توجيه ملكي باعتماد تصميم جامعة الملك سعود لتوسعة المسجد الحرام

«الشرق الأوسط» تنشر القصة... والأمير نايف كرَّم كلية العمارة والتخطيط

TT

توجيه ملكي باعتماد تصميم جامعة الملك سعود لتوسعة المسجد الحرام

الدولة السعودية عملت على رعاية المسجد الحرام والاهتمام بالتطوير العمراني والمشاريع العملاقة بهوية إسلامية (واس)
الدولة السعودية عملت على رعاية المسجد الحرام والاهتمام بالتطوير العمراني والمشاريع العملاقة بهوية إسلامية (واس)

بعد نشر «الشرق الأوسط» للسلسلة التوثيقية التي رصدت فيها عمارة المسجد الحرام خلال 1400 عام، والتي ورد في الجزء الرابع والأخير منها دور جامعة الملك سعود في تصميم التوسعة السعودية الثالثة، وما أثاره الموضوع من تفاعل، ونظراً للاستفسارات التي وردت إلى الصحيفة حول الموضوع، ولأهمية توثيق قصة التصميم ودور الجهات المشاركة فيه، تنشر «الشرق الأوسط» هذا التقرير التوثيقي الذي أعده الكاتب والباحث السعودي بندر بن عبد الرحمن بن معمر عن قصة تصميم التوسعة السعودية الثالثة. ويعتمد التقرير على الوثائق المتمثلة في الأوامر السامية والإصدارات التوثيقية من وزارة التعليم العالي في السعودية، وهي الجهة التي أُسند إليها عام 1429هـ - 2008م تولي مهمة دراسة مشروع التوسعة، إضافة إلى مجموعة من التقارير والوثائق والمستندات الأخرى، التي تحتفظ «الشرق الأوسط» بنسخ منها. قصة تصميم التوسعة السعودية الثالثة ليست قصة أفراد، أو جامعات، أو شركات أو استشاريين أسهم كل منهم بدوره وجهده، ولكنها قصة عمل مهني مشرف، وقبل ذلك وبعده قصة قيادة نذرت نفسها لخدمة الحرمين الشريفين ودولة سخرت مواردها لأمن وسلامة وراحة قاصديهما واستثمرت في الإنسان الذي أسهم في عمارتهما، وقدم الفكرة التصميمية لثالث التوسعات بعد حوالي 75 عاماً من تصميم أول توسعة سعودية للحرمين الشريفين.

خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز متشرفاً بغسل جدار الكعبة المشرفة (واس)

تصميم التوسعة والقصة التي لم تُروَ

هنا قصة لم تُروَ من قبل، ولم تنشر مفاصلها وتفصيلاتها التي تستحق أن يُعرّف بها، وأن يطلع عليها كل من له علاقة بإدارة المشروعات الكبرى التي تنفذ اليوم في طول المملكة العربية السعودية وعرضها، ليس لأنها قصة تصميم فقط؛ بل لأنها أنموذج فريد في منهجية إدارة المشاريع العملاقة وإدارة وتطبيق العمل الجماعي التكاملي integrated teamwork يمكن أن يؤسس عليه ويستفاد منه في هذه المرحلة تحديداً، وفي المشاريع الكبرى داخل السعودية وخارجها.

علاوة على أن هذه القصة تؤكد حجم الرعاية والعناية والدعم اللامحدود التي يحظى بهما الحرمان الشريفان من القيادة السعودية. فمنذ تأسيسها على يد الملك عبد العزيز، أولت السعودية الحرمين الشريفين جل اهتمامها وعظيم عنايتها وكان شرف خدمتهما أولوية من أهم أولوياتها وأحد ألقاب ملوكها، حتى اتخذه الملك فهد بن عبد العزيز في عام 1407هـ - 1986م لقباً رسمياً بدلاً من جلالة الملك.

خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي عهده الأمير محمد بن سلمان يوليان اهتماماً كبيراً بالحرمين الشريفين وخدمتهما (واس)

وهنا جزئية تتطلب أن ينوه بها وهي أن الله تعالى اختص بفضله جميع قادة المملكة العربية السعودية، الملوك عبد العزيز وسعود وفيصل وخالد وفهد وعبد الله وسلمان، بشرف خدمة الحرمين الشريفين ومواجهة تحديات هذه الخدمة التي لم يشهد حجمها وتعقيداتها الحرمان عبر التاريخ الإسلامي كله، وكان لكل ملك من ملوك هذه الدولة إسهامه في توسعة وعمارة وخدمة الحرم المكي والحرم النبوي والمدن والمشاعر المقدسة، وهذا شرف لا يضاهيه شرف، وذلك من فضل الله الذي يختص به من يشاء، ومن توفيقه الذي يؤتيه من يريد.

الأمير محمد بن سلمان في زيارة للمسجد الحرام ويطلع على مشاريع التوسعة (واس)

ما قبل التفاصيل

منذ بداية عمارات وتوسعات الحرمين الشريفين في العهد السعودي كان لتلك المشاريع اهتمام ومعاملة خاصة وآلية عمل مختلفة عن باقي المشروعات. بدأت بتكليف «مدير العمائر والإنشاءات الحكومية»، وقتذاك محمد بن لادن، تنفيذ الأعمال والإشراف عليها دون عقود تنفيذ أو تكاليف محددة مسبقًا، بل يتم الصرف على مشروعات الحرمين من قبل وزارة المالية حسب ما يقدمه بن لادن من تكاليف ويتقاضى عليها نسبة مئوية محددة. وكان (المعلم) ابن لادن كما يسمى في ذلك الوقت هو من يتولى التعاقد مع كل من يتطلب عمله في تلك المشروعات بما في ذلك المصممون والاستشاريون. واستمرت تلك الطريقة متبعة حتى بعد وفاته وتحول مؤسسته وتطورها إلى «مجموعة بن لادن السعودية» بكافة شركاتها وأذرعها وتحالفاتها الاستشارية والتصميمية، ومنذ بداية التوسعات السعودية كان للحرمين الشريفين هويتهما المعمارية الخاصة ضمن سياقهما العمراني المتفرد وخصوصيتهما التي لا نظير له.

الملك عبد الله بن عبد العزيز مستقبلاً الشيخ صالح الحصين

وحين جاءت الحاجة لتوسعة المسجد الحرام في عهد الملك عبد الله بن عبد العزيز رحمه الله، كان قد بُدء في نزع ملكيات الأحياء الشمالية للمسجد الحرام (الشامية وما جاورها) والبدء في تنفيذ توسعة الساحات الشمالية، إلا أنه تقرر أن يتحول المشروع من مجرد توسعة ساحات إلى توسعة بنائية للمسجد الحرام.

وعملت مجموعة بن لادن السعودية من خلال أذرعها الاستشارية على تصميم مقترح لمبنى التوسعة، وعقدت عدة اجتماعات بين الرئاسة العامة لشئون المسجد الحرام والمسجد النبوي ممثلة آنذاك في الرئيس العام الشيخ صالح الحصين - رحمه الله - وفريقه الفني، ومجموعة بن لادن ممثلة في المهندس بكر بن لادن وفريقه، لمناقشة معطيات وجوانب التصميم المقترح من مجموعة بن لادن.

وكانت «رئاسة الحرمين» ترى أن التصميم المقدم للاعتماد لا يلبي احتياجات الحرم كاملة وفق المعطيات والمستجدات الحالية والمستقبلية نظراً لتغير المتطلبات المتعلقة براحة المصلين ومستجدات خدمتهم وإدارة سلامتهم وجوانب التشغيل الأخرى للمسجد الحرام.

وبعد عدة محاولات لتطوير التصميم من قبل مجموعة بن لادن لمقترحهم، لم يتحقق المطلوب في نظر الرئاسة، فاقترح الشيخ الحصين أن يُرفع محضر مشترك بين الرئاسة العامة لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي ومجموعة بن لادن السعودية إلى المقام السامي يتضمن التوصية بعرض مقترح تصميم التوسعة على فريق من المتخصصين من أساتذة الجامعات السعودية لدراسته وتقييمه وتقديم الملاحظات عليه إن وجدت، وهو ما وافق عليه المقام السامي ووجَّه بتحقيقه.

من إصدارات وزارة التعليم العالي التوثيقية عن المشروع

ووفقاً للإصدار التوثيقي المهم والمعنون بـ«دراسة مشروع خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز لتوسعة المسجد الحرام»، الذي أصدرته وزارة التعليم العالي (تم دمجها مع وزارة التربية والتعليم في وزارة واحدة باسم وزارة التعليم عام 1436هـ - 2015م) عن المشروع في مجموعة كتب. إضافة إلى عدد من التقارير الصادرة عن فرق العمل في المشروع والوثائق الخاصة به، والتي استندتُ إليها مع مستندات ومصادر أخرى في توثيق هذه القصة، أنقل لكم هنا بعضاً من قصة التوسعة وتصميمها ومقتطفات ولمحات عن خلفياتها وكواليسها، وقصص عدد من جنودها المجهولين، مورداً في سردها بعض ما جاء في هذه الوثائق والمصادر بتصرف، علماً أن ما أرويه هنا هو ملخص للقصة فحسب، بل هنالك الكثير من المعلومات:

البداية بالتوجيه السامي

صدر التوجيه السامي رقم 6555/م ب في 26 شعبان 1429هـ - 27 أغسطس 2008م بأن تقوم وزارة التعليم العالي بتكوين فريق عمل من المختصين المؤهلين يتولى دراسة مشروع مقترح مجموعة بن لادن للتوسعة الجديدة من جميع الجوانب المعمارية والهندسية والتشغيلية والفنية والأمنية مع الاستفادة من التقنيات العلمية الحديثة، وأن يتم ذلك وفق منهجية علمية ومهنية عالية والاستفادة من كل الخبرات المحلية والعربية والإسلامية وغيرها.

وحدد التوجيه السامي إطار المشروع وآليته التي مكنت الوزارة من الاستعانة بالمتميزين من أساتذة الجامعات السعودية والخبراء العرب والمسلمين والاستشاريين العالميين وبيوت الخبرة المختصة، على أن تعرض الوزارة النتائج على المقام السامي خلال 3 أشهر، كما تضمن التوجيه الأهداف والغايات من هذه الدراسة، والتي شملت:

دراسة التصميم المقترح من مجموعة بن لادن للتوسعة بشكل دقيق وشامل للتأكد من مدى وجودة الجوانب الآتية:

1- تحقيق مبادئ الشمولية والتكامل في التصميم المقترح من جميع الجوانب المعمارية والتشغيلية، والفنية والأمنية والاستدامة.

2- تسهيل حركة السير في ساحات المسجد الحرام وأروقته وما يجاوره.

3- الاستفادة من التقنيات العلمية الحديثة لخدمة المسجد الحرام وقاصديه.

4- تخفيف المشقة على قاصدي بيت الله الحرام وتيسير أدائهم للعبادات.

5- تلافي أي ملحوظات على التوسعة الأولى والثانية نتيجة المتغيرات الزمانية والتشغيلية ومتطلباتهما.

6- الاستفادة من مخرجات دراسة وتقويم التصميم المقترح لترشيد التوسعات المستقبلية للمسجد الحرام أو تعديلات تحسين الوضع القائم.

نطاق عمل الدراسة

شمل نطاق الدراسة عدة جوانب منها الجوانب المعمارية مثل: تصميم المباني والنواحي العمرانية المرتبطة بها حول المسجد الحرام. والجوانب التشغيلية مثل: أعمال الصيانة والإدارة، وشؤون التشغيل، وأنظمة الأمن والسلامة، وحركة الحشود. والجوانب البيئية وهي مثل:-

الآثار البيئية بجميع عناصرها كالاستدامة والحفاظ على مياه زمزم وجودة الهواء، والأنظمة الكهربائية ومستوى الاستهلاك، والأنظمة الميكانيكية وجودة التكييف. والجوانب الأمنية مثل: أنظمة المراقبة، وإدارة الحشود، وقضايا السلامة والطوارئ. والجوانب التقنية ومنها الاستفادة من التقنيات الذكية وغيرها من الجوانب الأخرى.

الملك عبد الله خلال تجوله في المعرض الذي أقامته وزارة التعليم العالي بمقر كلية علوم البحار في أبحر بمدينة جدة يوم الجمعة 28 نوفمبر 2008 يرافقه الأمير مقرن بن عبد العزيز والشيخ صالح الحصين ويقود مركبة الغولف كار وزير التعليم العالي خالد العنقري (الشرق الأوسط)

المنهجيات والاستكشافات ثم الرؤى والبدائل

باشرت وزارة التعليم العالي تنفيذ توجيه المقام السامي، وتطلب ذلك أمران هما:

1- البدء بتكوين نواة لفريق الجامعات المتخصص والتي ستوكل له هذه المهمة الحساسة.

