غلاء فاحش وفوضى في الأسعار يهددان السوريين بالمجاعة

ازدياد أمراض الاكتئاب والجلطات القلبية لدى الشباب

دواجن معروضة للبيع في سوق في دوما بسوريا يونيو الماضي (رويترز)
دواجن معروضة للبيع في سوق في دوما بسوريا يونيو الماضي (رويترز)
TT

غلاء فاحش وفوضى في الأسعار يهددان السوريين بالمجاعة

دواجن معروضة للبيع في سوق في دوما بسوريا يونيو الماضي (رويترز)
دواجن معروضة للبيع في سوق في دوما بسوريا يونيو الماضي (رويترز)

سيطر الوجوم على الشارع السوري مع تسارع هبوط العملة المحلية المترافق مع فوضى غير مسبوقة في الأسعار التي ترتفع على مدار الساعة، وسط تحذيرات من مجاعة تهدد السوريين بسبب تدني الدخل أمام الغلاء الفاحش، بينما الحكومة تلتزم الصمت، وقد دعا مجلس الشعب إلى عقد دورة استثنائية، الاثنين، لدراسة ومناقشة الواقع الاقتصادي والمعيشي وسعر صرف الليرة السورية.

وأوضح المجلس في بيان نشر في الإعلام الرسمي، أن الهدف من الدورة الاستثنائية دراسة ومناقشة الواقع الاقتصادي والمعيشي وسعر صرف الليرة السورية.

وقالت مصادر متابعة في دمشق لـ«الشرق الأوسط»، إنه من المنتظر أن يتم استجواب الحكومة حول الأسباب التي أدت إلى التدهور المتسارع في سعر الصرف وما أحدثه من فوضى، ومناقشة سياستها في لجم ارتفاع الأسعار، وضرورة رفع الرواتب والأجور.

انهيار مستمر لليرة

وواصلت الليرة السورية انهيارها أمام العملات الأجنبية، حيث حدد المصرف المركزي سعر صرف دولار الحوالات بـ 9900 ليرة، يوم الأحد الذي وصل فيه سعر الصرف في السوق الموازية، إلى 12550 ليرة مقابل الدولار في أسواق العاصمة دمشق، وفي حلب إلى 12750 ليرة، ليعود ويأخذ طريق الهبوط بشكل غير مفهوم في ساعات بعد الظهر ليصل إلى 12300 ليرة في دمشق، وفي حلب 12450 ليرة مقابل الدولار الأميركي الواحد.

صورة أرشيفية لمحل ذهب في دمشق (سيتونيك)

وبالتوازي مع ذلك، ارتفع سعر غرام الذهب في أسواق دمشق يوم الأحد، ليلامس حاجز 700 ألف ليرة، إذ سجل سعر غرام الذهب عيار (21) 695 ألف ليرة. وترافق انهيار الليرة بالإقبال على شراء ذهب الادخار، لا سيما الليرات الذهبية والأونصات. وفي تصريح للإعلام المحلي، قال رئيس جمعية الصياغة بدمشق، إنه يوجد نحو 250 ورشة لصناعة المشغولات الذهبية، مقابل ورشة واحدة لصناعة الأونصات والليرات الذهبية، وهناك ضغط عليها؛ لذلك لا تستطيع تغطية حاجة السوق منها، ويوجد نقص وشح بالكميات في الأسواق.

وتشير الأرقام الرسمية المتداولة إلى ارتفاع بالأسعار بنسبة 25%، بينما واقع الأسواق يؤكد ارتفاعات بنسبة 100% لغالبية السلع الضرورية خلال أقل من شهر، مقابل تراجع المبيعات.

أسواق الخضار في دمشق المعروض أكثر من قدرة المشترين

بائع خضراوات وفواكه في سوق الشيخ محيي الدين الشعبي، قال إنه خفض كميات بضاعته إلى أكثر من النصف، ومع ذلك لا أحد يشتري. فجرزة بقدونس أو نعناع بـ1000 ليرة، والبندورة بـ 6000 آلاف، والليمون الحامض 12000 ألف وما فوق، كيلو التفاح الموسمي بـ 1800، وكذلك الكرز والدراق. ويقول: «انظروا السوق، لا توجد فواكه وخضراوات طازجة أغلبها أصابها الذبول». ويضيف بقسم أن دخل المحل لا يغطي نفقات نقل البضاعة من سوق الهال: «لم نعد نعرف بأي سعر نشتري، وبأيها نبيع».

