«حلب تختنق» تعيد الجدل بشأن ارتباط المؤسسات المحلية بالمركز

وعود بوصول ضاغطات نفايات حديثة خلال الأشهر الثلاثة المقبلة

مكبّ «تل الضمان» جنوب حلب وصورة من الأعلى لزيارة وفد أممي المنطقة خلال نوفمبر الماضي (محافظة حلب)
مكبّ «تل الضمان» جنوب حلب وصورة من الأعلى لزيارة وفد أممي المنطقة خلال نوفمبر الماضي (محافظة حلب)
TT

«حلب تختنق» تعيد الجدل بشأن ارتباط المؤسسات المحلية بالمركز

مكبّ «تل الضمان» جنوب حلب وصورة من الأعلى لزيارة وفد أممي المنطقة خلال نوفمبر الماضي (محافظة حلب)
مكبّ «تل الضمان» جنوب حلب وصورة من الأعلى لزيارة وفد أممي المنطقة خلال نوفمبر الماضي (محافظة حلب)

يعمل مجلس محافظة حلب على حملة نظافة شاملة في مختلف أحياء المدينة، لرفع القمامة المتراكمة وتحسين الواقع الخدمي، وذلك بعد تصاعد السخط الشعبي وما صاحبه من جدل بشأن أزمة النظافة في مدينة حلب، شمال سوريا، إلا إن معضلات إدارية ومالية تواجه عمل هذا القطاع الحيوي، في مدينة تعدّ العاصمة الاقتصادية للبلاد، وإحدى أهم الوجهات السياحية، فيما يرى مسؤول في المجلس المحلي أن البيروقراطية التي تحكم عمل المجالس، وارتباطها بقرارات وزارة الإدارة المحلية (في العاصمة)، «يحتاجان إلى تعديل في التشريعات ومصادقة من مجلس الشعب المقبل لتحرير المجالس والمؤسسات المحلية من هذه القيود المرهقة».

يأتي ذلك بعد حملة مكثفة على مواقع التواصل حملت وسم «حلب تختنق» تنتقد واقع المدينة الخدمي واستمرار أزمة النفايات والمكبات. الحملة تصاعدت مطالبة بتغيير أعضاء مجلس حلب المحلي لتدهور واقع النظافة والاعتماد على حرق المخلفات للتخلص منها، وسط مخاوف من انتشار الأمراض جراء ارتفاع درجات الحرارة والتلوث.

حرق النفايات في بعض أحياء حلب للتخلص منها (متداولة)

مثل باقي المحافظات السورية، لم تكن هذه الأزمة بجديدة على محافظة حلب؛ إذ تمثل نتاج سنوات طويلة من الإهمال الحكومي للملف الخدمي، وغياب التخطيط الإداري والسياسي، الذي يظهر من خلال القوانين المترهلة وارتباط المؤسسات المحلية بالمركز، وقوانين مقيدة عمليات تسوية وإدارة المشكلات الخدمية الطارئة.

وخلال الأيام القليلة الماضية، نقلت آليات النظافة أكثر من 15 ألف طن من القمامة، إلا إن كثيراً من ناشطي المدينة وسكانها يعدّون هذا الإنجاز «لحظياً» في ظل غياب القرارات التنفيذية الواضحة، وعدم التحرك الفاعل، مثل إعلان التعاقد مع متعهدين في قطاع النظافة، كما كان الوضع سابقاً.

تنتج حلب في العادة نحو ألفي طن من النفايات يومياً؛ أكثر بأضعاف من مثيلاتها من المدن، وتنقل هذه الكميات بشكل شبه كامل إلى المَطمَر الوحيد الموجود في بلدة تل الضمان بريف حلب الجنوبي.

رواتب محدودة

عمر جلبي، منسق الخدمات في مدينة حلب، أكد على أن «المجلس المحلي شرع في اتخاذ خطوات فاعلة وجادة، عبر التعاقد مع متعهدين لنقل النفايات؛ مما رفع عدد رحلات الترحيل اليومي إلى أكثر من 600 رحلة، بدلاً من 100، إضافة إلى موافقة هيئة الموارد على تزويد المجلس بآليات جديدة تقدر بنحو 7 ملايين دولار أميركي، إلى جانب رفع عدد الموظفين في قطاع النظافة إلى 1300 موظف، بعد أن كان 900 عامل فقط، وإطلاق حملة لمكافحة الفساد والاختلاس الخاص بعمليات الصيانة».