2- تطوير منهجية عمل فاعلة ومرنة تراعي توفير كوادر التخصصات الفنية الدقيقة في وقت قياسي وديناميكي.

وتم في وقت قياسي تشكيل فرق متخصصة بكفاءات عالية من داخل المملكة وخارجها بقيادة كفاءات وطنية من جامعات المملكة، ويمكن تلخيص هيكلة العمل ومساراته في هذه المرحلة في الآتي:

1- اللجنة التوجيهية: ويرأسها وزير التعليم العالي حينذاك الدكتور خالد العنقري، ومن أعضائها نواة فريق الوزارة الفني مع عدد من المختصين وتتولى اللجنة بالتشاور مع الفريق الفني تحديد القضايا التي يشملها المشروع وتكوين الفرق العلمية المختلفة لدراسة تلك القضايا وتوجيه مسارات الفرق ومتابعة أعمالها، وتلقي التقارير الفنية من الفرق التخصصية، والموافقة على ورش العمل اللازمة، وإقرار الوثائق والتوصيات الصادرة عن فرق العمل. مع إيضاح أن «الفريق الفني للوزارة»، تعددت تسمياته في الوثائق والتقارير المختلفة مثل: (الفريق) أو (فريق الدراسة) أو (الفريق الأساس) أو (فريق الوزارة)، كما سيلاحظ في ثنايا هذا التقرير، كما تم تشكيل لجنة إدارية ومالية لمساندة فرق العمل في النواحي الإدارية والمالية واللوجستية.

2- محاور العمل الرئيسة: اقتضت المهمة تشكيل ثمانية محاور عمل رئيسية لتنفيذها وهي كالآتي: محور تقييم الوضع الراهن، ومحور المراجعة المحلية، ومحور المراجعة الدولية، ومحور الرؤية المعمارية، ومحور الرؤية التقنية، ومحور التطبيق، ومحور الإنتاج، ومحور المعرض.

3- الفرق الفنية التخصصية: شكلت الفرق التخصصية الفنية التابعة لـ«الفريق الفني للوزارة» للعمل ضمن إطار المشروع، حسب احتياجات كل مسار، وكلفت بإعداد التقارير اللازمة لذلك، وهي:

4- فريق الدراسات المعمارية والعمرانية.

5- فريق الدراسات الإنشائية.

6- فريق الحركة والحشود والخدمات المساندة والأمن.

7- فريق الدراسات البيئية.

8- فريق دراسات الاستدامة.

9- فريق الدراسات الخدمية والكهروميكانيكية.

سعت هذه الفرق من خلال تخصصاتها الفنية الدقيقة وعبر منهجية العمل الجماعي التكاملي وبروح الفريق الواحد إلى دراسة الوضع الراهن للمسجد الحرام وما حوله، وكذلك التصميم المقترح من مجموعة بن لادن من خلال جمع المعلومات وتحليل البيانات في النواحي التصميمية والفنية والتشغيلية، وتقويمها في الوضع الراهن، وذلك للتوصل إلى أهم القضايا التي يجب معالجتها ومراعاتها. مع الإيضاح بأن عبارة (الوضع الراهن) الواردة في ثنايا التقرير يقصد بها وضع المسجد الحرام وقت إعداد الدراسات عام 1429هـ - 2008م.

وقد بلغ عدد من شارك في هذه الأعمال من فرق تخصصية رئيسية وفرعية وفرق لوجستية مساندة، نظراً لأهمية المهمة ولقصر مدة التكليف بهذه المهمة الحساسة، عدة مئات من الأشخاص بمختلف مهماتهم ومسؤولياتهم الإدارية والفنية واللوجستية، عملوا خلال ثلاثة أشهر في مراحل مختلفة.

مسارات الدراسة الفنية لمقترح مجموعة بن لادن لمشروع التوسعة:

قامت الفرق المشاركة بالعمل على عدد من المسارات والعمل فيها بشكل متزامن ومتوازٍ في آن واحد، وذلك لإنجاز الدراسة بشكل متكامل ومهني ضمن المدى الزمني القصير جداً، حيث يركز كل مسار على قضايا جوهرية معينة كالآتي:

مسار تقويم الوضع الراهن للمسجد الحرام:

كأساس جوهري لتقويم أي مقترح للتوسعة، كان من المهم عمل دراسة للوضع الراهن للحرم للوصول إلى معرفة دقيقة جداً لتحديات تشغيل الحرم الواقعية وتحديد النقاط الحرجة في الاستخدام والتشغيل والسلامة ونحوها للتوصل إلى أهم القضايا التي يجب حلها ومراعاتها في أية توسعات جديدة. والانتهاء إلى تحديد معايير موضوعية وواقعية موجهة للتقويم لمقترح التوسعة المشار إليه بالخصوص.

ركزت دراسة الوضع الراهن على تحليل النواحي التصميمية والفنية والتشغيلية وتقويمها في الوضع الرهن للمسجد الحرام، وأنجزت من خلال فرق العمل التخصصية للمشروع بعقد ورش عمل مكثفة مع الجهات المعنية مباشرة بالحرم على اختلاف مهامها (الأمني والمدني والفني والإداري) وبعمل مسح ميداني لقاصدي الحرم (بالاستعانة بطلاب بعض الجامعات المحلية وبإشراف مباشر من الفريق)، وقامت مجموعة بن لادن السعودية خلال هذه المرحلة بتزويد الفريق بكافة المخططات والوثائق والرسومات والمعلومات المطلوبة، واطلع فريق العمل من كثب عن آلية التشغيل، كما أُجريت مقابلات مع عدد كبير من قاصدي المسجد الحرام وغير ذلك من الأعمال التي تقتضيها المهنية الفنية، إضافة إلى مشاهدة عدد كبير من الأفلام الخاصة بالحشود في الحرم، وغيرها من جوانب التشغيل.

كما عُمل على تحليل الجوانب المرتبطة بالنواحي العمرانية، والإنشائية، والحركة والحشود والخدمات المساندة والأمن، والبيئة، والاستدامة، إضافة إلى النواحي الخدمية، وذلك من خلال التركيز على الأهداف الآتية:

1- تحديد المميزات والخصائص الإيجابية للنواحي التصميمية الراهنة.

2- تحديد أبرز القضايا الحاسمة Crucial issues للنواحي التصميمية الراهنة للمسجد الحرام.

3- المتطلبات التي يجب أن تؤخذ في الحسبان لأي تصميم أو توسعة مستقبلية.

4- التوصيات المتعلقة بتحسين الوضع الراهن.

5- مسار تقويم التصميم المقترح من مجموعة بن لادن - المراجعة المحلية:

بناء على مخرجات مسار الوضع الراهن ومعطيات فنية أخرى والمعايير التقويمية المستخرجة من ذلك، ركز هذا المسار على تحليل وتقييم التصميم المقترح من مجموعة بن لادن للتوسعة، وذلك بهدف الوصول إلى التقويم المهني لأهم القضايا المتعلقة بجوانبه التصميمية والفنية والتشغيلية، وبما يراعي تحليل نقاط القوة ونقاط الضعف والتوصيات المقترحة، وجرى تقويم الخصائص التصميمية والفنية وفقاً لمجالات الفرق التخصصية وذلك من حيث:

1- المميزات والخصائص الإيجابية للتصميم.

2- الجوانب السلبية للنواحي التصميمية.

3- مدى النجاح والإخفاق في نواحي التصميم.

4- التوصيات المتعلقة بالتصميم المقترح.

وخلصت هذا المراجعة إلى عدم الكفاءة الكاملة للتصميم المقترح وأن هناك مجالاً واعداً للوصول إلى بدائل أكمل.

وحرصاً على تحقيق الموضوعية كان هناك مسار موازٍ لمسار المراجعة المحلية، وهو مسار المراجعة الدولية والتي قصد منها أن تتم المراجعة الدولية بمعزل عن المراجعة المحلية تحقيقاً لموضوعية النتائج، والتحقق من موثوقية المراجعتين المحلية والدولية.

التصميم المقترح للتوسعة السعودية الثالثة من مجموعة بن لادن السعودية (الشرق الأوسط)

مسار تقويم التصميم المقترح من مجموعة بن لادن - المراجعة الدولية

لتنفيذ المراجعة الدولية المستقلة، قامت وزارة التعليم العالي بالتعاقد مع شركة إيكوم لإجراء تقويم للتصميم المقترح من مجموعة بن لادن لتوسعة المسجد الحرام استناداً لمخرجات مسار الوضع الراهن، والتوضيحات التامة له.

وبعد تطوير مجموعة من مؤشرات الأداء استخدمتها لقياس التصميم المقترح وتقويمه، وإجراء الدراسات اللازمة؛ قدمت شركة إيكوم AECOM التقرير النهائي في جزئين، الأول بعنوان: تقويم التصميم المقترح من مجموعة بن لادن، والذي استند على مجموعة من المجالات للتقويم، منها: الأنظمة الميكانيكية والكهربائية، والأنظمة الجيوتقنية والزلزالية، والاستدامة، والأمن، وتقنية المعلومات، وقضايا البيئة، وأنظمة إدارة النفايات الصلبة، وحركة الحشود.

وخلص هذا الجزء إلى نفس ما خلصت له المراجعة المحلية وبتقارب كبير في النتائج مما عزَّز مصداقية التقويم المحلي والدولي للتصميم المقترح. وجاء الجزء الثاني بعنوان: الفرص والبدائل، حيث ناقش الفرص والبدائل للتطوير المستقبلي لتوسعات المسجد الحرام.

مسار الرؤى التقنية

وتعزيزاً للوصول إلى البديل الأمثل للتوسعة تم رسم هذا المسار والذي كان يعمل بالتوازي مع مسار المراجعة المحلية والدولية، وذلك لإيجاد رؤية تقنية متقدمة للحرم ومن هنا جاءت مشاركة معهد ماساتشوستس للتقنية MIT لتحقيق هذا المجال في دراسة مشروع توسعة المسجد الحرام وتم التركيز على الموضوعات الآتية: الاستدامة من الجانبين المعماري والتشغيلي، والسلامة والأمان للحجاج والعاملين، والسلاسة في حركة مرتادي المسجد الحرام، والمتطلبات الاستهلاكية والنفايات وإدارتها.

ونظر فريق الدراسة إلى المسجد الحرام على أنه منشأة ذات وظائف متعددة، خضعت لتطور مستمر عبر التاريخ. فقد مرَّ المسجد الحرام خلال توسعاته بتطويرات متلاحقة ويمكن تعزيز مسار هذا التطور من خلال تطبيق رؤية تقنية متقدمة، وإضافة أبعاد تطويرية جديدة باستخدام تقنيات وأنظمة متقدمة وذكية كالمراقبة الأكثر تطوراً، وتسيير الحركة اعتماداً على المعلومات الواردة في ذات اللحظة Real-time Information.

لقد اعتمدت الرؤية التشغيلية لفريق الدراسة على نوع من التشبيه بين المسجد الحرام وبين كائن حي له صفة الاستدامة ويتكون من هيكل عظمي، ودورة دموية، وجهاز عصبي يشبه جسم الإنسان. وبهذا التشبيه بالإمكان النظر للمسجد الحرام من خلال الأبعاد الثلاثية الآتية:

1- نظام المراقبة (الجهاز العصبي)، وذلك للتزود بالمعلومات ذات الصلة عن المسجد الحرام ومحتوياته ومحيطه.

2- نظام التدفق أو الحركة (الدورة الدموية)، وذلك لمراقبة حركة الهواء والناس والنفايات والتجهيزات والمعدات من وإلى المسجد الحرام ومحيطه.

3- النظام الإنشائي البنائي (الهيكل العظمي)، ومهمته تماسـك بنيان منطقة المسجد الحرام، وإبراز طابعه الجمالي، والتحكم في التأثيرات المناخية

وخلصت الرؤية التقنية إلى أن المسجد الحرام يشبه إلى حدٍ كبيرٍ نظاماً بيولوجياً مستداماً متطوراً من حيث قدرته وأنظمة التحكم والحركة والتدفق الخاصة به، إلى جانب نظامه البنائي، وهذا التشبيه يؤدي إلى تطوير المسجد الحرام باعتباره نظاماً مستداماً. لذا يجب أن يتم التعمق في دراسة الأفكار المطروحة بشكل يتجاوز الرؤية التقنية السائدة، ليبقى المسجد الحرام نموذجاً أمثل في التطور والاستدامة، وتقديم مجموعة من الحلول القائمة على الرؤية التقنية والمعالجة الشاملة.