وأكدت مصادر تجارية في دمشق لـ«الشرق الأوسط»، امتناع التجار عن طرح الكثير من المواد الغذائية المستوردة في الأسواق، ما أدى إلى افتقادها وارتفاع أسعارها، كالسكر الذي تجاوز سعر الكيلو منه 18000 ألف ليرة في بعض الأسواق، حيث يبلغ متوسط سعر كيلو السكر المستورد بالجملة نصف دولار، ويطرح بالأسواق بما يعادل الدولار، وقبل شهر كان سعره 8000 ليرة، بينما وصل اليوم إلى 18000 ألف.

صراف في أحد محال الصرافة في دمشق (أ.ف.ب)

وأشارت المصادر إلى عجز الحكومة عن اتخاذ قرارات تسهم في تخفيض الأسعار، فهي تصدر قراراً لتسهيل الاستيراد وتردفه بتعليمات تنفيذية تكبل القرار، بحيث تبقي الباب موارباً ويدها على المقبض تفتحه وتغلقه متى تشاء ولمن تشاء. وبهذه الشروط لا يعمل إلا تاجران إما مقامر وإما ذو نفوذ.

ولفتت المصادر إلى سلسلة الأسباب المترابطة التي تسهم برفع الأسعار، منها صعوبة الاستيراد، وأزمة الوقود والطاقة، وارتفاع تكاليف الإنتاج والشحن، وانهيار العملة المحلية، وجميعها يرتبط بانسداد أفق الحل السياسي والتصعيد العسكري في شمال وشرق البلاد.

ومن جانبه، حذر المرصد السوري لحقوق الإنسان، من وصول السوريين إلى «حافة الهاوية والمجاعة». وجاء في تقرير له الأحد، أن الـ 100 دولار أميركي تساوي مليوناً و250 ألف ليرة سورية (أصبحت مليوناً ونصف المليون بعد ساعات قليلة من صدور تقرير المرصد)، بينما راتب الموظف والمتقاعد الحكومي لا يزال ثابتاً بكافة فئاته، حيث «يبلغ متوسط الراتب الشهري أقل من 10 دولارات أميركية، وهو أقل مرتب في العالم، ولا يكفي سداد احتياجات العائلة ليوم واحد فقط». المرصد طالب المجتمع الدولي «برمي طوق النجاة والتدخل لإغاثة السوريين، قبل أن يصبح السواد الأعظم من الشعب السوري يعيش في حالة سوء تغذية ومجاعة بسبب الغلاء الفاحش».

مستشفى ابن رشد للأمراض النفسية في دمشق

وازدادت في الفترة الأخيرة نسب الإصابة بالجلطات القلبية بين فئة الشباب بشكل لافت، وأرجع الدكتور نبوغ العوا، السبب إلى «انخفاض المناعة الذاتية نتيجة التوتر النفسي، والعادات غير الصحية مثل التدخين، والإرهاق في العمل لا سيّما في الظروف الحالية والإمكانات المادية المحدودة».

وقال الدكتور العوا في تصريحات للإعلام المحلي إنّ «الحزن والكآبة ينقصان المناعة وفق الإثباتات العلمية»، مضيفاً أنّ ثلاثة أرباع الشعب السوري مهموم، في ظل الأوضاع الحالية.

وفي السياق نفسه، أكدت مصادر طبية ازدياد الأمراض الناجمة عن الاكتئاب النفسي؛ حيث أكدت أكثر من دراسة محلية في الجامعات السورية ارتفاع نسبة الأعراض الاكتئابية أكثر من النسب العالمية المتعارف عليها. مع ارتفاع أعداد وصفات الأدوية النفسية العام الحالي بنسبة تصل إلى 70% عن العامين الماضيين، خصوصاً أدوية الاكتئاب.


مقالات ذات صلة

احجاجات معيشية في شمال شرقي سوريا

المشرق العربي 
تجمع احتجاجي للأهالي على طريق الهول ــ الحسكة أمس (مرصد الحسكة)

احجاجات معيشية في شمال شرقي سوريا

شهدت منطقة الهول، التابعة لمحافظة الحسكة في شمال شرقي سوريا، أمس (الأحد)، احتجاجات للأهالي العرب؛ قطعوا خلالها بعض الطرقات، ومنعوا رتل صهاريج المحروقات.

