بويز: الأسد اشترط لإطاحة عون تفويضاً غربياً وعدم استفادة جعجع

وزير الخارجية اللبناني الأسبق يفتح لـ"الشرق الأوسط" دفاتر عهدين رئاسيين (3- 5)

TT

بويز: الأسد اشترط لإطاحة عون تفويضاً غربياً وعدم استفادة جعجع


العماد ميشال عون في قصر بعبدا عام 1989... عملية عسكرية سورية أرغمته على اللجوء إلى السفارة الفرنسية (غيتي)
العماد ميشال عون في قصر بعبدا عام 1989... عملية عسكرية سورية أرغمته على اللجوء إلى السفارة الفرنسية (غيتي)

أحياناً تكفي جملة لتغيير مصير سياسي. كان النائب إلياس الهراوي مدعواً إلى مقابلة تلفزيونية وكان على عادة السياسيين الموارنة مصاباً بحلم رئاسة الجمهورية. تشاور مع صهره فارس بويز فنصحه بجملة استوقفت الرئيس حافظ الأسد. كان الرئيس السوري يبحث في تلك الأيام عن رئيس جديد للبنان من خارج منطقة الجبل كي لا تتكرر معه تجربة إلياس سركيس مع صعود بشير الجميل وتجربة وقوع سركيس تحت تأثير وزير الخارجية فؤاد بطرس ومدير المخابرات في الجيش اللبناني جوني عبده. قال الهراوي الجملة واضطر بسببها إلى مغادرة منزله في الشطر الشرقي من بيروت عائداً إلى بيته المحتل في زحلة. وكانت المفاجأة أن مسؤول المخابرات السورية في لبنان اللواء غازي كنعان استقبله بالقول: «أهلاً وسهلاً فخامة الرئيس»، قبل أن يسمع الوعد من الأسد نفسه. عاد النواب من لقائهم في الطائف وأصيب حلم الهراوي بانتكاسة حين قضت تسوية بانتخاب رينيه معوض رئيساً. تدخّل القدر واغتيل معوض سريعاً وانتخب الهراوي رئيساً، لكن القصر كان يومها في عهدة جنرال صاخب اسمه ميشال عون لن يغادر القصر إلا في عملية عسكرية دفعته إلى المنفى. يروي وزير الخارجية الأسبق فارس بويز قصة انتخاب الهراوي ويقول إن الأسد اشترط لإزاحة عون تفويضاً غربياً وألا ينجح قائد «القوات اللبنانية» سمير جعجع في وراثة نفوذ عون في المناطق المسيحية.

الرئيس الهراوي مع رئيس حكومته الأولى سليم الحص (غيتي)

سألت بويز كيف وصل الهراوي إلى رئاسة الجمهورية وسأتركه يروي.

في الحقيقة، قبل هذه الانتخابات كانت سوريا مكلفة ومفوضة بالملف اللبناني. مفوضة من العالم بأسره، الولايات المتحدة والفاتيكان وأوروبا، وكان الجميع يقرون بعجزهم عن إدارة الواقع اللبناني. لا أحد كان مستعداً لدفع ثمن عسكري في هذه الساحة، ومن هنا فوّض الجميع سوريا. سوريا كانت لديها عقدة منذ سنة 1976، عندما كُلّفت أيضاً بضبط منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان وإدارة الملف اللبناني. اختارت حينذاك الرئيس إلياس سركيس رئيساً للجمهورية وخاضت حرباً، في الحقيقة، من أجل إيصاله. أعتقد أنه سقط من الجيش السوري آنذاك في وجه الفلسطينيين عدد كبير من القتلى ودُمّرت دبابات. وقع عهد إلياس سركيس تحت وطأة صعود الشيخ بشير الجميل وانتهى مواجهاً لسوريا وبدخول الجيش الإسرائيلي إلى لبنان وانتخاب بشير الجميل رئيساً للجمهورية. كانت لدى سوريا عقدة من هذا الأمر، ولا تريد تكراره. من هنا، كانت تريد، حسب تقديري آنذاك، أولاً رئيساً مارونياً من خارج جبل لبنان كي لا يرضخ للمناخ الماروني العام في هذه المنطقة والذي كان يعتقد أنه مواجه لسوريا أو ضدها. ثانياً، كانت تريد رئيساً جريئاً لا تربطه بـ«القوات اللبنانية» أي روابط. أكثر من ذلك، كانت تريد رئيساً مستعداً لمواجهة «القوات اللبنانية» إذا اقتضى الأمر. تريد رئيساً لديه المناعة الكافية كي لا يرضخ، مثلما رضخ سركيس لمطالب بشير، أمام سياسة «القوات اللبنانية». ومن هنا، كنت أتوقع أن لسوريا أربعة أسماء: مخايل الضاهر وكنت أول من توقع طرحه. وإن تعذّر، فرينيه معوض، وإن تعذّر فإلياس الهراوي، وإن تعذّر فجان عبيد.

رئيس أم وزير؟

حقيقة الأمر هي أنه قبل حصول انتخابات رئاسة الجمهورية، أتاني إلى مكتبي الوزير والنائب حينذاك إلياس الهراوي وقال لي «إنني مدعو إلى حلقة الليلة على (شاشة) إل بي سي، وكانت يومها ناطقة باسم «القوات اللبنانية» ومركزها في الأشرفية، بماذا تنصحني أن أقول؟ قلت له: ماذا ترغب أن تقول؟ في البداية أراد أن يتهرب من الوضوح. قال إنه سيتكلم في الزراعة، معتبراً أنه معني بهذا الحقل وضليع به. قلت له: إذا كان أعلى طموحاتك أن تكون وزير زراعة في الحكومة المقبلة قد يفيدك هذا الأمر. لم يعجبه الجواب، فقال لي: هل تعتقد أن هذا فقط طموحي؟ فقلت له: إذا طموحك رئاسي، فأنا أعتقد أن الرئيس الذي سينتخب سيكون رئيساً يجسّد هذا التفويض الدولي، يتفاعل ويتناغم مع هذا التفويض الدولي. ومن هنا، أنا أعتقد أن عليك أن تطلق رسالة واضحة بأن التفاهم مع سوريا أمر ضروري لحل الأزمة اللبنانية. وبالفعل، ذهب إلى التلفزيون وأطلق هذه العبارة.