وتابع أن «المجلس يتعامل مع القمامة في المناطق المدنية، ومعضلة عدم التزام أصحاب الورشات والمحال والمطاعم بالنظافة العامة، إضافة إلى النفايات الصلبة الناتجة عن المصانع التي ترمي مخلفاتها خارج مناطقها المخصصة... وهو الأمر، الذي دفعنا لرفع حزمة قوانين مخالفات، في انتظار موافقة مجلس المحافظة لإنهاء هذه الظاهرة»، وفق جلبي الذي شدد على أن عدد عمال النظافة لا يغطي الاحتياج؛ «بسبب مصاعب التوظيف المرتبطة بتدني الرواتب، كما أننا نمتلك حالياً نحو 47 ضاغطة، معظمها يزيد عمرها على 25 سنة، بينما يبلغ العمر الافتراضي لعملها نحو 5 سنوات، واليوم، نحن موعودون بالحصول على عدد جيد من الضاغطات خلال الأشهر الثلاثة المقبلة».

وفد أممي يطلع على واقع مكبّ «تل الضمان» واحتياجات الأهالي (محافظة حلب)

الحاجة لتشريع برلماني

يوضح جلبي أن المجلس المحلي، رغم صلاحيات الإنفاق الضخم لصيانة الآليات المتوفرة، عاجز عن شراء آليات جديدة؛ «بسبب البيروقراطية التي تحكم عمل المجالس وارتباطها بقرارات وزارة الإدارة المحلية، وبالتالي؛ فإن تعديلها يحتاج إلى مصادقة مجلس الشعب لتحرير المجالس والمؤسسات المحلية من هذه القيود المرهقة».

وتقدر التكلفة الشهرية لعملية نقل القمامة من المدينة باتجاه المكبات الصغيرة، ومَطمَر تل الضمان، بنحو 500 ألف دولار أميركي شهرياً، تشمل أجور العمال والصيانة ومستهلكات الوقود.

بناء عقلية الإدارة المحلية

وبينما يرفض كثيرٌ من السكان والمطلعين على عمل المجلس المحلي لمدينة حلب رميَ فشل إدارة الملف على ضعف الإمكانات وبيروقراطية مؤسسات الدولة، فقد حملوا رئاسة المجلس الجزء الأكبر من المسؤولية بسبب سياساته الرافضة اتخاذ خطوات فاعلة.

إلا إن رئيس المجلس المحلي السابق خلال الفترة بين عامي 2015 و2017، بريتا حاج حسن، يرى أن الحملة التي شهدتها حلب «جاءت بعد أشهر من تراكم مشكلة النظافة بشكل واضح وانتشار ظاهرة حرق المخلفات التي تخنق الأهالي إلى درجة أصبح فيها الوضع محل استياء شعبي واسع».

ويعتقد بريتا أن الحديثَ عن الروتين الإداري والبيروقراطية المتعلقة بشراء آليات النظافة عبر «هيئة التوريد» متأخرٌ جداً؛ «فالمواطن بطبيعة الحال يحاكم ما هو على الأرض لا التعقيدات الإدارية الداخلية، وبالتالي؛ فإن ردّ الفعل الشعبي وحملة الضغط التي قام بها الناشطون كانت طبيعية؛ لحالة التقصير القائمة».

حملة «حلب تختنق»

ورغم تأكيده على التحسن الملحوظ في الوضع الخدمي خلال الأيام القليلة الماضية، فإن حاج حسن، شدد على ضرورة استمراره، وعدم تحويله مبادرةً مؤقتة، و«إنما وظيفة أساسية ودائمة تقع في صلب عمل البلدية».

ويشدد بريتا على «ضرورة امتلاك مجلس مدينة بحجم وأهمية حلب خططاً بديلة وإدارة أعلى مرونة للتعامل مع ملف يعدّ من أبسط وأهم واجباته اليومية، فالمطلوب اليوم إعادة بناء عقلية الإدارة المحلية على أساس العمل المؤسساتي والمحاسبة والاستجابة السريعة للاحتياجات، خصوصاً أن نجاح أي سلطة محلية يبدأ من الخدمات الأساسية التي تمس حياة المواطنين اليومية»، مشيراً إلى أن «هذا التحسن يعدّ مؤشراً على أن المشكلة لم تكن مستعصية بالكامل؛ بل كانت تحتاج إلى إرادة إدارية واستجابة أسرع».

