بويز: حاول بوش في مدريد إقناعي بمفاوضات ثنائية مع شامير فرفضت

وزير الخارجية اللبناني الأسبق فتح لـ«الشرق الأوسط» دفاتر عهدين رئاسيين (4 من 5)

TT

بويز: حاول بوش في مدريد إقناعي بمفاوضات ثنائية مع شامير فرفضت


كلمة لبنان في مؤتمر مدريد (أرشيف فارس بويز)
كلمة لبنان في مؤتمر مدريد (أرشيف فارس بويز)

حين انتخب إلياس الهراوي رئيساً للجمهورية اللبنانية في نوفمبر (تشرين الثاني) 1989، إثر اغتيال الرئيس رينيه معوّض، وجد أمامه حطام دولة. وتأكد الهراوي، ومعه وزير الخارجية فارس بويز أن العالم تعب من لبنان وفوّض إلى سوريا معالجة شؤونه. ولم تكن مصالح دمشق وبيروت تتطابق دائماً. لكن بويز يشير إلى أن الهاجس الأول لدى الرئيس حافظ الأسد كان الحيلولة دون تمكن الغرب من اجتذاب لبنان إلى سلام مع إسرائيل يُضعف موقف سوريا وأوراقها. هذا ما استنتجه بويز من عشرات اللقاءات الطويلة التي عقدها مع الرئيس السوري. بلغ الأمر حد أن قوى حليفة لسوريا في مجلس الوزراء اللبناني كانت أحياناً تتسرع في التقدير وتطالب لسوريا بما لم تطالب هي به، وأحياناً كان لا بد من الاستعانة بالأسد وحين تأتي الإشارة منه ينقلب مناخ مجلس الوزراء بسحر ساحر.

في الشأن الإقليمي، تمكن بويز من عبور استحقاقات إقليمية دون الوقوع في الأفخاخ والإغراءات. وها هو يؤكد أن الرئيس جورج بوش اقترح عليه في ختام اللقاء الأول لمؤتمر مدريد للسلام أن ينخرط لبنان في محادثات ثنائية مباشرة مع رئيس الحكومة الإسرائيلية إسحق شامير، لكن بويز رفض العرض وأصر على الصيغة الأصلية لمؤتمر مدريد. ساهم ارتياح دمشق إلى أداء لبنان في مؤتمر السلام في تشجيع دمشق على دعم تمديد ولاية الهراوي ثلاث سنوات. في بداية تسعينات القرن الماضي زار وزير الخارجية الأميركي جيمس بيكر عواصم الدول المعنية بمؤتمر مدريد للسلام. حاول استثناء لبنان من جولاته لأن الأجهزة الأميركية رفضت الموافقة على هبوط طائرته في مطار بيروت بسبب وجود «حزب الله». تخوّف بويز من تكريس قاعدة استثناء لبنان ورفض على مدار أسابيع اقتراحات أميركية للقاء بيكر في عمّان أو إسطنبول أو القاهرة أو أثينا. ذات يوم اتصل به وزير الخارجية السوري فاروق الشرع وأبلغه رسالة من الأسد. جاء في الرسالة أن السلطات السورية مستعدة لوضع فندق «شيراتون» في دمشق في تصرف السلطات اللبنانية لعقد لقاء فيه مع بيكر. وقال الشرع إن دمشق مستعدة لإزالة الرموز السورية في الفندق ومستعدة لاستقبال عسكريين لبنانيين لتولي الأمن في محيطه خلال اللقاء.

الهراوي مستقبلا وزير الخارجية الأميركي جيمس بيكر في مدينة زحلة (أرشيف فارس بويز)

اعتذر بويز عن قبول العرض وشعر أن واشنطن استعانت بدمشق لإحراج لبنان ودفعه إلى تغيير موقفه. كما اعتذر بويز أيضاً حين تلقى اتصالاً في الموضوع نفسه من وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل. بعد أخذ ورد وفي موعد صباحي باكراً بعيداً عن عيون الصحافة، أبلغ السفير الأميركي في بيروت ريان كروكر وزير الخارجية اللبناني أن بيكر مستعد للقدوم إلى لبنان برّاً من دمشق. أوضح كروكر أن اللقاء سيُلغى على الفور إذا تسرّب أي كلام عن الموعد المقرر بعد عشرة أيام. اقترح بويز عقد اللقاء في منزل الرئيس الهراوي في زحلة في البقاع اللبناني وقرر الاحتفاظ بالسر. عشية الموعد ذهب إلى الهراوي وأبلغه وشدد على سرية الموضوع. طلب من الرئيس أن يكلّف زوجته منى بالتوجه مع فريق العاملين لديها لإعداد المكان والغداء الذي سيعقب اللقاء. وتم إخفاء السر على السيدة الهراوي، إذ أُبلغت أن وفداً سورياً رفيعاً سيزور لبنان غداً وقد يكون برئاسة حافظ الأسد. زار بويز رئيس الحكومة رشيد الصلح وتمنى عليه أن يكون جاهزاً في الثامنة صباح اليوم التالي للتوجه إلى اجتماع مهم سيعقد في البقاع. وهكذا عُقد اللقاء في مدينة زحلة، وهو ما اعتُبر في حينه نجاحاً للدبلوماسية اللبنانية.

بويز مع وزير الخارجية الفرنسي إيرفيه دو شاريت بحضور شيراك والحريري أثناء توقيع اتفاق شراكة بين لبنان وفرنسا (أرشيف فارس بويز)

سألت بويز كيف كانت جلسات مجلس الوزراء في عهد الرئيس إلياس الهراوي وبعده في عهد الرئيس إميل لحود وسأتركه يروي.

تسمية الأشياء بأسمائها تدفع إلى القول إن جلسات مجلس الوزراء كان يطبعها النفوذ السوري. وكان يطبعها طابع آخر، وهو أنه لم تكن هناك دولة سنة 1990 عندما تسلّم الرئيس الهراوي سدة الرئاسة. لم تكن هناك دولة ولا جيش ولا قوى أمن ولا قضاء ولا محاكم ولا مخافر ولا مستشفيات ولا كهرباء ولا ماء ولا شيء، ولا يوجد حتى هاتف من قرية إلى قرية. وكان من الواضح جداً أن العالم تعب من لبنان وأوكل إلى سوريا أمر معالجة موضوعه طبقاً لبرنامج معيّن هو اتفاق الطائف. إذن كنا أمام واقع هو أن كل العالم يردّك إلى سوريا.

مهما قلت ومهما كانت شكواك، يقولون لك: اذهب إلى سوريا. وسوريا عملياً مفوضة بهذا الأمر ضمن إطار اتفاق الطائف. من هنا، كان لسوريا حجم ودور كبيران. وكان لسوريا حلفاء في مجلس الوزراء بعضهم حلفاء يتبنون بشكل مطلق وجهة النظر السورية والتي كانت أحياناً تختلف عن مصلحة الدولة اللبنانية. كنا أمام مشكلة وهي أننا في حاجة إلى سوريا لمساعدتنا على إعادة بناء الدولة وحل الميليشيات وإعادة تكوين جيش وجمع الأسلحة وانتشارالجيش في كل المناطق اللبنانية التي كانت محتلة من قبل الميليشيات، وفي الوقت عينه سوريا ليست مؤسسة خيرية، بل لها حساباتها وسياستها ومصالحها، وكذلك لها تقديرها أو تفسيرها الخاص للأمور.