وكنت حذّرته أنني غير مسؤول عن أمنه بعد إطلاق هذا الموقف. كنّا في حالة حرب. ابتسم. وبالفعل، بعد أن ظهر على شاشة الـ«إل بي سي» وقال هذا الكلام، ذهب إلى منزله مستقوياً بأنه كان من الذين صوّتوا في الماضي لبشير الجميل وأن لديه أصدقاء من «القوات اللبنانية» كنادر سكر وكريم بقردوني وأن هؤلاء يستطيعون حمايته. عندما وصل إلى منزله رآهم يقولون له: غادر فوراً. لا نستطيع حمايتك. وبالفعل، أخذ عائلته وذهب إلى منزله في زحلة، الذي كان غادره قبل ثماني سنوات، أي وقت انتخاب بشير الجميل عندما حرّضت أجهزة سورية عليه بعض القوى المحلية التي احتلت منزله وأرزاقه هناك. لم يزر زحلة منذ انتخاب بشير الجميل، لكنه ذهب إليها فجأة من دون أي حساب، إذ لم يكن لديه خيار آخر. ويبدو أن الحواجز السورية التي كانت قائمة رصدت مروره وأبلغت (من يجب إبلاغه). ما إن وصل إلى منزله حتى فوجئ بوجود غازي كنعان (رئيس جهاز الأمن والاستطلاع في القوات السورية في لبنان). الهراوي لم يكن ضامناً أنه سيستطيع أن يدخل منزله، ولم يكن يعرف من فيه. أدى له كنعان تحية رئاسية، وقال: «أهلاً وسهلاً فخامة الرئيس». استغرب الهراوي ورد: «أي رئيس؟ الرئيس لا يعرف أين يبات ليلته». أجابه: «تفضّل وزوجتك وزورا المنزل وإذا كانت هناك منفضة (سجائر) ناقصة منه فسأفعل كذا بمن أخذها». وبالفعل، زارت زوجته المنزل ورأت أن كل شيء في مكانه. قالت له: حتى ملابسك لا تزال كما كانت.

يبدو أن غازي كنعان كان قد رصد أو توقع انتقال إلياس الهراوي (إلى منزله في زحلة)، فأرسل لمحتلي المنزل أوامر فورية بتنظيف المكان وترتيبه. قال له (للهراوي): تفضل. سيادة الرئيس (حافظ الأسد) في انتظارك. كانت الساعة حينها العاشرة والنصف ليلاً. فقال له: الليلة؟ فأجابه: سيادة الرئيس يطيل السهر. وذهبا معاً، وبالفعل استقبله حافظ الأسد وقال له: «لقد استمعت إلى كلامك وإنني... ساعدنا الله على أن نؤيد مجيئك رئيساً».

الرئيس رينيه معوض يحيي مؤيديه بعد انتخابه رئيساً (غيتي)

عاد إلياس الهراوي واتصل بي هاتفياً، ليوحي لي على الهاتف على قدر ما يستطيع أن يتكلم، بأنه كانت له زيارة (لدمشق) وأنها كانت إيجابية جداً. رئاسة إلياس الهراوي تقررت منذ ذلك الحين. ولكن ما دخل على الخط هو فعلاً نوع من تسوية سعودية – سورية حينذاك أتت برينيه معوض. معوض كان قد عمل أكثر على الخط السعودي عبر صداقات وعلاقات عديدة بين رجال أعمال لبنانيين في المملكة العربية السعودية، وكان مرغوباً أكثر من قبل السعودية في هذا الأمر، وكان جزءاً من مهمة الرئيس المقبل الإعمار والحصول على مساعدات ودعم للبنان، ومن هنا أتى معوض حينذاك رئيساً للجمهورية بالرغم من أن الأسد كان يعطي الأولوية للهراوي. أتى معوض نتيجة تسوية سعودية – سورية لكنه اغتيل وعادت الأمور إلى مسارها السابق وتوجهت الدفة مجدداً باتجاه الهراوي.

انفجار سيارة مفخخة في بيروت أودى بحياة الرئيس رينيه معوض عام 1989 (غيتي)

الرأي الأساسي في سوريا كان عند حافظ الأسد. وكان في هذا الاتجاه. ولكن كانت في سوريا قوى أخرى لا ترغب في الهراوي. كان عبد الحليم خدام لا يريده وكانت هناك قوى أخرى أيضاً. في لبنان كان هناك السيد حسين الحسيني، رئيس المجلس النيابي، وكان له نفوذ ودور، أيضاً لا يرغب في الهراوي.إسقاط خيار الهراوي

تلاقت هذه القوى اللبنانية مع عبد الحليم خدام لإسقاط خيار الهراوي ومحاولة الإتيان بغيره. تارة أرسلوا النائب بيار حلو إلى خدام، وتارة أرسلوا جان عبيد. كانوا يحاولون إيجاد بديل لتقديمه للأسد. وكان خدام يستعمل وسيلة كأن يقول لهؤلاء ماذا ستفعلون مع ميشال عون في حال رفض تسليمكم الشرعية أو الرئاسة؟ هل ستذهبون إلى معركة عسكرية؟ حاول أن يطرح على حافظ الأسد أحد هؤلاء الاثنين بديلاً عن الهراوي بذريعة أن البديل سيوافق على استعمال القوة (ضد عون) إذا تعذّرت الوسائل السياسية الأخرى. في الحقيقة، لعب خدام هذا الدور، ولكن لم يكن هذا الدور حاسماً إذ لم يكن القرار في سوريا يوماً لديه في مواضيع بهذا الحجم. القرار الكبير عند حافظ الأسد فقط. ونقطة على السطر. ربما كانوا يحاولون تغيير قرار الأسد أو أنهم غير مطلعين كفاية عليه.

كان الهراوي مرشح الأسد ولم يكن مرشح (رفيق) الحريري كما شاع لاحقاً. ولكن عندما ذهب النواب إلى باريس، قلت له: يبدو أن هناك تسوية سعودية – سورية دخلت على الخط، وأعتقد أن حظوظك قد تراجعت لمصلحة رينيه معوض. أجاب: ما هذا الكلام؟ ينتظرني في باريس رفيق الحريري وجوني عبده (مدير المخابرات السابق في الجيش اللبناني). في اليوم التالي اتصل بي من باريس ليقول: ربما كنت على حق، فهذا رفيق يتجنبني ولا يصافحني، وجوني اختفى. قلت له: من الواضح جداً أن رفيق الحريري يعمل لمصلحة معوض. وبالفعل انتخب الرئيس رينيه معوض رئيساً للجمهورية، وكانت خيبة الهراوي كبيرة.