مسار الحلول والرؤى المعمارية والمستقبلية

كانت كل المخرجات السابقة أساساً مرجعياً لتحليل الفجوات وتحديد نقاط القوة والضعف والتحديات والمخاطر في التصميم المقترح، وعليه قام (الفريق الأساسي) للوزارة بإعداد المعايير الهندسية، والاعتبارات التصميمية، والخطط المستقبلية، والشروط المرجعية للتصميم.

وعندما بدت بوادر عدم كفاءة (التصميم المقترح) كان القرار هو المسارعة ضمن إطار التوجيه السامي بتوجيه الدعوة إلى عدد من المكاتب والشركات الاستشارية العالمية والمحلية ورواد العمارة العالميين، إضافة إلى كلية العمارة والتخطيط بجامعة الملك سعود وكلية تصاميم البيئة في جامعة الملك عبد العزيز لتقديم عروضهم، وذلك وفق مسارين:

الرؤى المعمارية لتوسعة جديدة تتناسب مع الوضع الحالي للحرم المكي

الرؤى المستقبلية: لتقديم مقترحات مستقبلية بعيدة المدى وتتعامل مع الحرم المكي ومحيطه دون قيود أو محددات سوى المحددات الشرعية وثبات المعالم المهمة في الحرم كالكعبة وحدود المسعى وزمزم ونحو ذلك.

وتم ترشيح واختيار المكاتب العالمية المشاركة وفق معايير موضوعية ومحددة، منها أن تكون هذه المكاتب من أفضل المكاتب العالمية أو من مكاتب الرواد المعماريين العالميين، كما تم اختيار مكاتب متميزة في العمارة الإسلامية من تركيا وماليزيا، ومكاتب عربية وسعودية كذلك. وتم في البداية عقد ورش عمل بين فرق وزارة التعليم العالي وهذه المكاتب وتزويدهم بالبيانات والمعلومات المطلوبة، كما زار الفريق المعني بهذا المحور المكاتب المعمارية وبيوت الخبرة العالمية والمحلية المشاركة لمراجعة الأعمال والتأكد من عدم وجود معوقات وتوجيههم لضمان أن يكون عملهم وفق المسار الصحيح.

الملك عبد الله بن عبد العزيز خلال جولة في المعرض الذي أقامته وزارة التعليم العالي بمقر كلية علوم البحار في أبحر بمدينة جدة يوم الجمعة 28 نوفمبر 2008 (الشرق الأوسط)

النتائج والمقترحات أمام الملك عبد الله

وقبيل انتهاء المدة التي حددها التوجيه السامي لوزارة التعليم العالي بـ3 أشهر، عُرضت نتائج تحليل دراسة الوضع الراهن للمسجد الحرام ونتائج تقييم التصميم المقترح من مجموعة بن لادن، إضافة إلى الرؤى المعمارية والأفكار التصميمية والرؤى المستقبلية المقدمة من المكاتب الاستشارية والجامعات السعودية، في سرادق أقامته الوزارة بمقر كلية علوم البحار في أبحر بمدينة جدة يوم الجمعة 29 ذي القعدة 1429هـ - 28 نوفمبر 2008م.

وعرضت الوزارة منهجية عمل فريقها ونتائج الدراسات الفنية ونتائج تقييم التصميم المقترح من مجموعة بن لادن (المراجعة المحلية والدولية) أمام الملك عبد الله بن عبد العزيز رحمه الله والمسئولين المعنيين مباشرة بالأمر، كما عرضت مقترحات المكاتب والجامعات التي قدمت رؤاها المعمارية والمستقبلية كالآتي:

أولاً: الرؤى المعمارية

قدمت عدد من بيوت الخبرة المعمارية العالمية والمحلية والتي بلغ عددها 12 بيت خبرة، رؤى ومقترحات معمارية وعمرانية تعين على فتح الآفاق العمرانية لتوسعة المسجد الحرام بحلول وأفكار تطبيقية ملموسة. وشملت المكاتب وبيوت الخبرة المعمارية العالمية والمحلية المشاركة كل من :-

1- إنجنهوفن أرشيتكتن Ingenhoven Architekten

التصميم المقترح من إنجنهوفن أرشيتكتن (الشرق الأوسط)

2- جنسلر Gensler

التصميم المقترح من شركة جنسلر (الشرق الأوسط)

3- جينيشي / أفشي / أروب ÇINICI / AVCL / ARUP

تصميم جينيشي أفشي أروب

4- هيجاس كستوري Hijass Kasturi

التصميم المقترح من هيجاس كستوري (الشرق الأوسط)

5- جامعة الملك سعود King Saud University

تصميم جامعة الملك سعود الأساس الذي عُرض أمام الملك عبد الله في المعرض الذي كان محل الأمر السامي بالاعتماد كأساس للتطوير

6- أرشتكتور ستوديو Architecture Studio

التصميم المقترح من أرشتكتور ستوديو (الشرق الأوسط)

7- البيئة مخططون معماريون ومهندسون Al-Beeah

تصميم البيئة

8- أتكنز ATKINS

تصميم أتكينز

9- جامعة الملك عبد العزيزKing Abdul Aziz University

تصميم جامعة الملك عبد العزيز

10- نیکن سیکیه Nikken Sekki

التصميم المقترح من نیكن سیكیه (الشرق الأوسط)

11- النعيم للاستشارات العمرانية Al-Na'eem

تصميم النعيم للاستشارات

12-نورمان فوستر Norman Foster

التصميم المقترح نورمان فوستر (الشرق الأوسط)

ثانياً: الرؤى المستقبلية (المعمارية والعمرانية)

ولتحفيز الأفكار (خارج الصندوق) التي يمكن أن تدعم مقترح التوسعة الجديد رؤي أن يطلب من بعض رواد العمارة العالميين تقديم رؤى مستقبلية للحرم. وعقدت ورش عمل مع هؤلاء الرواد، ورتبت زيارات لفرق العمل للاجتماع معهم في مقار عملهم ومناقشة الأفكار لضمان جودة فهم المشروع وصحة مسار التفكير فيه.

وتضمن هذا المسار وضع رؤى عمرانية لحل شامل وأمثل للمسجد الحرام على المدى البعيد، وذلك من خلال آفاق فكرية عمرانية دون قيود، وذلك بهدف اكتشاف آثار إيجابية في النظرة الشمولية لما يحتاجه المسجد الحرام من إضافات وتحسينات تؤدي لحلول مستقبلية أمثل وتقدم سبعة من رواد العمارة العالميين برؤاهم المقترحة وهم:

1- تاداو أندو Tadao Ando

تصميم تاداو أندو

2- شيغيرو بان Shigeru Ban

التصميم المقترح من شيغيرو بان (الشرق الأوسط)

3- تشارلز كوريا Charles Correa

تصميم تشارلز كوريا

4- زها حديد Zaha Hadid

التصميم المقترح زها حديد (الشرق الأوسط)

التصميم المقترح زها حديد (الشرق الأوسط)

5-محمد مايت Muhammad Mayet

تصميم محمد مايت

6- عبد الحليم إبراهيم عبد الحليم Abdulhalim CDC

تصميم عبد الحليم إبراهيم عبد الحليم

7- سانتياغو كالاترافا Santiago Calatrava

تصميم سانتياغو كالاترافا

حقائق

الملك عبد الله بن عبد العزيز

يكون التصميم المقترح من قبل جامعة الملك سعود لتوسعة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز للمسجد الحرام أساساً لانطلاق أعمال التصميم، لكونه التصميم الأقرب للتكامل مع الوضع الحالي للمسجد الحرام ..على أن يتم تطويره بما يستجيب للرؤى التطويرية والتشغيلية والتصميمة لفريق الدراسة ويمكن لمجموعة بن لادن السعودية تبنيه وتنفيذه."


وبعد اطلاع الملك عبدالله والمسؤولين المعنيين على الدراسات الدقيقة والشاملة والتصورات والرؤى المعمارية والعمرانية والفنية والتقنية للمشروع، وإستماعهم لشرح المقترحات المقدمة ومناقشة الفريق الفني والتشاور مع المسؤولين المختصين، تم اختيار التصميم المقترح من جامعة الملك سعود كأساس لتصميم التوسعة الجديدة، ووثق هذا الاختيار بالتوجيه السامي رقم 1692 وتاريخ 26 صفر 1430هـ - 21 فبراير 2009م.

نص الخطاب الملكي باختيار التصميم المقترح من جامعة الملك سعود كأساس لتصميم التوسعة الجديدة (الشرق الأوسط)

ووثقت وزارة التعليم العالي الفكرة التصميمية لجامعة الملك سعود في إصداراتها عن المشروع، واحتفت جامعة الملك سعود بهذا الإنجاز وأعلنت عنه في حينه، وكرم الأمير نايف بن عبدالعزيز النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء ووزير الداخلية حينذاك، وأثناء رعايته للمؤتمر العالمي الأول للتقنية والاستدامة في العمران الذي عقد في شهر محرم 1431هـ - يناير 2010م، كلية العمارة والتخطيط بجامعة الملك سعود على ما حققته من إنجازات في تلك المرحلة.
وكان منها فوزها بالمركز الأول في مسابقة تصميم وقف الملك عبدالله لوالديه في المدينة المنورة، واختيار فكرتها التصميمية أساسًا لانطلاق أعمال تصميم توسعة الملك عبدالله للمسجد الحرام. إضافة إلى مشاركتها قبل وبعد ذلك في تصميم عدد من المشروعات الكبرى منها مشروع مدينة الملك عبدالله للطاقة الذرية والمتجددة بالتعاون مع نيكين سيكيه العالمية.

الأمير نايف بن عبد العزيز خلال تكريمه للدكتور عبد العزيز المقرن عميد كلية العمارة والتخطيط في جامعة الملك سعود (الشرق الأوسط)

مما لا يدع مجالا لأي ادعاء بعد ذلك حول (أساس) أو (فكرة التصميم) تحديداً، أما القول بأن (الفكرة المعمارية) لا تشكل سوى جزء يسير أو نسبة ضئيلة من حجم التصميم، فهذا ربما يصدق فقط عند الحديث عن الوقت الذي قد تستغرقه عملية توليد الأفكار ضمن مراحل التصميم، بينما في الواقع هي تمثل القيمة الأساسية للمنتج المعماري ككل، وتعد (الفكرة المعمارية) الجزء المهم والأساسي ضمن عملية التصميم المعماري، ودورها جوهري في تحقيق نتاجات متميزة وفريدة، كما تمثل الطريق إلى روح المشروع، وعملية تشكيلها يتطلب جهودًا مكثفة وإبداعية.

أما عن تطوير التصميم انطلاقًا من الفكرة التصميمية الأساسية المقدمة من جامعة الملك سعود، فقد تولى تلك المهمة مجموعة من أعضاء هيئة التدريس في الجامعات السعودية برئاسة رئيس الفريق المعماري للمشروع، وبالتضامن مع الفريق الفني للاستشاري (دار الهندسة) والرئاسة العامة لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي، وكان على الفريق الالتزام التام بمضامين التوجيه السامي خلال العمل في تطوير ذلك التصميم، إضافة إلى التزام رئيس وغالبية أعضاء الفريق التزامًا أدبيًا وأخلاقيًا ومهنيًا بهذه المهمة النبيلة وما يرد إليهم من توجيهات، وهذا ما سنتناوله مع غيره من التفاصيل في فصل آخر من فصول هذه القصة.


مقالات ذات صلة

رمضان يرفع إيقاع العطر... 35 مبخرة يومياً و13 ألف لتر لتعطير المسجد الحرام

يوميات الشرق دهن العود لتطييب الحجر الأسود (الهيئة العامة للعناية بشؤون الحرمين)

رمضان يرفع إيقاع العطر... 35 مبخرة يومياً و13 ألف لتر لتعطير المسجد الحرام

لا يتلاشى المشهد من الذاكرة ولا الرائحة. هكذا يصف كثير من الحجاج والمعتمرين تجربتهم في المسجد الحرام؛ إذ يرافقهم عبقٌ مميز، ثابت، يعرفونه كلما عادوا بذاكرتهم…

أسماء الغابري (جدة)
يوميات الشرق توسعة الحرم المكي شاهد على الرعاية السعودية وجدوى الابتكار في التطوير (واس)

توسعة الحرم المكي... رعاية سعودية وريادة في الابتكار المعماري

اعتمد تصميم التوسعة الثالثة على محاور إشعاعية تنطلق من الكعبة المشرفة وكتل حلقية تحيط بها، في رؤية معمارية تراعي قدسية المكان وتستوعب التوسعات المستقبلية.