كلمة لبنان في مؤتمر مدريد (أرشيف فارس بويز)

ومن هنا، لم يكن سهلاً التوفيق بين هاتين الحاجتين: التوفيق بين الحاجة إلى سوريا، علماً أنه لا أحد كان مستعداً لمساعدتنا، لا أميركا ولا الفاتيكان ولا فرنسا، الأم الحنون. كان الجميع يرسلوننا إلى سوريا. وفي الوقت عينه، كنا حذرين من أن حسابات سوريا قد لا تلتقي دائماً مع حسابات أو مصلحة الدولة اللبنانية وأن تفسيرات سوريا لاتفاق الطائف أو لغير هذا الأمر قد تختلف بشكل أو بآخر. وهنا كان بعض اللبنانيين يتطوعون للدفاع عن مصالح سوريا وأحياناً أكثر مما تريد سوريا نفسها. هناك قوى وشخصيات لبنانية كانت تعتبر أن إظهار حرصها على حماية مصالح سوريا سيؤهلها ويعزز موقعها بشكل أو بآخر. فمثلاً في يوم من الأيام قامت الدول الأوروبية بتكوين شيء اسمه «اتفاق الشراكة الأوروبية – المتوسطية»، أي شراكة بين أوروبا وبين دول ليست أوروبية لكنها موجودة على شاطئ البحر الأبيض المتوسط وعلى مقربة من أوروبا، واقتصاداتها ومصالحها تحتم أن يكون هناك اتفاق. هذا الاتفاق يقضي بأن الدولة المعنية، أي المتوسطية، تتقدم بطلب تُظهر فيه للدول الأوروبية أنها تقاسمها ذات أسس أو مبادئ الحريات العامة وحقوق الإنسان والاقتصاد الحر والانفتاح الثقافي... إلخ. وبالفعل كان الأمر يقتضي أن تطلب الدولة التي تريد الانضمام إلى الاتفاق من بروكسل ثم يذهب وزير الخارجية ويقدم مرافعة ويطلب هذه الصفة.

فارس بويز مع الوزير فاروق الشرع بتاريخ 16-7-1993 (أرشيف فارس بويز)

ذهبنا، وكانت الأصول تقضي بأن يحتفظ الأوروبيون بالرد لعدة أشهر قبل أن يجيبوا، ثم إنهم قد لا يردون إيجاباً. ذهبت إلى بروكسل وقمت بالمرافعة اللازمة، وأظهرت فيها أن لبنان ومنذ زمن فينيقيا، أي منذ ستة آلاف سنة، كان يمارس الاقتصاد الحر وأصول القوانين المصرفية من الرهن إلى تموين السفن وغيره، وأن لبنان في عهد روما كانت له أكبر وأعظم مدرسة للحقوق ويدرس فيها جهابذة القانون الروماني، ولبنان فيه حرية إلى حد الفوضى... والحقيقة أنه كان لهذه المداخلة وقع ممتاز. عندما خرجت من القاعة رافقني آلان جوبيه، وهو كان رئيس الدورة ووزير خارجية فرنسا، وقال لي: أرجوك أن تنتظر بضع دقائق لديّ شعور أنه، استثنائياً هذه المرة، قد ننتزع قراراً فورياً بقبول لبنان. فقلت له: ماذا لو لم يحصل ذلك، هناك صحافة في الخارج وسيهزأون بي ويقولون إنه كان مغروراً. قال لي: لا، انتظرني لحظة. وبعد 10 دقائق تبلغت عبر وزراء خارجية دول عدة كلاماً مفاده: جئنا مع آلان جوبيه لنظهر لكم أن ليس فقط فرنسا تهتم بانضمام لبنان بل نحن أيضاً.

عدت إلى بيروت وبشعور انتصار هائل، وكأنني نابليون، وأنني انتزعت فوراً وللمرة الأولى بتاريخ أوروبا هذا القرار. وعند وصولي إلى المطار أبلغني قائد أمن المطار بأن هناك مجلس وزراء استثنائي بانتظارك. لم أدرك السبب ورحّبت بالأمر باعتبار أن مجلس الوزراء جاء في توقيته وسأبشرهم بالنبأ العظيم. وما إن دخلت إلى مجلس الوزراء حتى بدا لي بأن جلسة مجلس الوزراء غارقة في المزايدة وانتقادي تحت عنوان كيف ندخل نحن في اتفاق مع أوروبا وسوريا لم تدخل بعد؟ كيف يقبل الوزير بذلك؟ كانت كلها عملية تبييض وجه من أجل إرضاء سوريا. فاتُخذ قرار من رئيس الجمهورية والرئيس الحريري بتأجيل الجلسة. قلت لهما: كيف تؤجلون الجلسة فغداً سيأتيني وزراء المجموعة الأوروبية مهنئين؟ ماذا سأقول لهم؟ هل أقول إن أوروبا قبلت ولبنان لم يقبل بعد؟

تأجلت الجلسة، وعدت حزيناً إلى منزلي وقلقاً مما سأفعل غداً وماذا سأجيب السفراء الأجانب، خصوصاً الأوروبيين؟ هل أقول لهم نحن ندرس هذا الأمر ولم نقبل بعد، فيما دول أخرى تستقتل للحصول على هذا الأمر؟ وإذ أتى على ذهني أن أتصل بالرئيس حافظ الأسد. اتصلت صباح اليوم التالي وطلبت موعداً مستعجلاً فحُدد لي وذهبت وقلت له: يا سيادة الرئيس هذا ما فعلته في بروكسل وهذا أعتبره إنجازاً كبيراً للبنان، خصوصاً أن إسرائيل عضو في هذا الاتفاق ولنا مصلحة أن نكون فيه لنظهر وجهة النظر العربية ولنكذّب وجهة نظر إسرائيل حينما يلزم ذلك. ومصلحة لبنان الاقتصادية تقتضي ذلك لأن أي شيء سيصدّره سيكون حسب المواصفات الأوروبية. وقلت له أيضاً: لكن على ما يبدو أن البعض في لبنان يعتقد أنه يرضيكم بمعارضة هذا الأمر، ولذلك بدل أن يوافق مجلس الوزراء مهللاً لهذا الموضوع، فقد أجّل هذا القرار، وهذا عار علينا لأن كل الدول ستظن أن سوريا تمنعنا من الدخول في هذا الاتفاق، ولذلك جئت أبلغك بهذا الأمر.

صورة تذكارية للوفود المشاركة في مؤتمر مدريد (أرشيف فارس بويز)

في الحقيقة، كان سريع البديهة وأخذ الهاتف فوراً واتصل بغازي كنعان مسؤول المخابرات السورية في لبنان وقال له: يبدو أن البعض في لبنان لم يستوعب جيداً ما فعله وزير الخارجية الأستاذ فارس بويز في بروكسل ولربما لبنان بحاجة أن يجيب أوروبا بشكل سريع حول هذه المسألة. وبعد ذلك قلت للرئيس الأسد: أشكرك على هذا الدعم، ولكن اسمح لي أن أنصحكم أيضاً بالانخراط في هذا الاتفاق وإذا احتاج الوزير فاروق الشرع إلى مساعدة فأنا جاهز.