عندما استشهد رينيه معوض، في تفجير استهدف موكبه في 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 1989، مالت الأمور إلى الهراوي تلقائياً وبشكل مباشر. كنت أتوقع هذا الأمر، إذ عندما علمت بالانفجار الذي أودى بحياة معوض، اتصلت بإلياس الهراوي الذي كان معتكفاً في زحلة وكان بدأ معارضاً للحكم الجديد، وقلت له: إنني واثق بأن الانتخابات ستحصل فوراً وهذه المرة لا مفر من اسمك. فقال لي: أي انتخابات؟ قُتل رينيه معوض الآن والفوضى آتية. فقلت له: إنني واثق بأنهم سيحاولون إجراء انتخابات (رئاسية) فوراً. وبالفعل حصلت الانتخابات.

انتخب الهراوي في الفندق («بارك أوتيل شتورة») ثم نُقل بطريقة غريبة إلى شقة صغيرة متواضعة في الثكنة العسكرية في أبلح (البقاع). كان الرئيس إلياس الهراوي يتألم كثيراً لوضعه، إذ لم يكن يشعر أن لديه أي صلة بصورة رئيس للجمهورية. كان في شقة صغيرة، هي شقة عسكرية داخل ثكنة بعيدة جداً عن العاصمة، منقطعاً هاتفياً وبكل الوسائل عن عاصمته. لا يستقبل هناك إلا شخصيات من المنطقة. رئيس حكومته، الرئيس سليم الحص، يعاني من مشاكل تنفسية ويصعب عليه الذهاب إلى منطقة البقاع المعروفة بنشاف طقسها، وحينذاك كانت الطريق من بيروت إلى البقاع تستغرق أربع ساعات عبر «طريق الكرامة» في الشوف. كان الرئيس الهراوي متشائماً ويائساً، وبدأ بعد فترة يهدد بالاستقالة. قال لي حرفياً: لن أكمل الطريق بهذا الشكل. لست دمية. أريد أن أعرف ما هو المستقبل. وكان في الوقت عينه عندما يفتح التلفزيون يرى فعلاً حشوداً في بعبدا تصفق للعماد ميشال عون، وهذا يزيد من شعوره بأن الشعب لا يفهمه.

العماد ميشال عون في قصر بعبدا عام 1989... عملية عسكرية سورية أرغمته على اللجوء إلى السفارة الفرنسية (غيتي)

قال لي الهراوي أريدك أن تذهب وتلتقي بالسوريين لتفهم منهم ماذا سيحصل. فقلت له: أنا ماروني من كسروان، ابن نهاد بويز، من مؤسسي حزب الكتلة الوطنية، تريد أن تطل على سوريا العروبة وسوريا البعث بشخص كهذا؟ هذا مستحيل. وأنا لا أعرف سوريا ولم أضع قدماً فيها في يوم من الأيام. هل هذا الوقت الملائم كي أتعلم التركيبة السورية؟ فقال لي: ما العمل؟ فقلت له: عيّن ميشال المر، فعلاقته جيدة مع السوريين، فعينه. بعد مدة قصيرة لم تدم أكثر من أسبوع، اكتشف الرئيس الهراوي أن ميشال المر، قبل أن يعود إليه من مهمته في دمشق، كان يصرح على الراديو فور تخطيه الحدود اللبنانية وكان الهراوي يستمع إلى تصريحاته، فأوقف تكليفه له، وقال لي: من (أعيّن بديلاً للمر)؟ فقلت له: محسن دلول الضليع أيضاً بالقضايا السورية. عيّن دلول، وبعد مدة قال لي: ما بيمشي الحال. قال لمحسن دلول: إنني أرسلك لتُفهم السوريين ماذا أريد، وإذ بك تأتيني لتُفهمني ماذا يريدون في سوريا. ليست هذه المهمة التي كلفتك بها. عدل عن (تعيين) دلول. اقترحت حينذاك ابن شقيقه، الوزير فيما بعد، خليل الهراوي الذي لم تكن علاقته به جيدة، ولكن طرحناه من باب السياسة. أنت تريد شخصاً له علاقات مع السوريين وهذا الرجل له هذه العلاقات. أيضاً لم يدم هذا الأمر، ففهمت في النتيجة أنه لا بد لي أن أذهب. فاستدعاني الرئيس الهراوي في يوم من الأيام، وأنا كنت أزوره يومياً في أبلح، ولم يلتحق أحد به، وبدأت أتعاطى بكل الأمور.

بدأت أصبح مستشاراً من غير لقب رسمي. بمعنى، من سيرد على كتاب مرسل، مثلاً، من البابا (بابا الفاتيكان)، أو الرئيس فرنسوا ميتران، أو الرئيس جورج بوش؟ لا توجد دولة. إلياس الهراوي لم يكن لديه أحد (يساعده). الحرس الجمهوري كان مجموعة من أقارب العقيد جميل السيد حينذاك، ولم يكن هناك أحد غيرهم. في القصر، لم يكن هناك وجود لدولة أو لمؤسسات دولة، وكنت أضطر بحكم الواقع إلى أن أقوم بكل شيء، خاصة بالموضوع الدبلوماسي والخارجي. توليت واقعياً وتدريجياً هذه الأمور.

