بويز: اختلفت مع الحريري ثم جمعتنا مصيبة اسمها إميل لحود

وزير الخارجية اللبناني الأسبق فتح لـ"الشرق الأوسط" دفاتر عهدين رئاسيين (2-5)

TT

بويز: اختلفت مع الحريري ثم جمعتنا مصيبة اسمها إميل لحود


جلسة البرلمان اللبناني للتمديد للرئيس إميل لحود عام 2004 (غيتي)
جلسة البرلمان اللبناني للتمديد للرئيس إميل لحود عام 2004 (غيتي)

حاول رفيق الحريري في 1998 أن يبعد عن شفتيه كأس رؤية العماد إميل لحود رئيساً للجمهورية. استعان بتحالفاته السورية والفرنسية لكنه لم يفلح، واكتشف أن ما كُتب قد كُتب. استطلع إمكانات التعايش مع الرئيس الجديد لكنه استنتج أن برنامج لحود «يتألف من بند وحيد هو إبعاد الحريري وإفشال مشروعه». استكان ولم يستسلم. شكّلت الانتخابات النيابية في عام 2000 فرصته الشرعية لتصفية الحسابات والتذكير بالأحجام. هزم قانون الانتخابات الذي طُرّز لتحجيمه. وهذه المرة فشل لحود في أن يُبعد عن شفتيه كأس رؤية الحريري يعود إلى السرايا الحكومي فلم يبق إلا خيار تفخيخ حكوماته بالوزراء المشاكسين.

في 2003 ضرب الزلزال الشرق الأوسط. رداً على هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001، خرجت أميركا المجروحة في حملة تأديب دولية كانت أفغانستان أولاها. بعدها اتكأت إدارة جورج بوش الابن على أعذار واهية لتبرير غزوها العراق.

كان المشهد الجديد أكبر من قدرة الشرق الأوسط على الاحتمال. إيران التي ابتهجت برؤية أميركا تُسقط نظام صدام حسين، أصيبت بالقلق من رؤية الجيش الأميركي يرابط في خاصرتيها العراقية والأفغانية. وسوريا التي استبعدت في البداية غزواً برياً واسعاً للعراق، قلقت من وجود الجيش الأميركي قرب حدودها. خشيت أن تكون الحلقة الثانية بعد العراق. وبعد الغزو الأميركي بعامين سيضرب الزلزال هذه المرة لبنان، وسيتطاير جسد رفيق الحريري في انفجار لم يخرج لبنان حتى الساعة من ارتداداته.

قبل ذلك بسنوات كانت انتفت أسباب الحساسية التي كانت قائمة بين الحريري ووزير الخارجية فارس بويز. جمعتهما «مصيبة» انتخاب لحود. ويوم اغتيال الحريري في 14 فبراير (شباط) 2005 تدخّل القدر لإنقاذ بويز الذي كان الحريري دعاه إلى تناول الغداء معه في منزله وكاد يصطحبه في سيارته. كان بويز في قلب الأحداث وسأتركه يروي.

الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد في أحد لقاءاته مع رئيس الحكومة اللبنانية الراحل رفيق الحريري (غيتي)

بلورت جهات لبنانية وسورية سلسلة تبريرات لإقناع حافظ الأسد بفوائد دعم لحود. من ضمن هذا المنطق أن إميل لحود لم يكن يهتم بالسياسة، وهذا ما يفسح المجال أمام المخابرات أن تأخذ مكانه، أي دوره. لم يكن لحود ضليعاً في الموضوع السياسي، وهذا ما يفسح المجال أمام تلقينه الأمور. ولم يكن لحود، قائد الجيش حينذاك، كثير الاهتمام بالموضوع السياسي، وكان يفضّل الذهاب إلى المسابح والرياضة وما أشبه ذلك. من هنا، كان هذا الخيار يناسب من يريدون هم إدارة هذا الملف، أكانوا في سوريا أم في لبنان. ومن هنا، هذه العلل عند إميل لحود شكّلت رصيده، فيما حالت مواصفات فارس بويز دون مجيئه، وأبرزها أنه لن يسمح للمخابرات بأن تتولى الأمور.

نجحت الجهات اللبنانية والسورية في تسويق الفكرة، ومن هنا كان عهد الرئيس لحود عهداً ممسوكاً سورياً بشكل مطلق، وأنا أعتقد أنه كان هناك من يذهب يومياً إلى دمشق ليأتي بما يُسمى: أمر اليوم. وكان الرئيس إميل لحود لا يخالف هذا الموضوع ولا يتساءل ولا يحاجج ولا يعترض بأي شكل من الأشكال على هذا الأمر، خصوصاً بعدما توفي الرئيس حافظ الأسد وتسلم الدكتور بشار الأسد الرئاسة. كان إميل لحود من الذين راهنوا على الدكتور بشار وفريقه الذي كان واضحاً أنه يطالب بلحود. ومن هنا، كانت الحسابات التي تطالب بها المخابرات اللبنانية والسورية حينذاك مطابقة لهذا الواقع. أتى إميل لحود، منفّذاً ما يُطلب منه، واثقاً من أن سوريا تعرف وتعلم أكثر منا ما يجب أن نعمل، وكان منضبطاً انضباطاً كلياً.

وزير في حكومة الحريري

سألته عن قصة تعيينه وزيراً في حكومة الحريري في عهد لحود، فأوضح الملابسات:

لم أكن أتوقع في عهد الرئيس لحود أي منصب على الإطلاق، وكنت أعدّ نفسي للمعارضة. قبل أيام من تأليف الحكومة، تلك التي يرأسها رفيق الحريري، بدأت أقرأ في الصحف أن فارس بويز قد يُعيّن وزيراً ولكن ليس للخارجية، بل ستسند إليه وزارة أخرى قد تكون وزارة البيئة. في الحقيقة لم أكن أرغب في أن أكون وزيراً. قرأت موضوع وزارة البيئة وكأنه تحجيم لي، بينما أنا ليس لدي مبدئياً أي اعتراض على وزارة البيئة، وأحب البيئة ومطلع على الموضوع وفاجأت الجميع لاحقاً إذ كانوا يظنون أن فارس بويز لا يعرف إلا سياسة وخارجية ففوجئوا بأنني أفهم بالبيئة، لكنني تلقيتها في البداية وكأنها عملية تحجيم. أعددت لمؤتمر صحافي لأعلن استقالتي فور صدور المرسوم، في اليوم التالي إذ كان مرجحاً أن تصدر التشكيلة سريعاً.

