوة سلام» هدفها الوقوف بين الطرفين المتنازعين. وحسب المحامي عمر بيرتيه، المتخصص في القانون الدستوري، وصاحب كتاب «المجموعة الاقتصادية لغرب أفريقيا بمواجهة التغيرات غير الدستورية»، فإن التدخل المذكور «افتقر للغطاء الشرعي» لأنه لم يتم بموجب قرار صادر عن مجلس الأمن. ومن جهة ثانية، لم يكن فاعلاً، لأن الحرب الأهلية أوقعت 150 ألف ضحية. وبعد ذلك بثماني سنوات، تدخلت قوة تابعة لـ«المجموعة» في غينيا بيساو في ظروف غامضة، حيث تراجع الانقلابيون قبل أن يصوّت مجلس الأمن على قانون يُجيز تدخل «المجموعة» في غينيا بيساو.

أما المهمة الناجحة فعلاً التي أنجزتها قوة عسكرية مشتركة تابعة لـ«المجموعة» فقد حصلت في عام 2016 في غامبيا وبتغطية من مجلس الأمن. ولعب الجيش السنغالي، كما في حالة غينيا بيساو، الدور الأول.

ثمة عقبة أولى تجعل التدخل العسكري صعب الحصول، وهي حصول الأفارقة على تفويض من مجلس الأمن الدولي باعتبار أن روسيا ستقف حكماً ضد صدوره نظراً لاستفادتها من التطورات الجارية في النيجر.

رجال أمن بمواجهة متظاهرين مؤيدين للانقلابيين خارج السفارة الفرنسية في نيامي 30 يوليو الماضي (رويترز)

فبسبب الانقلاب في مالي، دخلت مجموعة «فاغنر» إلى البلاد لتحل محل القوة الفرنسية وتحمي النظام الانقلابي.

أما بوركينا فاسو التي شارك رئيسها في القمة الروسية - الأفريقية في مدينة سان بطرسبرغ أواخر الشهر الماضي، فإنها سائرة على الدرب نفسها.

ولذا، فإن أي تدخل عسكري من غير غطاء دولي سيكون مشكوكاً في شرعيته وسيُضعف بالنتيجة «المجموعة» سياسياً، وستُتهم الدول المشاركة بالتدخل في الشؤون الداخلية لدولة أخرى، لا بل، كما يقول المحامي عمر بيرتيه، بممارسة «سياسة إمبريالية».

وللتغلب على هذه العقبة القانونية الكأداء، ثمة مَخرج وحيد هو أن يتم التدخل بطلب مباشر من الرئيس محمد بازوم الذي ما زال، في نظر الأسرة الدولية، الرئيس الشرعي للنيجر. لكنّ مشكلة بازوم أنه وقع بيد الانقلابيين الذين لن يتيحوا له بأي شكل أن يقدم للأفارقة طلباً بهذا المعنى.

وفي أي حال، يتساءل كثيرون عن الدوافع التي جعلت «المجموعة» تكتفي بالعقوبات الاقتصادية والحجْر السياسي على الانقلابيين في غينيا ومالي وبوركينا فاسو، فيما تهدد بالتدخل العسكري في النيجر. وبالتوازي، فإن سؤالاً آخر يُطرح حول مهلة الأسبوع القصيرة جداً التي أُعطيت للانقلابيين بحيث لم يُترك للعقوبات المشددة الوقت الكافي لتؤتي أُكلها، خصوصاً أن النيجر بلد فقير ويعتمد بشكل كبير على المساعدات الخارجية، التي جمّدت كلها (أفريقياً وأوروبياً ومن البنك الدولي)، وقد بدأت الصعوبات اليومية مع قرار نيجيريا وقف إمداد جارتها النيجر بالطاقة الكهربائية.

يبقى أن تدخلاً عسكرياً سيعني الحرب ويعني سقوط الضحايا وإلهاء الجيوش المتدخلة عن مهمة محاربة التنظيمات الجهادية والإرهابية وعلى رأسها «داعش» الناشط في بلدان الساحل نزولاً إلى دول خليج غينيا. ولا بد من الإشارة إلى أن الانقلابيين يحظون في النيجر بدعم شعبي واضح، وبالتالي فإن التدخل العسكري يعني مواجهة مع السكان أو على الأقل نزوع الجيش النيجري للاحتماء بالمدنيين. أما إذا نجح الانقلابيون في تشكيل جبهة محاربة (مالي وبوركينا فاسو والنيجر وغينيا)، الأمر الذي يسعون راهناً إليه، فهذا سيُفضي إلى حرب حقيقية في منطقة هي الأفقر في العالم.


