بويز: اختلفت مع الحريري ثم جمعتنا مصيبة اسمها إميل لحود

وزير الخارجية اللبناني الأسبق فتح لـ"الشرق الأوسط" دفاتر عهدين رئاسيين (2-5)

TT

بويز: اختلفت مع الحريري ثم جمعتنا مصيبة اسمها إميل لحود


جلسة البرلمان اللبناني للتمديد للرئيس إميل لحود عام 2004 (غيتي)
جلسة البرلمان اللبناني للتمديد للرئيس إميل لحود عام 2004 (غيتي)

حاول رفيق الحريري في 1998 أن يبعد عن شفتيه كأس رؤية العماد إميل لحود رئيساً للجمهورية. استعان بتحالفاته السورية والفرنسية لكنه لم يفلح، واكتشف أن ما كُتب قد كُتب. استطلع إمكانات التعايش مع الرئيس الجديد لكنه استنتج أن برنامج لحود «يتألف من بند وحيد هو إبعاد الحريري وإفشال مشروعه». استكان ولم يستسلم. شكّلت الانتخابات النيابية في عام 2000 فرصته الشرعية لتصفية الحسابات والتذكير بالأحجام. هزم قانون الانتخابات الذي طُرّز لتحجيمه. وهذه المرة فشل لحود في أن يُبعد عن شفتيه كأس رؤية الحريري يعود إلى السرايا الحكومي فلم يبق إلا خيار تفخيخ حكوماته بالوزراء المشاكسين.

في 2003 ضرب الزلزال الشرق الأوسط. رداً على هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001، خرجت أميركا المجروحة في حملة تأديب دولية كانت أفغانستان أولاها. بعدها اتكأت إدارة جورج بوش الابن على أعذار واهية لتبرير غزوها العراق.

كان المشهد الجديد أكبر من قدرة الشرق الأوسط على الاحتمال. إيران التي ابتهجت برؤية أميركا تُسقط نظام صدام حسين، أصيبت بالقلق من رؤية الجيش الأميركي يرابط في خاصرتيها العراقية والأفغانية. وسوريا التي استبعدت في البداية غزواً برياً واسعاً للعراق، قلقت من وجود الجيش الأميركي قرب حدودها. خشيت أن تكون الحلقة الثانية بعد العراق. وبعد الغزو الأميركي بعامين سيضرب الزلزال هذه المرة لبنان، وسيتطاير جسد رفيق الحريري في انفجار لم يخرج لبنان حتى الساعة من ارتداداته.

قبل ذلك بسنوات كانت انتفت أسباب الحساسية التي كانت قائمة بين الحريري ووزير الخارجية فارس بويز. جمعتهما «مصيبة» انتخاب لحود. ويوم اغتيال الحريري في 14 فبراير (شباط) 2005 تدخّل القدر لإنقاذ بويز الذي كان الحريري دعاه إلى تناول الغداء معه في منزله وكاد يصطحبه في سيارته. كان بويز في قلب الأحداث وسأتركه يروي.

الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد في أحد لقاءاته مع رئيس الحكومة اللبنانية الراحل رفيق الحريري (غيتي)

بلورت جهات لبنانية وسورية سلسلة تبريرات لإقناع حافظ الأسد بفوائد دعم لحود. من ضمن هذا المنطق أن إميل لحود لم يكن يهتم بالسياسة، وهذا ما يفسح المجال أمام المخابرات أن تأخذ مكانه، أي دوره. لم يكن لحود ضليعاً في الموضوع السياسي، وهذا ما يفسح المجال أمام تلقينه الأمور. ولم يكن لحود، قائد الجيش حينذاك، كثير الاهتمام بالموضوع السياسي، وكان يفضّل الذهاب إلى المسابح والرياضة وما أشبه ذلك. من هنا، كان هذا الخيار يناسب من يريدون هم إدارة هذا الملف، أكانوا في سوريا أم في لبنان. ومن هنا، هذه العلل عند إميل لحود شكّلت رصيده، فيما حالت مواصفات فارس بويز دون مجيئه، وأبرزها أنه لن يسمح للمخابرات بأن تتولى الأمور.

نجحت الجهات اللبنانية والسورية في تسويق الفكرة، ومن هنا كان عهد الرئيس لحود عهداً ممسوكاً سورياً بشكل مطلق، وأنا أعتقد أنه كان هناك من يذهب يومياً إلى دمشق ليأتي بما يُسمى: أمر اليوم. وكان الرئيس إميل لحود لا يخالف هذا الموضوع ولا يتساءل ولا يحاجج ولا يعترض بأي شكل من الأشكال على هذا الأمر، خصوصاً بعدما توفي الرئيس حافظ الأسد وتسلم الدكتور بشار الأسد الرئاسة. كان إميل لحود من الذين راهنوا على الدكتور بشار وفريقه الذي كان واضحاً أنه يطالب بلحود. ومن هنا، كانت الحسابات التي تطالب بها المخابرات اللبنانية والسورية حينذاك مطابقة لهذا الواقع. أتى إميل لحود، منفّذاً ما يُطلب منه، واثقاً من أن سوريا تعرف وتعلم أكثر منا ما يجب أن نعمل، وكان منضبطاً انضباطاً كلياً.

وزير في حكومة الحريري

سألته عن قصة تعيينه وزيراً في حكومة الحريري في عهد لحود، فأوضح الملابسات:

لم أكن أتوقع في عهد الرئيس لحود أي منصب على الإطلاق، وكنت أعدّ نفسي للمعارضة. قبل أيام من تأليف الحكومة، تلك التي يرأسها رفيق الحريري، بدأت أقرأ في الصحف أن فارس بويز قد يُعيّن وزيراً ولكن ليس للخارجية، بل ستسند إليه وزارة أخرى قد تكون وزارة البيئة. في الحقيقة لم أكن أرغب في أن أكون وزيراً. قرأت موضوع وزارة البيئة وكأنه تحجيم لي، بينما أنا ليس لدي مبدئياً أي اعتراض على وزارة البيئة، وأحب البيئة ومطلع على الموضوع وفاجأت الجميع لاحقاً إذ كانوا يظنون أن فارس بويز لا يعرف إلا سياسة وخارجية ففوجئوا بأنني أفهم بالبيئة، لكنني تلقيتها في البداية وكأنها عملية تحجيم. أعددت لمؤتمر صحافي لأعلن استقالتي فور صدور المرسوم، في اليوم التالي إذ كان مرجحاً أن تصدر التشكيلة سريعاً.