ويعدّ بريتا، ومثله كثير من سكان حلب، أن أزمة النظافة لا تقتصر على الروتين المؤسساتي أو الفساد؛ «إنما ناجمة عن خلل في العقلية الإدارية وعدم القدرة على تحمل المسؤولية وإدارة الأزمة في مدينة بثقل حلب، ضمن ظروف استثنائية لا تحتمل الأخطاء وعواقبها في هذا التوقيت من عمر المرحلة الانتقالية».


مقالات ذات صلة

القاهرة في طريقها لاعتماد يحيى دياب سفيراً لسوريا

العالم العربي وفد سوري ترأسه وزير الخارجية أسعد الشيباني زار القاهرة الشهر الماضي لبحث العلاقات الثنائية (الخارجية المصرية)

القاهرة في طريقها لاعتماد يحيى دياب سفيراً لسوريا

كشف مصدر مسؤول في وزارة الخارجية السورية لـ«الشرق الأوسط» اسم السفير الجديد الذي رشحته بلاده لتمثيلها بمصر بدلاً من محمد طه الأحمد الذي تحفظت القاهرة على ترشيحه

هشام المياني (القاهرة)
العالم العربي لقاء سابق في القاهرة بين وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ونظيره السوري أسعد الشيباني (الخارجية المصرية)

«الشرق الأوسط» تكشف اسم المرشح الجديد سفيراً لسوريا في مصر

كشف مصدر مسؤول بوزارة الخارجية السورية لـ«الشرق الأوسط» اسم السفير الجديد الذي رشحته بلاده لتمثيلها بمصر بدلاً من محمد طه الأحمد الذي تحفظت القاهرة على ترشيحه.

هشام المياني (القاهرة)
المشرق العربي شهدت سوريا السبت امتحانات شهادة الثانوية العامة في مختلف محافظات البلاد (سانا)

امتحانات الثانوية العامة في سوريا على وقع نزاع سياسي وقلق أمني

للمرة الأولى منذ 13 عاماً، أُجريت الامتحانات في مناطق الجزيرة السورية (شمال شرقي البلاد) بإشراف مشترك بين الحكومة والإدارة الذاتية (الأكراد).

سعاد جروس (دمشق)
العالم العربي وزير الخارجية المصري ونظيره السوري في لقاء سابق بالقاهرة (الخارجية المصرية)

مسؤول مصري لـ«الشرق الأوسط»: سوريا رشحت سفيراً جديداً غير الأحمد… وفي طريقنا لاعتماده

تتجه أزمة ترشيح سوريا محمد طه الأحمد سفيراً لها إلى مصر والتي كشفها تقرير نشرته «الشرق الأوسط» في الأول من يونيو (حزيران) الجاري، إلى الحل.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي مندوب تركيا الدائم لدى الأمم المتحدة أحمد يلديز خلال جلسة مجلس الأمن لمناقشة مالف الأسلحة الكيميائية في سوريا (إعلام تركي)

تركيا تؤكد استمرار دعمها لسوريا لتجاوز تحديات الأسلحة الكيميائية

أكدت تركيا استمرار دعمها لسوريا من أجل تعزيز قدراتها التقنية والتغلب على التحديات المتعلقة بالأسلحة الكيميائية.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

وزير الخارجية العراقي يحذّر من «كارثة مالية» في حال استمرت الحرب لنهاية العام

وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين (الوزارة)
وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين (الوزارة)
TT

وزير الخارجية العراقي يحذّر من «كارثة مالية» في حال استمرت الحرب لنهاية العام

وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين (الوزارة)
وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين (الوزارة)

نظر كثير من المراقبين والمواطنين العاديين إلى تصريحات وزير الخارجية العراقي، فؤاد حسين، بشأن طباعة الحكومة تريليونات الدنانير لتغطية نفقاتها المالية «الملحة»، بوصفها «مفاجأة من العيار الثقيل»، في مقابل مقاربات قدمها خبراء في الاقتصاد والشؤون المالية تميل إلى أن الأمر لا يحمل أي مفاجأة في ظل الأزمة المالية التي تعانيها البلاد؛ نتيجة الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران، وما ترتب عليها من إغلاق مضيق هرمز، الذي أدى إلى إيقاف تصدير النفط العراقي الذي يمول البلاد بنحو 95 في المائة من إيراداتها المالية.

وقال الوزير حسين، في مقابلة تلفزيونية، إن «وضع البلاد كارثي» في حال استمرت الحرب إلى نهاية العام واستمر إغلاق مضيق هرمز.