مقالات ذات صلة

منظمة العفو تتهم الجيش المالي وعناصر «فاغنر» الروسية بارتكاب جرائم حرب

أفريقيا عناصر من مجموعة «أفريكا كوربس» - «فاغنر» سابقاً - في مالي (أ.ب)

منظمة العفو تتهم الجيش المالي وعناصر «فاغنر» الروسية بارتكاب جرائم حرب

اتهمت منظمة العفو الدولية، الثلاثاء، الجيش المالي وعناصر من مجموعة «فاغنر» الروسية شبه العسكرية بارتكاب جرائم حرب.

«الشرق الأوسط» (دكار)
شمال افريقيا مقاتلا «فاغنر» السابقان المفرج عنهما (وسائل إعلام ليبية)

«الوطني الليبي» يُشارك في تحرير مقاتلين سابقين بـ«فاغنر» في مالي

أفادت مصادر روسية وليبية متطابقة بأن نجل القائد العام للجيش الوطني الليبي ونائبه الفريق صدام حفتر اضطلع بدور في الإفراج عن اثنين من المقاتلين الروس السابقين

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا الرئيس الجزائري مستقبلاً رجل الدين المالي المعارض محمود ديكو في 19 ديسمبر 2023 (الرئاسة الجزائرية)

«تنازلات براغماتية» تنهي أشهراً طويلة من التوتر بين الجزائر ومالي

طوى تبادل الاتهامات بـ«نشر الإرهاب»، وأوصاف «الانقلابيين والجنود المتسلطين» التي طبعت الخطاب بين الجزائر وباماكو خلال السنتين الماضيتين، صفحتهما أمام هدوء نسبي.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)

موريتانيا: مطالب للحكومة بالتحرك بعد إعدام مواطنين في مالي

حمل حزب «التجمع الوطني للإصلاح والتنمية» (تواصل)، أكبر أحزاب المعارضة في موريتانيا، اليوم السبت، حكومة بلاده مسؤولياتها الكاملة في حماية المواطنين.

«الشرق الأوسط» (نواكشوط)
أوروبا قال مراسل للتلفزيون الرسمي الروسي في تقرير بُثَّ الأحد: «ينشط ضباط وجنود من وحدة القوات المسلحة الروسية في 6 دول أفريقية» (رويترز)

التلفزيون الروسي: جيشنا ينشط في 6 دول أفريقية

ينشط الجيش الروسي في 6 دول أفريقية، وفق تقرير للتلفزيون الرسمي، في اعتراف قلما يحدث بمدى الوجود العسكري الرسمي لموسكو في هذه القارة.

«الشرق الأوسط» (موسكو)

مالي: الجيش يلوح بالتقدم من كيدال نحو معاقل المتمردين

يستقل متمردون طوارق تابعون لـ«جبهة تحرير أزواد» شاحنات صغيرة في كيدال - في 25 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
يستقل متمردون طوارق تابعون لـ«جبهة تحرير أزواد» شاحنات صغيرة في كيدال - في 25 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

مالي: الجيش يلوح بالتقدم من كيدال نحو معاقل المتمردين

يستقل متمردون طوارق تابعون لـ«جبهة تحرير أزواد» شاحنات صغيرة في كيدال - في 25 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
يستقل متمردون طوارق تابعون لـ«جبهة تحرير أزواد» شاحنات صغيرة في كيدال - في 25 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

أعلن الجيش المالي نيته التحرك نحو معاقل المتمردين الطوارق، في أقصى شمالي البلاد، وذلك بعد أسبوع من السيطرة على مدينة كيدال، بدعم من القوات الروسية، وهي أهم مدينة في شمال مالي والعاصمة التاريخية للمتمردين الطوارق.