عمر البدوي (الرياض)
الخليج عدد المُصلين بالمسجد الحرام بلغ 30 مليوناً و16 ألفاً و73 مُصلياً خلال شهر (واس)

أكثر من 68 مليون زائر ومعتمر بالحرمين الشريفين خلال شهر

استقبل المسجد الحرام بمكة المكرمة، والمسجد النبوي في المدينة المنورة، أكثر من 68 مليون زائر خلال شهر.

«الشرق الأوسط» (مكة المكرمة)
الخليج الأمير سعود بن مشعل لدى ترؤسه الاجتماع في مكة المكرمة الأربعاء (إمارة المنطقة)

سعود بن مشعل: خدمة المقدسات وقاصديها على هرم أولويات السعودية

أكّد الأمير سعود بن مشعل، نائب أمير منطقة مكة المكرمة، أن السعودية منذ تأسيسها «أولت خدمة المقدسات وقاصديها اهتماماً خاصاً، وجعلتها على هرم الأولويات».

«الشرق الأوسط» (مكة المكرمة)
الخليج عدد المعتمرين القادمين من الخارج أكثر من مليون معتمر (واس)

السعودية: 5.4 مليون معتمر خلال الربع الثاني من عام 2025

صدرت الهيئة العامة للإحصاء السعودية، نتائج إحصاءات العمرة للربع الثاني من عام 2025م، التي أظهرت أن إجمالي عدد المعتمرين من داخل السعودية والقادمين إليها.

«الشرق الأوسط» (مكة المكرمة)

«مدن مصغرة» وشقق ذكية تواكب أنماط الحياة المعاصرة في السعودية

وحدات سكنية ضمن المرحلة الأولى من مشروع «سدرة» في شمال الرياض (روشن)
وحدات سكنية ضمن المرحلة الأولى من مشروع «سدرة» في شمال الرياض (روشن)
TT

«مدن مصغرة» وشقق ذكية تواكب أنماط الحياة المعاصرة في السعودية

وحدات سكنية ضمن المرحلة الأولى من مشروع «سدرة» في شمال الرياض (روشن)
وحدات سكنية ضمن المرحلة الأولى من مشروع «سدرة» في شمال الرياض (روشن)

قبل سنوات قليلة كان البحث عن مسكن في الرياض كالسير بين الألغام: أسعار فلكية لمساحات غير مستغلة وسوق تحكمها «التخمينات». ذلك كله تغير بنقرة سريعة على تطبيق ذكي.

في الطابق العشرين من أحد الأبراج المكتبية شاهقة الارتفاع، شمال العاصمة الرياض، يجلس المهندس خالد (38 عاماً) يتأمل في شاشة هاتفه الذكي تطبيق «إيجار». بضع نقرات سريعة كانت كافية لتجديد عقد شقته السكنية في إحدى الضواحي الحديثة، دون الحاجة لزيارة مكتب عقاري تقليدي، أو مواجهة الاختناقات المرورية في شوارع العاصمة، ودون قلق من «مفاجآت» المؤجر التقليدية التي طالما أرَّقت المستأجرين في سنوات مضت.

قبل خمس سنوات فقط، كانت رحلة البحث عن مسكن للمواطن السعودي تشبه السير في حقل ألغام: أسعار فلكية لمساحات شاسعة غير مستغلة، وسوق تحكمها «العلاقات والتخمينات» الشخصية، وغياب للتنظيم. اليوم، يمثل خالد الجيل الجديد من السعوديين الذين لم يعودوا يبحثون عن مجرد «جدران وأربعة حوائط»، بل عن «جودة حياة»: مجمع سكني متكامل، وممرات مشجرة للمشاة، وموثوقية رقمية كاملة، وجوار شركات عالمية اختارت الرياض مقراً إقليمياً لها.

ما يمر به خالد في يومياته ليس مجرد تغيير اعتيادي في عنوان السكن، بل هو الانعكاس الحي لـ«زلزال» تنظيمي واقتصادي واجتماعي صامت تقوده «رؤية 2030»، يعيد تشكيل أعرق وأكبر الأسواق العقارية في المنطقة، ويحوّلها من بيئة تقليدية غير رسمية، إلى منظومة مؤسسية شفافة تجذب رؤوس الأموال كـ«ملاذ آمن»، وسط عالم مضطرب. هذا المشهد الفردي يعكس بدوره مساراً أوسع تشهده السوق العقارية السعودية، التي تدخل مرحلة إعادة تشكيل شاملة، تقودها مشاريع كبرى، وإصلاحات تنظيمية متتابعة، وتوسع عمراني واقتصادي متسارع في مختلف مناطق المملكة، لا سيما في المدن الرئيسة، وعلى رأسها الرياض.

مشهد عام لمساحات مخصصة لمشاريع الإسكان الحديثة في العاصمة السعودية الرياض (الشرق الأوسط)

تحول هيكلي ضمن «رؤية 2030»

إن هذا التحول الهيكلي اللّافت الذي تترجمه شاشة هاتف خالد، يختصر الجهود المرتبطة بـ«رؤية 2030»، التي لم تعد تستهدف توفير وحدات سكنية مجردة، بل رَفْع جودة الحياة، وزيادة نسب التملك، وتطوير بيئة عمرانية معاصرة تستوعب النمو السكاني والاقتصادي المتسارع.

ويؤكد مختصون عقاريون أن القطاع لم يعد يعتمد فقط على النمو السكاني الطبيعي، بل أصبح جزءاً من منظومة اقتصادية متكاملة ترتبط بجذب الاستثمارات الأجنبية، واستقطاب المقرات الإقليمية للشركات العالمية، وتطوير المدن الكبرى كمراكز اقتصادية إقليمية، مع إصلاحات تنظيمية غير مسبوقة. ويضيف الخبراء أن المؤشرات الحالية تؤكد أن القطاع العقاري يتجه نحو مزيد من الاحترافية والشفافية والاستدامة، بما يجعله أحد أهم المحركات الاقتصادية للمملكة خلال السنوات المقبلة، مشيرين إلى أن هذه الجهود المتناغمة أعادت رسم ملامح القطاع العقاري السكني والاستثماري، ومنظومة الإسكان بأسرها في أربعة محاور أساسية هي الأسعار، والتمويل، والتشريع، والذوق المعماري، إلى جانب تنظيم علاقة المالك بالمستأجر.

أحد المجمعات السكنية الحديثة في الرياض وقد بدت مواقف السيارات والفسحة الخضراء المشتركة (الشرق الأوسط)

صحيح أن السوق العقارية لم تصل بعد إلى نقطة التوازن الكامل، وما زال الطلب أقوى من العرض في المدى المنظور؛ ما يسهم في احتفاظ الأسعار ببعض زخم الارتفاع مع تفاوت حسب المدينة ونوع السكن، إلا أن التشريعات الجديدة وزيادة المعروض المنظم وتوسع أدوات التمويل المدعوم، تُشير جميعها إلى مستقبل أكثر استدامة واتزاناً.

وكان القطاع العقاري قد شهد نقلة تنظيمية غير مسبوقة خلال السنوات الأخيرة، عبر مجموعة من الأنظمة واللوائح التي أسهمت في تعزيز شفافية وحوكمة القطاع، ومن أبرزها: نظام الوساطة العقارية، وترخيص الوسطاء والمنصات العقارية، وإطلاق المؤشرات الإيجارية، وتوثيق العمليات العقارية إلكترونياً؛ ما انعكس في الحد من الممارسات غير النظامية، ورفع موثوقية البيانات العقارية، ورفع كفاءة السوق وشفافيتها.

ويبرز هنا دور تفعيل وتطوير منصة «إيجار» وتعزيز دورها في تنظيم العلاقة بين المالك والمستأجر، ورفع موثوقية السوق الإيجارية، حيث تتحدث لغة الأرقام الرسمية الصادرة عن الهيئة العامة للعقار لتؤكد هذا النجاح التاريخي؛ إذ تجاوز عدد العقود الإيجارية المسجلة عبر المنصة حاجز الـ10 ملايين عقد منذ إطلاقها، تشكل العقود السكنية منها النسبة الأكبر بنحو 8.3 مليون عقد، تمثل 82.3 في المائة من إجمالي العقود، فيما بلغ عدد العقود التجارية نحو 1.7 مليون عقد، مع تسجيل طفرة توثيقية بلغت أكثر من 1.5 مليون عقد خلال عام 2024 وحده.

أحد مشاريع «الوطنية للإسكان» وقد بدت الوحدات السكنية المتوسطة والمستقلة (الشرق الأوسط)

مدن مصغرة ومجتمعات مكتفية

عند الغوص في تفاصيل هذه المجمعات السكنية الجديدة، يتضح أنها لم تعد مجرد كتل خرسانية متراصة للنوم، بل تحولت إلى «مدن مصغرة» مكتفية ذاتياً ومصمَّمة هندسياً لتلبية احتياجات الحياة المعاصرة دون عناء. فالمجمع الذي يقطنه خالد يضم في محيطه نادياً صحياً متطوراً (جيم) منفصلاً، وصيدلية، وميني ماركت متكاملاً، ومقاهي ومغاسل ملابس؛ ما يجعل الساكن في غنى عن مغادرة أسوار المجمع لقضاء احتياجاته اليومية الأساسية.

وتتخذ الحياة داخل هذه المشاريع شكلاً اجتماعياً جديداً يرتكز على «المساحات المشتركة»؛ حيث توفر الحدائق الداخلية المفتوحة، والملاعب الرياضية، والمجالس العامة المخصصة لساكني المجمع بيئة خصبة تتيح للأطفال اللعب بأمان وللكبار التلاقي العفوي. هذا النمط المعماري قدم بدوره بديلاً عصرياً ومنظماً تخلل مكان فكرة «الحي التقليدي» أو «الحارة والشارع القديم» (ما يُطلق عليه «الفريج»). فبدلاً من التفاعل العشوائي السابق في الأزقة، باتت هذه المساحات المشتركة تخلق شبكة علاقات اجتماعية آمنة بين العائلات والوافدين من مختلف الثقافات، تلائم تماماً إيقاع الحياة العصري والسريع.

وهنا يبرز تحول سيكولوجي لافت يفرضه هذا النمط المعماري الجديد، وهو الانتقال نحو مفهوم «العزلة الاختيارية» أو «الخصوصية المشروطة»؛ فخلافاً لـ«الفريج» القديم الذي كان يفرض تفاعلاً اجتماعياً دائماً ومستقراً قد لا يحبذه جيل الشباب اليوم، تمنح المجمعات الحديثة قاطنيها مرونة كاملة في اختيار أوقات الراحة وأوقات التفاعل الاجتماعي.

رجل سعودي يعبر زقاقاً في أحد الأحياء التراثية السياحية في الرياض (غيتي)

الأسرة الصغيرة وغياب «بيت الجد»

هذا التحول المعماري واكبه تحوّل اجتماعي أعمق في بنية الأسرة السعودية التقليدية؛ فلو سألت والد خالد قبل عقدين من الزمن عن مسكن العمر، لقال دون تردد: «فيلا رئيسية كبرى بأسوار عالية ومساحات هائلة تجمع الأبناء والأحفاد». في ذلك الوقت، كان مفهوم «بيت الجد» هو المحور الأساسي الذي يتوزع الأبناء في شقق فوقه أو ملاحق حوله في سكن مشترك ممتد. أما اليوم، فقد انفرط عقد هذا النمط التقليدي لصالح استقلالية كاملة للأسرة النواة الصغيرة. جيل خالد بات يفضل العيش المستقل في شقق معاصرة ومجمعات ذكية تمنحه الخصوصية والراحة وتتناسب مع قدراته المالية، مبتعداً عن أعباء الفيلات السكنية الضخمة والمتهالكة التي باتت تمثل إرثاً معمارياً يصعب على جيل الشباب إدارته أو تحمل تكاليف صيانته وتشغيله بشكل منفرد.

مرونة وعناية بلا «عمالة»

لم يتوقف التغيير عند حدود حجم المسكن، بل امتد ليعيد صياغة تفاصيل الحياة اليومية من الداخل وطبيعة الصيانة المنزلية؛ فالشقق والمجمعات الحديثة بتصاميمها المدروسة والذكية ألغت تماماً الحاجة للأنماط المعمارية السابقة، مثل «الملاحق الخارجية المنفصلة» أو «مجالس الضيوف الضخمة المعزولة» التي كانت تلتهم مساحات شاسعة دون استخدام حقيقي؛ حيث استبدلت بها جلسات داخلية مفتوحة وعملية.