فور عودتي إلى بيروت، اتصل بي الرئيس الهراوي سائلاً: أين كنت؟ لم أقل له. قلت له: لا شيء. قال لي: هل لديك معلومات لماذا مجلس الوزراء اليوم بعد الظهر؟ قلت له: لا علم لي بالأمر. لم أبلغ حتى بذلك. قال لي: الآن سيبلغونك. بعد 10 دقائق اتصل بي أمين عام مجلس الوزراء هشام الشعار وأبلغني باجتماع مجلس الوزراء، فقلت له: ما هو جدول الأعمال؟ ضحك، وقال لي: أعتقد أن أمورك ستمشي. فهمت أنه قد يكون جاء إيعاز إلى الرئيس الحريري من غازي كنعان بأن يعقد مجلس الوزراء وتتم الموافقة على الاتفاق. وبالفعل، اجتمعنا في مجلس الوزراء، كأنه فيلم. بينما بالأمس كانت معارضة، أصبح في هذه الجلسة تأييد مطلق وإشادة بوزير الخارجية الذي نجح في هذا الأمر والقول إنهم درسوا الأمر خلال الليل، فيما أنا لم أترك أي وثيقة، وأنهم يوافقون ويجب أن نعطي (الأوروبيين) جواباً سريعاً بالموافقة. فقلت لهم ببعض الممازحة: أقترح إضافة على محضر الجلسة، التقدم بشكر خاص للرئيس الأسد الذي يبدو أنه أدرك مصالح لبنان أكثر مما أدركها مجلس الوزراء. طبعاً انزعج الجميع وأدركوا أن عملية المزايدة في دعم سوريا أحياناً تصل إلى حد غير منطقي وغير مقبول.

الرئيس الأميركي جورج بوش لدى لقائه الوفد اللبناني إلى مؤتمر مدريد (أرشيف فارس بويز)

«تفاهم نيسان»

هناك محطة هي «تفاهم نيسان» (أبريل) 1996. قامت إسرائيل بهجوم على جنوب لبنان، واقتحمت مناطق. في الحقيقة، كنت مدركاً من اللحظة الأولى أن إسرائيل غرقت وأنها ستحتاج إلى آلية سياسية لإخراجها من هذا المستنقع. أتاني هيرفيه دو شاريت، وزير خارجية فرنسا، بزيارة عاطفية للتعزية. قال: أنا آسف لما حصل، وماذا أستطيع أن أفعل؟ قلت له: إذا كانت الزيارة عاطفية فقد لبّت أهدافها. ولكن أعتقد أن لفرنسا دوراً أكبر من دور عاطفي لتأتي وتعزينا بمن قتل. قال: كيف؟ قلت له: إسرائيل حتماً ستكون في حاجة إلى مخرج من المستنقع الذي غرقت به، وستكون هناك آلية يشارك فيها الأميركي والسوري واللبناني والإسرائيلي. وأنا أعدك بألا أقبل بأي آلية لا تكون فيها فرنسا، شرط أن تتصل بالرئيس جاك شيراك وتقول له إنك باق في لبنان وفي الشرق الأوسط ربما لشهر، وأن تستدعي فريق العمل ويستقر في بيروت، وأن تستدعي طائرة خاصة للقيام بجولات مكوكية. إذا أخذت الموافقة من جاك شيراك، عليّ أنا أن أتمسك بأن تكون فرنسا جزءاً من أي تركيبة لحل هذه المشكلة، وهذا سيعود لفتح باب لفرنسا في الشرق الأوسط وخاصة في لبنان. ونحن لنا مصلحة بألا نثق فقط بأميركا. أميركا متعاطفة مع إسرائيل تعاطفاً كلياً ولا نثق بها وسنطالب بأميركا وفرنسا كرئيسين معاً. راقته الفكرة. خرج من عندي، ثم عاد واتصل بي صباح اليوم التالي باكراً وقال لي ما اتفقنا عليه حصل.

الوزير بويز مع وزير خارجية فرنسا آلن جوبيه (أرشيف فارس بويز)

اتصلت بالرئيس شيراك وكلفني أن أبقى في بيروت وسيأتي فريق العمل ليستقر في السفارة الفرنسية، وسآتي إليك. حضر، فقلت له أولاً: تعلم من ديغول الذي قال إنني آت إلى هذا الشرق المعقد بأفكار بسيطة. ثانياً: لا تقترح أبداً، لأنك في نظر بعض الفرقاء لا تزال كقوة انتدابية، فقط انتظر كل الاقتراحات لتوضع على الطاولة وتبنى أحدها. الكلام المكتوب خطير ويذكر بوعد بلفور وما إلى ذلك بينما الكلام المحكي لا قيمة له، وبالتالي لا تقدم ورقة مكتوبة إطلاقاً، إلا عند الوصول إلى الصيغة النهائية. أعطيته مجمل النصائح في عملية التفاوض. وبالفعل، راح يتجول. يوم في إسرائيل ويوم في دمشق ويوم في قبرص... وتابع هذا الأمر حتى نجحنا في أن نفرض على إسرائيل انسحابات معينة ونظاماً معيناً في الجنوب، وفرضنا عليها أحقية المقاومة. رفيق الحريري حتى تلك اللحظة لم يتحرك، لم يكن مقتنعاً بها. لم يكن يرى أن هناك لجنة ولا إمكانية بأن نفعل شيئاً، لكن عندما اتضح أن هناك لجنة ستتشكل، بدأ يتحرك عبر شيراك ويبيعه الموضوع، وصار يتصل بي يومياً ليعرف التفاصيل. وعندها لم أعد أرى دو شاريت. كلما عرف أنه آت إلى بيروت يتصل به ويقول له أريد أن ألتقيك. وبدأت الحلقة الإعلامية عنده وطلع في النتيجة أن الحريري هو من شكّل هذه اللجنة. الحقيقة، الرئيس رفيق الحريري لم يتدخل في (اتفاق نسيان) إلا بعدما أنجز 90 في المائة من طريقه. شعر أن هناك أمراً يركّب، وأراد أن يبيع دوراً لجاك شيراك. وهنا تحركت ماكينته الإعلامية الرهيبة، من صحف وتلفزيونات وإذاعات، وهو يتفوق على الجميع في ذلك، وطلع أنه هو من أنجز اتفاق نيسان وأنه من مهندسيه، فيما الحقيقة غير ذلك. وأحياناً كان ذلك يتم بالترافق مع تصرف مزعج. عندما شُكلت لجنة نيسان كان لوزارة الخارجية مندوب، سفير. تمثّل لبنان بضابط من الجيش وسفير. عيّنت أنا السفير، وإذ برفيق الحريري الذي لم يكن يرغب في أن أرسل له التقرير، راح يتصل بالسفير ويغريه بأن يتصل به ويعطيه المعلومات من الجنوب قبل أن يعرف بها وزير الخارجية. كان كل همّه أن يعرف، قبل أن أعرف أنا. وإذ في يوم من الأيام، حصل أمر مع مندوب سوريا العميد عدنان بلول، ويبدو أنه كان مكلفاً بالمراقبة من غازي كنعان. كان سفيرنا خارجاً من الاجتماع فاتصل برفيق الحريري ليخبره بما حصل فيه. سمعه عدنان بلول، فاقترب منه وأمسكه من يده وقال له: استحِ يا عميل، يا خاين، يا عميل، مع من تتكلم؟ فقال له: أنا أتحدث مع رئيس حكومتي. فقال له: كيف تعطي معلومات عبر التليفون؟ فقال له: أنا أتحدث مع رئيس حكومتي. فقال له: لا يحق لك أن تكلّم رئيس حكومتك. عليك أن تذهب إلى وزارة الخارجية وتقدم تقريراً إلى وزيرك، وهو يتواصل مع رئيس الحكومة، وليس أنت. جاءني السفير مرعوباً ولا يريد أن يذهب مجدداً إلى اجتماعات اللجنة.