جاء ذلك على لسان قائد أركان الجيوش العامة في مالي، الفريق جان إليزي داو، خلال زيارة لمدينة كيدال، انتهت، الاثنين، حيث قال إن الجيش «لن يتوقف عند كيدال»، واصفاً استعادة السيطرة عليها من يد المتمردين بأنها «مجرد مرحلة»، مؤكداً أن العمليات ستستمر في القطاعات الأخرى التي لا تزال فيها جماعات مسلحة.

مقاتلون من «جبهة تحرير أزواد» خلال سيطرتهم على كيدال (أ.ف.ب)

وتفقد داو الوحدات العسكرية التي شاركت في استعادة السيطرة على مدينة كيدال، ضمن عملية «دوغوكولوكو» العسكرية، ناقلاً إليها تهنئات سلطات المرحلة الانتقالية، وشاكراً شركاء بلاده، ولا سيما «الفيلق الأفريقي» الروسي.

وبحسب مصادر عسكرية تحدثت لصحف محلية، فإن المرحلة التالية من العملية العسكرية قد تستهدف مدن تسليت وتينزواتين قرب الحدود الجزائرية، وهما منطقتان تعرضتا لضربات جوية، وأي تحرك بري نحوها يعني مواجهة حاسمة تعيد إلى الأذهان ما حدث عام 2024، حين تلقى الجيش المالي ومجموعة «فاغنر» الروسية خسارة فادحة بالقرب من تينزواتين.

وكان الجيش المالي، قد أعلن يوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي إطلاق عمليات جوية وبرية في تلهنداك شمال كيدال ومنطقة تسليت، وأسفرت عن السيطرة على مدينة كيدال، وذلك بعد انسحاب المتمردين منها دون قتال.

مدرسة متضررة في كيدال (أ.ف.ب)

وشرح الفريق داو أن التحضير للهجوم بدأ قبل إطلاقه بوقت طويل، مذكّراً بانسحاب الجيش من كيدال في 26 أبريل (نيسان) 2026، إثر هجوم عنيف شنه المتمردون آنذاك، وأكد قائد أركان الجيش أن الجيش منذ انسحابه من كيدال قبل 6 أشهر لم يتخلَّ عن فكرة العودة.

وقال إن القوات سعت أولاً إلى إضعاف الجماعات بضرب قدراتها اللوجستية وأسلحتها، ثم تقدمت نحو أنيفيس ثم كيدال، مشيراً إلى أن الجماعات «فضلت الانسحاب بدل المواجهة»، بينما لاحقت الوسائل الجوية بعض عناصرها. واتهم الجماعات التي احتلت المدينة بالعنف الجنسي والنهب والقتل، ونسب إليها وجود «مقاتلين أجانب» شاركوا في انتهاكات، ووصفها بجرائم حرب.

من جهته، ردّ المتحدث باسم «جبهة تحرير أزواد» محمد مولود رمضان على تصريحات قائد الجيش المالي بالقول: «إنَّ هذا المجرم يؤكد صراحة ما نقوله منذ البداية: لقد دُمّرت البنى التحتية دون تمييز، ويُستهدف المدنيون عمداً»، وذلك في إشارة إلى تصريحات قائد الجيش بأنهم عملوا على أن تكون «كيدال مدينة غير صالحة لأن يستقر فيها العدو».

وقال المتحدث باسم المتمردين إن قوات الجبهة «لم تقضِ يوماً ليلة واحدة في كيدال»، وإن الدفاع عن مدينة «لا يعني إبقاء القوات فيها بشكل دائم»، مشدداً على أن كيدال «أصبحت مدينة لا تُطاق بالنسبة لسكانها المدنيين».

وكانت الجبهة قد أعلنت في السادس من أكتوبر «انسحاباً استراتيجياً ومضبوطاً»، وقالت إنه تم دون قتال بري، بسبب الضربات الجوية التي نفذها الجيش وقوات «الفيلق الأفريقي»، واتهمت قبل ذلك الجيش بقصف «أسر نازحة عند الحدود الجزائرية ومخيمات للرحل».

شارع في العاصمة المالية باماكو عقب تجدد الاشتباكات بين الجيش وتحالف المتمردين الطوارق ومتشددين يوم 26 أبريل الماضي (أ.ف.ب)

كانت الجبهة وتنظيم «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» التابع لـ«القاعدة» قد سيطرا على كيدال في هجمات أبريل الماضي، وهي الهجمات التي قُتل فيها وزير الدفاع المالي السابق الجنرال ساديو كامرا، لتبقى مدينة كيدال بيد الجبهة نحو 5 أشهر.