لم يكن الحريري قد تشاور معي في الأمر، وإذ به يتصل بي ليلاً. طبعاً مع مجيء عهد الرئيس إميل لحود، كان الفتور، أو الخصومة، بيني وبين الرئيس الحريري قد انتهى طبيعياً. نعم، جمعتنا المصيبة. ربما كان ساهم (في إنهاء الخصومة) موضوع جاك شيراك وموضوع عبد الحليم خدام. اتصل بي الرئيس الحريري وسألني أين أنت؟ قلت له: موجود في بيتي. قال: أنا آت إليك. ليلة تأليف حكومة. الرئيس الحريري ينام باكراً... وبلغت الساعة التاسعة ليلاً وهو يريد أن يأتي إلى بلدتي الزوق خارج بيروت؟ جاء الحريري وقال لي: أريد منك أولاً أن تلغي المؤتمر الصحافي غداً. فقلت له: لماذا؟ قال لي: أنا أريد وزيراً. فقلت له: شو عدا ما بدا؟ قال: أنا أريد أشخاصاً جريئين مثلك يقدرون على الوقوف في وجه إميل لحود، وإلا سأصبح وحيداً في الداخل. أنا أريد موارنة يقفون في وجه إميل لحود. قلت له: هل تريد أن تستأجرني، تأخذني مرتزقاً، لأخوض لك حروبك؟. فقال لي: لا، لا أطلب منك أن تخوض حروبي، ولكنني أعرف أنك إذا كنت في مجلس الوزراء فستتصدى لإميل لحود. أنا أرجوك وأتمنى أن تعتبر الأمر تفاهماً بيني وبينك إلى أبد الآبدين.

إصرار الحريري

هذا سيكون عقداً بيننا للمستقبل. قلت له: دعنِي أقول لك أمراً. أنا لا أستطيع أن أدخل في حكومة مع رئيس جمهورية لا أتفاهم معه. هذا أمر غير طبيعي. أنا أصبحت وزيراً في عهد كنت فيه سوبر وزير، وكنت وزيراً حراً معطى كامل الصلاحيات، خاصة في السياسة الخارجية، ثم إن الرئيس إلياس الهراوي علاوة على علاقة القربى بيننا لم يكن يتعاطى في السياسة الخارجية، وكانت معي ورقة بيضاء للتعاطي في هذا الملف. هل آتي الآن «ميني وزير»، وزير بيئة، في حكومة إميل لحود وسأختلف معه على كل شيء تقريباً؟ العملية لن تركب.

أصررت على عدم القبول، وأصر رفيق الحريري إصراراً كلياً على أن أكون وزيراً، وأنه هو من اقترحني وهذه العملية (عدم قبولي) تخرّب تشكيلة الوزارة، وغداً سيأتي إميل لحود بشخص له (في مكاني). قبلت، وفي اليوم التالي بعد صدور المرسوم (تشكيل الحكومة)، قلت في المؤتمر الصحافي، الذي لم يكن هناك مجال لإلغائه ليلاً، إنهم يعتقدون أنهم حجّموني في وزارة البيئة، ولذلك أقول لهم إنني سأتعاطى أولاً وأساساً بالبيئة السياسية. معناها أنني سأقبل وسأتعاطى بالسياسة في الدرجة الأولى.

معارك مجلس الوزراء

وبالفعل، دخلنا إلى مجلس الوزراء وبدأت المعارك حتى في أدنى الأمور التقنية. كوزير بيئة، أنا مؤمن (بالعمل البيئي)، وأحب هذا العمل، وأردت أن أعمل. فمثلاً، أعددت مشروعاً يسمى «التخطيط الوطني للمقالع والكسّارات»، وهو أهم عمل تقوم به وزارة البيئة بأن تحدد أماكن حسب المواصفات والمعطيات، وجنّدت الوزارة كلها لإنجازه. كان إميل لحود يتهرّب من المشروع كلما أحضرته إلى مجلس الوزراء. لا يريد أن يمرره. لا يريد أن يسجّل أن فارس بويز استطاع أن يفعل شيئاً. أتذكر أنني أحضرت هذا المشروع أربع أو خمس مرات إلى مجلس الوزراء، وفي كل مرة يؤجله إميل لحود. وإذ في يوم من الأيام، أتلقى اتصالاً من رستم غزالة (مسؤول المخابرات السورية في لبنان).

كنت أمضيت تسع سنوات وزيراً للخارجية ولم يكلمني أحد من الأمنيين السوريين، فيما الآن وأنا وزير بيئة في عهد لا نفوذ لي فيه يتصل رستم غزالة ليقول لي: معالي الوزير، والله هذا المخطط التوجيهي للمقالع والكسارات، لماذا لا تمشون به؟ تسع سنوات لم يتصل بي أحد من السوريين، والآن جاء (غزالة) ليكلمني بالمقالع والكسارات؟! سوريا لا تكلّمك إلا في السياسة عادةً.

دُهشت، وقلت له: والله يا عميد عليك أن تسأل الرئيس لحود. فقال لي: ما هو موقفه؟ قلت له: أنا أعددت المشروع ومشروعي جاهز، ولكن لا أعرف لأي سبب الرئيس لحود لا يحبذ أن يمرره في مجلس الوزراء. في الجلسة التالية، قال لي إميل لحود: يا معالي الوزير لا نزال ننتظر منك مشروع الكسارات.. ابتسمت وفهمت أن رستم تحدث إليه. فقلت له: جيد أنكم استفقتم (للمشروع) يا فخامة الرئيس، لقد أحضرته خمس مرات إلى مجلس الوزراء وتهربتم منه، لا أعرف ماذا حصل اليوم حتى استفقتم عليه، ربما هناك أمر غير متوقع قد حصل. طبعاً، لماذا؟ لأن جهات سورية كانت لديها مصالح، ربما مع بعض الأحزاب التي تتلقى تمويلاً من (أصحاب) المقالع والكسّارات وقريبة منها، ويريدونها أن تستفيد من الأمر.

صلة الوصل بين لحود والسوريين

سألت بويز عن دور اللواء جميل السيد مدير الأمن العام في عهد إميل لحود، فتابع: كان اللواء جميل السيد صلة الوصل بين إميل لحود والسوريين، وهو الذي كان يُحضر، نوعاً ما، الأمر اليومي وهو كان عرّاب إميل لحود والضامن والمسؤول عن سلوكه. وهو الذي سوّق إميل لحود أصلاً وفتح له الخط مع الدكتور بشار الأسد في بداية الطريق.