لم يكن الحريري قد تشاور معي في الأمر، وإذ به يتصل بي ليلاً. طبعاً مع مجيء عهد الرئيس إميل لحود، كان الفتور، أو الخصومة، بيني وبين الرئيس الحريري قد انتهى طبيعياً. نعم، جمعتنا المصيبة. ربما كان ساهم (في إنهاء الخصومة) موضوع جاك شيراك وموضوع عبد الحليم خدام. اتصل بي الرئيس الحريري وسألني أين أنت؟ قلت له: موجود في بيتي. قال: أنا آت إليك. ليلة تأليف حكومة. الرئيس الحريري ينام باكراً... وبلغت الساعة التاسعة ليلاً وهو يريد أن يأتي إلى بلدتي الزوق خارج بيروت؟ جاء الحريري وقال لي: أريد منك أولاً أن تلغي المؤتمر الصحافي غداً. فقلت له: لماذا؟ قال لي: أنا أريد وزيراً. فقلت له: شو عدا ما بدا؟ قال: أنا أريد أشخاصاً جريئين مثلك يقدرون على الوقوف في وجه إميل لحود، وإلا سأصبح وحيداً في الداخل. أنا أريد موارنة يقفون في وجه إميل لحود. قلت له: هل تريد أن تستأجرني، تأخذني مرتزقاً، لأخوض لك حروبك؟. فقال لي: لا، لا أطلب منك أن تخوض حروبي، ولكنني أعرف أنك إذا كنت في مجلس الوزراء فستتصدى لإميل لحود. أنا أرجوك وأتمنى أن تعتبر الأمر تفاهماً بيني وبينك إلى أبد الآبدين.

إصرار الحريري

هذا سيكون عقداً بيننا للمستقبل. قلت له: دعنِي أقول لك أمراً. أنا لا أستطيع أن أدخل في حكومة مع رئيس جمهورية لا أتفاهم معه. هذا أمر غير طبيعي. أنا أصبحت وزيراً في عهد كنت فيه سوبر وزير، وكنت وزيراً حراً معطى كامل الصلاحيات، خاصة في السياسة الخارجية، ثم إن الرئيس إلياس الهراوي علاوة على علاقة القربى بيننا لم يكن يتعاطى في السياسة الخارجية، وكانت معي ورقة بيضاء للتعاطي في هذا الملف. هل آتي الآن «ميني وزير»، وزير بيئة، في حكومة إميل لحود وسأختلف معه على كل شيء تقريباً؟ العملية لن تركب.

أصررت على عدم القبول، وأصر رفيق الحريري إصراراً كلياً على أن أكون وزيراً، وأنه هو من اقترحني وهذه العملية (عدم قبولي) تخرّب تشكيلة الوزارة، وغداً سيأتي إميل لحود بشخص له (في مكاني). قبلت، وفي اليوم التالي بعد صدور المرسوم (تشكيل الحكومة)، قلت في المؤتمر الصحافي، الذي لم يكن هناك مجال لإلغائه ليلاً، إنهم يعتقدون أنهم حجّموني في وزارة البيئة، ولذلك أقول لهم إنني سأتعاطى أولاً وأساساً بالبيئة السياسية. معناها أنني سأقبل وسأتعاطى بالسياسة في الدرجة الأولى.

معارك مجلس الوزراء

وبالفعل، دخلنا إلى مجلس الوزراء وبدأت المعارك حتى في أدنى الأمور التقنية. كوزير بيئة، أنا مؤمن (بالعمل البيئي)، وأحب هذا العمل، وأردت أن أعمل. فمثلاً، أعددت مشروعاً يسمى «التخطيط الوطني للمقالع والكسّارات»، وهو أهم عمل تقوم به وزارة البيئة بأن تحدد أماكن حسب المواصفات والمعطيات، وجنّدت الوزارة كلها لإنجازه. كان إميل لحود يتهرّب من المشروع كلما أحضرته إلى مجلس الوزراء. لا يريد أن يمرره. لا يريد أن يسجّل أن فارس بويز استطاع أن يفعل شيئاً. أتذكر أنني أحضرت هذا المشروع أربع أو خمس مرات إلى مجلس الوزراء، وفي كل مرة يؤجله إميل لحود. وإذ في يوم من الأيام، أتلقى اتصالاً من رستم غزالة (مسؤول المخابرات السورية في لبنان).

كنت أمضيت تسع سنوات وزيراً للخارجية ولم يكلمني أحد من الأمنيين السوريين، فيما الآن وأنا وزير بيئة في عهد لا نفوذ لي فيه يتصل رستم غزالة ليقول لي: معالي الوزير، والله هذا المخطط التوجيهي للمقالع والكسارات، لماذا لا تمشون به؟ تسع سنوات لم يتصل بي أحد من السوريين، والآن جاء (غزالة) ليكلمني بالمقالع والكسارات؟! سوريا لا تكلّمك إلا في السياسة عادةً.

دُهشت، وقلت له: والله يا عميد عليك أن تسأل الرئيس لحود. فقال لي: ما هو موقفه؟ قلت له: أنا أعددت المشروع ومشروعي جاهز، ولكن لا أعرف لأي سبب الرئيس لحود لا يحبذ أن يمرره في مجلس الوزراء. في الجلسة التالية، قال لي إميل لحود: يا معالي الوزير لا نزال ننتظر منك مشروع الكسارات.. ابتسمت وفهمت أن رستم تحدث إليه. فقلت له: جيد أنكم استفقتم (للمشروع) يا فخامة الرئيس، لقد أحضرته خمس مرات إلى مجلس الوزراء وتهربتم منه، لا أعرف ماذا حصل اليوم حتى استفقتم عليه، ربما هناك أمر غير متوقع قد حصل. طبعاً، لماذا؟ لأن جهات سورية كانت لديها مصالح، ربما مع بعض الأحزاب التي تتلقى تمويلاً من (أصحاب) المقالع والكسّارات وقريبة منها، ويريدونها أن تستفيد من الأمر.