هذه الكفاءة في المساحة وسهولة العناية بالموقع أدَّت تلقائياً إلى تخلي كثير من الأسر المعاصرة عن مفهوم «العاملة المنزلية المقيمة» أو «السائق الخاص»؛ إذ وفرت شركات إدارة المجمعات خدمات صيانة مركزية دورية تشمل النظافة والترميم بضغطة زر عبر التطبيقات، مما قلَّص التكاليف والالتزامات الأسرية المعتادة في البيوت الكبيرة القديمة.

ركاب على متن مترو الرياض في محطة جامعة الملك سعود (أ.ف.ب - غيتي)

النقل وثقافة المترو

على مستوى التخطيط الحضري، ارتبطت هذه الضواحي والمجمعات السكنية الجديدة بشبكة طرق وشرايين نقل حديثة صممتها الدولة لفك الاختناقات المرورية. هذه المشاريع لم تعد تُحدِث ازدحامات عشوائية في محيطها بفضل المداخل والمخارج الذكية، بل على العكس تماماً، بدأت في بث ثقافة جديدة كلياً في المجتمع العقاري، وهي ثقافة الاعتماد على المواصلات العامة.

وجرى ربط معظم هذه المجمعات المعاصرة بمسارات حافلات الرياض ومحطات «مترو الرياض» الذكي، مما دفع موظفين، مثل خالد وجيرانه من الوافدين التنفيذيين، إلى ترك سياراتهم الخاصة في مواقف المجمع، وتفضيل المترو للوصول إلى مقار عملهم في الأبراج المكتبية، شمال ووسط العاصمة، متجاوزين عناء القيادة اليومية.

المرأة... وافد جديد إلى ملعب العقار

لعل التحول الاجتماعي الأكثر دلالة في المجمعات السكنية لعام 2026 هو قدرة الفتيات والمستقلات على السكن بمفردهن والعمل في السعودية كعازبات؛ فقد تلاشت إلى حد بعيد النظرة الفاصلة بين مجمعات «العزاب» ومجمعات «العائلات»، لتصبح الكفاءة والأمان والالتزام بالأنظمة هي المعيار الوحيد الذي يحكم الجميع في مجمعات مختلطة وراقية تحتضن الجميع دون تمييز.

وفي هذا السياق، تروي ريم العبد الله (29 عاماً)، وهي اختصاصية تسويق في إحدى الشركات العالمية بالرياض، تجربتها لـ«الشرق الأوسط»، قائلة: «انتقلت من المنطقة الشرقية إلى الرياض قبل عامين، بعد حصولي على فرصة عمل، وكان أكبر مخاوفي هو العثور على مسكن آمن ومستقل يعكس نمط حياتي المعاصر كفتاة عازبة تركز على مسيرتها المهنية، لكن الواقع هنا تجاوز كل توقعاتي».

وتستطرد ريم في حديثها عن تفاصيل حياتها اليومية داخل المجمع قائلة: «المجمع الذي أقطنه ليس مجرد مكان للنوم، بل هو نظام حياة متكامل وخالٍ من التعقيد؛ فلم أعد بحاجة لاستقدام عاملة منزلية مقيمة أو الاعتماد على سائق خاص كالسابق؛ حيث تتيح لي إدارة المجمع، عبر تطبيقها الذكي، جدولة خدمات التنظيف والصيانة الدورية بضغطة زر وبموثوقية عالية تمنحني طمأنينة كاملة أثناء غيابي في العمل. وحتى نمط تسوقي واهتمامي بصحتي تغير؛ فالجيم والصيدلية والميني ماركت تقع كلها على بُعد خطوات من مصعد شقتي، مما وفر عليَّ عناء القيادة والبحث عن مواقف بعد يوم عمل طويل».

سعوديتان تمشيان أمام جامع الإمام تركي بن ​​عبد الله في الرياض (أ.ف.ب)

وعن البُعد الاجتماعي وثقافة التنقل الجديدة في العاصمة، تضيف ريم لـ«الشرق الأوسط»: «المساحات المشتركة والمقاهي الملحقة بالمجمع خلقت بديلاً حضارياً وذكياً عن الحي التقليدي؛ حيث ألتقي بجيراني من السعوديين والوافدين وسط أجواء يملأها الاحترام المتبادل والاهتمامات المشتركة». وتضيف: «الأجمل من ذلك، أن المجمع مرتبط مباشرة بشبكة النقل الحديثة؛ إذ تفصلني دقائق معدودة مشياً عن محطة المترو، مما جعلني أتخلى تماماً عن قيادة سيارتي في ساعات الذروة الصباحية، لأصل إلى مكتبي، شمال الرياض، براحة تامة وبثقافة نقل عام لم نكن لنتخيلها قبل سنوات؛ فالأنظمة العقارية والأمنية والتحول الحضري هنا منحني أماناً واستقلالية جعلت من سكني في الرياض مكاناً لتحقيق طموحي العملي والشخصي».

حركة حيوية للمارة والمتسوقين في شارع التحلية التجاري النابض بالحياة بوسط العاصمة السعودية (أ.ف.ب)

العاصمة تشعل «ثورة الطلب»

من شرفة مجمّعه السكني، يلاحظ خالد تنوعاً كبيراً في وجوه جيرانه؛ فبينهم الموظف التنفيذي القادم من جدة، والخبير التقني الأوروبي، والمستثمر الآسيوي. وفي قراءة تحليلية لعمق هذا المشهد، يقول الخبير والمسوِّق العقاري، صقر الزهراني، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إنّ القطاع يعيش مرحلة تحول استثنائية تقودها مستهدفات الرؤية، حيث لم يعد الطلب على السكن مرتبطاً بالنمو الديموغرافي التقليدي، بل بات انعكاساً مباشراً للتحول الاقتصادي الكبير الذي تشهده المدن الرئيسية، وفي مقدمتها الرياض.

ولفت إلى أن خطط تحويل العاصمة إلى مركز اقتصادي عالمي، واستقطاب المقرات الإقليمية للشركات الدولية، أطلقت موجة هجرة داخلية وخارجية واسعة شملت موظفين تنفيذيين ومتخصصين وطلاباً ورواد أعمال - كحالة المهندس خالد وزملائه - مما خلق طلباً غير مسبوق على الوحدات السكنية، سواء للتملك أو الإيجار.

وفي المقابل، يرى الزهراني أن المعروض السكني يواجه تحدياً طبيعياً في مواكبة هذا التدفق المتسارع؛ فالمشاريع الجديدة تتقدم بوتيرة عالية، غير أن هندستها الإنشائية تحتاج إلى وقت لتنعكس بالكامل على السوق، بينما يستمر توافد السكان والأنشطة الاقتصادية بوتيرة أسرع، ما يفسر جانباً من فجوة الأسعار الحالية وارتفاع الإيجارات في بعض المناطق الحيوية التي يقطنها الجيل الجديد.

شقق سكنية في «كافد» بالعاصمة السعودية الرياض (الموقع الإلكتروني)

ميزان التمويل وتحديات الفائدة

هذه الفجوة بين العرض والطلب ترافقت مع تبدل في حسابات الأسر التمويلية. فالمهندس خالد، كغيره من أبناء جيله، يتابع بدقة تحركات السياسات النقدية. ويشير الزهراني إلى أن أسعار الفائدة ما زالت عند مستويات مرتفعة نسبياً مقارنة بسنوات الطفرة التمويلية السابقة، وذلك في إطار التوجهات الهادفة إلى كبح موجات التضخم والارتفاعات السعرية التي شهدتها الأسواق العالمية، خلال الأعوام الماضية.

هذا الارتفاع انعكس تلقائياً على القوة الشرائية للأفراد، ودفع كثيراً من الأسر إلى إعادة حساباتها التمويلية وتأجيل بعض قرارات التملك أو البحث عن خيارات أكثر مرونة، كالإيجار المؤقت الذكي.

يقول الزهراني هنا: «الحكومة السعودية تدرك تماماً هذه التحديات وما تفرضه من ضغوط على المستهلكين، لذلك بادرت بإطلاق حزمة واسعة من الحلول المرنة عبر وزارة البلديات والإسكان وصندوق التنمية العقارية وبرنامج (سكني)، بالشراكة مع المطورين، لتخفيف أثر تكلفة التمويل وزيادة المعروض».

وتتجلى هذه الحلول التي تتبناها المملكة في حزمة تدابير تشريعية وتنظيمية وتمويلية شاملة يترجمها «برنامج الإسكان» أحد أبرز برامج «رؤية 2030»، التي وضعت نصب عينيها هدفاً استراتيجياً برفع نسبة تملك المواطنين للمساكن إلى 70 في المائة بحلول عام 2030 (وصلت النسبة حالياً إلى 66.2 في المائة من 47 في المائة في 2016)، مدعومة بـ4 محاور استراتيجية تلامس تفاصيل يوميات مواطنين مثل خالد.

التمكين التمويلي الذكي

لم يعد التمويل العقاري عبئاً منفرداً؛ إذ يقدم برنامج «سكني» خيارات تمويلية مدعومة بالشراكة مع البنوك المحلية لتسهيل شراء الوحدات الجاهزة أو البناء الذاتي، بالتوازي مع الدور المحوري الذي تلعبه الشركة السعودية لإعادة التمويل العقاري (SRC) بضخ السيولة في السوق، وتثبيت نسب المرابحة طويلة الأجل لحماية جيل الشباب من تقلبات الفائدة العالمية، دون إغفال الفئات الأشد حاجة، عبر تسليم أكثر من 95 ألف وحدة سكنية تنموية تراكمية من خلال برنامج الإسكان التنموي.

الحوكمة ومنع العشوائية

الرحلة الرقمية التي اختبرها خالد بهاتفه تدعمها حزمة من التنظيمات الرقابية؛ بدءاً من منصة «إيجار» وتحويل عقودها إلى «صكوك تنفيذية» تحمي حقوق الجميع، مروراً بتنظيم الوساطة العقارية وحصرها على المرخصين من الهيئة العامة للعقار، وصولاً لبرنامج «وافي» الذي ينظم البيع على الخريطة ويحمي أموال المشترين ويوفر تدفقات آمنة للمطورين.

مترو الرياض يعبر وسط المدينة (أ.ف.ب)

تكسير الاحتكار وأنسنة الضواحي

لضبط ميزان الأسعار ومحاربة المضاربات، جاء تفعيل برنامج «رسوم الأراضي البيضاء» داخل النطاق العمراني ليجبر الملّاك على تطويرها أو بيعها، مما ضاعف المعروض العقاري، وتزامن ذلك مع صعود الضواحي السكنية الكبرى التي تقودها شركات وطنية عملاقة، مثل «روشن» (التابعة لصندوق الاستثمارات العامة) لتقديم أحياء متكاملة الخدمات تعزز جودة الحياة وأنسنة المدن.

عالمية السوق والاستدامة

التحول لم يقف عند حدود الداخل؛ فمع بدء نفاذ النظام المحدث لتملك غير السعوديين للعقار لعام 2026، فُتحت الأبواب لرساميل عالمية ومسارات استثمارية منظمة وضعت العقار السعودي كـ«حصان أسود» دولي، ترافقه منصات رقمية تضمن جودة الأصول المستدامة، مثل منصة «البناء المستدام»، لفحص المباني قبل الشراء.

ويتوقع الزهراني بدء ظهور دورة أكثر توازناً بين العرض والطلب، في ظل استمرار المشاريع الكبرى وبرامج التطوير الحضري، بشكل تدريجي خلال السنوات المقبلة، وأن تتضح آثارها بشكل أكبر بحلول عام 2028، بما يضمن لجيل خالد فرص تملك أكثر استدامة وأقل عبئاً على المدى الطويل.

امرأتان تتبضعان من سوق محلية وسط الرياض (أ.ف.ب)

وداعاً لـ«الفلل الهالكة»

التغيير لم يكن في طريقة الدفع فحسب، بل في فلسفة المسكن ذاته. لو سألت والد خالد قبل عشرين عاماً عن بيت العمر، لقال فوراً: «فيلا بأسوار عالية ومساحات شاسعة». لكن خالد يفضل شقته الحديثة ذات الممرات المشجرة.