سعاد جرّوس (دمشق)
المشرق العربي عائلات كردية من مكتومي القيد ينتظرون للتقديم على الجنسية السورية (أناضول)

«مفوضية اللاجئين» ترحب بجهود دمشق حيال مكتومي القيد من أكراد سوريا

رحّبت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بالجهود المبذولة لتنفيذ المرسوم الرئاسي رقم 13 لعام 2026 الذي يتيح للسوريين الأكراد الحصول على الجنسية.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي تجمع للأهالي على طريق الهول - الحسكة يوم الأحد تعبيراً عن استيائهم من ارتفاع أسعار الوقود والمياه في ظل الأعباء المعيشية المتزايدة (مرصد الحسكة)

احتجاجات في «الجزيرة السورية» على تردي الأوضاع المعيشية

قطع محتجون في منطقة الهول شرق محافظة الحسكة الطريق الرئيسي لعبور صهاريج المحروقات نحو الداخل السوري، احتجاجاً على تردي الأوضاع المعيشية، وسط دعوات للتظاهر.

سعاد جروس (دمشق)
المشرق العربي قائد «الفرقة 25» بالجيش السوري سابقاً سهيل الحسن برفقة قوات روسية في 21 مارس 2021 (إعلام روسي)

القبض على مدير مكتب سهيل الحسن... والأخير لا يزال هارباً

قالت وزارة الداخلية السورية إن إدارة مكافحة الإرهاب تمكنت عبر متابعة أمنية دقيقة من إلقاء القبض على غسان عساف، الذي شغل منصب مدير مكتب اللواء سهيل الحسن.

«الشرق الأوسط» (دمشق - لندن)
المشرق العربي حملة «حلب تختنق»

«حلب تختنق» تعيد الجدل بشأن ارتباط المؤسسات المحلية بالمركز

البيروقراطية التي تحكم عمل المجالس، وارتباطها بوزارة الإدارة المحلية في أي قرار، يحتاجان إلى تعديل في التشريعات السورية...

«الشرق الأوسط» (حلب (سوريا))

إسرائيل تهاجم «الضاحية»... وتعد وقف النار «باطلاً»

عناصر في الدفاع المدني في الموقع الذي استُهدف بقصف إسرائيلي في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ب)
عناصر في الدفاع المدني في الموقع الذي استُهدف بقصف إسرائيلي في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ب)
TT

إسرائيل تهاجم «الضاحية»... وتعد وقف النار «باطلاً»

عناصر في الدفاع المدني في الموقع الذي استُهدف بقصف إسرائيلي في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ب)
عناصر في الدفاع المدني في الموقع الذي استُهدف بقصف إسرائيلي في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ب)

نفذت إسرائيل أمس (الأحد) غارة على الضاحية الجنوبية لبيروت، في هجوم هو الأول منذ وقف النار الذي عدّته مصادر في تل أبيب «باطلاً»، بحجة أن «حزب الله» رفضه ونفذ هجمات على الجيش والبلدات الإسرائيلية.

وأكدت مصادر إسرائيلية، في تسريبات للإعلام، أن تل أبيب أطلعت واشنطن بشكل مسبق على الهجوم، وأبلغتها برغبتها في عدم التصعيد. وحاولت جهات مقربة من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إظهار هذا القصف على أنه دليل استقلالية للقرار الإسرائيلي.

وفي طهران، قال عضو البرلمان الإيراني إبراهيم رضائي إن ‌بلاده سترد بـ«قسوة» على هذا الهجوم الإسرائيلي على الضاحية الجنوبية لبيروت.

ويأتي هذا التطور قبيل تحرك للسفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى، يستهله بلقاء رؤساء الجمهورية العماد جوزيف عون، والمجلس النيابي نبيه برّي، والحكومة نواف سلام، لتقييم الموقف من «اتفاق واشنطن». وقال مصدر سياسي لـ«الشرق الأوسط» إن عيسى سيقف على الأسباب الكامنة وراء الملاحظات التي أدرجها برّي على بعض بنود الاتفاق، والتي هي أقرب، من وجهة نظر عيسى، للرفض، خصوصاً بعدما وصفها برّي بأنها «هجينة ومفخخة».

وعلمت «الشرق الأوسط» أن السفير، في جولته على الرؤساء الثلاثة، يحرص على استكشاف الهدف من زيارة قائد الجيش العماد رودولف هيكل إلى باكستان التي تتولى دوراً في المفاوضات الأميركية - الإيرانية.