صلة الوصل بين لحود والسوريين

سألت بويز عن دور اللواء جميل السيد مدير الأمن العام في عهد إميل لحود، فتابع: كان اللواء جميل السيد صلة الوصل بين إميل لحود والسوريين، وهو الذي كان يُحضر، نوعاً ما، الأمر اليومي وهو كان عرّاب إميل لحود والضامن والمسؤول عن سلوكه. وهو الذي سوّق إميل لحود أصلاً وفتح له الخط مع الدكتور بشار الأسد في بداية الطريق.

حكم إميل لحود، وطرح التمديد له في نهاية ولايته. أنا كنت ضد التمديد، وعارضته في مجلس الوزراء ولم أوفّق طبعاً. وعارضت هذا التمديد في مجلس النواب ولم أوفّق أيضاً. ذهبت القصة نحو الانتخاب وكان موقفي واضحاً وصريحاً. عندما رجع رفيق الحريري من دمشق وأبلغنا بأنها قررت التمديد (للحود)، قلت له أنا سأستقيل. خاف رفيق الحريري (رحمه الله) وقال لي: دعنا نقطع صلة الوصل بيننا لئلا يظنون أنني دفعتك إلى الاستقالة. قلت له: لا لا، أنا سأستقيل وسأرفض التمديد. أنت ماذا تريد أن تفعل؟ قال لي: أنا لست قادراً على الرفض. هذا يأخذني إلى معركة كبيرة داخلياً. إلى حرب لست قادراً عليها. قلت له: مرة أخرى، يقع على الموارنة مسؤولية خوض المعارك. (فقال) لا تقدّم الاستقالة لي. صار رفيق الحريري القلق يتهرب مني كي لا يُتهم أنه وراء استقالتي. في اليوم التالي أعددت الاستقالة، ولم أرد أن أقدمها إلى إميل لحود، فقدمتها عبر الإعلام والتلفزيونات.

التمديد للحود... والتهديد السوري

يتذكر بويز الزيارة الشهيرة للحريري إلى دمشق حين طولب بتأييد التمديد للحود:

ذهب إلى سوريا أسبوعاً قبل التمديد لإميل لحود (عام 2004). كان يوم سبت، وكنت حينها في منزلي الجبلي في فقرا، وسمعت بأنه غادر دمشق الساعة الثانية بعد الظهر. اتصلت بقريطم في الرابعة لأستفهم منه (ما حصل في زيارته للعاصمة السورية)، فقيل لي إنه لم يصل بعد. بعد لحظات، أتلقى اتصالاً خفياً من صديق وهو من معاوني رفيق الحريري.

قال لي: أين أنت يا معالي الوزير؟ قلت له: أنا في الجبل. فقال لي: هو (الحريري) بالقرب منك، فاذهب إليه دون اتصال هاتفي. اذهب مباشرة. ذهبت. في البداية اعتقدت أن الموضوع غير صحيح. لم أشاهد حراسة حول المنزل. ولما وصلت إلى البيت فتح لي الباب فدخلت ووجدت رفيق الحريري وحده. جلست معه. هو استغرب كيف علمت أنه هناك. قلت له: علمت. قدّرت أنك هنا. ماذا فعلت؟ فقال لي: لا حول ولا قوة... يريدون التمديد. قلت له: هل خضت معركة في هذا الأمر؟ قال لي: أنت تريد أن تهينني؟ ماذا تعتقد؟ قلت: لا. قال لي، ورأيت الدمعة تسقط (من عينه): قالوا لي إننا سندمر لبنان على رأسك وعلى رأس جاك شيراك.

جاك شيراك ورفيق الحريري في باريس عام 2003 (غيتي)

ذهبنا إلى المجلس النيابي لجلسة الانتخاب. يومها، فيما كنت هيأت نفسي للذهاب، جاءني اتصال من العميد جميل السيد. كانت العلاقة بيننا طوال عهد الرئيس الهراوي باردة جداً. لم نكن نلتقي، لأنها بدأت في أوائل عهد الهراوي عندما أوقفت المخابرات بعض الشباب العونيين أو القواتيين الذين كانوا يكتبون على الجدران، فراجعت بشأنهم فحدث رد فعل عكسي، أي صاروا يريدون توقيفهم لأنني راجعت أنا بشأنهم. ضمن الحساسيات التي كانت موجودة. لم تكن هناك علاقة، وإذ اتصل بي صبيحة يوم الانتخاب في المجلس. استغربت. قال لي: معالي الوزير، العميد رستم غزالة يود التحدث إليك، هل لديك مانع؟ فقلت له: لا، لكنني أسمع أحياناً أنه يتحدث بكلام فوق السطوح، إن شاء الله لا يغلط معي في هذا الموضوع لأنني لا أعمل حسابات لأي شيء. فقال: لا لا، ولو! كيف هذا الكلام. بعد عشر دقائق اتصل رستم غزالة، وقال لي: معالي الوزير أنا كلفني سيادة الرئيس أن أتحدث معك، ونحن نفهم اعتراضاتك على الرئيس لحود، ولكن هناك تمنٍ عليك من سيادة الرئيس بأن تصوّت مع التمديد. فقلت له: هذا مستحيل، موقفي متخذ. أنت تعرف أنني لا أتراجع عن المواقف بسهولة. ثم عاد وقال لي: ممكن نطلب منك أن تتغيب عن الجلسة؟ فقلت له: ليس ممكناً، لأنني طلبت الكلام في الجلسة. فقال لي: لا يزال لدي طلب، افعل ما تشاء، ولكن هل يمكن أن نطلب منك ألا تتكلم؟ فقلت: سبق أن طلبت الكلام، كيف أطلب منهم العكس؟ الأمر ليس وراداً. وقلت له: انظر يا عميد، هذا الكلام موجّه لكم أكثر مما هو موجه إلى النواب اللبنانيين. اسمعه جيداً واعطني رأيك فيه.