الذهاب إلى الأسد

لا أذهب إلا للأسداستدعاني، فدخلت إليه فوراً وقلت له: دون أن تتكلم، أنا موافق. فهمت أنه سيحرجني. أنا أوافق ولكن لدي شروط. أولاً، لن أذهب لا إلى ضابط مخابرات ولا إلى أي مسؤول آخر. لن أذهب إلا إلى الرئيس حافظ الأسد. فوجئ. قلت: أذهب علناً وصراحة ورسمياً للرئيس الأسد. لا أريد أن أذهب في الليل، ولا أريد أن أذهب سراً. قال لي: كيف ذلك؟ قلت له: استدعِ محمود عثمان، وكان مدير الرئاسة وله خبرة كبيرة في الأمور الرئاسية والإدارية، فاستدعاه ودوّن الأمر. في اليوم التالي اتصلوا من الثكنة في أبلح – من مكتب الرئيس الهراوي - بمكتب الرئيس حافظ الأسد وطلبوا لي موعداً، لبّي الطلب فوراً وذهبت. هذه الزيارة كانت مفصلية، بمعنى أن حافظ الأسد الذي كان طبقاً لتقارير مخابراتية يتوقع مجيء فارس بويز، الماروني من كسروان، ابن نهاد بويز، من الكتلة الوطنية، كان يتوقع مجيء ماروني من الموارنة التقليديين الذين هم ضد العروبة أو الخائفين منها. فوجئ الرئيس الأسد بماروني يحاضر بالعروبة ويقول لحافظ الأسد إن المسيحيين هم حراس اللغة العربية، آل بستاني وآل اليازجي وغيرهم، وأن المسيحيين في لبنان هم وراء الفكر العربي – العروبي، فهذا مؤسس «حزب البعث» ميشال عفلق، وهذا مؤسس «الحزب القومي السوري» أنطون سعادة، وهذا مؤسس «الحزب الشيوعي العربي» فرج الله الحلو... إلخ. أدخلنا حافظ الأسد بموضوع الولايات المتحدة، وأيضاً اكتشف أن فارس بويز غير منبهر بالولايات المتحدة أو بسياستها ويراها في معظم الأحيان سياسة انتهازية. وأراد أيضاً أن يمتحنني بموضوع إسرائيل واكتشف حقيقة موقفي. ومن هنا، بُنيت هذه العلاقة. عندئذ، وفي جلسات لاحقة، بدأنا نتكلم وكان الرئيس الهراوي قد بدأ يهدد بالاستقالة ويقول إنه إذا لم يوضع حد لعدم تسليم السلطة من قبل ميشال عون فلن يكمل بهذا الشكل. وبالفعل، نقلت إلى الرئيس حافظ الأسد هذا الأمر.

كان للرئيس الأسد أسلوب خاص في شرح الأمور، وعليك أن تلتقط الإشارات من دون أن تتوقع أن يفصح عنها. أفهمني الرئيس (الأسد) أن علينا أن نتجنب أي عملية عسكرية. وبالفعل، وكأنه فوّضني أو طلب مني هذا الأمر. توليت هذا الملف وعدت إلى بيروت وأسست خلية من سفير فرنسا رينيه ألا، وسفير الفاتيكان بابلو بوانتي، وكنت أجتمع بهما دورياً ويذهبان لمفاوضة العماد عون.

النقطة الثانية (التي أرادها الأسد) هي أن الغرب الذي فوضه بموضوع لبنان مجدداً عبر الطائف، عليه أن يكلمه في شأن معالجة موضوع تمرد العماد عون. ومن هنا، أصبحت أيضاً مبعوثاً رئاسياً إلى كل من الولايات المتحدة وفرنسا والفاتيكان. ذهبت إلى هناك لأطرح أن الدولة في لبنان تتفكك نهائياً ولن يبقى منها شيء، والهجرة اللبنانية والمسيحية (تحديداً) قوية جداً. ومن هنا يجب معالجة هذا الأمر. وبالفعل أرسلوا إلى حافظ الأسد رسائل عديدة تطالبه بقمع التمرد.

والشق الثالث الذي سبق وأشرت إليه، هو أن سوريا كانت تخشى، بعد التخلص من العماد ميشال عون، أن يستقوي سمير جعجع ويهيمن على الحكم كما هيمن بشير الجميل على حكم إلياس سركيس. ومن هنا أراد الرئيس الأسد أن يأخذ ضمانات من سمير جعجع حول بضع نقاط. الأولى أن يدخل سمير جعجع من دون مواربة أو التفاف في اتفاق الطائف وموافقته عليه، لأن سمير جعجع كان، خوفاً من شعبيته المسيحية، قد تجنب اتخاذ مواقف واضحة في هذا الشأن. كان المطلوب موقفاً واضحاً من موضوع الطائف. موقف واضح من الشرعية اللبنانية، شرعية إلياس الهراوي. موقف واضح من حل الميليشيات. موقف واضح من انتشار الجيش في كل المناطق اللبنانية من دون تحفظ. موقف واضح من تسليم الأسلحة من قبل كل الميليشيات.

في الحقيقة، أصبحت أنا بين الطائف، ذاهباً إلى باريس وواشنطن والفاتيكان، وبين الباخرة التي تنقلني من خليج سان جورج (في بيروت) إلى خليج جونية ليلاً لتفادي مدفعية العماد ميشال عون في البحر، وأذهب منها إلى منطقة غدراس في كسروان حيث كان يقطن سمير جعجع واجتمع به من العاشرة ليلاً حتى الثالثة أو الرابعة فجراً، لأعود قبل أن يطل الصباح أيضاً تهرباً من مدفعية ميشال عون في البحر. وكان جعجع يرسل زورقاً يأخذني من السان جورج. ودام هذا الأمر نحو 6 أو 7 أشهر، حتى نضجت الأمور، فاتصل الغرب بالرئيس حافظ الأسد ليبلغه بضرورة وضع حد لهذا التمرد، أي الموافقة على عملية عسكرية. كانت هناك موافقة أميركية وفرنسية وفاتيكانية. طبعاً مع تمني البعض ألا يقع كثير من الضحايا، ولكن الضوء الأخضر كان واضحاً. تلقى حافظ الأسد الضوء الأخضر من الغرب.

مفاوضات غير مباشرة مع عون

إيلي حبيقة وسمير جعجع قبل افتراقهما... الأول كان يحاول إقناع دمشق بعدم شن عملية ضد عون والثاني كان يتطلع لإطاحته (غيتي)

كنت أجري مفاوضات مع ميشال عون بشكل غير مباشر من خلال رينيه ألا وبابلو بوانتي، وكما كنا نتوقع، لم تثمر هذه المفاوضات شيئاً. كان هناك أعداء لسمير جعجع في لبنان من الذين يطمئنون ميشال عون بأنه لن يُقتلع (من قصر بعبدا) وأنه لا عملية عسكرية ضده، وكانوا هم ذاتهم يأتون إلى دمشق ليحاولوا إقناع السوريين بعدم القيام بأي عملية ضد ميشال عون، باعتبار أن أي عملية ضد ميشال عون ستقوّي سمير جعجع. من هؤلاء إيلي حبيقة والحزب القومي السوري وربما الوزير سليمان فرنجية. كل من كان بعيداً عن «القوات اللبنانية» وكل من كان قريباً من سوريا (تدخل في هذا الأمر). كما نشأ تيار في سوريا يتخوف من أن عملية إسقاط ميشال عون ستفيد سمير جعجع وسنقع في المشكلة ذاتها، التي وقعنا فيها مع الرئيس إلياس سركيس. فمن هنا، كان هناك بعض التردد السوري في هذا الأمر. لم يتجاوب ميشال عون لا في المفاوضات التي كنا نجريها لأنه كان هناك من يطمئنه ومن يزوده أيضاً بالمحروقات وبالذخيرة، من حلفاء سوريا، إيلي حبيقة مثلاً. كانوا يطمئنونه بأنه لا عملية عسكرية ضده في الأفق. وكان هذا يصعّب مهمة التفاوض معه وإيجاد حل.