حكم إميل لحود، وطرح التمديد له في نهاية ولايته. أنا كنت ضد التمديد، وعارضته في مجلس الوزراء ولم أوفّق طبعاً. وعارضت هذا التمديد في مجلس النواب ولم أوفّق أيضاً. ذهبت القصة نحو الانتخاب وكان موقفي واضحاً وصريحاً. عندما رجع رفيق الحريري من دمشق وأبلغنا بأنها قررت التمديد (للحود)، قلت له أنا سأستقيل. خاف رفيق الحريري (رحمه الله) وقال لي: دعنا نقطع صلة الوصل بيننا لئلا يظنون أنني دفعتك إلى الاستقالة. قلت له: لا لا، أنا سأستقيل وسأرفض التمديد. أنت ماذا تريد أن تفعل؟ قال لي: أنا لست قادراً على الرفض. هذا يأخذني إلى معركة كبيرة داخلياً. إلى حرب لست قادراً عليها. قلت له: مرة أخرى، يقع على الموارنة مسؤولية خوض المعارك. (فقال) لا تقدّم الاستقالة لي. صار رفيق الحريري القلق يتهرب مني كي لا يُتهم أنه وراء استقالتي. في اليوم التالي أعددت الاستقالة، ولم أرد أن أقدمها إلى إميل لحود، فقدمتها عبر الإعلام والتلفزيونات.

التمديد للحود... والتهديد السوري

يتذكر بويز الزيارة الشهيرة للحريري إلى دمشق حين طولب بتأييد التمديد للحود:

ذهب إلى سوريا أسبوعاً قبل التمديد لإميل لحود (عام 2004). كان يوم سبت، وكنت حينها في منزلي الجبلي في فقرا، وسمعت بأنه غادر دمشق الساعة الثانية بعد الظهر. اتصلت بقريطم في الرابعة لأستفهم منه (ما حصل في زيارته للعاصمة السورية)، فقيل لي إنه لم يصل بعد. بعد لحظات، أتلقى اتصالاً خفياً من صديق وهو من معاوني رفيق الحريري.

قال لي: أين أنت يا معالي الوزير؟ قلت له: أنا في الجبل. فقال لي: هو (الحريري) بالقرب منك، فاذهب إليه دون اتصال هاتفي. اذهب مباشرة. ذهبت. في البداية اعتقدت أن الموضوع غير صحيح. لم أشاهد حراسة حول المنزل. ولما وصلت إلى البيت فتح لي الباب فدخلت ووجدت رفيق الحريري وحده. جلست معه. هو استغرب كيف علمت أنه هناك. قلت له: علمت. قدّرت أنك هنا. ماذا فعلت؟ فقال لي: لا حول ولا قوة... يريدون التمديد. قلت له: هل خضت معركة في هذا الأمر؟ قال لي: أنت تريد أن تهينني؟ ماذا تعتقد؟ قلت: لا. قال لي، ورأيت الدمعة تسقط (من عينه): قالوا لي إننا سندمر لبنان على رأسك وعلى رأس جاك شيراك.

جاك شيراك ورفيق الحريري في باريس عام 2003 (غيتي)

ذهبنا إلى المجلس النيابي لجلسة الانتخاب. يومها، فيما كنت هيأت نفسي للذهاب، جاءني اتصال من العميد جميل السيد. كانت العلاقة بيننا طوال عهد الرئيس الهراوي باردة جداً. لم نكن نلتقي، لأنها بدأت في أوائل عهد الهراوي عندما أوقفت المخابرات بعض الشباب العونيين أو القواتيين الذين كانوا يكتبون على الجدران، فراجعت بشأنهم فحدث رد فعل عكسي، أي صاروا يريدون توقيفهم لأنني راجعت أنا بشأنهم. ضمن الحساسيات التي كانت موجودة. لم تكن هناك علاقة، وإذ اتصل بي صبيحة يوم الانتخاب في المجلس. استغربت. قال لي: معالي الوزير، العميد رستم غزالة يود التحدث إليك، هل لديك مانع؟ فقلت له: لا، لكنني أسمع أحياناً أنه يتحدث بكلام فوق السطوح، إن شاء الله لا يغلط معي في هذا الموضوع لأنني لا أعمل حسابات لأي شيء. فقال: لا لا، ولو! كيف هذا الكلام. بعد عشر دقائق اتصل رستم غزالة، وقال لي: معالي الوزير أنا كلفني سيادة الرئيس أن أتحدث معك، ونحن نفهم اعتراضاتك على الرئيس لحود، ولكن هناك تمنٍ عليك من سيادة الرئيس بأن تصوّت مع التمديد. فقلت له: هذا مستحيل، موقفي متخذ. أنت تعرف أنني لا أتراجع عن المواقف بسهولة. ثم عاد وقال لي: ممكن نطلب منك أن تتغيب عن الجلسة؟ فقلت له: ليس ممكناً، لأنني طلبت الكلام في الجلسة. فقال لي: لا يزال لدي طلب، افعل ما تشاء، ولكن هل يمكن أن نطلب منك ألا تتكلم؟ فقلت: سبق أن طلبت الكلام، كيف أطلب منهم العكس؟ الأمر ليس وراداً. وقلت له: انظر يا عميد، هذا الكلام موجّه لكم أكثر مما هو موجه إلى النواب اللبنانيين. اسمعه جيداً واعطني رأيك فيه.

جلسة البرلمان اللبناني للتمديد للرئيس إميل لحود عام 2004 (غيتي)

وبالفعل، ذهبت إلى الجلسة وجاء دوري وتكلمت، ونظرت إلى حلفاء سوريا، الحزب القومي وحزب البعث... إلخ، وقلت لهم: ويقال إن سوريا تتعرض لعملية تطويق ولعملية تضييق ولعملية إضعاف. صحيح، ومن الطبيعي أن تواجه، ولكن بربكم قولوا لي: بماذا وكيف تواجهون؟ رحم الله من قال يوماً إنه لا أحد يمكنه أن يجر سوريا إلى معركة لم تختر موقعها ولم تختر سلاحها، ولم تختر توقيتها. فأنتم بأي سلاح معطّل وبأي توقيت خاطئ وبأي ذخيرة مبللة تأخذون سوريا إلى هذه المعركة؟ بسلاح التمديد لإميل لحود؟ أنا أعتقد بأنكم تستكملون المؤامرة على سوريا وليس العكس.

وفي الحقيقة، وصلت إلى منزلي، وإذ بي أتلقى اتصالاً من رستم غزالة. قال لي: والله قسوت علينا يا معالي الوزير. فقلت له: أنا قلت الرأي الصريح، وهذا الرأي، أذكّرك بأنه موقف الرئيس حافظ الأسد عندما حاولت منظمة التحرير الفلسطينية أن تجره إلى صراع مع إسرائيل في الجولان لم يكن مهيئاً له. أنا أعتقد أنكم تجرون سوريا، تحت عنوان أنها مطوقة، إلى معركة خاسرة جداً. لا أعتقد أن هذه المعركة التي تستطيع حماية سوريا.