جلسة البرلمان اللبناني للتمديد للرئيس إميل لحود عام 2004 (غيتي)

وبالفعل، ذهبت إلى الجلسة وجاء دوري وتكلمت، ونظرت إلى حلفاء سوريا، الحزب القومي وحزب البعث... إلخ، وقلت لهم: ويقال إن سوريا تتعرض لعملية تطويق ولعملية تضييق ولعملية إضعاف. صحيح، ومن الطبيعي أن تواجه، ولكن بربكم قولوا لي: بماذا وكيف تواجهون؟ رحم الله من قال يوماً إنه لا أحد يمكنه أن يجر سوريا إلى معركة لم تختر موقعها ولم تختر سلاحها، ولم تختر توقيتها. فأنتم بأي سلاح معطّل وبأي توقيت خاطئ وبأي ذخيرة مبللة تأخذون سوريا إلى هذه المعركة؟ بسلاح التمديد لإميل لحود؟ أنا أعتقد بأنكم تستكملون المؤامرة على سوريا وليس العكس.

وفي الحقيقة، وصلت إلى منزلي، وإذ بي أتلقى اتصالاً من رستم غزالة. قال لي: والله قسوت علينا يا معالي الوزير. فقلت له: أنا قلت الرأي الصريح، وهذا الرأي، أذكّرك بأنه موقف الرئيس حافظ الأسد عندما حاولت منظمة التحرير الفلسطينية أن تجره إلى صراع مع إسرائيل في الجولان لم يكن مهيئاً له. أنا أعتقد أنكم تجرون سوريا، تحت عنوان أنها مطوقة، إلى معركة خاسرة جداً. لا أعتقد أن هذه المعركة التي تستطيع حماية سوريا.

قرار مجلس الأمن.. وبصمات الحريري

سألت بويز إن كان يعتقد أن قرار مجلس الأمن الرقم 1559 (يطالب بخروج القوات السورية من لبنان) يحمل بصمات الحريري فأجاب: لا. أنا أعتقد أنه لا يحمل بصمات رفيق الحريري، ولا يحمل كما ادعى البعض بصمات ميشال عون ولا يحمل بصمات لبنانية. هذا القرار هو قرار أكبر من لبنان. هو قرار إسرائيلي. في البداية، هو قرار تحاول إسرائيل من خلاله إضعاف سوريا بعدما فشلت في استدراجها إلى اتفاق سلام. إضعاف سوريا عبر إخراجها من لبنان في الدرجة الأولى، والتضييق عليها بالدرجة الثانية.

أعتقد أن رفيق الحريري، وكما قيل الرئيس ميشال عون وغيرهم، لم يكن لهم دور في هذا الموضوع على قدر دور المحافظين الجدد الذين كانوا متحصنين في أميركا، ودور الإسرائيليين الذين كانوا يديرون المحافظين الجدد القريبين جداً من المناخ الإسرائيلي. هناك قناعة إسرائيلية ربما ساهمت في حرب العراق وثم حرب سوريا لإضعاف النظامين الرافضين للسلام مع إسرائيل أو إسقاطهما. أعتقد أن إسرائيل كانت تعتبر إخراج سوريا من لبنان يمثّل إضعافاً كبيراً لدورها.

يوم اغتيال الحريري

واسترجع بويز يوم اغتيال الحريري الذي دعاه إلى تناول الغداء معه في منزله، وروى.

موقع اغتيال الرئيس رفيق الحريري في بيروت عام 2005... بويز كان مدعواً لتناول الغداء معه (غيتي)

كان هناك في مجلس النواب نقاش للجان المشتركة حول قانون الانتخاب. وفيما كنت أصعد سلّم المجلس النيابي التقيت الرئيس الحريري نازلاً فبادرني بالقول: لماذا تضيّع وقتك، هذا القانون مُنزل، وهو يومئ باتجاه دمشق. فقلت له: أعرف أنه منزل، ولكن سأسجّل اعتراضي فقد طلبت الكلام (في الجلسة). فقال لي: اسمع مني ولنذهب لتناول الغداء معاً. ستكون (جلسة الغداء) مفيدة أكثر، ونرى ماذا سيأتينا مستقبلاً. فقلت له: لا، لياقةً، طلبت الكلام في الجلسة واقترب دوري. سأتحدث لخمس دقائق وألاقيك. قال: حسناً، إذا خرجت فوراً فستجدني في المقهى أتناول فنجاناً من القهوة مع الشباب، أي بعض النواب، وإذا تأخرت أكثر فالحق بي إلى بيتي في قريطم. قلت: حسناً. طبعاً لو استجبت لطلبه لذهبت معه بسيارته وقضيت معه (في الانفجار). هذه أول أعجوبة.

وصلت إلى باب قاعة المجلس، فوضعت يدي على الباب وإذ بي التقي بميشال المر، الذي كان يترأس اجتماع اللجان المشتركة بصفته نائباً لرئيس المجلس. قال لي: تأخرت يا معالي الوزير وذهب دورك. أنا لست مصراً على الكلام وأتيت لياقةً، فوضعت يدي على مسكة الباب لأغلقه فناداني قائلاً: لا، لا، أنا أمزح معك. في هذه اللحظة كان النائب أنور الخليل ينهي كلامه، فقال لي: تفضل. أيضاً لو خرجت لوجدت رفيق الحريري وذهبت معه في السيارة. دخلت وتحدثت بضع دقائق ثم خرجت فاستوقفني صحافيون على المدخل يريدون تصريحات. وبينما أعدّوا كاميراتهم وحضّروا أسئلتهم، خلال دقيقة أو دقيقة ونصف الدقيقة، بدأت أنا بالكلام. في هذا الوقت كان لا يزال رفيق الحريري في المقهى مقابل المجلس. بدأت أتكلم وفي هذه الأثناء دوّى صوت انفجار هائل، فرحل كل الصحافيين وبقيت أنا أسير الكاميرات وهي مضاءة، أي كانت تسجل، وأنا مقابلها وعرفت أنها صورة ستدخل التاريخ. فإذا هربنا فسيسجل علينا أننا هربنا. ومن الناحية الثانية لم أعد قادراً على الكلام لأنه لم يبق أحد في مواجهتي. بعد دقيقة جاء صحافي وقال لي: معالي الوزير انفجار، ألم تسمعه؟ عندئذٍ قلت تلك الكلمة وكأنني أفسّر للجمهور أن انفجاراً كبيراً وقع واسمحوا لنا أن نترك الكاميرات، ثم خرجت ورأيت دخاناً أسود يتصاعد. رأيته من درج المجلس.