بويز في المؤتمر الأوروبي المتوسطي (أرشيف فارس بويز)

غضبت. من أين يحق لعدنان بلول أن يفعل ذلك؟ لا يمكنني أن أذهب إلى حافظ الأسد من أجل هذا الموضوع، وفي الوقت نفسه لا أتحدث مع غازي كنعان. أرسلت أحد الأصدقاء المشتركين، وهو نائب وشخصية سياسية، وقلت له اذهب إلى غازي كنعان وقل له إنني لا أقبل بهذا التصرف على الإطلاق. حتى لو أخطأ السفير فتأديبه هذا عملي وليس عمله، وإذا لم يعتذروا فسننسحب من لجنة نيسان ونعلن لماذا انسحبنا.

فنبهني الصديق إلى حساسية المسألة. فقلت له ليبلغ غازي كنعان قيادته بالأمر، ولم أطلب أن يعالجها بنفسه. وبالفعل قال لي: ليذهب إلى الاجتماع المقبل وسيأتي عدنان بلول ليعتذر منه. ولكن قل للسفير ألا يتصل بالحريري الذي له حساسية عندهم (السوريين). فقلت له: هذا عملي، وطلبت السفير بالفعل وأنّبته.

الرئيس الياس الهراوي مع الوزير بويز (أرشيف فارس بويز)

التمديد للهراوي

هل لعب أداء الدبلوماسية اللبنانية في ملفات الصراع العربي - الإسرائيلي دوراً في التمديد للهراوي؟ يعود بويز إلى ذاكرته.

حينها لم يكن اسم إميل لحّود قد ظهر مرشحاً لرئاسة الجمهوريّة. العنصر الثاني الذي لعب دوراً في التمديد، وهو عنصر ربما غير مباشر، هو مؤتمر مدريد. عند الرئيس حافظ الأسد، لم تكن التفاصيل الداخليّة أهمّ شيء في الملفّ اللّبناني، لذلك لم يكن يتدخّل فيها أحياناً، فيرميها عند عبد الحليم خدّام وغيره. وفي الشّأن الداخلي السوري، لم يكن حافظ الأسد يستقبل رئيس حكومته أحياناً، إلّا كلّ ستة أشهر ولا يستقبل وزير الاقتصاد عنده. كان الهاجس الأكبر لحافظ الأسد واهتمامه الكلي يذهب بنسبة 100 في المائة باتجاه الصراع العربي - الإسرائيلي. ومن هنا، كانت عملية السلام بالنسبة إليه كلّ شيء، وسبب وجوده في لبنان. إذ إنّ ضرورة وجوده في لبنان هي ليضمن ألا يُستفرد بلبنان باتّفاق سلام منفرد وبألا يُعزل لبنان عن سوريا ثم تُعزل سوريا.

من هنا كانت إدارة مفاوضات السلام، وأنا من المشاركين فيها في ذاك الحين، مطمئنة بالنسبة إليه. أعجبه أنه بالنتيجة، كان لبنان صلباً في عملية مدريد، ولم ينجحوا في جرّه إلى أيّ موقع آخر. وما حصل في آخر يوم في مدريد مهم جداً. فقد أبلغني وزير الخارجية الأميركي جيمس بيكر بأنّ الرئيس جورج بوش (الأب) يريد لقائي قبل مغادرته مدريد عائداً إلى واشنطن. فسألته عن مكان اللّقاء وعن الأشخاص الذين سيحضرونه مع الرئيس. فأجابني بأنّ هؤلاء الأشخاص هم بيكر نفسه، ودينيس روس وهو من كبار المستشارين والمفاوضين والمتعاطف كلياً مع إسرائيل، وأعتقد مارتن أنديك إن لم تخني الذاكرة، الذي هو أيضاً يهوديٌّ. فقلت له: «جيّد. أنتم أربعة أشخاص، لذا سأحضر أنا ومعي ظافر الحسن الأمين العام لوزارة الخارجيّة، والسفير جعفر معاوي والسفير جهاد مرتضى». اخترت اثنين من الشيعة تحسّباً للمزايدات في بيروت والتأويل. فأنا أعرف الساحة اللبنانية وأعرف كيف يعمل الإعلام اللبناني و«يتراذل».

اقتراح بوش

قبل بيكر بعد نقاش. فاجتمع الوفدان، وإذ بالرئيس بوش يقول لي خلال الاجتماع: «يا معالي الوزير، عملية السلام في مدريد آليّة ثقيلة وبطيئة، فيما لو أجريتم مباحثات مباشرة مع إسحق شامير رئيس الوفد الإسرائيلي، سيكون الأمر أسرع». وكان شامير حينها رئيس الحكومة الإسرائيلية.

أنا فوجئت بهذا الموضوع. فقلت للرئيس بوش: «يا سيادة الرئيس، عندك وزير خارجية ممتاز. وقد تعب خلال أكثر من سنة لهندسة عملية السلام بشروطه. وضمن هذه الشروط أن تكون كلّ المفاوضات علنيّة. ومن هذه الشروط أن تصبّ هذه المفاوضات في سلام عادل ودائم وشامل. فكيف تريدني أن أتفاوض مع شامير بهذا الأمر؟ هذا سيكون خروجاً عن مؤتمر مدريد ونسفاً لكلّ مبادئه وسقوطاً له. وسيفتح الباب أمام استفراد بقية الوفود العربية كلها».

رفضت اقتراح الرئيس بوش، وقلت له: «لا يمكننا أن نجتمع مع شامير بوفدين منفصلين دون أن نكون قد ضربنا عملية السلام. وأنا الذي ساهمت مع جيمس بيكر في هندسة هذه العملية، لا يمكنني أن أفعل ذلك. نحن كلنا بحاجة لغطاء عربي شامل لكل سلام. إن دخلنا في مفاوضات كهذه ولنفترض أنّنا اتفقنا، فمن يضمن عندما نخرج من المؤتمر، أن يلتزم إسحق شامير بما وعد به؟ فلا شهود، ولا ضمانات ولا شيء، فأنا لا يمكنني أن أجتمع بشامير إلّا ضمن مؤتمر السلام».

فقال لي الرّئيس بوش: «نذهب إلى واشنطن وأنا سأترأس اجتماعكم وسأكون الشاهد والضامن». رفضت هذا الطّرح قائلاً: «لا، فربّما طرحكم سيحلّ جزءاً من المشكلة، ولكنّ الجزء الآخر لم يحلّ، وهو انفراط كلّ الوفود فيما بعد إذا قمنا بمفاوضات منفردة».

هنا أرسل له دينيس روس ورقة فتحها الرئيس بوش وسألني: «لماذا لا نحصر العمليّة دون أن نضرب اتّفاق السلام؟ تتفاوضون حول الانسحاب من (بلدة) جزين». أجبته عندئذ: «على قدر ما أُقدّر وزير خارجيتك اللامع جيمس بيكر لصدقيّته، على قدر ما لا يمكنني أن أُقدّر أفكار السيّد دينيس روس. تريدني أن أجلس إلى طاولة متنازلاً عن عُشر الأراضي اللبنانية المحتلة، لأبحث عن جزين؟ جزين لا تشكّل 1 في المائة من الأراضي المحتلة، فأكون أنا قد تنازلت عن لبنان المحتلّ مقابل جزين. وأنا أُتّهم كوني مسيحياً، وكون جزين مسيحية، بأنّني للاستحصال عليها بعت كلّ الأراضي اللبنانية. فهذا غير وارد على الإطلاق. لا أجلس إلى طاولة إلّا حول تنفيذ القرار 425 الصادر عن الأمم المتحدة بمضامينه كافّة. وأخذت الجلسة ساعتين ونصف تقريباً.