قرار مجلس الأمن.. وبصمات الحريري

سألت بويز إن كان يعتقد أن قرار مجلس الأمن الرقم 1559 (يطالب بخروج القوات السورية من لبنان) يحمل بصمات الحريري فأجاب: لا. أنا أعتقد أنه لا يحمل بصمات رفيق الحريري، ولا يحمل كما ادعى البعض بصمات ميشال عون ولا يحمل بصمات لبنانية. هذا القرار هو قرار أكبر من لبنان. هو قرار إسرائيلي. في البداية، هو قرار تحاول إسرائيل من خلاله إضعاف سوريا بعدما فشلت في استدراجها إلى اتفاق سلام. إضعاف سوريا عبر إخراجها من لبنان في الدرجة الأولى، والتضييق عليها بالدرجة الثانية.

أعتقد أن رفيق الحريري، وكما قيل الرئيس ميشال عون وغيرهم، لم يكن لهم دور في هذا الموضوع على قدر دور المحافظين الجدد الذين كانوا متحصنين في أميركا، ودور الإسرائيليين الذين كانوا يديرون المحافظين الجدد القريبين جداً من المناخ الإسرائيلي. هناك قناعة إسرائيلية ربما ساهمت في حرب العراق وثم حرب سوريا لإضعاف النظامين الرافضين للسلام مع إسرائيل أو إسقاطهما. أعتقد أن إسرائيل كانت تعتبر إخراج سوريا من لبنان يمثّل إضعافاً كبيراً لدورها.

يوم اغتيال الحريري

واسترجع بويز يوم اغتيال الحريري الذي دعاه إلى تناول الغداء معه في منزله، وروى.

موقع اغتيال الرئيس رفيق الحريري في بيروت عام 2005... بويز كان مدعواً لتناول الغداء معه (غيتي)

كان هناك في مجلس النواب نقاش للجان المشتركة حول قانون الانتخاب. وفيما كنت أصعد سلّم المجلس النيابي التقيت الرئيس الحريري نازلاً فبادرني بالقول: لماذا تضيّع وقتك، هذا القانون مُنزل، وهو يومئ باتجاه دمشق. فقلت له: أعرف أنه منزل، ولكن سأسجّل اعتراضي فقد طلبت الكلام (في الجلسة). فقال لي: اسمع مني ولنذهب لتناول الغداء معاً. ستكون (جلسة الغداء) مفيدة أكثر، ونرى ماذا سيأتينا مستقبلاً. فقلت له: لا، لياقةً، طلبت الكلام في الجلسة واقترب دوري. سأتحدث لخمس دقائق وألاقيك. قال: حسناً، إذا خرجت فوراً فستجدني في المقهى أتناول فنجاناً من القهوة مع الشباب، أي بعض النواب، وإذا تأخرت أكثر فالحق بي إلى بيتي في قريطم. قلت: حسناً. طبعاً لو استجبت لطلبه لذهبت معه بسيارته وقضيت معه (في الانفجار). هذه أول أعجوبة.

وصلت إلى باب قاعة المجلس، فوضعت يدي على الباب وإذ بي التقي بميشال المر، الذي كان يترأس اجتماع اللجان المشتركة بصفته نائباً لرئيس المجلس. قال لي: تأخرت يا معالي الوزير وذهب دورك. أنا لست مصراً على الكلام وأتيت لياقةً، فوضعت يدي على مسكة الباب لأغلقه فناداني قائلاً: لا، لا، أنا أمزح معك. في هذه اللحظة كان النائب أنور الخليل ينهي كلامه، فقال لي: تفضل. أيضاً لو خرجت لوجدت رفيق الحريري وذهبت معه في السيارة. دخلت وتحدثت بضع دقائق ثم خرجت فاستوقفني صحافيون على المدخل يريدون تصريحات. وبينما أعدّوا كاميراتهم وحضّروا أسئلتهم، خلال دقيقة أو دقيقة ونصف الدقيقة، بدأت أنا بالكلام. في هذا الوقت كان لا يزال رفيق الحريري في المقهى مقابل المجلس. بدأت أتكلم وفي هذه الأثناء دوّى صوت انفجار هائل، فرحل كل الصحافيين وبقيت أنا أسير الكاميرات وهي مضاءة، أي كانت تسجل، وأنا مقابلها وعرفت أنها صورة ستدخل التاريخ. فإذا هربنا فسيسجل علينا أننا هربنا. ومن الناحية الثانية لم أعد قادراً على الكلام لأنه لم يبق أحد في مواجهتي. بعد دقيقة جاء صحافي وقال لي: معالي الوزير انفجار، ألم تسمعه؟ عندئذٍ قلت تلك الكلمة وكأنني أفسّر للجمهور أن انفجاراً كبيراً وقع واسمحوا لنا أن نترك الكاميرات، ثم خرجت ورأيت دخاناً أسود يتصاعد. رأيته من درج المجلس.

هاتف قريطم

استقللت السيارة فوراً، وظننت أنه رفيق الحريري. اتصلت هاتفياً بقريطم وإذ أجابني مسؤول الهاتف: أهلاً معالي الوزير، هل تريد دولة الرئيس؟ قلت: نعم، أين هو؟ قال: هل تريد أن أحوّله لك؟ ظننت من أجابته أن الحريري لم يكن الهدف. قلت له: لا شكراً، أبلغه أنني آت. بعد لحظة، قال لي (النائب) فريد مكاري: ماذا؟ من برأيك؟ قلت له: أكيد ليس صاحبك، الآن اتصلت بقريطم وقالوا لي كذا. اتصل هو أيضاً، وقال له موظف الهاتف: تريد أن أحوّله لك؟

توجهت إلى مكان الانفجار لأرى ماذا حصل وذهلت من حجم الدخان الأسود، حجم النيران الملتهبة. هذا حصل بعد دقائق. حذّرني المرافقون من أن نتسمر في أرضنا لأن سيارات تأتي وتصطف خلفنا. لم نتمكن من معرفة شيء فكل المكان متفحم. لو استطعت أن أرى بقية السيارات لعرفت أنه رفيق الحريري، ولكن لا شيء ظاهراً، مما يجعلك تشك بأن شاحنة غاز أو شاحنة نفط احترقت. رجعنا، وأردت أن أذهب إلى بيت الحريري على أساس أنه ينتظرني على الغداء، وإذ بي ألتقي أمام فندق البريستول بالصحافي فيصل سلمان. توقفت وسألته: كيفك يا فيصل؟ فقال لي: العوض بسلامتك، الله يرحمه. قلت له: من؟ قال لي: الرئيس. قلت له: أي رئيس، فأجاب: الحريري. قلت له: كيف؟ أنا ذاهب لأتغدى معه. قال: أين ستتغدى؟ أنا عائد من برّاد مستشفى الجامعة الأميركية حيث جثته. لم أصدق. أكملت إلى قريطم ورأيت التجمع والناس تسب وتشتم، ففهمت أن القصة حقيقية.