هاتف قريطم

استقللت السيارة فوراً، وظننت أنه رفيق الحريري. اتصلت هاتفياً بقريطم وإذ أجابني مسؤول الهاتف: أهلاً معالي الوزير، هل تريد دولة الرئيس؟ قلت: نعم، أين هو؟ قال: هل تريد أن أحوّله لك؟ ظننت من أجابته أن الحريري لم يكن الهدف. قلت له: لا شكراً، أبلغه أنني آت. بعد لحظة، قال لي (النائب) فريد مكاري: ماذا؟ من برأيك؟ قلت له: أكيد ليس صاحبك، الآن اتصلت بقريطم وقالوا لي كذا. اتصل هو أيضاً، وقال له موظف الهاتف: تريد أن أحوّله لك؟

توجهت إلى مكان الانفجار لأرى ماذا حصل وذهلت من حجم الدخان الأسود، حجم النيران الملتهبة. هذا حصل بعد دقائق. حذّرني المرافقون من أن نتسمر في أرضنا لأن سيارات تأتي وتصطف خلفنا. لم نتمكن من معرفة شيء فكل المكان متفحم. لو استطعت أن أرى بقية السيارات لعرفت أنه رفيق الحريري، ولكن لا شيء ظاهراً، مما يجعلك تشك بأن شاحنة غاز أو شاحنة نفط احترقت. رجعنا، وأردت أن أذهب إلى بيت الحريري على أساس أنه ينتظرني على الغداء، وإذ بي ألتقي أمام فندق البريستول بالصحافي فيصل سلمان. توقفت وسألته: كيفك يا فيصل؟ فقال لي: العوض بسلامتك، الله يرحمه. قلت له: من؟ قال لي: الرئيس. قلت له: أي رئيس، فأجاب: الحريري. قلت له: كيف؟ أنا ذاهب لأتغدى معه. قال: أين ستتغدى؟ أنا عائد من برّاد مستشفى الجامعة الأميركية حيث جثته. لم أصدق. أكملت إلى قريطم ورأيت التجمع والناس تسب وتشتم، ففهمت أن القصة حقيقية.

ذهبت من هناك إلى منزل وليد جنبلاط الذي استبقاني على الغداء. قال لي: الساعة الخامسة هناك اجتماع في منزل الحريري، اجتماع جامع لكل ما سيسمى فيما بعد (14 آذار). نحو 50 شخصية. ذهبنا أنا ووليد جنبلاط. وكان ذلك أول خطأ أننا ذهبنا بالسيارة ذاتها إلى منزل الحريري. والخطأ الثاني أننا دخلنا معاً. الخطأ الثالث أننا جلسنا متجاورين. اكتمل حضور الشخصيات، وإذ يقوم وليد جنبلاط ويقول: يا إخوان، إن الثورة تُقطف في لحظاتها، فإذا لم نوجه الآن المظاهرات إلى قصر بعبدا للإطاحة بإميل لحود فسنفشل وسينجح في البقاء وسيقضي علينا. وأنا أشهد له بهذا الحس والحدس. قال: لنرسل هذه الجماهير الغاضبة ونستفيد من هذا الغضب ونرسلهم إلى التظاهر أمام قصر بعبدا مطالبين بإسقاط رئيس الجمهورية كونه المسؤول المعنوي عن الجهاز الأمني. وإذ هنا، يقوم الموارنة المسترئسون، ويقولون له: ماذا لو دخلنا في الفراغ في هذه الظروف؟ فيرد عليهم جنبلاط قائلاً: أنا أجريت اتصالات مع الفريق الآخر، أي سوريا و«حزب الله»، وعندي تأكيد أنهم يقبلون بمرشح توافقي، شرط ألا يكون عدواً لهم. المرشح التوافقي أفضل كثيراً من بقاء إميل لحود الذي هو عدونا ويريد أن يقضي علينا. هنا انشغل بالمسترئسين: من هو هذا المرشح التوافقي؟ ويستشعرون أن وليد جنبلاط دخل مع فارس بويز وجلسا قرب بعضهما بعضاً، ويطلعون بحجة ثانية: لا نستطيع في هذا الموضوع تجاوز البطريرك الماروني، فالإطاحة برئيس جمهورية ماروني ليست أمراً عادياً وتحتاج إلى موافقة من البطريرك نصر الله بطرس صفير. فرد وليد جنبلاط قائلاً: اسمعوا مني ولا تضيعوا لحظة هذا الغضب، إذا مرت لحظة هذا الغضب فلن تستطيعوا أن تفعلوا شيئاً بعدها. لكنهم كانوا مصرين على موقفهم.

إضعاف 14 آذار

خرجنا من الاجتماع، فقال لي وليد جنبلاط: أنا أجريت اتصالاً عبر غازي العريضي بالسيد حسن نصر الله، وبالسوريين عبر رستم غزالة الذي اتصل بقيادته وليس لديهم مانع. هم لن يقيلوا إميل لحود، ولكن ليس لديهم مانع، إذا ذهب تحت ضغط مظاهرات، أن يكون هناك رئيس وفاقي، شرط ألا يكون عدواً لا لهذا ولا لذاك. ويبدو أن اسمك، هو الاسم المقبول. قلت له: سأذهب إلى البطريرك. ذهبت إلى البطريرك وأصبحت الساعة وقتها الثامنة والنصف مساءً، والبطريرك يذهب في هذا الموعد إلى النوم.