في جميع الأحوال، نضجت هذه المحاور الثلاثة ونضج تاريخ العملية العسكرية التي لم يكن هناك بد منها، ما دامت المفاوضات لم تثمر، وبعد أن أرسل الرئيس فرنسوا ميتران والرئيس جورج بوش رسائل تطالب العماد ميشال عون بمغادرة السلطة، لكنه لم يتجاوب. كذلك تدخل بابا روما. في الحقيقة، أتت تلك اللحظة (لحظة إزاحة عون).

كنت مكلفاً بهذه الملفات الثلاثة: ملف التفاوض مع الغرب في الموضوع (عون). وملف التفاوض مع العماد ميشال عون (لإقناعه بالتنحي). وملف التفاوض مع سمير جعجع في موضوع الضمانات أو التطمينات المطلوبة منه. وبالفعل هذا ما حصل.

دور فرنسيوهنا، لا بد من الإشارة إلى الدور الفرنسي. فميشال عون كان مرتبطاً بالمخابرات الفرنسية (من خلال) رينيه ألا الذي هو، وإن كان سفيراً لدولة فرنسا لدى لبنان، إلا أنه قريب جداً من المخابرات الفرنسية. كان رينيه ألا يحاول الدفاع عن العماد عون بكل الوسائل الممكنة، وكان قلقاً على مصيره. كانت عنده كمية كبيرة من العاطفة والقلق. لم يكن سفيراً بالمعنى البارد أو الرسمي، كان سفيراً متورطاً بشكل أو بآخر. أتاني في يوم من الأيام السفير ألا قائلاً: يبدو أن المعركة العسكرية أصبحت تقترب. قلت له: بفضلك يا سيد ألا. لو أنتم ساعدتم العماد عون على التروي وعلى التفاوض لما كنا قد وصلنا إلى ذلك. فقال لي: لماذا؟ أنا أفاوضه. قلت له: نعم أنت تفاوضه ولكن دون قناعة، تفاوضه كواجب تقوم به، ولكن أنت في الوقت عينه من الذين يشجعونه على البقاء في السلطة. أنت تقوم بدورين مختلفين. في جميع الأحوال، قال لي: ألا تريد أن نبحث في حال حصلت العملية العسكرية؟ قلت له: أصبحتُ تعتقد أن العملية حاصلة؟ صح النوم! فقال لي: فرضاً حصلت عملية عسكرية، هل خططتم لأمن ميشال عون؟ قلت له: لم نخطط بعد لهذا الأمر، نحن نرغب في أعلى درجة أن نحفظ أمنه لأننا لا نتحمل سياسياً ولا إنسانياً أي ضرر يمكن أن يحصل له أو لعائلته ولكن في الحقيقة عندما تبدأ الحروب لا أحد يستطيع أن يضمن أي شيء، خاصة أن هذه الحرب لن يقوم بها الجيش اللبناني لكي أضمن لك... سيقوم بها الجيش السوري الذي هو مفوّض من دولتكم ومن دول أخرى بالملف اللبناني. هذا التفويض يبدأ بعملية ميشال عون. بدأنا إذن نبحث بخروج العماد ميشال عون، وفعلاً اقترح رينيه ألا أن العماد عون عندما تحصل المعركة سيخرج إلى السفارة الفرنسية ويصبح في حماية السفارة التي لها حصانة. وتعهدت أنا بالفعل إن خرج ميشال عون من القصر الجمهوري، الذي سيكون مسرح العمليات ولا يمكننا ضبط أي شيء يحصل هناك، وذهب إلى السفارة الفرنسية، فنحن بالقليل الذي بقي لدينا من عناصر الجيش، سنحافظ على أمنه، وسنواكبه إلى الشاطئ اللبناني حيث تتواجد قطعة بحرية فرنسية تنقله إلى فرنسا، أو إلى قبرص في مرحلة أولى. وبالحقيقة هذا ما حصل. وضعت خطة إجلاء أو ترحيل العماد ميشال عون لضمان سلامته، ولكن لم نكن نثق إن كان سيغادر القصر الجمهوري ليأتي إلى السفارة الفرنسية أم لا. لم نكن نعرف ماذا سيفعل بعائلته.

وكنت أول المتفاجئين عندما علمت أن العماد ميشال عون ترك بسهولة وسرعة القصر الجمهوري وتوجه إلى السفارة الفرنسية. وكنت أول المندهشين عندما علمت أنه أتى لوحده ولم يأتِ بعائلته معه. في جميع الأحوال، هذا ما حصل. عندئذ، اضطررنا إلى أن نبتدع، أثناء المعركة التي بدأت، حلولاً جزئية لمشكلة عائلته، وهنا عرض إيلي حبيقة نفسه، كونه على تواصل مع القوات السورية ولديه دين تجاه ميشال عون في الماضي حيث أنقذه العماد ميشال عون خلال معركة «الاتفاق الثلاثي». ذهب حبيقة واصطحب عائلة العماد عون من القصر الجمهوري إلى منزل السفير الفرنسي.

غداً حلقة رابعة


مقالات ذات صلة

ماكرون يستقبل سلام الثلاثاء بعد مقتل جندي بـ«اليونيفيل»

المشرق العربي دورية للكتيبة الفرنسية العاملة ضمن «اليونيفيل» في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

ماكرون يستقبل سلام الثلاثاء بعد مقتل جندي بـ«اليونيفيل»

أعلنت الرئاسة الفرنسية الأحد أن الرئيس إيمانويل ماكرون سيستقبل رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام الثلاثاء.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي سيارات تقلّ نازحين من جنوب لبنان باتجاه بيروت الأحد (أ.ف.ب)

الخوف يدفع سكان جنوب لبنان إلى «نزوح معاكس»

لم تمض ساعات على سريان الهدنة بين إسرائيل و«حزب الله» والعودة السريعة لأبناء الجنوب اللبناني إلى قراهم، حتى برزت ظاهرة «النزوح المعاكس» من الجنوب نحو بيروت.