ذهبت من هناك إلى منزل وليد جنبلاط الذي استبقاني على الغداء. قال لي: الساعة الخامسة هناك اجتماع في منزل الحريري، اجتماع جامع لكل ما سيسمى فيما بعد (14 آذار). نحو 50 شخصية. ذهبنا أنا ووليد جنبلاط. وكان ذلك أول خطأ أننا ذهبنا بالسيارة ذاتها إلى منزل الحريري. والخطأ الثاني أننا دخلنا معاً. الخطأ الثالث أننا جلسنا متجاورين. اكتمل حضور الشخصيات، وإذ يقوم وليد جنبلاط ويقول: يا إخوان، إن الثورة تُقطف في لحظاتها، فإذا لم نوجه الآن المظاهرات إلى قصر بعبدا للإطاحة بإميل لحود فسنفشل وسينجح في البقاء وسيقضي علينا. وأنا أشهد له بهذا الحس والحدس. قال: لنرسل هذه الجماهير الغاضبة ونستفيد من هذا الغضب ونرسلهم إلى التظاهر أمام قصر بعبدا مطالبين بإسقاط رئيس الجمهورية كونه المسؤول المعنوي عن الجهاز الأمني. وإذ هنا، يقوم الموارنة المسترئسون، ويقولون له: ماذا لو دخلنا في الفراغ في هذه الظروف؟ فيرد عليهم جنبلاط قائلاً: أنا أجريت اتصالات مع الفريق الآخر، أي سوريا و«حزب الله»، وعندي تأكيد أنهم يقبلون بمرشح توافقي، شرط ألا يكون عدواً لهم. المرشح التوافقي أفضل كثيراً من بقاء إميل لحود الذي هو عدونا ويريد أن يقضي علينا. هنا انشغل بالمسترئسين: من هو هذا المرشح التوافقي؟ ويستشعرون أن وليد جنبلاط دخل مع فارس بويز وجلسا قرب بعضهما بعضاً، ويطلعون بحجة ثانية: لا نستطيع في هذا الموضوع تجاوز البطريرك الماروني، فالإطاحة برئيس جمهورية ماروني ليست أمراً عادياً وتحتاج إلى موافقة من البطريرك نصر الله بطرس صفير. فرد وليد جنبلاط قائلاً: اسمعوا مني ولا تضيعوا لحظة هذا الغضب، إذا مرت لحظة هذا الغضب فلن تستطيعوا أن تفعلوا شيئاً بعدها. لكنهم كانوا مصرين على موقفهم.

إضعاف 14 آذار

خرجنا من الاجتماع، فقال لي وليد جنبلاط: أنا أجريت اتصالاً عبر غازي العريضي بالسيد حسن نصر الله، وبالسوريين عبر رستم غزالة الذي اتصل بقيادته وليس لديهم مانع. هم لن يقيلوا إميل لحود، ولكن ليس لديهم مانع، إذا ذهب تحت ضغط مظاهرات، أن يكون هناك رئيس وفاقي، شرط ألا يكون عدواً لا لهذا ولا لذاك. ويبدو أن اسمك، هو الاسم المقبول. قلت له: سأذهب إلى البطريرك. ذهبت إلى البطريرك وأصبحت الساعة وقتها الثامنة والنصف مساءً، والبطريرك يذهب في هذا الموعد إلى النوم.

يبدو أن الآخرين سبقوني إليه. تحدثت معه وقلت له إن وليد جنبلاط يدعو إلى إسقاط رئيس الجمهورية. فقال لي البطريرك: هل كلّما ضرب الكوز بالجرة نقيل رئيساً؟ فقلت له: سيّدنا، مقتل الحريري ليس كوزاً ضرب بجرة، هذا زلزال إقليمي، كيف تنظر إليه هكذا؟ فقال لي: من الذي يضمن لنا أننا لن نذهب إلى الفراغ؟ فقلت له: وليد جنبلاط أجرى اتصالات. فقال لي: أين الضمانة؟ ومن هو الشخص الذي يمكن أن يكون مقبولاً؟ فهمتُ أن الآخرين، أي المسترئسين الموارنة، سبقوني وألّبوا البطريرك... وفعلاً، بقي إميل لحود وأضعف (حركة) 14 آذار.

غداً حلقة ثالثة


مقالات ذات صلة

لبنان بين شبح جولة حرب جديدة وواقع الاشتباك المضبوط

المشرق العربي سيارة محملة بالأمتعة في مدينة صيدا حيث يعود النازحون هرباً من تجدد التصعيد بجنوب لبنان (رويترز)

لبنان بين شبح جولة حرب جديدة وواقع الاشتباك المضبوط

يتسارع التصعيد الإسرائيلي في لبنان متجاوزاً «الخروق» إلى عمليات أوسع تطول الجنوب وتمتد إلى البقاع.

صبحي أمهز (بيروت)
خاص علم لبناني يرفرف على خيمة نازحين في مخيم مؤقت وسط وقف مؤقت لإطلاق النار بين لبنان وإسرائيل... في بيروت (رويترز)

خاص اقتصاد لبنان «يتوغّل» في حال عدم اليقين... والتضخم يستعيد زخم الارتفاع

حسم مصرف لبنان المركزي جدليّات التباين الصريح في التقديرات الرقمية لتحديثات حجم الناتج المحلي، ليستقر عند مستوى 33 مليار دولار مطلع العام الحالي.

علي زين الدين (بيروت)
المشرق العربي جانب من الدمار اللاحق بمباني الضاحية الجنوبية لبيروت (رويترز)

لبنانيون يدفعون تكلفة مضاعفة للحرب بتدمير منازلهم في الجنوب والضاحية

لا تبدأ الحكاية هنا من غارة، ولا تنتهي عند وقف إطلاق نار. في جنوب لبنان، تُقاس الحرب بقدرتها على التكرار، لا بمدّتها.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي جندي إسرائيلي يوجه دبابة على الضفة الإسرائيلية من الحدود مع لبنان (رويترز)

خروقات كبيرة تهدد اتفاق وقف إطلاق النار في لبنان

يترنّح اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل الذي مدده الرئيس الأميركي دونالد ترمب لثلاثة أسابيع إضافية، إثر تصعيد عسكري.