يبدو أن الآخرين سبقوني إليه. تحدثت معه وقلت له إن وليد جنبلاط يدعو إلى إسقاط رئيس الجمهورية. فقال لي البطريرك: هل كلّما ضرب الكوز بالجرة نقيل رئيساً؟ فقلت له: سيّدنا، مقتل الحريري ليس كوزاً ضرب بجرة، هذا زلزال إقليمي، كيف تنظر إليه هكذا؟ فقال لي: من الذي يضمن لنا أننا لن نذهب إلى الفراغ؟ فقلت له: وليد جنبلاط أجرى اتصالات. فقال لي: أين الضمانة؟ ومن هو الشخص الذي يمكن أن يكون مقبولاً؟ فهمتُ أن الآخرين، أي المسترئسين الموارنة، سبقوني وألّبوا البطريرك... وفعلاً، بقي إميل لحود وأضعف (حركة) 14 آذار.

غداً حلقة ثالثة


مقالات ذات صلة

«المناطق التجريبية» محور مفاوضات روما... وإسرائيل تُبدي استعدادها للتنفيذ

المشرق العربي عناصر أمنية عند مدخل السفارة الأميركية في روما حيث تعقد المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية (أ.ب)

«المناطق التجريبية» محور مفاوضات روما... وإسرائيل تُبدي استعدادها للتنفيذ

عُقدت الجلسة الأولى من الجولة السادسة للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل بالعاصمة الإيطالية روما، حيث تأمل بيروت أن تؤدي نتائجها إلى تحديد مسار تنفيذ «اتفاق الإطار».

كارولين عاكوم (بيروت)
تحليل إخباري دورية لآلية عسكرية إسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية بمحاذاة الحدود (إ.ب.أ)

تحليل إخباري إسرائيل تستبدل بالاحتلال التقليدي في جنوب لبنان حرية التدخل والسيطرة بالنار

تفرض التطورات الميدانية في جنوب لبنان تساؤلات حول طبيعة النموذج الأمني الذي تسعى إسرائيل إلى تكريسه بعد الحرب.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي جنود إسرائيليون في محاذاة قلعة الشقيف داخل الأراضي اللبنانية (رويترز)

بعد العودة إلى «الشقيف»... هل تبني إسرائيل قاعدة دائمة في جنوب لبنان؟

أعادت إسرائيل قلعة الشقيف لواجهة المشهد العسكري في جنوب لبنان، مع فتح الموقع أمام وسائل إعلام إسرائيلية للمرة الأولى منذ سيطرتها على القلعة خلال الحرب الأخيرة.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي علم إسرائيلي معلق على مبنى متضرر في جنوب لبنان (أ.ب)

الاحتلال الإسرائيلي لقرى الجنوب اللبناني يُحدد خريطة عودة الأهالي

ترسم خريطة الوجود العسكري الإسرائيلي على امتداد الخط الأصفر والشريط الحدودي في جنوب لبنان مسار عودة السكان إلى قراهم.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي دورية لقوات «يونيفيل» في بلدة المنصوري جنوب مدينة صور بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

دفع أميركي لتنفيذ المنطقة التجريبية في جنوب لبنان بالتزامن مع اجتماع روما

تكثفت الاتصالات اللبنانية والدولية لإدخال المنطقة التجريبية في جنوب لبنان حيّز التنفيذ الأسبوع المقبل، بالتزامن مع الجولة السادسة من مفاوضات لبنان وإسرائيل.

نذير رضا (بيروت)

أولويات الانسحابات من جنوب لبنان تُعقّد مفاوضات روما

خلال وصول أحد الوفود إلى مقر السفارة الأميركية في روما حيث تعقد المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية (أ.ف.ب)
خلال وصول أحد الوفود إلى مقر السفارة الأميركية في روما حيث تعقد المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية (أ.ف.ب)
TT

أولويات الانسحابات من جنوب لبنان تُعقّد مفاوضات روما

خلال وصول أحد الوفود إلى مقر السفارة الأميركية في روما حيث تعقد المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية (أ.ف.ب)
خلال وصول أحد الوفود إلى مقر السفارة الأميركية في روما حيث تعقد المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية (أ.ف.ب)

تعقدت المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية في يومها الأول في روما، بعدما برز خلاف حول أولويات تنفيذ الانسحابات من جنوب لبنان ضمن آلية «المناطق التجريبية».

ويتمسك الوفد اللبناني ببدء التنفيذ في المناطق المحتلة، فيما يطالب الجانب الإسرائيلي بالانطلاق من مناطق غير محتلة، مع طرح حل وسط يقضي بتنفيذ متزامن في قريتين، إحداهما محتلة والأخرى غير محتلة.

وتزامناً مع ذلك، برز موقف وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر الذي أعلن استعداد إسرائيل لتنفيذ المرحلتين التجريبيتين، معرباً عن أمله في أن تفضي مباحثات روما إلى إحراز تقدم.

من جهة أخرى، أوقفت السلطات اللبنانية شخصاً يُشتبه بتعامله مع جهاز «الموساد» الإسرائيلي، في مطار بيروت أثناء محاولته مغادرة البلاد. وتشير التحقيقات الأولية إلى أنه نقل معلومات أمنية حساسة عن قيادات وأهداف تابعة لـ«حزب الله»، يُعتقد أنها استُخدمت في عمليات اغتيال طالت مسؤولين بارزين عام 2024، من بينهم القياديان فؤاد شكر وإبراهيم عقيل. وأُحيل الموقوف إلى القضاء العسكري، فيما تواصل الأجهزة الأمنية تحقيقاتها لكشف شبكة ارتباطاته وطبيعة المهام التي كُلّف بها.