هذا التحول الجوهري يحلله الخبير والمهتم بالشأن العقاري، عبد الله الموسى، في تصريحه لـ«الشرق الأوسط»، موضحاً أنَّ السوق السكنية تشهد مرحلة تحول نوعي تتجاوز مفهوم توفير الوحدات السكنية المجردة إلى بناء مجتمعات عمرانية متكاملة تتوافق مع مستهدفات «رؤية 2030»، حيث لم يعد النجاح يُقاس بعدد الوحدات المطوَّرة، بل بقدرتها على رفع جودة الحياة وتحسين تجربة السكن اليومية.

وفيما يتعلق بدور المطورين العقاريين، يشير الموسى إلى أن الضواحي السكنية الكبرى أسهمت في ترسيخ مفهوم «أنسنة المدن» عبر توفير بيئات متكاملة تجمع بين السكن، والخدمات، والمرافق، والمساحات المفتوحة المشجرة، ضمن نطاق واحد، يحمي سكانها من التنقل اليومي الطويل.

هذا التحول في المعروض واكبه (بحسب الموسى) تغير طبيعي في تفضيلات الأسر السعودية، فالمستهلك اليوم (مثل خالد) أصبح أكثر وعياً واهتماماً بكفاءة المسكن، وجودة الموقع، وسهولة الصيانة، مقارنة بالتركيز التقليدي السابق على المساحات الضخمة المهدورة.

ونتيجة لذلك، نشهد اليوم إقبالاً متزايداً على الشقق السكنية الحديثة والمجمعات المتكاملة التي توفر تجربة معيشية تليق بمتطلبات الحياة المعاصرة.

ثورة التشريعات

السهولة الرقمية التي جدد بها خالد عقده لم تكن وليدة الصدفة، بل نتاج ثورة تشريعية قطعت دابر العشوائية العقارية. فقد شهد القطاع نقلة تنظيمية غير مسبوقة عززت الشفافية والحوكمة، ومن أبرزها: نظام الوساطة العقارية، ترخيص المنصات العقارية، وإطلاق المؤشرات الإيجارية.

وفي هذا الصدد، يرى عبد الله الموسى أن الأنظمة الحديثة وتنظيم الإعلانات العقارية حمت المتعاملين وجعلت البيانات أكثر دقة لمساعدة المستهلك والمستثمر على اتخاذ قراره بكفاءة، لافتاً إلى الدور المحوري لمنصة «إيجار» في تنظيم العلاقة بين المالك والمستأجر وتوثيق الحقوق والالتزامات إلكترونياً، مما قلّص النزاعات القضائية وسرّع إجراءات المعالجة؛ فلم يعد أحد مضطراً لانتظار «مفاجآت المؤجر»، أو زيارة المكاتب التقليدية.

«الحصان الأسود»

حين يغادر خالد مكتبه في ذلك البرج الشمالي، يلتقي في ردهة الاستقبال بمديري مقار الشركات العالمية التي انتقلت حديثاً للرياض. هذا المشهد يؤكد أن العقار السعودي بات يظهر في الأفق الدولي كـ«ملاذ آمن» وسط عالم يموج بالاضطرابات الجيوسياسية والاقتصادية.

وحول هذا التفاعل الدولي، يؤكد الخبير والمقيّم العقاري المهندس أحمد الفقيه، لـ«الشرق الأوسط»، أن الاضطرابات الحالية أثبتت أن السعودية هي البيئة الأكثر أماناً واستقراراً في المنطقة، لامتلاكها قدرات سيادية وعسكرية متطورة، وهي النقطة التي منحت المستثمرين غير السعوديين رسالة طمأنينة إضافية.

العاصمة الرياض (الأراضي البيضاء والعقارات الشاغرة)

ويوضح الفقيه أن الجاذبية الاستثمارية العالية الحالية للسوق العقارية تبلورت بشكل واضح في التشريعات الأخيرة التي دعمت المستثمر الأجنبي والسعودي على حد سواء، من خلال عدة قنوات استراتيجية، أبرزها نظام الإقامة المميزة، وقانون تملك واستثمار غير السعوديين المحدث الذي دخل حيز التنفيذ مع بداية هذا العام (2026).

وتجمع التقارير الدولية الصادرة حديثاً على أن السعودية هي «الحصان الأسود» في ملف الاستثمار العقاري العالمي.

وتابع الفقيه بالقول: «إن الأرقام الصادرة عن وزارة الاستثمار تثبت أن المملكة تتقدم يوماً بعد يوم كعملاق اقتصادي قادم لـ«الشرق الأوسط». ويكفي النظر إلى زخم وكثافة الشركات العالمية التي نقلت مقارها الإقليمية إلى العاصمة الرياض، والتي تجاوزت في آخر الإحصاءات الرسمية لعام 2026 أكثر من 660 شركة إقليمية، لندرك حجم المناخ القانوني الجاذب».

وأكمل الفقيه برصد نبض السوق الميداني الذي يتقاطع مع محيط خالد الوظيفي قريباً: «بحكم عملنا ووجودنا اليومي داخل السوق، نلاحظ بشكل جلي تنامي رغبة غير السعوديين في التملك والاستثمار؛ حيث أبرمت بالفعل جنسيات متعددة صفقات ضخمة، وفي مقدمتها الجنسيات الصينية والمصرية وغيرها، وقد تضاعف زخم هذه الأعداد والصفقات مع دخول التصنيفات والتشريعات المحدثة حيز النفاذ مؤخراً».

ميزان التحديات

هذه الترسانة التشريعية والتحولات الرقمية الباهرة التي يلمسها جيل خالد، لا تلغي أن الطريق نحو نقطة الاتزان العقاري الكاملة لا يزال يمر عبر حقل من التحديات التي يفرضها الواقع الاقتصادي والميداني.

ويتمثل أول هذه التحديات في فجوة المدى الزمني بين العرض والطلب؛ فبينما يتدفق السكان والمقرات الإقليمية للشركات العالمية إلى العاصمة الرياض بوتيرة متسارعة وخاطفة، تحتاج المشاريع الإنشائية والضواحي السكنية الكبرى إلى دورة زمنية تمتد لسنوات حتى تكتمل وتنعكس بالكامل كمخزون متاح في السوق، وهو ما يفسر استمرار طفرة الإيجارات وضغوط الأسعار الحالية في المناطق الحيوية.

أحد المراكز التجارية التابعة لـ«سينومي سنترز» في الرياض (موقع الشركة الإلكتروني)

وعلى جبهة أخرى، تبرز معادلة تكلفة التمويل كتحدٍ مباشر يواجه القوة الشرائية للأفراد؛ فبقاء أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة كأداة لكبح التضخم العالمي يضع عبئاً إضافياً على الأسر، ويدفع قسماً من جيل الشباب إلى تأجيل قرارات التملك واللجوء لخيارات مرنة، مما يضع برامج الدعم السكني أمام اختبار مستمر لابتكار حلول تمويلية أكثر ديناميكية.

يُضاف إلى ذلك تحدي مواكبة المطورين العقاريين المحليين للسرعة والمعايير الصارمة التي تفرضها مفاهيم «أنسنة المدن» والبناء المستدام؛ حيث تتطلب السوق اليوم تحولاً كاملاً من الشركات العقارية التقليدية نحو العمل المؤسسي، لضمان تسليم وحدات ذات جودة عالية وبأسعار تنافسية تلائم الشريحة الأوسع من المواطنين دون تأخير في الجداول الزمنية للبيع على الخريطة.

في الختام، يعود خالد إلى شقته مساءً، يسير في الممر المشجّر المؤدي إلى بوابته الرقمية، يدرك تماماً أن تفاصيل يومه البسيطة هي جزء من لوحة رسمتها «رؤية 2030»... لوحة لا تبني مجرد ناطحات سحاب، بل تُعيد صياغة نمط وعمران حياة بأكملها.


العنف الجنسي في السودان... اعتداء منهجي وسلاح حرب يقتل مراراً

سيدة سودانية في مخيم لاجئين (غيتي)
سيدة سودانية في مخيم لاجئين (غيتي)
TT

العنف الجنسي في السودان... اعتداء منهجي وسلاح حرب يقتل مراراً

سيدة سودانية في مخيم لاجئين (غيتي)
سيدة سودانية في مخيم لاجئين (غيتي)

مع دخول الحرب في السودان عامها الرابع، تتوارى خلف جدران منازل مهدمة ومخيمات نزوح مكتظة قصص نساء وفتيات نجون من العنف الجنسي، لكن نجاتهن لم تكتمل بعد. فبين ذاكرة مثقلة بالصدمة وخوف من الوصمة الاجتماعية، تمتد معاناة الناجيات إلى ما بعد لحظة الانتهاك، لتتحول إلى رحلة طويلة من الألم والعزلة وانعدام الاستقرار.

استند هذا التحقيق إلى مقابلات أجرتها «الشرق الأوسط» مع عدد من الناجيات من العنف الجنسي المرتبط بالنزاع، إلى جانب مراجعة تقارير أممية ووثائق صادرة عن منظمات دولية وخبراء قانونيين ونفسيين. وتم حجب أسماء الناجيات وبعض التفاصيل التعريفية حفاظاً على سلامتهن وخصوصيتهن.

في بلد تتآكل فيه منظومة الرعاية الصحية والدعم النفسي بفعل الحرب، تصبح فرص التعافي محدودة أو غائبة، ما يترك الناجيات في مواجهة آثار مركبة تمتد من الجسد إلى النفس، ومن الفرد إلى الأسرة، وصولاً إلى النسيج الاجتماعي الأوسع.

هكذا يتحول العنف الجنسي من فعلٍ يقع في سياق الحرب إلى أزمة ممتدة، تتقاطع فيها الجريمة مع الصمت، والانتهاك مع العجز عن الإنصاف، لتبقى الناجيات عالقات بين ما حدث لهن، وبين مجتمع لم ينجح بعد في الاعتراف الكامل به أو احتوائه.

سيدة سودانية في موقع نزوح في الخرطوم (غيتي)

«والدتي بالكاد تعرّفت عليّ»

تبدأ إحدى الشهادات من حي الأزهري، جنوب الخرطوم، حيث كانت الناجية تعيش مع أسرتها منذ اندلاع الحرب. مثل آلاف الأسر، اضطرت العائلة للنزوح بين مناطق مختلفة قبل أن تستقر مؤقتاً في دار السلام بمدينة أم درمان. خلال هذه الفترة، كانت المرأة تساهم في إعالة الأسرة عبر بيع سلع تُجلب من «سوق صابرين»، وكان والدها أيضاً يعمل في بيع السلع ما أتاح للأسرة دخلاً معقولاً.

لكن حياتها انقلبت، بعد توقيفها أثناء عودتها من السوق برفقة شقيقها في رمضان 2024. ففي طريق العودة استقلّا مركبة متجهة نحو منطقة سكنهما، ليبدأ بعض الركاب في استجوابهما حول مكان السكن وعمل الوالد.

وتقول الشابة إن المجموعة اقتادتهما لاحقاً إلى منطقة دار السلام بغرض التحري. حاولت هي إنكار بعض المعلومات، لكن شقيقها كان قد أدلى بتفاصيل عن الأسرة، لتُنقل بعد ذلك إلى مقر النيابة في منطقة سوق ليبيا، حيث خضعت للتحقيق على يد أحد قادة «قوات الدعم السريع»، الذي أمر باحتجازها.

بقيت محتجزة يومين، قبل أن تُنقل في اليوم الثالث إلى منزل القائد نفسه، حيث تعرضت لأول واقعة اغتصاب. وبعد أيام قليلة نُقلت إلى موقع آخر حيث فرضت عليها أعمال سخرة من تنظيف وكي ملابس وغير ذلك، فيما الانتهاكات الجنسية استمرت بصورة متكررة.

وتضيف: «كانوا يأتون إلينا ليلاً، وعندما نرفض نتعرض للضرب. ما زالت آثار التعذيب واضحة على جسدي حتى اليوم. كانوا يطفئون أعقاب السجائر على أجسادنا، وأصبحت ساقاي تحملان آثاراً وتشوهات دائمة».

سيدة من ام درمان تخفي وجهها عن الكاميرا وقد تحدثت عن اختطافها واغتصابها على يد قوات الدعم السريع ودفع مبلغ مالي مقابل الافراج عنها ( أ ب)

وتؤكد أن الاعتداءات لم تكن حوادث فردية أو معزولة، بل تكررت بشكل شبه يومي على مدى أشهر. وتقول إن «بعض الضحايا كن يتعرضن للاغتصاب عدة مرات في اليوم، وأحياناً من أكثر من شخص»، معتبرة أنه لا جدوى من الشكوى أو طلب المساعدة في ظل غياب أي جهة يمكن اللجوء إليها.