نذير رضا (بيروت)
المشرق العربي مناصرون لـ«حزب الله» يشاركون في تشييع 4 مقاتلين من الحزب قتلوا في مواجهات مع الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان (رويترز)

اتصالات لخفض التصعيد في جنوب لبنان ونتنياهو يتهم «حزب الله» بتقويض الهدنة

تكثفت الاتصالات الدبلوماسية، الأحد، لتطويق التصعيد الكبير في جنوب لبنان، على وقع اتهام رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لـ«حزب الله» بـ«تقويض الهدنة».

«الشرق الأوسط» (بيروت)

العراق: انطلاق مشاورات لتوزيع حقائب الوزارة الجديدة

لحظة تكليف علي الزيدي تشكيل الحكومة العراقية الجديدة (رئاسة الجمهورية)
لحظة تكليف علي الزيدي تشكيل الحكومة العراقية الجديدة (رئاسة الجمهورية)
TT

العراق: انطلاق مشاورات لتوزيع حقائب الوزارة الجديدة

لحظة تكليف علي الزيدي تشكيل الحكومة العراقية الجديدة (رئاسة الجمهورية)
لحظة تكليف علي الزيدي تشكيل الحكومة العراقية الجديدة (رئاسة الجمهورية)

نجحت قوى «الإطار التنسيقي» في طرح علي الزيدي، مرشحاً لرئاسة الوزراء بعد يومين من دخول البلاد حالة الخرق الدستوري، بعد بانتهاء الفترة المحددة لرئيس الجمهورية بتكليف مرشح الكتلة الأكبر.

وأمام الزيدي فترة اختبار حاسمة تمتد لـ30 يوماً لاختيار الكابينة الوزارية لطرحها أمام البرلمان لنيل ثقته. وإذا ما نجح في ذلك سيكون ضمن لائحة رؤساء الوزراء الثمانية الذين تسنموا المنصب منذ عام 2004.

وقال أعضاء من «الإطار التنسيقي»، لـ«الشرق الأوسط»، إن «المشاورات الأولية لتحديد ملامح الحكومة وتوزيع الحقائب بدأت بالفعل»، لكنهم استبعدوا أن «يكون الطريق معبداً أمام الزيدي».

وقام رئيس الجمهورية نزار آميدي بتكليف الزيدي مساء الاثنين، بحضور رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان، ورئيس مجلس النواب هيبت الحلبوسي ومجموعة من قادة الكتل السياسية.

وقال «الإطار التنسيقي» في بيان: «بعد تدارس أسماء المرشحين، جرى اختيار علي الزيدي، ليكون مرشح كتلة (الإطار التنسيقي)، بوصفها الكتلة الأكبر في مجلس النواب، لشغل منصب رئيس مجلس الوزراء وتشكيل الحكومة المقبلة».

وفي إشارة إلى أنهما كانا وراء اختيار الزيدي للتكليف لأنهما سبق أن تقدما للترشيح لمنصب رئاسة الوزراء، ثمّن «الإطار التنسيقي» «المواقف التاريخية المسؤولة لرئيس ائتلاف (دولة القانون) نوري المالكي، ورئيس ائتلاف (الإعمار والتنمية) السيد محمد شياع السوداني، عبر التنازل عن الترشيح لرئاسة وتشكيل الحكومة المقبلة».

ويمتلك تحالف «الإعمار والبناء» الذي يقوده السوداني نحو خمسين مقعداً في البرلمان وهو التحالف الأكثر تمثيلاً، في حين يتجاوز ائتلاف المالكي سقف الثلاثين مقعداً.

المكلف تشكيل الحكومة العراقية علي الزيدي (واع)

دور حاسم

في المقابل، تميل بعض الأوساط السياسية للاعتقاد بأن رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان كان له دور في اختيار علي الزيدي لرئاسة الحكومة.

ورغم نجاح القوى الإطارية في تجاوز حالة الانسداد السياسي الممتدة لأكثر من 5 أشهر من تقديمه مرشحها، غير أن بعض المراقبين لا يستبعدون أنها اختارت الزيدي لتلافي الحرج والانتقادات الشعبية واسعة النطاق التي تعرضت لها خلال الأسابيع والأشهر الماضية نتيجة عدم اتفاقها على اختيار شخصية للمنصب التنفيذي الأول.

وحسب بعض المراقبين، فان ترشيح الزيدي سيمنحها ما لا يقل عن 60 يوماً إضافية لاختيار مرشح جديد في حال لو لم ينجح الزيدي في إنتاج حكومته.

وفي فبراير (شباط) 2020 كلّف رئيس الجمهورية الأسبق برهم صالح السياسي محمد توفيق علاوي، قبل أن يخفق الأخير في مهمته ويقدم اعتذاره. وفي الشهر التالي من العام نفسه عاد برهم صالح ليكلف السياسي والنائب عدنان الزرفي الذي أخفق هو الآخر في إنجاز مهمة تشكيل الحكومة.

دعم سياسي

وحصل المرشح الجديد علي الزيدي على دعم ومباركة معظم القوى السياسية الممثلة في البرلمان والحكومة، وضمنها القوى الكردية ممثلة برئيس إقليم كردستان نيجرفان برزاني رغم انسحاب ممثلي الحزب «الديمقراطي» الكردستاني في البرلمان والحكومة الأسبوع ما قبل الماضي.

ولم يُعرف شيء عن الموقف الأميركي حيال المرشح الجديد، وهو الموقف المنتظر الأهم من بين بقية المواقف، ويتساءل كثيرون عن شروط القبول الأميركي خاصة مع عقوبات أميركية سابقة بمنع تعامل مصرف «الجنوب» الذي يملكه بالدولار الأميركي.

في مقابل ذلك، رحبت المملكة المتحدة، وفرنسا وألمانيا، الثلاثاء، بتكليف علي الزيدي تشكيل الحكومة العراقية الجديدة. وأعربت السفارة البريطانية في العراق، عن تمنياتها للزيدي «النجاح في تشكيل حكومة جديدة بسرعة».

إلى ذلك، أكد رئيس الحكومة المنتهية ولايتها محمد السوداني «حرصه على دعم الزيدي لإنجاح مهمته في تشكيل الحكومة الجديدة، وتعزيز مبدأ التداول السلمي للسلطة وفق الآليات الدستورية والديمقراطية»، مشيراً إلى أن المرحلة الراهنة تتطلب جهوداً مضاعفة من جميع الأطراف لتجاوز التحديات وتحقيق المصلحة العامة وإرساء الاستقرار في عموم العراق.