«حصر السلاح» يتصدّر بنود الوسطاء لفصائل غزة

فلسطينيون يشيعون جثمان أحد ضحايا غارة جوية إسرائيلية في خان يونس جنوب غزة الأحد (أ.ب)
فلسطينيون يشيعون جثمان أحد ضحايا غارة جوية إسرائيلية في خان يونس جنوب غزة الأحد (أ.ب)
TT

«حصر السلاح» يتصدّر بنود الوسطاء لفصائل غزة

فلسطينيون يشيعون جثمان أحد ضحايا غارة جوية إسرائيلية في خان يونس جنوب غزة الأحد (أ.ب)
فلسطينيون يشيعون جثمان أحد ضحايا غارة جوية إسرائيلية في خان يونس جنوب غزة الأحد (أ.ب)

قالت مصادر من فصائل فلسطينية عدة، يجتمع ممثلوها في القاهرة، لـ«الشرق الأوسط»، إن قضية «حصر السلاح» في غزة باتت في مقدمة بنود المقترح المقدم من الوسطاء بشأن وقف إطلاق النار الهش الذي أعلن في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، في القطاع؛ لكن إسرائيل تخترقه باستمرار، وقتلت منذ ذلك الوقت أكثر من 950 فلسطينياً.

ويخيّم الجمود على المحادثات غير المباشرة بين إسرائيل من جهة، و«حماس» والفصائل من جهة أخرى، وفي حين يتمسك الجانب الفلسطيني بتنفيذ استحقاقات المرحلة الأولى المتضمنة انسحاب الجيش الإسرائيلي من الأراضي التي يحتلها، وإدخال المساعدات والبضائع إلى القطاع، تضغط تل أبيب لنزع سلاح الفصائل بوصفه أبرز بنود المرحلة الثانية.

وأكدت 4 مصادر، بينها اثنان من «حماس»، أن ورقة الوسطاء (أبرزهم مصر وقطر وتركيا) حملت قضية السلاح «أول بند، على عكس ما كان في جولات سابقة»، مبينةً أن هذا البند يتعلق بـ«حصر السلاح»، بالتزامن مع تنفيذ بنود أخرى تتعلق بمختلف القضايا الإنسانية والأمنية والسياسية.

ووفقاً للمصادر، فإن ممثلي الفصائل الفلسطينية الثمانية الذين يغيب عنهم ممثلو «فتح» منذ بداية المفاوضات، ناقشوا فيما بينهم ما قُدّم إليهم، واتفقوا على إجراء مزيد من المشاورات، وتقديم موقف موحد خلال اجتماع لاحق.


احجاجات معيشية في شمال شرقي سوريا


تجمع احتجاجي للأهالي على طريق الهول ــ الحسكة أمس (مرصد الحسكة)
تجمع احتجاجي للأهالي على طريق الهول ــ الحسكة أمس (مرصد الحسكة)
TT

احجاجات معيشية في شمال شرقي سوريا


تجمع احتجاجي للأهالي على طريق الهول ــ الحسكة أمس (مرصد الحسكة)
تجمع احتجاجي للأهالي على طريق الهول ــ الحسكة أمس (مرصد الحسكة)

شهدت منطقة الهول، التابعة لمحافظة الحسكة في شمال شرقي سوريا، أمس (الأحد)، احتجاجات للأهالي العرب؛ قطعوا خلالها بعض الطرقات، ومنعوا رتل صهاريج المحروقات من العبور إلى داخل البلاد، مطالبين بتحسين الواقع الخدمي والتخفيف من الأعباء المعيشية المتزايدة، خصوصاً بعد كارثة فيضان الفرات، إلى جانب رفضهم دمج «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) على حساب المكونات الأخرى. وتعالت في الأيام الأخيرة دعوات للتظاهر في مناطق الجزيرة بشرق سوريا، على خلفية التحفظات نفسها.

ورأى الباحث عبد الوهاب عاصي أن استمرار هذا الضغط قد يدفع السكان نحو إعادة تقييم «مسار الاندماج» بين الحكومة و«قسد»، كونه يسير ببطء، وينعكس على ملفات الخبز والمحروقات والكهرباء وفرص العمل والتنمية.

كما يرى خليل حسن، وهو ابن المنطقة، أنه في الوقت الذي لم يؤثر الوضع المعيشي على مناطق سيطرة «قسد» في الحسكة بالدرجة نفسها، كونها تسيطر على النفط الذي يذهب إلى مناطق الغالبية الكردية، برزت تساؤلات حول جدوى الاندماج.