كلّ هذه الأمور كان حافظ الأسد يتابعها بحذافيرها. هل تصدّق أنّه شاهد خطابي في مدريد ستّ مرات على الفيديو! كان في كلّ مرّة يشاهده يختار منه مقاطع، ويسألني عندما ألتقي به: «والله من أين أتيت بهذا المقطع»؟

الرئيس السوري حافظ الأسد مستقبِلاً الوزير بويز (أرشيف فارس بويز)

30 لقاءً مع الأسد

التقيت الرئيس حافظ الأسد أكثر من ثلاثين مرة وربما وصلت إلى الأربعين. هذه الأمور ساهمت في خلق جوّ من الثّقة. كان حافظ الأسد يخشى، في الوقت الذي كانت فيه عملية السلام ما تزال موجودة رغم أنها تنازع، أن يدخل في مغامرة جديدة في عهد جديد «مش فهمان كوعو من بوعو»، فيما كان راضياً عن أداء عهد إلياس الهراوي في مؤتمر السلام.

فعندما انتهى التمديد، وطُرحت معركة الرئاسة، هذا الرّضا جعل حافظ الأسد يفاتح إلياس الهراوي، ويسأله فيما إذا فكّر باسم رئيس الجمهوريّة المقبل. فنفى إلياس الهراوي ذلك. فقال له: «أثبت الأستاذ فارس فعلاً جدارة وحكمة. ويجعلنا موضوع إدارة عملية السلام وموضوع صلابته في وجه الضغوطات مطمئنين له، أكثر من أن نجازف بشخص جديد لا نعلم كيف سيتفاعل مع هذا الموضوع. فهذا موضوع خطير وموضوع كبير لا يتحمّل مجازفة».

غداً حلقة خامسة وأخيرة


مقالات ذات صلة

قرار قضائي يحيل رياض سلامة إلى الجنايات ويعزز صحّة ملاحقته

المشرق العربي حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة (الوكالة الوطنية للإعلام)

قرار قضائي يحيل رياض سلامة إلى الجنايات ويعزز صحّة ملاحقته

عززت الهيئة الاتهامية في بيروت مصداقية الإجراءات القانونية بحق حاكم مصرف لبنان رياض سلامة التي أفضت إلى توقيفه مطلع شهر سبتمبر 2024

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون (يمين) مجتمعاً مع المبعوث الرئاسي الفرنسي جان إيف لودريان يوم 8 ديسمبر 2025 في قصر بعبدا (الرئاسة اللبنانية)

لودريان في بيروت دعماً للجيش اللبناني وخطة حصرية السلاح

في خضم الحراك الدبلوماسي والدولي باتجاه بيروت، يعقد الموفد الفرنسي، جان إيف لودريان، يوم الأربعاء لقاءات مع المسؤولين في لبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
خاص الرئيس اللبناني جوزيف عون (د.ب.أ)

خاص «حزب الله» منزعج من «نصائح» عون... فهل يغرّد وحيداً؟

يتريث «حزب الله» في تظهير انزعاجه للعلن حيال دعوة رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون الطرف الآخر، في إشارة للحزب، للتعقّل والعودة للدولة بتسليم سلاحه.

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي صورة لحسن نصر الله أمام أنقاض مبنى دمّره الطيران الإسرائيلي في الضاحية الجنوبية لبيروت (أرشيفية - د.ب.أ)

أزمة «حزب الله» المالية تعرقل صرفه بدلات إيواء لآلاف النازحين

أبلغ مسؤول عن التعويضات في «حزب الله» أحد مراجعيه، أنه «حتى الآن لا موعد محدداً لصرف التعويضات»، وأنه «حين تجهز الدفعة، سنبلغك هاتفياً».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
تحليل إخباري مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون صور أمنائه العامّين في الذكرى السنوية الأولى لاغتيال حسن نصر الله (أرشيفية - رويترز)

تحليل إخباري برودة في علاقة عون و«حزب الله»... والتواصل عند «الحدّ الأدنى»

انتقد «حزب الله» تصريحات الرئيس اللبناني، جوزيف عون، بشأن سلاحه...

بولا أسطيح (بيروت)

دمشق تسعى إلى إخراج «قسد» من ريف حلب إلى شرق الفرات

دير حافر في ريف حلب الشرقي (أرشيفية)
دير حافر في ريف حلب الشرقي (أرشيفية)
TT

دمشق تسعى إلى إخراج «قسد» من ريف حلب إلى شرق الفرات

دير حافر في ريف حلب الشرقي (أرشيفية)
دير حافر في ريف حلب الشرقي (أرشيفية)

أخذت تطورات الأوضاع الميدانية في ريف حلب شمال سوريا منحى تصاعدياً مع بدء الجيش السوري استهداف مواقع في دير حافر بعد ساعات قليلة من إعلانه بلدتين في منطقة عسكرية مغلقة، متوعداً «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) باتخاذ «كل ما يلزم» لردع تحركاتها العسكرية.

وأعقب ذلك تفجير جسر بمحيط بلدة دير حافر يفصل بين مناطق سيطرة «قسد» ومناطق الحكومة، وقال التلفزيون الرسمي السوري إن «قسد» قامت بتفجير الجسر، وأكدت مصادر مقربة من وزارة الدفاع لـ«الشرق الأوسط» الجاهزية لتنفيذ عملية عسكرية في دير حافر، ما لم تحصل تغيرات.

وقالت قوات «قسد»، الثلاثاء، إن القوات السورية بدأت باستهداف بلدة دير حافر بقذائف المدفعية، وذلك بعد ساعات قليلة من صدور بلاغ عاجل عن «هيئة العمليات في الجيش» بتحديد البلدة، إضافة لبلدة مسكنة «منطقة عسكرية مغلقة من تاريخ صدور البلاغ»، وأظهرت في خريطة مرفقة المناطق المحددة باللون الأحمر.

خريطة تظهر المنطقتين اللتين عدهما الجيش السوري عسكريتين في ريف حلب الشرقي

مصادر محلية في شمال سورية أفادت بأن بلدة دير حافر بدت، الثلاثاء، شبه خالية من المدنيين وسط مخاوف من عمليات القصف التي قد تستهدف مناطق سكنية حيث تتحصن عناصر «قسد»، كما أفادت المصادر لـ«الشرق الأوسط» بقطع قوات «قسد» للطرق والجسر الواصل بين ضفتي نهر الفرات، أي بين مناطقها ومناطق سيطرة وزارة الدفاع. كما تعمل على توسيع المناطق التي تسيطر عليها وتوسيع مواقع التسلل إلى مناطق تمركز قوات وزارة الدفاع، مع دفع مزيد من التعزيزات إلى منطقة سد تشرين جنوب شرقي منبج.

احتجاج أكراد بمدينة القامشلي الخاضعة لسيطرة الإدارة الذاتية الكردية الثلاثاء على سيطرة الحكومة السورية على مدينة حلب وإجلاء مقاتلي «قسد» (أ.ف.ب)

كما لفتت إلى دفع «قسد» فلول النظام المتواجدين في مناطقها وفي الفرقة 17 إلى الواجهة، واعتبرت ذلك مؤشراً على اهتزاز «قسد» الثقة بأبناء العشائر العربية المنضوين في تنظيمها في ظل التوترات الحاصلة.