حسب الشابة، استمرت فترة احتجازها نحو أربعة أشهر، لم تعرف خلالها ما جرى لأخيها، إلى أن صادفت شخصاً تعرفه أسرتها. وعلى الرغم من أنه لم يتعرف عليها في البداية بسبب التغير الكبير الذي طرأ على ملامحها وحالتها الجسدية، تمكنت من لفت انتباهه وطلبت منه التواصل مع أسرتها، فساعدها في الوصول إلى آخر نقطة أمنية تابعة لـ«قوات الدعم السريع»، ومنها تمكنت من العودة إلى منطقة سوق الحر ثم إلى أسرتها.

كانت العائلة تعتقد أنها فقدت ابنتها إلى الأبد، وتقول: «حتى والدتي بالكاد تعرفت عليّ للوهلة الأولى بسبب النحول الشديد والتغيرات الهائلة التي طرأت على شكلي ونفسيتي».

وبعد بضعة أيام من الراحة، أخذتها أمها إلى المستشفى للخضوع لفحوصات طبية، فيما تولّت بطريقتها إبلاغ الوالد بتفاصيل ما جرى خوفاً عليه من صدمة مضاعفة.

وتختتم الشابة شهادتها بالقول إن قصتها ليست استثناءً، بل تشبه قصص فتيات أخريات جرى احتجازهن، لافتة إلى أن هذه التجربة لم تسلبها حريتها وأمنها فحسب، بل أثرت أيضاً على مستقبلها إذ كانت مخطوبة قبل اختطافها، ولم تتمكن حتى الآن من مقابلة خطيبها أو الحديث معه بشأن ما تعرضت له.

لعل ما يلفت في هذه الشهادة ليس فقط حجم الانتهاكات، بل البنية المتسلسلة لها، من اعتقال عشوائي، وتنقل بين مواقع احتجاز غير رسمية، وانعدام الرقابة، ثم نقل إلى مواقع شبه رسمية حيث انتهاكات ممنهجة داخل فضاء مغلق بالكامل. هذه البنية تتكرر في إفادات أخرى، ما يؤكد فرضية النمط وليس الاستثناء.

ولا تبدو هذه الرواية حالة معزولة، إذ تتقاطع مع عدد من الشهادات التي جمعتها «الشرق الأوسط» من مناطق مختلفة، وتكشف أنماطاً متشابهة من الاحتجاز والانتهاكات المرتكبة بحق النساء خلال فترة النزاع في السودان.

سيدان تعبران خطوط النار في أحد أحياء الخرطوم المهدمة (أ ف ب- غيتي)

«سيّدة سلّمتني وحملي لم يشفع لي»

تروي إحدى السيدات من حي بانت شرق بمدينة أم درمان تفاصيل تجربة قاسية عاشتها خلال الأشهر الأولى من الحرب، حين كانت تقيم مع زوجها فيما طفلهما يتلقى العلاج في مستشفى السلاح الطبي.

تقول السيدة إن الأوضاع المعيشية كانت بالغة الصعوبة، وعانت الأسرة نقص الغذاء ومقومات الحياة الأساسية، فيما الرحلة إلى سوق ليبيا، أقصى غرب أم درمان، تشكّل مخاطرة كبيرة بسبب انتشار نقاط التفتيش وحالات الاعتقال والضرب والإهانة التي يتعرض لها المدنيون أثناء تنقلهم.

ولم يشفع للسيدة أنها كانت ترافق طفلها المريض إلى المستشفى وهي حامل بشهرها الثاني؛ فهناك في المستشفى نفسه، تعرّفت إلى امرأة بدا أنها تشارك العائلة الظروف نفسها، لتقوم بالوشاية عليها وتسليمها لـ«قوات الدعم السريع»، مستغلة معرفتها بأن زوج الضحية ضابط في الجيش السوداني.

وتقول الناجية: «سلمتني تلك المرأة إلى عناصر (الدعم السريع) في قسم الراشدين، وأبلغتهم بأنني زوجة ضابط. وهناك تم احتجازي نحو شهر كامل». وتؤكد أنها أخبرتهم منذ البداية بأنها متزوجة وحامل، متوسلة إليهم ألا تتعرض للتعذيب أو الضرب، لكنهم أبلغوها بأنهم سيتخذون إجراءات بعد الولادة.

وبعد فترة من الاحتجاز، نُقلت إلى قسم آخر يُعرف بـ«القسم 18»، حيث كانت محتجزة مع نحو 15 امرأة من زوجات العسكريين، إضافة إلى 12 امرأة أخريات من المدنيين، معظمهن من سكان حي بانت.

أطفال سودانيون يلعبون خارج مدرستهم في مخيم للاجئين شرقي طرابلس الليبية يوم 18 مايو 2026 (أ ب)

وتروي كيف أن الحوامل كن يُستثنين أحياناً من الضرب المباشر، بينما كانت الأخريات يتعرضن لسوء المعاملة بشكل متكرر، منها اعتداءات وانتهاكات جنسية طالت فتيات صغيرات في السن، لكنها تقول إن الخوف حال دون قدرة المحتجزات على الاعتراض أو حتى السؤال عما يحدث.

وتضيف أن المحتجزات من زوجات العسكريين تعرضن لضغوط وإجبار على الزواج من عناصر في «قوات الدعم السريع»، بلا شهود أو إجراءات قانونية، فيما المسؤولون عن الاحتجاز أخبروهن صراحة بأنهم لم يتمكنوا من قتل أزواجهن بالسلاح، فسيؤذونهم بهذه الطريقة.

وتؤكد السيدة أنها حاولت مراراً إقناعهم بأنها متزوجة أصلاً، لكن جميع محاولاتها قوبلت بالرفض. وفي نهاية المطاف، أُجبرت على الزواج من أحد قادة «قوات الدعم السريع»، الذي نقلها إلى منطقة دار السلام غرب أم درمان.

وخلال فترة وجودها في دار السلام، احتجزت في غرفة حيث منعت الطعام والشراب ولكن كان يتم تخديرها بانتظام، ما يفقدها القدرة على الحركة والتركيز وجعل تلك الفترة مشوشة في ذهنها. ولا تزال حتى اليوم بعدما نجحت في الهرب من قبضة الخاطفين والعودة إلى أسرتها، تعيش حالة من الشك والقلق بشأن ما إذا كانت قد تعرضت لاعتداءات جنسية خلال فترة احتجازها الطويلة، مؤكدةً أن تأثير العقاقير والحقن التي أُجبرت على تناولها جعلها غير واعية لكثير مما جرى حولها في تلك الفترة.

فجوة العدالة وتحديات الدعم

في حين يصعب توثيق حالات الانتهاك الجنسي لأسباب شتّى، فإن الإحصاءات الرسمية المسجلة منذ اندلاع الحرب في السودان بلغت نحو 2200 حالة، حسب وزيرة الدولة للموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، سليمى إسحق، التي لفتت أيضاً إلى أن الرقم لا يعكس الحجم الحقيقي للمشكلة، خصوصاً في مناطق دارفور التي تعاني صعوبة الوصول إلى الضحايا.

سيدات سودانيات في طابور أمام أحد مراكز الدعم وتقديم المساعدات (أ ف ب- غيتي)

ولفتت الوزيرة في حديثها لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن التعامل مع هذه القضايا يتم عبر شراكات مع منظمات وطنية ودولية ووكالات أممية.

وأضافت أن ثلاث قضايا فقط وصلت إلى القضاء، جميعها بحق أفراد من الجيش السوداني، بعد رفع الحصانة عنهم، وصدرت بحقهم أحكام في ولايتي الأبيض والنيل الأبيض.

أما بالنسبة للانتهاكات المنسوبة لـ«قوات الدعم السريع»، فقد أوضحت إسحق أن ملاحقتها قانونياً في الوقت الراهن غير ممكنة، داعية إلى توثيق الانتهاكات لضمان عدم الإفلات من العقاب مستقبلاً.

وكان تقرير صادر عن هيئة الأمم المتحدة كشف أن مفوضية حقوق الإنسان وثّقت خلال عام 2025 أكثر من 500 حالة عنف جنسي، شملت الاغتصاب، والاغتصاب الجماعي، والتعذيب الجنسي، والاستعباد الجنسي، وهي انتهاكات أفضت في بعض الحالات إلى الوفاة.

كما أفاد أحدث تقارير منظمة «أطباء بلا حدود» بأن المنظمة قدّمت الرعاية لأكثر من 3396 ناجية من العنف الجنسي في ولايتي شمال وجنوب دارفور، خلال الفترة بين يناير 2024 ونوفمبر 2025. ونقل التقرير عن مسؤولين معنيين بمكافحة العنف القائم على النوع الاجتماعي تسجيل زيادة في الحوادث بأشكال متعددة، من بينها العنف المنزلي، والتحرش، والاستغلال الجنسي.

كانت «أطباء بلا حدود» وصفت هذه الجرائم بأنها أصبحت «علامة مميزة» للنزاع في السودان، بينما حذرت منظمة الصحة العالمية من أن الأرقام المتوافرة لا تمثل على الأرجح سوى «قمة جبل الجليد».

أزهار عبدالله، سيدة سودانية خطف زوجها منذ أكثر من عام ولا تزال تبحث عنه في أم درمان، السودان في أبريل 2026 (أ ب)

وأشارت الوزيرة إلى أن وزارة الصحة توفر بروتوكولات الدعم الطبي والنفسي قدر المستطاع، بينما يتم تقديم الدعم القانوني بالتنسيق مع النيابة العامة، مع وجود تفاوت بين الولايات في مستوى الخدمات والاستجابة، خصوصاً مع ضعف التمويل الذي يمثل أحد أبرز التحديات؛ «على الرغم من أن قضايا العنف ضد النساء مسألة إنقاذ حياة وليست قضية ثانوية»، على حد تعبيرها.

كذلك كشفت إسحق عن خطة لإنشاء مراكز حماية وإيواء جديدة، تقوم على الدمج بين الخدمات دون تعريض الناجيات لمخاطر الوصمة أو فقدان الخصوصية، في محاولة لتجاوز إخفاقات التجارب السابقة.

وأكدت أن اللجوء إلى القضاء يبقى خياراً شخصياً للناجيات، في ظل مخاوف اجتماعية وأمنية تعيق الإبلاغ، مشددة على أهمية توفير بيئة آمنة تضمن السرية والحماية خصوصاً في مجتمع محافظ مثل السودان.

«لن أتخلى عن طفلي»

في صلب هذه المخاوف، تقع قصة ناجية من مدينة بحري، تم اعتقالها خلال الأشهر الأولى من الحرب، عاشت تجربة مريرة وقاسية من الاحتجاز والتعذيب وسوء المعاملة، انتهت بحمل وضغوط مجتمعية هائلة.

تقول الناجية في شهادتها إن معاناتها لم تنتهِ بخروجها من المعتقل، بل بدأت مرحلة جديدة من الضغوط النفسية والاجتماعية بعد عودتها إلى أسرتها حيث واجهت مطالبات والدتها المتكررة بالتخلي عن الطفل وتسليمه إلى دور الرعاية، بينما رفضت هي وتمسكت بحقها بالاحتفاظ بطفلها، مؤكدة أن لا ذنب له بما جرى.

طفل يجلس على قمة تل مطل على مخيم للاجئين قرب الحدود السودانية مع تشاد في نوفمبر 2023 (رويترز)

وأضافت: «كيف أتخلى عن قطعة من نفسي؟ سأواجه مشكلتي وأدافع عن طفلي بكل ما أوتيت من قوة».

وتشير الشابة إلى أن قرارها بالاحتفاظ بطفلها وضعها في مواجهة دائمة مع أسرتها والمجتمع ومواقف سيئة من بعض المقربين منها، في وقت كانت تحاول التعافي من آثار التجربة الأليمة التي مرت بها.

وتلفت إلى أن أكثر ما يثقل كاهلها ليس فقط ذكريات الاحتجاز والانتهاكات التي تعود إليها باستمرار، بل اضطرارها الدائم والمستميت للدفاع عن حق طفلها في الحياة والبقاء إلى جانبها، بينما تواصل هي نفسها رحلة التعافي من آثار حرب كارثية دمرت حياتها بالكامل.