وحول عملية اختيار رجل أعمال من خارج منظومة الأحزاب والقوى السياسية الشيعية، قال مصدر قيادي في «الإطار التنسيقي» يبدو أن «الأمر يتعلق بتغيير الواجهة السياسية أو عملية تدوير كاملة؛ نظراً للتحديات القائمة وضمنها الضغوط الأميركية المتواصلة».

ويضيف، أن «القوى الإطارية أرادت ربما تقديم انطباع جديد للقوى الإقليمية والدولية بإمكانية التقديم نحو مسار جديد بعيداً عن البنى والشخصيات التقليدية المنتمية إلى الأحزاب والقوى السياسية من خلال طرح مرشح من خارجها».

ويقرّ المصدر بـ«صعوبة المهمة التي يواجهها السعدي، خاصة مع عدم استناده إلى أي حزب او كتلة برلمانية وازنة، لكن علاقاته الممتدة والجيدة مع معظم القوى السياسية قد تساعده على النجاح في مهمته».

السوداني مستقبلاً المكلف علي الزيدي (إعلام حكومي)

انتقادات شعبية

شعبياً، لم يمر اختيار علي الزيدي لرئاسة الوزراء من دون طرح الكثير من الأسئلة وعلامات الاستفهام، بالنظر إلى أنه لم يمارس العمل السياسي سابقاً ولم يشارك في انتخابات برلمانية سابقة، فضلاً عن الأقاويل التي تدور حول استحواذ شركاته على عقود تغذية للجيش في وزارة الدفاع، وعقود البطاقة الغذائية في وزارة التجارة، إلى جانب العقوبات الأميركية ضد مصرفه التجاري.

وطرح الكثير من الكتاب والمراقبين أسئلة وعلامات استفهام مماثلة حول المرشح الجديد، ورأى الكاتب والرئيس السابق لـ«شبكة الإعلام العراقية» محمد عبد الجبار الشبوط، أن «المشكلة هنا لا تتعلق بشخص بعينه، بل بمنهج كامل في إدارة السلطة. حين يُختزل منصب رئيس الوزراء إلى تسوية داخلية بين قوى متنافسة، بدل أن يكون نتيجة تفويض سياسي واضح أو تنافس برامجي علني، فإن العملية السياسية تفقد معناها الحقيقي، وتتحول نظاماً مغلقاً يُدار خارج إرادة الناخبين».

وأضاف، أن «أي رئيس حكومة لا يستند إلى قاعدة سياسية حقيقية، ولا يحمل برنامجاً معلناً تمكن محاسبته عليه، سيكون عاجزاً منذ اللحظة الأولى عن ممارسة السلطة الفعلية. إذ كيف تمكن إدارة دولة معقدة مثل العراق، بكل تحدياتها الاقتصادية والأمنية والخدمية، من دون رؤية واضحة؟ وكيف تمكن مساءلة حكومة لا يعرف المواطن ما الذي تعهدت به أصلاً؟».

وخلص الشبوط للقول، إن «الأخطر من ذلك أن هذا النوع من التكليف يكرّس نمطاً خطيراً من الحكم، يقوم على إنتاج رئيس وزراء ضعيف».

الاجتماع الذي انتهى باختيار الزيدي رئيساً للحكومة العراقية (الإطار التنسيقي)

«الإفلات من العقوبة»

من جهته، حذَّر المرصد العراقي لحقوق الإنسان، الثلاثاء، رئيس مجلس الوزراء المكلّف علي الزيدي من حصر البرنامج الحكومي الجديد بالمحاصصة وتقاسم المناصب، مؤكداً أن الاختبار الحقيقي للحكومة المقبلة يبدأ بالكشف عن قتلة المتظاهرين، وحسم ملف المغيبين، وإنهاء الإفلات من العقاب.

وقال المرصد، في بيان، إن تكليف الزيدي يأتي في واحدة من أكثر المراحل حساسية وتعقيداً في تاريخ العراق الحديث، في ظل تراكم الأزمات السياسية والاقتصادية والأمنية، واتساع فجوة الثقة بين المواطن والدولة.

وأضاف أن أي برنامج حكومي لا يضع حماية الإنسان العراقي وكرامته وحرياته في صلب أولوياته، سيكون عاجزاً عن إحداث تغيير حقيقي، مهما حمل من وعود سياسية أو اقتصادية.

وأكد أن الزيدي، بوصفه مكلّفاً تشكيل الحكومة ومنحدراً من خلفية حقوقية، مطالب بإثبات أن العدالة ليست مجرد خطاب سياسي، بل سياسة دولة قادرة على مواجهة مراكز النفوذ التي عطّلت القانون لسنوات.


توغل إسرائيلي جديد في ريف درعا الغربي

قرية معرية بمنطقة حوض اليرموك في ريف درعا الغربي (سانا)
قرية معرية بمنطقة حوض اليرموك في ريف درعا الغربي (سانا)
TT

توغل إسرائيلي جديد في ريف درعا الغربي

قرية معرية بمنطقة حوض اليرموك في ريف درعا الغربي (سانا)
قرية معرية بمنطقة حوض اليرموك في ريف درعا الغربي (سانا)

توغلت قوات الاحتلال الإسرائيلي، الثلاثاء، في قرية معرية بمنطقة حوض اليرموك في ريف درعا الغربي. وأفادت وكالة الأنباء الرسمية (سانا) بأن قوة إسرائيلية تضم نحو 20 آلية، جالت في شوارع القرية وسط تحليق للطيران المسير، قبل أن تنسحب من المنطقة.

وتواصل إسرائيل توغلاتها واعتداءاتها وانتهاكاتها داخل الأراضي السورية، بينما يطالب أهالي المعتقلين السوريين لدى إسرائيل الحكومة السورية بالتحرك لإطلاق سراح أبنائهم، وجعله شرطاً لبدء أي مفاوضات مع إسرائيل.

وانطلقت القوة العسكرية الإسرائيلي من ثكنة عسكرية تعرف بـ«الجزيرة»، 800 م غرب بلدة «معرية» بريف درعا الغربي، حيث تتمركز القوات الإسرائيلية هناك منذ أواخر عام 2024.

منع أهالي قرية عابدين بمنطقة حوض اليرموك في الريف الغربي لدرعا دخول الجنود الإسرائيليين إلى القرية في 16 ديسمبر 2024 (درعا 24)

وأفاد ناشطون في درعا بأن القوة توغلت داخل قرية معرية في منطقة حوض اليرموك، وجالت في شوارع القرية، مسببة حالة من التوتر لدى الأهالي، دون تسجيل مواجهات أو اعتقالات، بينما لم تتضح الأهداف المباشرة لهذا التحرك.