وأشارت الهيئة إلى «استمرار تنظيم (قسد) بحشد مجاميعه مع ميليشيات (العمال الكردستاني) وفلول النظام البائد في هذه المنطقة التي أصبحت منطلقاً للمسيّرات الانتحارية الإيرانية التي قصفت مدينة حلب». ودعت الهيئة المدنيين إلى «الابتعاد عن مواقع تنظيم (قسد) بهذه المنطقة»، وتوجهت إلى جميع المجاميع المسلحة بهذه المنطقة، بالقول إن عليهم «الانسحاب إلى شرق الفرات حفاظاً على أرواحهم». وتوعد الجيش السوري بأنه «سيقوم بكل ما يلزم لمنع المجاميع المسلحة التي تحتشد بهذه المنطقة من استخدامها منطلقاً لعملياتهم الإجرامية».

واتهمت دمشق، الاثنين، «قسد» بإرسال تعزيزات إلى دير حافر (40 كم شرق حلب)، الأمر الذي نفته قوات «قسد» فيما أعلنت السلطات السورية إرسال تعزيزات إلى منطقة دير حافر.

يشربون الشاي ويدخنون في حي الشيخ مقصود بحلب بعد خروج قوات «قسد» (أ.ب)

ورغم التصعيد الكبير الحاصل، فإن احتمالات توسع المواجهات ما تزال مستبعدة. وحسب مصادر كردية، دمشق وبدعم تركي وصمت دولي تعمل على إخراج «قسد» من مناطق شرق الفرات، تحديداً محافظة حلب، بعد إخراجها من مدينة حلب، قبل العودة إلى المفاوضات.

وهناك من يرى التصعيد شرق حلب وحتى جنوب وغرب الرقة «تحصيل حاصل» ضمن مسار التطورات الجاري، حسب رأي الباحث والمحلل السياسي عبد الوهاب عاصي، الذي قال إن «معركة شرق حلب، وربما أيضاً معركة جنوب وغرب الرقة ليست أكثر من تحصيل حاصل، بما يؤدي لانسحاب (قسد) نحو شرق الفرات قبل استئناف المفاوضات بين الطرفين على أرضية اتفاق 10 مارس (آذار)».

ورجح عاصي أنّ الحكومة السورية لن تقبل باستئناف المفاوضات قبل ضمان استجابة «قسد» لشرطين رئيسيين هما: «الانسحاب الكامل نحو شرق الفرات، ورفع الدعم والحماية عن فلول الأسد، وإلا فالعمليات العسكرية سوف تستمر وربما تتجاوز حدود غرب الفرات وتتجه إلى مناطق أخرى شرقه، مثل عين العرب (كوباني) والطريق الواصل بين معدان ومناطق عملية نبع السلام شمال الرقة لتطويق (قسد) في الرقة ودفعها للانسحاب نحو الحسكة ودير الزور».

إعادة محافظة حلب السكان النازحين من حي الشيخ مقصود بعد انتهاء المعارك بين القوات الحكومية ومقاتلي «قسد» (أ.ب)

ويتقاطع هذا الرأي مع ما قاله الباحث والمحلل السياسي بسام السليمان عن نية الحكومة السورية توجيه رسالة إلى «قسد» من خلال فرض سيطرتها على المناطق «التي هددت أمن المواطنين فقط»، ويقصد منطقة دير حافر وما حولها التي «أطلق منها عشرة مسيّرات إيرانية ضد حلب، وحاولت «قسد» من خلالها اغتيال وزيرين ومحافظ حلب أكبر محافظة سورية».

لكن هل سنشهد مناوشات في مناطق أخرى لتوسيع المواجهات؟ يعتقد السليمان أن «هذا غير واضح»، لكن الواضح هو تحشيد «قسد» لفلول النظام السابق في مواجهة الجيش السوري، الذي يتناقض مع اتفاق 10 مارس الذي نص في أحد بنوده على التعاون بين الحكومة السورية وقوات «قسد» لمواجهة تحركات الفلول. وأضاف: «كيف يظهر الفلول في مقاطع فيديو من مناطق سيطرة (قسد) يتوعدون الدولة السورية بالوصول إلى الساحل!».

ورغم ذلك يعول بسام السليمان على «التيار الوطني» داخل «قسد» ليقول كلمته، لافتاً إلى وجود تيارات مختلفة داخل التنظيم، منها من يرفض التقسيم وغير راضٍ عن توجهات القيادات المتطرفة في «قسد».


الجيش السوري يطالب القوات الكردية بالانسحاب من مناطق سيطرتها شرق حلب

مبانٍ مدمرة في حي الشيخ مقصود بحلب بعد انسحاب مقاتلي قوات سوريا الديمقراطية (قسد) بقيادة الأكراد من مدينة حلب السورية يوم الأحد عقب اتفاق وقف إطلاق النار الذي سمح بعمليات الإجلاء بعد أيام من الاشتباكات الدامية 12 يناير 2026 (رويترز)
مبانٍ مدمرة في حي الشيخ مقصود بحلب بعد انسحاب مقاتلي قوات سوريا الديمقراطية (قسد) بقيادة الأكراد من مدينة حلب السورية يوم الأحد عقب اتفاق وقف إطلاق النار الذي سمح بعمليات الإجلاء بعد أيام من الاشتباكات الدامية 12 يناير 2026 (رويترز)
TT

الجيش السوري يطالب القوات الكردية بالانسحاب من مناطق سيطرتها شرق حلب

مبانٍ مدمرة في حي الشيخ مقصود بحلب بعد انسحاب مقاتلي قوات سوريا الديمقراطية (قسد) بقيادة الأكراد من مدينة حلب السورية يوم الأحد عقب اتفاق وقف إطلاق النار الذي سمح بعمليات الإجلاء بعد أيام من الاشتباكات الدامية 12 يناير 2026 (رويترز)
مبانٍ مدمرة في حي الشيخ مقصود بحلب بعد انسحاب مقاتلي قوات سوريا الديمقراطية (قسد) بقيادة الأكراد من مدينة حلب السورية يوم الأحد عقب اتفاق وقف إطلاق النار الذي سمح بعمليات الإجلاء بعد أيام من الاشتباكات الدامية 12 يناير 2026 (رويترز)

طلب الجيش السوري، الثلاثاء، من القوات الكردية الانسحاب من المناطق التي تسيطر عليها شرق مدينة حلب، بعد يومين من إعلان القوات الحكومية سيطرتها على كامل المدينة إثر اشتباكات دامية، بينما اتهمت قيادية كردية السلطات بالتحضير لهجوم على مناطق الأكراد.

في المقابل، تظاهر الآلاف بمدينة القامشلي في مناطق الإدارة الذاتية الكردية في شمال شرقي سوريا، بدعوة من السلطات الكردية، منددين بالسلطات وبالرئيس أحمد الشرع، كما شاهد مراسلو «وكالة الصحافة الفرنسية».

وعزّزت معارك مدينة حلب التي انتهت، الأحد، مخاوف من اشتباكات جديدة بين الأكراد والسلطات. ويتبادل الطرفان منذ أشهر الاتهامات بإفشال الجهود المبذولة لتطبيق الاتفاق المبرم بينهما والذي كان يُفترض إنجازه بنهاية 2025، ونصّ على دمج مؤسسات الإدارة الذاتية الكردية في إطار الدولة السورية.