ودخل الجيش و«الفيلق الأفريقي» كيدال في السابع من أكتوبر بعد عمليات جوية وبرية بدأت قبل 3 أيام، وذلك في محطة جديدة من الحرب ظلت مدينة كيدال هي محورها، حيث كانت دوماً تتأرجح ما بين المتمردين والسلطة، بينما يرغم سكانها كل مرة على الفرار.

وقالت بيفرلي أوتشينغ من «كونترول ريسكس» لـ«رويترز» إن استعادة كيدال رمزية وليست «حاسمة» في الحملة ضد الجماعات الإرهابية والانفصالية، رغم أنها ترفع معنويات الجيش، وتمنح «الفيلق الأفريقي» الروسي فرصة لاستعادة دوره بعد خسارته مواقع منذ أبريل الماضي. أما تينزواتين، المرشحة لتكون الهدف اللاحق، فكانت ساحة لمعركة في 2024 انتصرت فيها جبهة تحرير أزواد (المتمردين) وجماعة «نصرة الإسلام والمسلمين» (القاعدة) على الجيش المدعوم آنذاك من طرف «فاغنر» التي خسرت العشرات من مقاتليها.


مقتل العشرات في اشتباكات بين جماعات متنافسة بجنوب السودان

جنود من جمهورية جنوب السودان في أحد شوارع العاصمة جوبا (أ.ب)
جنود من جمهورية جنوب السودان في أحد شوارع العاصمة جوبا (أ.ب)
TT

مقتل العشرات في اشتباكات بين جماعات متنافسة بجنوب السودان

جنود من جمهورية جنوب السودان في أحد شوارع العاصمة جوبا (أ.ب)
جنود من جمهورية جنوب السودان في أحد شوارع العاصمة جوبا (أ.ب)

أفاد مسؤولون، الاثنين، بأن اشتباكات وقعت، الأسبوع الماضي، بين جماعات مسلحة من مجتمعات متنافسة في وسط جنوب السودان أسفرت عن مقتل العشرات، وتسببت في اكتظاظ مستشفى بالجرحى.

وأضاف المسؤولون أن القتال اجتاح منطقة رومبيك في ولاية البحيرات، يوم الجمعة الماضي، بينما كان جنود الحكومة وقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة يحاولون الحفاظ على النظام.

وقالت وزارة الإعلام في جنوب السودان إن نحو 70 شخصاً قُتلوا، بينهم 4 جنود، لكن الحصيلة الدقيقة لم يتم التحقق منها بعد.

وقال تيران ماديت، وهو مسؤول في مستشفى رومبيك الحكومي، لوكالة «أسوشييتد برس» للأنباء عبر الهاتف، الاثنين: «لقد تدفق مصابون بطلقات نارية على المستشفى». وأضاف أن المستشفى استقبل أكثر من 50 جريحاً، معظمهم بإصابات في الصدر.


تشاد تستدعي سفير أفريقيا الوسطى بعد «توغل» عسكري في أراضيها

مشهد عام يظهر جزءاً من العاصمة بانغي في جمهورية أفريقيا الوسطى (أرشيفية - رويترز)
مشهد عام يظهر جزءاً من العاصمة بانغي في جمهورية أفريقيا الوسطى (أرشيفية - رويترز)
TT

تشاد تستدعي سفير أفريقيا الوسطى بعد «توغل» عسكري في أراضيها

مشهد عام يظهر جزءاً من العاصمة بانغي في جمهورية أفريقيا الوسطى (أرشيفية - رويترز)
مشهد عام يظهر جزءاً من العاصمة بانغي في جمهورية أفريقيا الوسطى (أرشيفية - رويترز)

استدعت تشاد، الأحد، سفير جمهورية أفريقيا الوسطى لديها لتقديم احتجاج رسمي على ما وصفته بتوغل عسكري قام به جيش أفريقيا الوسطى (السبت) في بلدة أبناباك بمنطقة تيسي، قرب الحدود الثلاثية مع السودان.