وتعد نقطة «الجزيرة» منطقة ذات أهمية استراتيجية كونها تفصل بين وادي الرقاد ووادي اليرموك، وتشرف على حدود الجولان المحتل وحدود الأردن، وتطل على قرى في حوض اليرموك. وتستخدم إسرائيل نقطة «الجزيرة» مركزاً لانطلاق عمليات التوغل باتجاه قرى «معرية وعابدين وكويا» بريف درعا الغربي.

وكانت دوريات إسرائيلية قد نُفذت في 25 أبريل (نيسان) الحالي، توغلاً عبر الحدود نحو مناطق بين قريتي «جملة ـ صيصون»، تحت غطاء من القنابل المضيئة أضاءت سماء الشريط الحدودي. في تكرار شبه يومي للتحركات العسكرية الإسرائيلية في ريفي درعا الغربي والقنيطرة، وسط حالة من التوترات الأمنية في المنطقة الجنوبية بمحاذاة الجولان المحتل، وذلك منذ الإطاحة بنظام الأسد.

منشورات ألقاها الطيران الإسرائيلي على قرية كويا في حوض اليرموك بريف درعا الغربي تُحذر السكان من حمل السلاح أو الوصول إلى أراضيهم الزراعية (درعا 24)

وخرقت إسرائيل اتفاق فضّ الاشتباك لعام 1974، وواصلت الاعتداء على الأراضي السورية وانتهاك حياة المدنيين في القرى الواقعة على خط الفصل، وشنت حملات دهم واعتقال وتجريف الأراضي الزراعية، لا سيما في مناطق جباتا الخشب وكودنة والرفيد في محافظة القنيطرة وقرى ريف درعا الغربي وحوض اليرموك.

لافتة رفعها أهل معتقل سوري لدى إسرائيل (الإخبارية)

ويوجد في المعتقلات الإسرائيلية 48 معتقلاً من أبناء محافظات ريف دمشق ودرعا والقنيطرة، منهم من أمضى أكثر من عام، وفق ما كشفته وقفة احتجاجية لأهالي المعتقلين أمام وزارة الخارجية السورية في العاصمة دمشق، الأحد الماضي.

ويطالب أهالي المعتقلين الحكومة السورية بتكثيف جهودها لدى المنظمات الدولية للتدخل والكشف عن مصير أبنائهم واشتراط إطلاق سراحهم في أي عمل تفاوضي ومستقبلي مع الجانب الإسرائيلي، وتشكيل خلية عمل أو لجنة في وزارة الخارجية للتواصل المباشر مع الأهالي وتبني قضيتهم في الإعلام الرسمي والوطني، وطرح قضايا المعتقلين في المحاكم والمحافل الدولية.

قريبة أحد الموقوفين في إسرائيل ترفع لافتة تطالب فيه الحكومة السورية بإعادته (الإخبارية)

ولبعض العائلات أكثر من معتقل أو مختطف من قبل إسرائيل، وبين المعتقلين فتية لم يتجاوزوا السبعة عشر عاماً، ومنهم تلاميذ مدارس، كما يطالب الأهالي بجدية أكبر في التعامل مع قضية أبنائهم وسط أنباء عن بدء إسرائيل بمحاكمة عدد منهم واحتمال صدور أحكام بالسجن.

وكان الرئيس السوري أحمد الشرع قد دعا الاتحاد الأوروبي في مؤتمر صحافي، عقب مشاركته في قمة قادة الاتحاد الأوروبي في نيقوسيا، في 24 أبريل الحالي إلى اتخاذ موقف حازم من الاعتداءات الإسرائيلي، وقال: «أضع الاتحاد الأوروبي أمام مسؤوليته تجاه الانتهاكات الإسرائيلية للأراضي السورية، وهذه الاعتداءات تستهدف الاستقرار والأمن وجهود إعادة الإعمار في سوريا»، مشدداً على أن التوازن الجيوسياسي بين أوروبا والمنطقة «لا يقبل التجزئة» محذراً من انعكاسات التصعيد على الاستقرار الإقليمي وأمن الطاقة العالمي.

وتطالب سوريا باستمرار بخروج الاحتلال الإسرائيلي من أراضيها، مؤكدة أن جميع الإجراءات التي يتخذها في الجنوب السوري باطلة وملغاة، ولا ترتّب أي أثر قانوني وفقاً للقانون الدولي، كما تدعو المجتمع الدولي إلى الاضطلاع بمسؤولياته، وردع ممارسات الاحتلال، وإلزامه بالانسحاب الكامل من الجنوب السوري.


الجيش الإسرائيلي يطالب بإخلاء 16 قرية في جنوب لبنان

تصاعُد الدخان جراء الغارات الإسرائيلية على جنوب لبنان (رويترز)
تصاعُد الدخان جراء الغارات الإسرائيلية على جنوب لبنان (رويترز)
TT

الجيش الإسرائيلي يطالب بإخلاء 16 قرية في جنوب لبنان

تصاعُد الدخان جراء الغارات الإسرائيلية على جنوب لبنان (رويترز)
تصاعُد الدخان جراء الغارات الإسرائيلية على جنوب لبنان (رويترز)

طالب الجيش الإسرائيلي، اليوم (الثلاثاء)، بالإخلاء الفوري لـ16 قرية في جنوب لبنان، وفق ما أوردته «وكالة الأنباء الألمانية».

ووفق الوكالة الوطنية للإعلام اللبنانية: «أنذر جيش العدو الإسرائيلي، اهالي قرى وبلدات الغندورية، وبرج قلاويه، وقلويه، والصوانة، والجميجمة، وصفد البطيخ، وبرعشيت، وشقرا، وعيتا الجبل، وتبنين، والسلطانية، وبير السلاسل، وكفدونين، وخربة سلم، وسلعا، ودير كيفا».

ودعا الجيش أهالي هذه القرى إلى إخلاء منازلهم والابتعاد من المنطقة المحددة باتجاه قضاء صيدا.

ياتي ذلك بالتزامن مع تواصل القصف الإسرائيلي على القرى والبلدات اللبنانية، حيث استهدفت مسيَّرة إسرائيلية دراجة نارية في بلدة مجدل زون في قضاء صور.

وأشارت الوكالة إلى أن فرق الإسعاف عملت على نقل إصابتين إلى مستشفيات صور.

يُذكر أن اتفاقاً لوقف إطلاق النار دخل حيز التنفيذ بدءاً من منتصف ليل يوم الخميس قبل الماضي، بعد أسابيع من الغارات الجوية الإسرائيلية التي بدأت فجر الثاني من مارس (آذار) الماضي، رداً على هجمات لـ«حزب الله».