وذكر أن الحكومة طبعت 25 تريليون دينار (نحو 19 مليار دولار) لتمويل نفقاتها المالية، خصوصاً المتعلقة بتغطية مرتبات الموظفين في القطاع العام، التي تقدر بنحو 8 تريليونات دينار شهرياً.

التصريحات التي أطلقها وزير الخارجية لم تمثل صدمة للمختصين في الشؤون المالية والاقتصادية، إذ إن معظمهم يحذر من أزمة مالية وشيكة؛ بالنظر إلى إيقاف معظم صادرات النفط العراقية من حقوله الجنوبية التي تمر عبر مضيق هرمز، وغالباً ما وجهوا انتقادات لاذعة للحكومات المتعاقبة التي رهنت معظم ثروة البلاد النفطية بمنفذ أحادي للتصدير. وبعد أن بلغ إنتاج العراق النفطي ما يزيد على 4 ملايين برميل يومياً، فإنه تراجع بعد الحرب إلى نحو مليون ونصف المليون، معظمه للاستهلاك المحلي، ويصدّر أقل من 300 ألف برميل عبر صهاريج النفط إلى سوريا والأردن، وبعضها يمر عبر إقليم كردستان الشمالي.

لجنة البرلمان المالية

بدورها، استبعدت اللجنة المالية النيابية، إقرار الموازنة المالية للبلاد عام 2026، في ظل استمرار العمل على استكمال البرنامج الحكومي والكابينة الوزارية.

وقال عضو اللجنة المالية، ريبوار كريم، في تصريحات صحافية، إن «موازنة هذا العام في الغالب لن تكون موجودة، وسيجري العمل على دراسة موازنة 2027، لكن تأمين الرواتب لن يتضرر، والحكومة تمتلك إمكانات كبيرة جداً لمعالجة العجز من خلال الاقتراض الداخلي أو الخارجي أو الاستعانة بـ(البنك المركزي العراقي)».

وأضاف كريم: «الجميع متفق على دعم جهود الحكومة في ملف تأمين الرواتب، والوصول إلى الموازنة المقبلة، والأمور ستكون أوضح في الموازنة المقبلة بشأن تأثيرات مضيق هرمز وأسعار النفط وتوسيع الإيرادات، لا سيما بعد تطبيق قانون التعريفة الجمركية ونظام الـ(أسيكودا)؛ مما سيوفر تنوعاً أكبر في مصادر الدخل».

فوضى التصريحات

إلى ذلك، تحدث الباحث الاقتصادي والخبير في «اقتصاد النقد الدولي»، زياد الهاشمي، عن «فوضى التصريحات» في العراق، بعد تصريحات وزير الخارجية، وصمتِ «البنك المركزي العراقي» حيال الأزمة المالية وقضية طباعة النقود، عادّاً أن ذلك «يربك المشهد، ويخلط الأوراق، ويزيد حالة عدم اليقين، في بلد يعاني وضعاً مالياً استثنائياً غير مسبوق!».

وذكر الهاشمي في تدوينة عبر منصة «إكس» أنه «وبعد تدخّل محافظ (المركزي العراقي) قبل أسابيع في عمل الحكومة وتصريحه عن الرواتب وعجز الموازنة الحكومية، جاءت اليوم الحكومة الجديدة وتدخلت في مهام (المركزي) وتحدثت عن طبع وضخ الدينار، وقيمته، والسيطرة على التضخم».

وأضاف أن «فوضى التصريحات هذه بين (المركزي) والحكومة تؤكد عدم التزام كل سلطة حدودها، وعدم احترامها نطاق عمل ومسؤوليات السلطة الأخرى، وهذا لا يحدث حتى في جمهوريات الموز، لكنه يحدث في العراق للأسف».

وتابع أن «هذه التجاوزات في التصريحات تشير أيضاً إلى أن السلطات العراقية أمام صدمة كبيرة غير مسبوقة، جعلت كبار المسؤولين لا يعرفون ما يقولون ويتورطون بتصريحات متناقضة وغير منضبطة خارج اختصاصهم».