وقالت الحكومة التشادية إن الحادثة أوقعت عدة جرحى بحالة خطيرة، بينهم عسكريون ومدنيون، من دون أن تعلن حصيلة بالأرقام. وأبلغ وزير خارجية تشاد أحمد كوغري السفير بأن الأفعال «خطيرة» ولا يمكن عدّها حوادث معزولة، مذكّراً بأن البلاد سجلت منذ 2021 عدة توغلات في المنطقة الحدودية، وأن تكرارها «غير مقبول» و«لن يمر دون عواقب».

وطلب الوزير من بانغي تقديم تفسيرات دقيقة وتوضيحات عاجلة، كما طلب من السفير نقل الاحتجاج الرسمي و«التحذير الشديد» إلى حكومته، مؤكداً تمسك بلاده بسيادتها ووحدة أراضيها وأمن مواطنيها.

وفي رواية أخرى، نقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن مصدر عسكري تشادي أن قوات روسية قصفت موقعاً لمتمردين من جمهورية أفريقيا الوسطى بعد دخولهم الأراضي التشادية، ما أوقع عدة جرحى. ولم يرد هذا الاتهام في بيان الحكومة.

رواية بانغي

على صعيد آخر، أعلن جيش أفريقيا الوسطى (السبت) أنه نفذ، بدعم من حلفائه الروس، «أعمالاً وقائية» ضد «مرتزقة أجانب» لم يحدد هويتهم. وقالت وزارة الدفاع إن ضربات جوية وعمليات برية استهدفت جماعات مسلحة في منطقة الحدود الثلاثية بمحافظة فاكاغا لإحباط هجوم وشيك على مواقع الجيش. وأكدت الوزارة أن جميع المهاجمين «حُيّدوا»، دون تقديم حصيلة بشرية ولا إشارة إلى دخول الأراضي التشادية. كما لم يصدر أي رد من حكومة جمهورية أفريقيا الوسطى على الاحتجاج التشادي، حتى زوال يوم الاثنين.

وذهبت «سبوتنيك» الروسية، نقلاً عن «مجتمع الضباط للأمن الدولي»، إلى أن العملية نُفذت بالتعاون مع «متخصصين عسكريين روس»؛ إذ يوجد في جمهورية أفريقيا الوسطى عناصر من «الفيلق الأفريقي» الذي يتبع مباشرة لوزارة الدفاع الروسية، وحل محلَّ مجموعة «فاغنر» الخاصة.

وبحسب «سبوتنيك»، فإن العملية جرت في منطقة نابغاي–تيسي، واستهدفت نحو 200 مقاتل، وأسفرت عن أكثر من 60 قتيلاً وجريحاً، وأن الجماعات كانت تخطط لهجوم في النصف الثاني من أكتوبر (تشرين الأول) بإشراف «غربيين»، وأن بانغي أبلغت أنجامينا بوجود مقاتلين على أراضيها.

سوابق وسياق

لا تبدو أنها كانت الحادثة الأولى في هذه الحدود؛ ففي مايو (أيار) 2021 اتهمت أنجامينا جيش أفريقيا الوسطى بمهاجمة مخفر سورو داخل أراضيها، وقتل جندي وخطف خمسة وإعدامهم، في حين اقترحت بانغي لجنة تحقيق مشتركة. وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 اتهمت بانغي دولة مجاورة بقصف قواتها وحلفائها الروس.

وتنشط في الشمال الشرقي لأفريقيا الوسطى جماعات مسلحة، وتتأثر المنطقة بحرب السودان، وشهدت بلدة أم دافوك في أفريقيا الوسطى هجوماً في 30 يونيو (حزيران) قال الجيش إنه أوقع نحو عشرين قتيلاً، في حين تحدثت مصادر محلية عن 28 قتيلاً.

وتُعتبر هذه المنطقة الحدودية ما بين جمهورية أفريقيا الوسطى وتشاد والسودان، خاصة حول تيسي، وأم دافوك، وبيراو، من أكثر المناطق هشاشة أمنياً في وسط أفريقيا، وتتميز بحدود مسامية، وبضعف السيطرة الحكومية، بالإضافة إلى نشاط مجموعات مسلحة متعددة، وتأثيرات مباشرة من الحرب المستمرة في السودان منذ أبريل (نيسان) 2023.