أحد أفراد قوات الأمن السورية يقف بجوار مركبة مدمرة في حي الشيخ مقصود في مدينة حلب الشمالية بسوريا 12 يناير 2026 (أ.ب)

وقال الجيش السوري، في بيان نشره التلفزيون الرسمي، الثلاثاء: «على كافة المجاميع المسلحة بهذه المنطقة الانسحاب إلى شرق الفرات»، معلناً المنطقة الواقعة إلى الشرق من مدينة حلب وصولاً إلى نهر الفرات «منطقة عسكرية مغلقة».

ونشر الجيش خريطة حدّد فيها باللون الأحمر المناطق التي طلب الانسحاب منها، وتشمل بلدات مسكنة وبابيري وقواس ودير حافر بين غرب نهر الفرات إلى شرق مدينة حلب.

وتابع الجيش في بيانه: «نهيب بأهلنا المدنيين الابتعاد عن مواقع تنظيم (قسد) بهذه المنطقة».

وفي أعقاب التحذيرات، أعلنت «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد)، في بيان، أن القوات الحكومية بدأت «باستهداف بلدة دير حافر بقذائف المدفعية»، في حين أفاد التلفزيون الرسمي السوري عن مقتل «مدني برصاص قناص من تنظيم (قسد) في أثناء محاولته الخروج على دراجته النارية من مدينة دير حافر».

أحد أفراد قوات الأمن السورية يسير بجوار سيارات محترقة في حي الشيخ مقصود بعد الاشتباكات بين القوات الحكومية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي يقودها الأكراد في مدينة حلب الشمالية بسوريا 12 يناير 2026 (أ.ب)

واتهمت دمشق، الاثنين، «قوات سوريا الديمقراطية» بإرسال تعزيزات إلى دير حافر التي تبعد أقل من 50 كيلومتراً إلى الشرق من حلب، الأمر الذي نفته القوات الكردية. وأعلنت السلطات السورية كذلك أنها أرسلت تعزيزات إلى منطقة دير حافر.

شاهد مراسل «وكالة الصحافة الفرنسية»، الثلاثاء، القوات الحكومية تستقدم تعزيزات عسكرية إلى منطقة دير حافر.

وقالت الرئيسة المشاركة لدائرة العلاقات الخارجية في الإدارة الذاتية الكردية إلهام أحمد في حديث لصحافيين، الثلاثاء، إن القوات الحكومية «تحضّر لهجوم جديد، النية هي توسيع هذه الهجمات».

وأضافت: «يدّعون أنهم يحضّرون لعملية صغيرة لقتال حزب (العمال الكردستاني)، لكن في الواقع النية هي هجوم شامل»، مؤكدة: «سندافع عن أنفسنا، ومن أجل تفادي فوضى أكبر في سوريا لا بدّ من الدعم، ولا بدّ من الضغط على الحكومة لوقف هجماتهم ضد قواتنا».

سكان مدينة القامشلي السورية يستقبلون المدنيين ومقاتلي قوات سوريا الديمقراطية (قسد) الذين انسحبوا من حلب عقب اتفاق وقف إطلاق النار الذي سمح بعمليات الإجلاء بعد أيام من الاشتباكات الدامية 11 يناير 2026 (رويترز)

«إعلان حرب»

واتهمت أحمد السلطات «بإعلان الحرب»، وبأنها بذلك «قامت فعلياً بخرق اتفاق العاشر من مارس (آذار)».

وأكّدت في الوقت نفسه أن الإدارة الذاتية «مع المفاوضات ومع الحوار»، إذا ما توقفّت «الهجمات»، و«أعطيت ضمانات لحماية أمن المدنيين»، مقترحة مشاركة دولية في هذه المفاوضات.

وتسيطر القوات الكردية على مساحات واسعة في شمال سوريا وشرقها، تضم أبرز حقول النفط والغاز. وشكّلت رأس حربة في قتال تنظيم «داعش»، وتمكنت من دحره من آخر معاقل سيطرته في البلاد عام 2019 بدعم من التحالف الدولي بقيادة واشنطن.

وتظاهر الآلاف، الثلاثاء، في وسط مدينة القامشلي، حيث رفعوا لافتات مؤيدة لـ«قوات سوريا الديمقراطية»، ومنددين بـ«الانتهاكات» التي وقعت خلال معارك حلب الأخيرة، كما حملوا الأعلام الكردية وصور قائد «قوات سوريا الديمقراطية» مظلوم عبدي.

وأقفلت معظم المحال التجارية أبوابها في مدينة القامشلي استجابة لدعوات كردية للإضراب.

وأسفرت المعارك في حيي الشيخ مقصود والأشرفية ذوي الغالبية الكردية في حلب عن مقتل 105 أشخاص، بحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، هم 45 مدنياً و60 مقاتلاً من الطرفين.

وأفاد قائد عمليات الدفاع المدني في حلب، فيصل محمد، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بأنه «تم إزالة أكثر من 50 جثة من حيي الشيخ مقصود والأشرفية بعد المعارك من قبل الدفاع المدني»، دون أن يوضح ما إذا كانوا مدنيين وعسكريين.

ضابط أمن كردي يراقب وصول المقاتلين الأكراد الذين تم نقلهم بالحافلات من مدينة حلب الشمالية عقب وقف إطلاق النار إلى مدينة القامشلي الواقعة شمال شرقي البلاد والتي يسيطر عليها الأكراد 11 يناير 2026 (أ.ف.ب)

«تقويض وقف النار»

تنظر تركيا المجاورة لسوريا، إلى المكون الرئيس لـ«قوات سوريا الديمقراطية» على أنه امتداد لحزب «العمال الكردستاني» الذي وافق، العام الماضي، على إنهاء العمل المسلح بعدما استمر أربعة عقود ضد أنقرة.

وعدّ حزب «العمال الكردستاني»، الثلاثاء، أن المعارك التي شهدتها حلب مؤخراً ترمي إلى «تقويض وقف إطلاق النار» بين أنقرة ومقاتلي الحزب.

وأنقرة منخرطة منذ العام الماضي في جهود لوضع حد لأربعة عقود من النزاع مع حزب «العمال الكردستاني».

وفي العام الماضي، أعلن حزب «العمال الكردستاني» وضع حد لكفاحه المسلّح، وباشر عملية تفكيك أسلحته، لكن تركيا تصرّ على أن تشمل الخطوة «قوات سوريا الديمقراطية» التي تعدّها امتداداً لحزب «العمال الكردستاني».

من جهته، اعتبر حزب «العدالة والتنمية» الحاكم في تركيا، الاثنين، أن الاشتباكات الأخيرة التي شهدتها مدينة حلب شكلت محاولة من المقاتلين الأكراد لتقويض جهود أنقرة الهادفة إلى إنهاء النزاع مع حزب «العمال الكردستاني».


المنخفضات الجوية تحصد مزيداً من أرواح النازحين الغزيين

TT

المنخفضات الجوية تحصد مزيداً من أرواح النازحين الغزيين

المنخفضات الجوية تحصد مزيداً من أرواح النازحين الغزيين

قال مسؤولون بقطاع الصحة في غزة إن عاصفة مطيرة اجتاحت القطاع، الثلاثاء، وأغرقت مئات الخيام وأدت إلى ​انهيار منازل تؤوي عائلات نازحة، وتسببت في مقتل ستة أشخاص على الأقل.

واقتلعت العاصفة الخيام من أوتادها، وتطاير بعضها لعشرات الأمتار قبل أن يتحطم على الأرض.