غارة إسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت

يتصاعد الدخان من جنوب لبنان عقب غارات إسرائيلية كما يُرى من النبطية (رويترز)
يتصاعد الدخان من جنوب لبنان عقب غارات إسرائيلية كما يُرى من النبطية (رويترز)
TT

غارة إسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت

يتصاعد الدخان من جنوب لبنان عقب غارات إسرائيلية كما يُرى من النبطية (رويترز)
يتصاعد الدخان من جنوب لبنان عقب غارات إسرائيلية كما يُرى من النبطية (رويترز)

قال ​رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ووزير الدفاع ‌يسرائيل ‌كاتس، ​في ‌بيان ⁠مشترك، ​إن الجيش الإسرائيلي ⁠شن اليوم الأحد هجوماً ⁠على ‌مقر «للإرهابيين» ‌في ​الضاحية الجنوبية لبيروت؛ ‌رداً ‌على إطلاق جماعة ‌«حزب الله» اللبنانية النار باتجاه ⁠إسرائيل.

وتعد ⁠الضاحية الجنوبية معقلاً للجماعة، وفقاً لما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وأعلن المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي عبر موقع التواصل الاجتماعي «إكس» أن «جيش الدفاع يهاجم بنية تحتية تابعة لـ(حزب الله)».

ويأتي هذا غداة الاتفاق اللبناني الإسرائيلي الذي رعته الولايات المتحدة في واشنطن، وتحدث عن انسحاب تدريجي من المناطق التي تحتلها إسرائيل في جنوب لبنان، وانتشار الجيش اللبناني فيها ليضطلع بدور أساسي في حفظ الأمن، وتنفيذ ترتيبات الانتشار في المناطق الحدودية.


هل أبقى «حزب الله» لنفسه من خيارات بعد رفضه «إعلان واشنطن»؟

سيدات يشاركن في تشييع قتلى سقطوا في قصف استهدف بلدة زبدين في جنوب لبنان (أ ف ب)
سيدات يشاركن في تشييع قتلى سقطوا في قصف استهدف بلدة زبدين في جنوب لبنان (أ ف ب)
TT

هل أبقى «حزب الله» لنفسه من خيارات بعد رفضه «إعلان واشنطن»؟

سيدات يشاركن في تشييع قتلى سقطوا في قصف استهدف بلدة زبدين في جنوب لبنان (أ ف ب)
سيدات يشاركن في تشييع قتلى سقطوا في قصف استهدف بلدة زبدين في جنوب لبنان (أ ف ب)

لا تبدو خيارات «حزب الله»، الذي أعلن بوضوح رفضه لـ«إعلان واشنطن» لوقف إطلاق النار في لبنان، شكلاً ومضموناً، كثيرة، وإن كان بات واضحاً أنه يعوّل بشكل أساسي على إمكان التوصل إلى صفقة أميركية - إيرانية تُبقي وضعه ودوره في لبنان على ما هما عليه، أو في أسوأ الأحوال تؤخر البتّ النهائي بمصير سلاحه، وتمنحه مزيداً من الوقت لإعادة ترتيب أوراقه.

وفي انتظار اتضاح مسار المفاوضات الإقليمية، يبدو الحزب متمسكاً باستراتيجية رفع كلفة أي تصعيد إسرائيلي، من خلال الاستمرار بعملياته العسكرية، بالتوازي مع رهان على متغيرات سياسية قد تفرض نفسها على طاولة التفاوض، وتخفف من حجم الضغوط المفروضة عليه داخلياً وخارجياً.

تعويل على الموقف الإيراني

ويعتبر الكاتب السياسي الدكتور قاسم قصير، المطلع من كثب على موقف «حزب الله»، أن الحزب «لا يزال يمتلك أكثر من ورقة قوة، أبرزها الاستمرار بخيار المقاومة والعمليات العسكرية»، مؤكداً أن الحزب «ما زال قادراً على استهداف الجيش الإسرائيلي بشكل شبه يومي، ما يؤدي إلى إيقاع خسائر في صفوفه، ورفع تكلفة أي تصعيد عسكري قد يقدم عليه».

الدخان يتصاعد من جنوب لبنان إثر قصف إسرائيلي (رويترز)

ويلفت قصير، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «الموقف الإيراني يشكل عاملاً أساسياً في حسابات الحزب؛ إذ تشترط طهران أن يتضمن أي اتفاق مع الولايات المتحدة معالجة للملف اللبناني، بما يتيح مساعدة لبنان على مواجهة الضغوط الإسرائيلية ومنع أي تصعيد إضافي، خصوصاً في ظل الحديث عن اقتراب التوصل إلى تفاهم أميركي - إيراني».

ويرى قصير أن «الإدارة الأميركية باتت أقل انسجاماً مع الرغبات الإسرائيلية»، مشيراً إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب «يمارس ضغوطاً واضحة للحؤول دون انفجار الوضع، انطلاقاً من مصلحته في الوصول إلى تفاهمات إقليمية أوسع».