«أمير داعش» الأمني في سوريا مقيم «شبه دائم» في لبنان

عناصر من قوى الأمن الداخلي خلال إجراءات أمنية سابقة مطلع العام (أرشيفية - قوى الأمن)
عناصر من قوى الأمن الداخلي خلال إجراءات أمنية سابقة مطلع العام (أرشيفية - قوى الأمن)
TT

«أمير داعش» الأمني في سوريا مقيم «شبه دائم» في لبنان

عناصر من قوى الأمن الداخلي خلال إجراءات أمنية سابقة مطلع العام (أرشيفية - قوى الأمن)
عناصر من قوى الأمن الداخلي خلال إجراءات أمنية سابقة مطلع العام (أرشيفية - قوى الأمن)

كشفت مصادر قضائية لبنانية أن المسؤول الأمني البارز في تنظيم «داعش»، الذي أوقف في لبنان ويُشتبه في أنه يشغل منصب «الأمير الأمني العام» لما يُسمّى بـ«ولاية الجنوب» و«ولاية الوسط» داخل سوريا، «كان مقيماً شبه دائم في لبنان».

وأعلنت المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي في لبنان، أن وحداتها «تواصل تنفيذ عمليات استباقية لملاحقة خلايا التنظيمات المسلحة وتفكيك شبكاتها قبل انتقالها إلى مرحلة التنفيذ»، مشيرة إلى أن المتابعة الأمنية أفضت في 30 يونيو (حزيران) 2026 إلى توقيف السوري «هـ. ر.»، من مواليد عام 1994.

ووفق نتائج التحقيقات الأولية، لم يكن الموقوف عنصراً عادياً في صفوف التنظيم، بل تدرّج في مواقع قيادية عدة قبل أن يتولى مسؤولية أمنية رفيعة تشمل الإشراف على النشاطات الأمنية والعملياتية لتنظيم «داعش» في جنوب ووسط سوريا، إلى جانب إدارة التحركات ومتابعة تنفيذ التعليمات الصادرة عن قياداته، والتنسيق مع مسؤولين وأمراء في ولايات أخرى داخل الأراضي السورية.

وفيما امتنعت المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي عن كشف تفاصيل إضافية حول مكان التوقيف أو تحركاته خلال وجوده في لبنان، أوضح مصدر قضائي أن العملية حصلت الأسبوع الماضي في بيروت بعد متابعة أمنية حثيثة كشفت عن وجوده على الأراضي اللبنانية.

وأكد المصدر القضائي لـ«الشرق الأوسط» أن التحقيقات الأولية أظهرت أن الموقوف كان يقيم في لبنان بصورة شبه دائمة، وقد اعترف خلال التحقيقات «بتخطيطه لتنفيذ عملية أمنية داخل سوريا، من بينها التحضير لاستهداف ثكنة للجيش السوري في محافظة درعا وأهداف أخرى في العمق السوري».

وأضاف أن القضاء والأجهزة الأمنية اللبنانية «باشرا تحليل المضبوطات التي كانت بحوزته، ولا سيما هاتفه الشخصي وجهاز الحاسوب الخاص به، بهدف كشف طبيعة الاتصالات التي أجراها، وتحديد حجم الشبكة المرتبطة به، ومعرفة ما إذا كان قد تلقى دعماً أو توجيهات من جهات أخرى».

وفي إطار التحقيقات، جرى توقيف اثنين من أقارب المشتبه به للاستماع إلى إفادتيهما، قبل أن يُطلق سراحهما لاحقاً بعد عدم ثبوت أي علاقة لهما بالملف أو بالمخططات التي كان يُشتبه في التحضير لها، وفق تعبير المصدر القضائي اللبناني المشرف على التحقيقات الأولية. وشدد على أن لبنان «يولي أهمية خاصة لهذا الملف، نظراً إلى حساسية موقع الموقوف داخل الهيكل القيادي لتنظيم (داعش)، ولا سيما لجهة امتلاكه معلومات حول شبكات التنظيم وتحركاته داخل سوريا».

وكشف المصدر القضائي عن توجه «للتنسيق مع السلطات السورية المختصة، بهدف تبادل المعلومات المتعلقة بالموقوف والتحقق من طبيعة علاقاته داخل الأراضي السورية، وما إذا كان هناك أفراد أو مجموعات على صلة به أو شاركت في التحضير لأي عمليات أمنية».

وعما إذا كانت للقيادي الداعشي علاقة بالتفجيرات التي حصلت مؤخراً في دمشق وتبني التنظيم لها، أوضح المصدر أن «الموقوف لم يعترف بأي دور له فيها، لكن التحقيق لم ينته بعد، ولا بد من التدقيق بالمعلومات الموجودة في هاتفه وحاسوبه الشخصي».

ولم يخف المصدر أن توقيف هذا المسؤول «يأتي في سياق الجهود الأمنية اللبنانية المستمرة لمنع استخدام الأراضي اللبنانية كمنصة لتحرك أو تخطيط الجماعات المتطرفة، وملاحقة العناصر المرتبطة بالتنظيمات الإرهابية وتجفيف مصادر تهديدها قبل تحولها إلى أعمال ميدانية».


جلسة خامسة مغلقة لعاطف نجيب... وضغوط شعبية على محاميه

استجواب رجل الأمن السابق عاطف نجيب في جلسة خامسة مغلقة الثلاثاء (وزارة العدل السورية)
استجواب رجل الأمن السابق عاطف نجيب في جلسة خامسة مغلقة الثلاثاء (وزارة العدل السورية)
TT

جلسة خامسة مغلقة لعاطف نجيب... وضغوط شعبية على محاميه

استجواب رجل الأمن السابق عاطف نجيب في جلسة خامسة مغلقة الثلاثاء (وزارة العدل السورية)
استجواب رجل الأمن السابق عاطف نجيب في جلسة خامسة مغلقة الثلاثاء (وزارة العدل السورية)

أنكر عاطف نجيب ما نسب إليه من اتهامات في المحاكمة التي يخضع لها أمام محكمة الجنايات الرابعة بدمشق. في الجلسة الخامسة المغلقة التي عقدت، الثلاثاء، وتم تخصيصها للاستماع إلى شهود الحق العام وانتهت بإعلان تأجيل الجلسة إلى الحادي والعشرين من الشهر الحالي، وسط أنباء عن تعرض محامي الدفاع الذي قام المتهم بتوكيله إلى ضغوط شعبية.