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي دورية تابعة للوحدة الفرنسية العاملة ضمن «اليونيفيل» تعبر جسر القاسمية المدمر في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

لبنان يطلب تدخل واشنطن لتمديد الهدنة لتفادي التفاوض تحت النار

عودة السفير الأميركي لدى لبنان ميشال عيسى ليل السبت إلى بيروت تفتح الباب أمام اختبار مدى استعداد واشنطن للتجاوب مع رغبة الرئيس اللبناني جوزيف عون بتمديد الهدنة

محمد شقير (بيروت)
تحليل إخباري مواطن يشرب الشاي في بيته المتضرر في بلدة قانا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

تحليل إخباري «حزب الله» لوّح بالعودة إلى الحرب مع إسرائيل... وفي الداخل

بالتوازي مع الحملة السياسية العنيفة التي شنّها نواب وقياديون في «حزب الله» ضد رئيس الجمهورية جوزيف عون دعا الحزب النازحين صراحة إلى عدم الاستقرار في بلداتهم.

بولا أسطيح (بيروت)
تحليل إخباري مواطنون لبنانيون يزيلون الأنقاض من محل تجاري دُمِّر نتيجة القصف الإسرائيلي في مدينة النبطية بجنوب لبنان (أ.ب)

تحليل إخباري إسرائيل تمعن بخرق الهدنة وتدمير وإحراق القرى اللبنانية المحتلّة

تتواصل الخروقات الإسرائيلية للهدنة التي فرضتها الولايات المتحدة الأميركية على جبهة لبنان، في ظلِّ استمرار العمليات العسكرية والغارات التي يشنّها الطيران الحربي.

يوسف دياب (بيروت)

«حماس»: إجراء محادثات بالقاهرة لاستكمال تنفيذ المرحلة الأولى من اتفاق غزة

نازحون فلسطينيون في مخيم بخان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
نازحون فلسطينيون في مخيم بخان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«حماس»: إجراء محادثات بالقاهرة لاستكمال تنفيذ المرحلة الأولى من اتفاق غزة

نازحون فلسطينيون في مخيم بخان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
نازحون فلسطينيون في مخيم بخان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

أعلنت حركة «حماس» الفلسطينية، الأحد، أنها أجرت سلسلة لقاءات مع وسطاء وأطراف فلسطينية في القاهرة خلال الأسبوع الماضي، لبحث سبل استكمال تنفيذ بنود المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة.

وذكرت الحركة، في بيان صحافي حصلت عليه «وكالة الأنباء الألمانية»، أنها تعاملت بإيجابية مع الحوارات التي جرت، مؤكدة استمرار التواصل مع الوسطاء بهدف التوصل إلى اتفاق يضع حداً للأوضاع الإنسانية في القطاع، ويمهد لانسحاب القوات الإسرائيلية، وبدء عملية إعادة الإعمار.

واتهمت «حماس» إسرائيل بعدم الالتزام بمعظم تعهداتها ضمن المرحلة الأولى من الاتفاق، مشيرة إلى ما وصفته بـ«خروقات يومية»، ولم يصدر تعليق فوري من الجانب الإسرائيلي على هذه الاتهامات.

وأكدت الحركة ضرورة تنفيذ بنود المرحلة الأولى بشكل كامل، على أساس أن ذلك شرط للانتقال إلى مناقشة قضايا المرحلة الثانية.

ويأتي ذلك في إطار الجهود المستمرة التي تقودها أطراف إقليمية ودولية لتثبيت وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وسط تحديات تتعلق بتنفيذ بنود الاتفاق، لا سيما ما يتعلق بإدخال المساعدات الإنسانية، وترتيبات الانسحاب العسكري.

وكان اتفاق لوقف إطلاق النار قد دخل حيز التنفيذ في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، ويتضمن مراحل متعددة تشمل تبادل محتجزين، وإدخال مساعدات إنسانية، وصولاً إلى ترتيبات أوسع تتعلق بنزع سلاح حركة «حماس»، والانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة، وإعادة الإعمار، ومستقبل إدارة القطاع.


ماكرون يستقبل سلام الثلاثاء بعد مقتل جندي بـ«اليونيفيل»

دورية للكتيبة الفرنسية العاملة ضمن «اليونيفيل» في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دورية للكتيبة الفرنسية العاملة ضمن «اليونيفيل» في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

ماكرون يستقبل سلام الثلاثاء بعد مقتل جندي بـ«اليونيفيل»

دورية للكتيبة الفرنسية العاملة ضمن «اليونيفيل» في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دورية للكتيبة الفرنسية العاملة ضمن «اليونيفيل» في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

أعلنت الرئاسة الفرنسية، الأحد، أن الرئيس إيمانويل ماكرون سيستقبل رئيس الوزراء اللبناني، نواف سلام، الثلاثاء، في ظل وقف إطلاق النار بين إسرائيل و«حزب الله»، وغداة مقتل جندي الوحدة الفرنسية العاملة ضمن «اليونيفيل»، وبعد يومين على خطاب للرئيس اللبناني جوزيف عون، تعهَّد فيه بالتفاوض مع إسرائيل لإنقاذ لبنان.

ويتوجه سلام إلى لوكسمبورغ، الثلاثاء، بدعوة من الممثلة السامية للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، كايا كالاس، وذلك للقائها. وبعد ذلك، سوف يجتمع في باريس مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.

وأكد قصر الإليزيه أن «هذه الزيارة ستكون فرصة لرئيس الدولة، ليؤكد مجدداً التزامه بالاحترام الكامل والشامل لوقف إطلاق النار في لبنان، ودعم فرنسا لوحدة أراضي البلاد، ولإجراءات الدولة اللبنانية لضمان السيادة الكاملة والشاملة للبلاد وحصرية السلاح». وأضاف: «سيناقش المسؤولان أيضاً، الدعم الإنساني للنازحين ومواصلة الإصلاحات الاقتصادية والمالية الضرورية لترسيخ سيادة لبنان وإعادة إعماره واستعادة ازدهاره».

تأتي زيارة سلام بعد مقتل جندي فرنسي من قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة (يونيفيل)، في كمين نُسب إلى «حزب الله» الذي نفى مسؤوليته عنه.

واستنكر الرئيس الفرنسي الهجوم ووصفه بأنه «غير مقبول»، داعياً السلطات اللبنانية إلى كشف ملابسات الحادثة وتوقيف الجناة.

وقال قصر الإليزيه: «جنود اليونيفيل الذين يؤدون مهامهم في ظروف صعبة ويدعمون إيصال المساعدات الإنسانية إلى جنوب لبنان يجب ألا يُستهدفوا في أي ظرف».