ويعتبر أن «نجاح هذه المقاربة يفترض أن يترافق مع موقف لبناني داخلي موحَّد، وهو ما يفتقده لبنان حالياً»، داعياً الدولة اللبنانية إلى «الاستفادة من عنصر قوة المقاومة لتعزيز موقعها التفاوضي وعدم الخضوع للشروط الأميركية والإسرائيلية».

يأتي ذلك في ظل الجهود اللبنانية الدائمة الساعية إلى فصل الملف اللبناني عن المفاوضات والصراعات الإقليمية، وبين محاولات إيران التي تتعامل مع لبنان بوصفه جزءاً من معادلة المواجهة في المنطقة.

وبرز ذلك بوضوح عقب الإعلان عن الاتفاق الأخير، مع تأكيد قائد «فيلق القدس» في الحرس الثوري الإيراني إسماعيل قاآني استمرار دعم «المقاومة» في لبنان.

وهو ما رد عليه الرئيس اللبناني جوزيف عون باتهام طهران باستخدام لبنان «ورقة ضغط» في مفاوضاتها مع واشنطن، مؤكداً أن «مصالح اللبنانيين لا تتطابق بالضرورة مع المصالح الإيرانية».

دخان أسود كثيف في موقع غارة جوية إسرائيلية على سيارة في جنوب لبنان (رويترز)

لعبة عضّ أصابع

في المقابل، ينظر مدير «مركز المشرق للشؤون الاستراتيجية»، الدكتور سامي نادر، إلى خيارات «حزب الله» من زاوية مختلفة، معتبراً أن الحزب «يعوّل على ما تعوّل عليه إيران، باعتباره جزءاً من الاستراتيجية الإيرانية الشاملة وخطة طهران للمواجهة مع واشنطن وتل أبيب».

ويصف نادر، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، المرحلة الحالية بأنها أقرب إلى «لعبة عض أصابع» تسعى من خلالها إيران إلى كسب الوقت، رغم أن عامل الوقت لا يبدو اليوم في صالحها. ويضيف أن «طهران تراهن على العقبات التي تواجه ترمب داخلياً، وعلى اقتراب الانتخابات النصفية، بما قد يدفعه إلى البحث عن تسوية أو صفقة تسمح لها بالاحتفاظ بأوراق نفوذها الإقليمية، وفي مقدمتها الورقة اللبنانية ووضعية (حزب الله) الحالية».

إلا أن هذا الرهان، بحسب نادر، يواجه تحديات كبيرة، أبرزها «تبدل المزاج الداخلي اللبناني الذي بات أكثر معارضة للحزب من أي وقت مضى، إلى جانب استمرار الآلة العسكرية الإسرائيلية في استنزافه، واحتمال تحرر إسرائيل من بعض الضغوط الدولية بعد موقف الحزب الرافض لإعلان واشنطن، فضلاً عن مواصلة الولايات المتحدة سياسة العقوبات المالية والسياسية بحقه».

ويخلص نادر إلى أن «خيارات (حزب الله) ليست واسعة»، معتبراً أن «الحزب يسعى حالياً إلى رفع تكلفة الحرب على إسرائيل عسكرياً لتحسين شروطه السياسية، بانتظار اتضاح مسار المفاوضات الإقليمية والنتائج التي قد تفضي إليها».

لقطة من فيديو لخطاب أمين عام حزب الله» نعيم قاسم

وكان أمين عام «حزب الله» نعيم قاسم، أعلن، الخميس، رفضه اتفاق وقف النار الذي تم التوصل إليه إثر الجولة الأخيرة من المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية المباشرة التي تجري برعاية أميركية. وأكد أن شمال ⁠إسرائيل ‌لن يكون آمناً، ‌ما دام يتم ‌قصف ‌القرى اللبنانية وقتل ⁠السكان، مشدداً على أن «حزب الله» لم يعطِ التزاماً لأحد بعدم مقاومة العدوان.

أما الاتفاق الذي أُعلن عنه من واشنطن، ليل الأربعاء الماضي، فلحظ وقفاً لإطلاق النار بين لبنان وإسرائيل مشروطاً بوقف كامل لإطلاق النار من جانب «حزب الله»، وإخلاء جميع عناصره من المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني. كما نصّ على الإسراع في إنشاء «مناطق تجريبية» (Pilot Zones) يتولى فيها الجيش اللبناني السيطرة الحصرية على الأرض.