وسجلت في أقل من 12 ساعة، 6 حالات وفاة على الأقل نتيجة انهيارات جزئية لمنازل ومبانٍ وجدران وحتى مراكز إيواء متضررة، حيث توفي 3؛ هم سيدة وطفلة ومسن من عائلة «حمودة» النازحة من بلدة بيت لاهيا شمال القطاع بعدما دمرت القوات الإسرائيلية منزلها خلال الحرب، وذلك إثر انهيار جزئي لصالة أفراح متضررة استخدمها النازحون المدمرة بيوتهم كمركز إيواء لهم في منطقة «الشاليهات» غرب مدينة غزة.

خيام النازحين في دير البلح بقطاع غزة يوم الثلاثاء (أ.ب)

فيما توفيت سيدة أخرى نتيجة انهيار جدار مبنى على خيام للنازحين مجاورة للمكان في منطقة الرمال غرب المدينة، بينما توفي شاب نتيجة سقوط مئذنة مسجد «السرايا» وسط المدينة ذاتها، على خيمة للنازحين كان يقيم فيها الشاب، بينما توفي طفل في دير البلح وسط القطاع، نتيجة البرد الشديد.

وغرقت خيام أخرى في برك موحلة، وسط محاولات يائسة من الأسر للحفاظ على ما يمكن إنقاذه من مقتنياتهم، وحاول السكان إعادة تثبيت الخيام، ووضعوا أكياس ‌الرمال حول حوافها لصد المياه المتدفقة.

عبء إضافي

باتت المنخفضات الجوية عبئاً إضافياً على حياة الفلسطينيين النازحين داخل قطاع غزة، إذ تعقد الأمطار الغزيرة والرياح الشديدة، الظروف الإنسانية القاسية، وتودي بحياة أطفالهم ونسائهم، وتشردهم، مع كل منخفض جوي للمنطقة.

ودمرت إسرائيل نحو 90 في المائة من المنازل والمباني والأبراج وغيرها، خلال عامين من الحرب على قطاع غزة، لتشرد أكثر من مليوني فلسطيني وتجعلهم نازحين في ظروف قاسية.

وشهدت غزة على مدار يومي الاثنين والثلاثاء، منخفضاً جوياً هو الأقوى منذ بدء فصل الشتاء الحالي، حيث كانت الرياح أشد قسوةً من الأمطار خلال الثلاثاء، ما تسبب باقتلاع عشرات الآلاف من الخيام خاصةً في المناطق الغربية للقطاع المطلة على ساحل البحر المتوسط، وهو الشريط الممتلئ بمئات الآلاف من الخيام انطلاقاً من شمال القطاع وصولاً إلى جنوبه.

الأمواج تضرب الشاطئ في خان يونس جنوب قطاع غزة يوم الثلاثاء (إ.ب.أ)

وبقيت آلاف العوائل الفلسطينية ممن تقطن في خيام على الشريط الساحلي، بلا مأوى بعدما دمرت وتطايرت خيامها، خاصةً في منطقة ميناء غزة الذي كان يضم آلافاً من خيام النازحين، وسط ظروف إنسانية قاسية وصعبة.

نقص حاد في التدفئة

وقال المكتب الإعلامي الحكومي بغزة، إن نازحين في أكثر من 127 ألف خيمة غير صالحة للسكن، يعيشون في مخيمات القطاع، تعرضوا لأعمق منخفض جوي ضرب المنطقة، وسط نقص حاد في وسائل التدفئة والأغطية بما يتجاوز 70في المائة.

وتزداد المخاوف لدى السكان من أن يؤدي المنخفض الجوي الحالي أو منخفضات أخرى مرتقبة، من انهيار المزيد من المباني المتضررة بفعل القصف الإسرائيلي، أو تطاير ما تبقى من خيام للنازحين.

وقالت المواطنة ختام إسماعيل، من سكان مخيم جباليا شمال القطاع، والنازحة على شاطئ بحر منطقة المخابرات شمال غربي مدينة غزة، إنها قبل الحرب كانت كثيراً ما تحتفي بالأجواء الشتوية، ولكن خلال الحرب وما بعدها، باتت تتمنى لو أن فصل الشتاء يختفي من حياتها لما يتسبب لها من معاناة شديدة.

فلسطينيون يتفقدون أضرار الرياح على خيامهم في خان يونس يوم الثلاثاء (إ.ب.أ)

وقالت السيدة: «نعاني نقص الملابس الشتوية لعائلتنا المكونة من 8 أفراد بينهم 3 أطفال، بخلاف غرق خيمتنا مع كل موجة مطر، أو تقتلعها الرياح كما جرى فجر الثلاثاء، لنبقى بلا مأوى لساعات طويلة، حتى ساعدنا أقاربنا وجيراننا في تثبيتها مجدداً».

أمراض شتوية

ولم تتوقف أزمات الشتاء في غزة عند اقتلاع الخيام، فوفقاً لوزارة الصحة في قطاع غزة، تنتشر في الآونة الأخيرة أمراض كثيرة بفعل الأجواء الشتوية، وظهور فيروسات ناتجة بشكل أساسي عن الظروف الحياتية والبيئية الصعبة للنازحين.

ولم يكن حال حامد الكفارنة، من سكان بيت حانون والنازح إلى منطقة الميناء غرب مدينة غزة أفضل حالاً بعدما اقتلعت الرياح خيمته وتضررت بشكل بالغ، الأمر الذي اضطره للذهاب مع عائلته إلى عيادة مستشفى الشفاء للبقاء فيها مؤقتاً لعلاج طفليه اللذين عانيا ساعات قاسية بفعل الأجواء شديدة البرودة والأمطار، قبل أن يعود بنفسه إلى الميناء وينصب خيمة احتياطية كانت لديه بديلاً طارئاً.

ويقول الكفارنة: «وجعنا كبير بعدما فقدنا منازلنا وأعمالنا، وبتنا نعيش في خيام لا تحمينا من برودة الشتاء، ولا حرارة الصيف»، متسائلاً عن ذنب الأطفال الفلسطينيين الذين يعيشون في ظل هذه الظروف القاسية.

أطفال فلسطينيون يعانون من جراء الأمطار الغزيرة التي ألحقت أضراراً بخيامهم في الجزء الغربي من مخيم النصيرات للاجئين وسط غزة (د.ب.أ)

ويؤكد جهاز الدفاع المدني بغزة، أن الأوضاع في قطاع غزة خطيرة جداً ولم تعد المباني ملاذاً آمناً للسكان، كما أن الخيام لا تعد حلاً لمواجهة هذه الظروف التي تزداد صعوبة، مناشداً جميع الجهات الدولية للتحرك السريع لتقديم الدعم والحماية للمدنيين المتضررين.

فيما ذكر المكتب الإعلامي الحكومي، أن عدد الوفيات نتيجة موجات البرد القارس والمنخفضات الجوية، بلغ منذ فصل الشتاء الحالي 7 من الأطفال، بينما بلغ العدد الإجمالي منذ بداية الحرب وحتى الثالث عشر من الشهر الحالي، 24 شخصاً بينهم 21 طفلاً.

وعدّ الجهاز أن ذلك يعكس مؤشراً بالغ الخطورة على تصاعد حدة الكارثة الإنسانية التي تهدد حياة الفئات الأكثر هشاشة، لا سيما في ظل الانعدام شبه الكامل لوسائل التدفئة، وغياب المأوى الآمن، والنقص الحاد في الأغطية والملابس الشتوية، إلى جانب استمرار القيود المفروضة على إدخال المساعدات الإنسانية بالكميات اللازمة.