توقيف المتورطين بالاعتداء على «اليونيفيل»

على صعيد متصل، قال وزير الخارجية الفرنسي، الأحد، إن باريس تلقت «تأكيدات» من الحكومة اللبنانية بأنها ستبذل كل ما في وسعها لتوقيف المسؤولين عن الكمين.

وقال جان نويل بارو لـ«راديو جاي»: «تلقينا تأكيدات، أمس (السبت)، على أن السلطات اللبنانية ستعطي الأولوية المطلقة للعثور على المسؤولين عن هذه الجريمة وتوقيفهم».

وانتقد الوزير أيضاً العمليات العسكرية الإسرائيلية ضد «حزب الله» في لبنان، التي أسفرت عن دمار ونزوح. وأضاف أن «تدمير لبنان أو الدولة اللبنانية لن يقضي على (حزب الله)، بل على العكس، سيزيد من قوته».

أطفال نازحون من الضاحية الجنوبية إلى وسط بيروت (أ.ف.ب)

وبخصوص الخطة التي وضعتها الحكومة اللبنانية، تحت ضغط دولي، لنزع سلاح «حزب الله»، وبدأت تنفيذها قبل الحرب الأخيرة، قال بارو إنه «يجب استئنافها لأن الحل السياسي الوحيد لضمان السلام والاستقرار في لبنان هو نزع سلاح (حزب الله)... ثم بالطبع انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان».

ترحيب لبناني وكنسي بمبادرة عون

ويلقى خطاب للرئيس اللبناني جوزيف عون، تعهّد فيه بالتفاوض مع إسرائيل لإنقاذ لبنان، ترحيباً محلياً ودولياً. ورأى وزير الإعلام اللبناني، بول مرقص، أن خطاب عون «رسم خريطة طريق للبلاد تقوم على ممارسة السيادة الوطنية وتحويل لبنان من ورقة في جيب أي كان إلى دولة قائمة تفاوض عن نفسها».

وقال: «نأمل أن ننطلق من هذه المبادرة الرئاسية التي نجحت بفضل دعم الولايات المتحدة الأميركية والأشقاء العرب، لا سيما تحديداً المملكة العربية السعودية، إلى وقف دائم لإطلاق النار».

وتلقى مبادرة عون، دعماً كنسياً أيضاً، وقال البطريرك الماروني بشارة الراعي في عظة الأحد: «إن هذه الحرب المفروضة مرفوضة من الشعب، ومرفوضة من الدولة، ومرفوضة من كل ضمير حي. ونؤمن أن الطريق ليس في العنف، بل في الكلمة، ليس في القوة، بل في الحوار. السلام لا يُفرض، بل يُبنى»، مؤكداً أن «السلام في الجنوب شرط للسلام في لبنان كله».

وتابع: «نصلّي مع أبناء الجنوب من أجل نهاية هذه الحرب البغيضة، وإحلال سلام عادل وشامل ودائم بنجاح المفاوضات الجارية».

في المقابل، ترفض دار الإفتاء الشيعية، المبادرة. وقال المفتي أحمد قبلان إن «المقاومة والجيش اللبناني والسلم الأهلي والدفاع السيادي والشراكة الوطنية ضرورة وطنية جذرية بهذا البلد». وأضاف في بيان: «من المؤسف أنه بدل الوقوف على خاطر التضحيات الوطنية التي قدّمها ويقدّمها أهل الجنوب والضاحية والبقاع وبيروت منذ عشرات السنين، بادرت هذه السلطات المهووسة بدور الوكيل الأرعن إلى أخذ صورة مخزية مع القاتل الصهيوني في واشنطن، لأنّ ما يجري بهذا البلد على مستوى بعض السلطات الدستورية عار، وإعلان عداوة صريحة مع شعب هذا البلد، وبطريقة صادمة».

وتابع: «لبنان دولة ذات عقيدة وطنية. ولهذه الدولة خطوط وطنية حمراء محسومة، والخطأ فيها قاتل»، مشيراً إلى أن «تعويل البعض على أنّ أبناء هذا البلد سيقاتلون أبناء مقاومتهم الوطنية أمر خطير بل كارثي، وأي مشروع بهذا الاتجاه مصيره الفشل».


«الشرق الأوسط» تحدد خريطة السيطرة الإسرائيلية في جنوب لبنان

دبابات إسرائيلية في ميس الجبل وتظهر في الصورة جرافات تهدم ما تبقى من منازل في القرية الحدودية بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
دبابات إسرائيلية في ميس الجبل وتظهر في الصورة جرافات تهدم ما تبقى من منازل في القرية الحدودية بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

«الشرق الأوسط» تحدد خريطة السيطرة الإسرائيلية في جنوب لبنان

دبابات إسرائيلية في ميس الجبل وتظهر في الصورة جرافات تهدم ما تبقى من منازل في القرية الحدودية بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
دبابات إسرائيلية في ميس الجبل وتظهر في الصورة جرافات تهدم ما تبقى من منازل في القرية الحدودية بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

يستغل الجيش الإسرائيلي اتفاق وقف إطلاق النار للتوسع في بلدات لم يكن قد احتلها بعد في جنوب لبنان، حيث بدأ، الأحد، بالتمدد في بلدتين جديدتين، تُضافان لـ41 بلدة كانت قد سيطر عليها خلال الحرب، وذلك لاستكمال خطة إنشاء حزام أمني في 55 بلدة، سيكون بعضها خاضعاً لسيطرة مباشرة، بينما تكون أخرى خاضعة لسيطرة نارية.

دبابات وجرافات إسرائيلية تعمل في جنوب لبنان كما تظهر من الجهة الإسرائيلية من الحدود (أ.ب)

ونشر الجيش الإسرائيلي خريطة تحدد المنطقة الأمنية التي ستضم 41 بلدة، بينها بلدات واقعة شمال الليطاني مثل أرنون ويحمر الشقيف، الواقعتين على الضفاف الشمالية والغربية لليطاني، كما تضم البلدات المسيحية مثل القليعة وجديدة مرجعيون وبرج الملوك، لكن القوات الإسرائيلية لا توجد فيها الآن، بينما تقدمت في آخر أيام الحرب إلى بلدة دبين المحاذية لجديدة مرجعيون، قبل أن تنسحب منها بعد قتال عنيف مع «حزب الله»، حسبما قالت مصادر أمنية لـ«الشرق الأوسط»، وإضافة إلى التمدد، تنفذ عدة تفجيرات داخل البلدات التي سيطرت عليها، بينها مدينة بنت جبيل.