وقال فضل عبد الغني (رئيس الشبكة السورية لحقوق الإنسان) الذي حضر الجلسة الخامسة، إن المحكمة استمعت اليوم إلى 14 شهادة ضمن جلسات شهود الادعاء والحق العام، أدلى بها أشخاص تعرضوا جميعاً لانتهاكات مباشرة من عاطف نجيب. وكما حدث في الجلسة الماضية، أنكر نجيب مسؤوليته عن جميع التهم الموجهة إليه.

وعن الجلسة القادمة قال عبد الغني إنها ستخصص لمواصلة الاستماع إلى أقوال الشهود، في ظل تجاوز عدد المدعين 51 مدعياً، ما يستدعي استكمال عرض الشهادات والإفادات ذات الصلة بالقضية، وفحص الأدلة التي تدين نجيب، من وثائق وغيرها.

وسبق أن أنكر عاطف نجيب التهم المنسوبة اليه في الجلسات السابقة، مؤكداً أنه لم يكن في درعا خلال الفترة التي وقع فيها اقتحام المسجد العمري، كما أنكر قيام فرع الأمن السياسي حين كان يترأسه باعتقال أطفال وتأتي مواجهته بإفادات مباشرة للشهود لتدعم أدلة الثبوت في ملف القضية.

جلسة مغلقة استمعت إلى شهود الحق العام (وزارة العدل السورية)

ترأس الجلسة الخامسة القاضي فخر الدين مصطفى ‏العريان، وشارك في عضويتها المستشاران عبد ‏الحميد محمد الحمود، وحسام حسين عبد الرحمن، بحضور ممثل النيابة العامة القاضي عمر ‏محمود الراضي. كما حضر عدد من ذوي الضحايا من محافظة ‏درعا، وأعضاء من الهيئة الوطنية للعدالة ‏الانتقالية، وممثلين عن مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، والشبكة السورية لحقوق الإنسان وعدد من النشطاء والجهات الدولية والرسمية المهتمة بمتابعة مجريات القضية.

عاطف نجيب في الجلسة الخامسة بدمشق (وزارة العدل السورية)

تعد محاكمة نجيب أولى وأبرز قضايا العدالة الانتقالية في سوريا ولذلك تكتسب رمزية كبيرة، وفق ما قاله نقيب المحامين في سوريا محمد علي الطويل لـ(الشرق الأوسط)، مؤكدا أن النقابة تتابع سير المحاكمة باهتمام كبير، مؤكدا أنها تسري «بطريقة جيدة وسلسلة وقانونية وإيجابية»، وذلك رغم الظروف التي عاشها الشعب السوري والانتهاكات التي تعرض لها من قبل النظام البائد وعلى يد عاطف نجيب ذاته.

حضورالجلسة الخامسة من محاكمة عاطف نجيب منظمات دولية وحقوقية ومجتمع مدني (وزارة العدل السورية)

وتابع الطويل أن الجلسة الأولى خصصت لاستجواب بدائي، والثانية لتلاوة قرار الاتهام والسماح للمتهم بالرد، والجلسات الثالثة والرابعة والخامسة كانت لسماع شهود الحق العام، حيث جرى الاستماع إلى نحو 35 شهادة وستستكمل المحكمة الاستماع في الجلسة القادمة، وفي حال كان هناك شهود دفاع سيتقدم محامي الدفاع (الذي تم تعيينه من قبل المتهم)، بمذكرة تتضمن أسماء شهود الادعاء للمحكمة، وبدورها ستوافق على الاستماع إلى شهادتهم.

وأشار الطويل إلى أن محامي الدفاع «زميل من فرع القنيطرة وقد تعرض لضغوط كبيرة بسبب توكله عن المتهم، وأكد على أن النقابة تقف إلى جانبه وتدعمه «لضمان حق الدفاع للمتهم وهو حق مصان بالقانون»، رغم يقين النقابة بأن المتهم كان له دور بارز في ما حصل في سوريا عام 2011.

وأوضح الطويل، أن «محكمة الجنايات لا تكون صحيحة ولا تكتمل اذا لم يتم توكيل محامي الدفاع، وفي حال عدم وجود محام يتم تسخير محامي من قبل النقابة حتى يكتمل نصاب المحكمة بشكل قانوني».

جلسة مغلقة استمعت إلى شهود الحق العام (وزارة العدل السورية)

و بحسب نقيب المحامين في سوريا، فإن المحاكمات شهدت تحولاً نوعياً في عملها، بشهادة ممثلين عن منظمات أممية تتابع سير محاكمة عاطف نجيب.

وتمثل جلسات الاستماع إلى شهود الحق العام إحدى المراحل الأساسية في المحاكمات الجزائية، ‏وإحدى وسائل الإثبات التي تعتمد عليها ‏المحكمة في تكوين قناعتها القضائية، من خلال ‏مناقشة الشهادات وربطها بالأدلة والقرائن الواردة ‏في ملف الدعوى، مع كفالة حق الدفاع في ‏مناقشتها وفق الضمانات التي يكفلها القانون.

جلسة مغلقة استمعت إلى شهود الحق العام والمنظمات المعنية في محاكمة عاطف نجيب (وزارة العدل السورية)

واستبقت وزارة العدل الجلسة الخامسة ببث مقاطع فيديو تضمنت بعض الإفادات التي قدمها الشهود في الجلسات السابقة، مع حجب وجوه الشهود وطمس هوياتهم بالتنسيق مع برنامج حماية الشهود.

وتضمنت الإفادات تفاصيل صادمة حول ممارسات التعذيب والانتهاكات الجسدية التي تعرض لها المعتقلون، لا سيما في (قضية أطفال درعا) عام 2011، ومسؤولية عاطف نجيب عنها.

عاطف نجيب كان من ضباط الأمن السياسي برتبة عميد وهو ابن خالة بشار الأسد. تنقل بين عدة فروع للأمن السياسي في دمشق وطرطوس قبل أن يتسلم رئاسة فرع الأمن السياسي في درعا، ومع انطلاق شرارة الثورة في درعا ارتبط اسم عاطف نجيب بقضية اعتقال عدد من الأطفال بتهمة كتابة عبارات مناهضة للنظام على جدران المدارس.

Your Premium trial has ended