وأفادت وسائل إعلام إسرائيلية، الأحد، بأن إسرائيل قسمت الجزء الذي تسيطر عليه من جنوب لبنان إلى 3 مناطق، بعد اتفاق وقف إطلاق النار بينها وبين الحكومة اللبنانية.

وذكرت صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية أن ما يسمى بالخط الأحمر يشير إلى الصف الأول من القرى التي تقع بشكل مباشر على الحدود الإسرائيلية اللبنانية. وأضافت الصحيفة أن معظم المباني هناك قد تم تدميرها بالفعل، ولم يعد هناك أي عناصر من «حزب الله» في هذه المنطقة. وفي بعض المواقع، اتخذت القوات البرية الإسرائيلية مواقع ثابتة.

وأفادت وسائل إعلام محلية بأن الجيش الإسرائيلي استحدث مواقع داخل بلدة مركبا ورفع علمه عليها.

وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس: «يجب أن يمتدّ الخط الأصفر حتى منطقة مضادات الدروع في لبنان، وإذا لم تلتزم الحكومة اللبنانية بتعهداتها فالجيش الإسرائيلي سيتحرك»، مضيفاً: «لقد أصدرنا تعليماتنا للجيش الإسرائيلي بالتحرك بكل قوة براً وجواً لحماية جنودنا في لبنان من أي تهديد». وقال: «يجب تدمير أي مبنى أو طريق في لبنان يشتبه في احتوائه على عبوات ناسفة حماية لجنودنا».

سيطرة شبه كاملة في 41 بلدة

وبلغ عدد البلدات اللبنانية التي سيطر عليها الجيش الإسرائيلي يوم دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، 41 بلدة وقرية، ومن ضمنها مدينة بنت جبيل التي توغل فيها وحاصر مقاتلي «حزب الله» في أحيائها، ومدينة الخيام التي أغلق، السبت، الطرقات إلى أحيائها الغربية والشمالية التي لم يكن قد أطبق سيطرته عليها خلال الحرب.

لبنانية تتفقد موقع منزلها المدمر بغارة إسرائيلية في بلدة طيردبا في جنوب لبنان (رويترز)

وتشكل تلك البلدات، جزءاً من مساحة جغرافية تناهز الـ400 كيلومتر مربع ينوي احتلالها، وتتألف من 55 بلدة حسب إعلان الجيش الإسرائيلي، وأرفق إعلانه بخريطة توضيحية تظهر سيطرته على حزام أمني يمتد من 5 إلى 12 كيلومتراً، ويبدأ من منطقة البياضة الساحلية الواقعة على مسافة 12 كيلومتراً جنوب مدينة صور، وتصل إلى السفح الغربي لجبل الشيخ، حيث يصل مناطق سيطرته في هضبة الجولان السوري المحتلة، بمرتفعات قمة حرمون الغربية في جنوب شرقي لبنان.

وقالت مصادر محلية في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط» إن البلدات التي احتلها في جنوب لبنان، تضم بلدات الناقورة والبياضة ومروحين والبستان وإم التوت وشيحين واللوبنة وحامول والضهيرة ويارين وعلما الشعب وطير حرفا وشمع في القطاع الغربي.

أطراف البلدات المسيحية

أشارت المصادر إلى أن منطقة علما الشعب التي تسكنها أغلبية مسيحية «لا توجد القوات الإسرائيلية في أحيائها، بل على أطرافها، لكنها عملياً باتت واقعة تحت السيطرة الإسرائيلية حيث لا يمكن الوصول إليها»، لافتة إلى أن هذا الواقع «ينطبق على القوزح ورميش ودبل وعين ابل»، وهي بلدات مسيحية في قضاء بنت جبيل، وتقع في القطاع الأوسط الذي تحتل فيه بلدات حانين وعيتا الشعب ورامية وبيت ليف التي توجد القوات الإسرائيلية في أحيائها الجنوبية وتلالها الشرقية، بينما منعت العائدين من العودة إليها، وأطلقت النيران باتجاههم؛ ما اضطرهم للرجوع إلى العمق، حسبما أكدت المصادر.

دبابات إسرائيلية في ميس الجبل وتظهر في الصورة جرافات تهدم ما تبقى من منازل في القرية الحدودية بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

كذلك، سيطر الجيش الإسرائيلي خلال الحرب على بلدات مارون الراس ويارون وعيترون وميس الجبل ورشاف والطيري وبليدا ومحيبيب وأجزاء واسعة من عيناثا وبنت جبيل، وهما بلدتان متصلتان حوصِرَ مقاتلو «حزب الله» الباقون فيهما، بينما أنشأ الجيش الإسرائيلي خطاً نارياً يحظر عودة السكان إلى كونين وبيت ياحون، عبر إطلاقات متكررة، بينها قذائف مدفعية استهدفت كونين بعد ظهر الأحد، بينما بدا أنه تمهيد لاحتلالها، وفقاً للمصادر.

بلدات تحت النار والاحتلال

وتمتد السيطرة الإسرائيلية إلى بلدات رب الثلاثين وحولا وكفركلا والعديسة ومركبا والطيبة والقنطرة ودير سريان، وهي مناطق تمتد من الشريط الحدودي إلى وادي السلوقي ووادي الحجير الذي لم تستكمل السيطرة عليه بعد، بالنظر إلى أنها لم تحتل طلوسة وبني حيان، رغم أن البلدتين خاضعتان وفق الخريطة الإسرائيلية، للمنطقة العازلة. وقد شرعت القوات الإسرائيلية، الأحد، في التوغل في عدشيت القصير، كما بدأت إطلاقات مدفعية باتجاه بلدة علمان، تمهيداً للتوغل فيها؛ ما يتيح لها استكمال الوصول إلى ضفاف الليطاني بعد السيطرة على دير سريان.

سيارة للدفاع المدني تعبر قرب الدمار الناتج عن غارات إسرائيلية استهدفت مدينة صور في جنوب لبنان (رويترز)

أيضاً في القطاع الشرقي، سيطرت على أجزاء واسعة من الخيام، ومزارع كفرشوبا وأطراف شبعا وقرية الغجر، كما تمددت شمالاً إلى السفح الغربي لجبل الشيخ في قضاء حاصبيا، علماً أن الخريطة الإسرائيلية تضم بلدات أخرى مثل الماري والمجيدية وشويا في قضاء حاصبيا، وتوجد على أطرافها، ولا يُعرف ما إذا كانت ستدخل إليها كونها بلدات تسكنها أغلبية درزية في المنطقة.