العنف الجنسي سلاح حرب

تحدثت «الشرق الأوسط» إلى أحمد تقد لسان، وهو المتحدث باسم تحالف «تأسيس»، عن تعرض نساء للاغتصاب في مناطق تحت «قوات الدعم السريع»، وموقف التحالف من الاتهامات المتعلقة باستخدام العنف الجنسي كسلاح حرب، فقال المتحدث إنه «اطلع على السؤال، لكنه لم يجد دليلاً مادياً يدعم هذه الاتهامات، ولا يرى سبباً يدعو إلى التعليق عليها».

علماً بأنه، حسب تعريف رسمي على موقع التحالف السياسي المعروف بـ«تأسيس»، فإن «تحالف السودان التأسيسي (تأسيس) هو ائتلاف يضم فصائل سياسية سودانية، وحركات مسلحة، ومهنيين، ونقابات، ومنظمات مجتمع مدني، توحّدهم إرادة مشتركة راسخة لتحقيق السلام الدائم، وإرساء الحكم الديمقراطي، وبناء وحدة حقيقية وشاملة في كامل أنحاء السودان».

عمال يحمّلون السلع الغذائية على عربات برنامج الأغذية العالمي في قاعدة الخدمات اللوجستية بجنوب السودان (أ.ف.ب)

في المقابل، يرى الخبير القانوني معز حضرة، أن اتفاقات جينيف الأربع لعام 1949 نصّت بوضوح على حماية المدنيين أثناء النزاعات المسلحة، وجرّمت استخدام العنف الجنسي باعتباره انتهاكاً جسيماً للقانون الدولي الإنساني. ويشير إلى أن هذه المبادئ جرى تضمينها أيضاً في القانون الجنائي السوداني لسنة 1991، الذي يجرّم الاعتداءات الجنسية والانتهاكات المرتكبة بحق المدنيين، باعتبارها جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن السودان يواجه أزمة حقيقية في مسار العدالة، في ظل غياب نظام عدلي فعّال قادر على محاسبة المتورطين، إلى جانب انهيار المؤسسات القضائية وضعف أدوات العدالة الوطنية. كما لفت إلى أن مجلس حقوق الإنسان شكّل لجنة لتقصي الحقائق بشأن الانتهاكات، إلا أن الحكومة السودانية لم توافق على دخولها، ما عقّد فرص التحقيق والمساءلة.

وأوضح حضرة أن الآليات الوطنية والدولية الحالية تبدو عاجزة عن القيام بدورها الكامل في المحاسبة، في وقت يشهد فيه النظام العدلي الداخلي انهياراً واسعاً. وأشار إلى أن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية يقتصر حالياً على الجرائم المرتكبة في إقليم دارفور، داعياً إلى توسيع هذا الاختصاص ليشمل جميع أنحاء السودان، بما يضمن ملاحقة مرتكبي الانتهاكات الجسيمة أينما وقعت.

ويعكس العدد المحدود للقضايا التي وصلت إلى القضاء مقارنة بحجم الانتهاكات المبلغ عنها حجم الفجوة القائمة بين توثيق الجرائم وإمكانية ملاحقة مرتكبيها، في ظل تحديات أمنية وقانونية ومؤسسية فرضتها الحرب المستمرة.

إحصاءات صادمة

قدّرت هيئة الأمم المتحدة للمرأة أن 12.7 مليون شخص، معظمهم من النساء والفتيات، بحاجة إلى دعم يتعلق بالعنف الجنسي والقائم على النوع الاجتماعي في عام 2026 وحده، ويمثل هذا الرقم ارتفاعاً من 3.1 ملايين في عام 2023، وزيادة بأكثر من 500 ألف شخص منذ عام 2025، كما أنه يقارب ضعف العدد المسجل في عام 2024، وأربعة أضعاف العدد ما قبل اندلاع النزاع في السودان.

وفقاً لدراسة أجراها صندوق الأمم المتحدة للسكان في السودان، فإن 76 في المائة من النساء بين 25 و49 عاماً يشعرن بعدم الأمان، سواء داخل مواقع النزوح أو خارجها.

وفي أبريل (نيسان) الماضي، قالت هيئة الأمم المتحدة إن العنف الجنسي الذي شهد زيادة مطردة في عام 2025، تصاعد بشكل حاد خلال العام الحالي، وسط ارتفاع معدلات حوادث التحرش والاستغلال والعنف المنزلي.

ونشرت الهيئة تنبيهاً سلّط الضوء على الأثر غير المتناسب لثلاث سنوات من الحرب على النساء والفتيات، استند إلى بيانات استطلاع شمل 85 منظمة تقودها نساء، ومنظمات تُعنى بحقوق المرأة، إلى جانب مجموعتي نقاش وتقارير صادرة عن وكالات الأمم المتحدة ومنظمات دولية.

وأفادت الهيئة في تقريرها بأن «ثلثي النساء العاملات في الخطوط الأمامية أبلغن عن زيادة ملحوظة في العنف الجنسي خلال عام 2025، فيما أشارت نصف المشاركات إلى تصاعده خلال عام 2026».

سيدتان سودانيتان تقيمان في إحدى المدارس في الخرطوم هرباً من القتال (غيتي)

انعدام شعور الأمان

«تروي النساء والفتيات في جميع أنحاء السودان قصص تجارب مستمرة من الخطر؛ إذ يشكّل العنف القائم على النوع الاجتماعي جزءاً من حياتهن اليومية، سواء كان ذلك على طول الطرقات أثناء محاولتهن الفرار من النزاع الدائر، أو عند وصولهن إلى مخيمات النزوح».

هذا ما أكدته فابريزيا فالشيوني، ممثلة صندوق الأمم المتحدة للسكان في السودان، خلال حديثها للصحافيين في نيويورك، 17 أبريل (نيسان) 2026، عبر الفيديو من العاصمة الخرطوم، حيث سلطت الضوء على تدهور أوضاع النساء والفتيات في البلاد، مشيرةً إلى أن النساء «يشعرن بعدم الأمان في أي مكان يقمن فيه».

ويستند هذا التقييم إلى دراسة أجراها صندوق الأمم المتحدة للسكان بمشاركة نحو ألف امرأة وفتاة في 16 ولاية من أصل 18 ولاية. وأظهرت النتائج أن 76 في المائة من النساء بين 25 و49 عاماً يشعرن بعدم الأمان، سواء داخل مواقع النزوح أو خارجها، بما في ذلك الأسواق ونقاط المياه ومناطق جمع الحطب والطرقات، خصوصاً خلال الليل.

وأكدت المسؤولة الأممية أن انعدام الأمن يطول أيضاً الحياة اليومية، مشيرةً إلى أن «الشعور بانعدام الأمان» يتضاعف في ظل انقطاع الكهرباء وظلام المدن ليلاً. وأفادت بأن الإبلاغ عن حالات العنف القائم على النوع الاجتماعي لا يزال محدوداً، بسبب وصمة العار والخوف من الانتقام والقيود المالية وبُعد مراكز الخدمات.

سودانية نازحة من الفاشر في مخيم للنازحين شرق تشاد يوم 27 نوفمبر 2025 (رويترز)

جروح نفسية عميقة

قالت الاختصاصية النفسية خديجة محمد العبيد، إن الناجيات من العنف الجنسي في سياق النزاعات المسلحة والحروب يواجهن آثاراً نفسية معقدة وعميقة، إذ تمتد آثار الصدمة إلى ما بعد الاعتداء نفسه، وتتفاقم بفعل النزوح والحرب وفقدان الإحساس بالأمان.

وأوضحت في حديثها لـ«الشرق الأوسط»، أن من أبرز الآثار النفسية التي قد تعاني منها الناجيات الإصابة باضطراب ما بعد الصدمة، الذي يظهر في صورة استرجاع متكرر للحدث المؤلم، وكوابيس وأحلام مزعجة، إضافة إلى الميل لتجنب الأشخاص أو الأماكن أو المواقف التي تذكر بالحادثة. كما قد تعاني الناجيات من حالة مستمرة من فرط اليقظة والخوف والقلق، ما يؤثر بصورة مباشرة على حياتهن اليومية وعلاقاتهن الاجتماعية.

وشددت العبيد على أهمية توفير خدمات الدعم النفسي والاجتماعي للناجيات من العنف الجنسي عبر مساحات آمنة تحفظ الخصوصية والكرامة الإنسانية، مع ضرورة ربطهن بشبكات الدعم والخدمات المتخصصة لضمان الحصول على الرعاية والعلاج المناسبين، بما يسهم في التعافي واستعادة القدرة على مواصلة الحياة بصورة طبيعية.

من تظاهرة في لندن دعماً للسودان حملت فيها لافتة "أكثر من 130 امرأة فضّلن الموت على الاغتصاب" (غيتي)

فراغ الدعم النفسي

لا تبدو الانتهاكات الجنسية المرتبطة بالحرب مجرد وقائع عابرة، بل جراح ممتدة تعيد تشكيل حياة الناجيات، في ظل تحديات مستمرة تتعلق بالدعم والحماية والعدالة.

ما تكشفه الشهادات ليس فقط حجم الانتهاك، بل عمق الفراغ الذي يتركه خلفه: فراغ في الدعم النفسي، وفي الحماية القانونية، وفي الاستجابة المجتمعية التي ما زالت في كثير من الحالات تميل إلى الصمت بدل المواجهة. وبينما تتعدد الجهات الفاعلة في مسار الحرب، تبقى النساء في قلبها الأكثر هشاشةً، والأقل قدرةً على الوصول إلى الإنصاف.

إن استمرار الإفلات من العقاب لا يهدد الناجيات وحدهن، بل يكرّس دائرة العنف ويحول الجريمة إلى نمط قابل للتكرار. لذلك فإن مواجهة هذه الانتهاكات لا تتعلق بالماضي فقط، بل بالمستقبل أيضاً: مستقبل العدالة، ومصداقية المؤسسات، وقدرة المجتمع على التعافي من آثار الحرب.

وبينما تستمر الحرب في إعادة تشكيل حياة ملايين السودانيين، تظل معاناة الناجيات من العنف الجنسي واحدةً من أكثر تداعياتها قسوة وأقلها ظهوراً إلى العلن.


الخان الأحمر... الخيمة الأخيرة في معركة «القدس الكبرى»

TT

الخان الأحمر... الخيمة الأخيرة في معركة «القدس الكبرى»

مساكن فلسطينية في «الخان الأحمر» قرب أريحا بالضفة الغربية المحتلة في مايو 2026 (رويترز)
مساكن فلسطينية في «الخان الأحمر» قرب أريحا بالضفة الغربية المحتلة في مايو 2026 (رويترز)

في الطريق إلى التجمع البدوي الفقير «الخان الأحمر»، في قلب الضفة الغربية، تحتل مستوطنة «معاليه أدوميم» الإسرائيلية الفاخرة، مساحة واسعة وعالية ومطلة، لم تعد تكتفي بها حكومة اليمين المتطرف اليوم، التي تخطط لضم الكل (المعالي والخان وما حولهما) للقدس، ضمن مشروع «E1» المثير للجدل، والذي يهدف من بين أشياء أخرى إلى تحقيق حلم القدس الكبرى، الخطوة الأهم في خطة تغيير وجه الضفة الغربية، عبر شقها بحزام استيطاني، يعزز حضور المستوطنين والمستوطنات في دولة المستوطنين الجديدة، وينهي حلم الدولة الفلسطينية القابلة للتواصل، ويعزل القدس، العاصمة المرجوة، عنها.

لم يواجه أي أحد في الضفة الغربية أوامر وتهديدات بالهدم أكثر من سكان الخان الأحمر الذي يجد نفسه اليوم في معركة أكبر منه، وقد خاضوا خلال سنوات طويلة جداً معارك قانونية عدة، واشتباكات على الأرض، متمسكين بأرضهم وخيامهم، وواثقين من الانتصار، ثقة لم يبددها سوى الهجوم الإسرائيلي الشرس والشامل على كل ما هو فلسطيني، منذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول).

تجمع «الخان الأحمر» في قلب الضفة الغربية (المركز الإسرائيلي غير الحكومي للمعلومات عن حقوق الإنسان - بتسيلم)

«الوضع غير»

كانت أجواء التوتر حاضرة في الخان بعد أيام من قرار سموتريتش، ولم يجد رئيس المجلس البدوي عيد الجهالين (أبو خميس) إجابات واضحة لمئات من المكالمات والرسائل وأسئلة الصحافيين والنشطاء الذين حضر بعضهم إلى المنطقة في محاولة لتوثيق ما يدور داخل وحول الخيام المؤقتة والمنشآت، وقال لـ«الشرق الأوسط» إنه لا يعرف ماذا سيحدث بالضبط.

كان أبو خميس الذي يتحدث لغات عدة بينها الإنجليزية والعبرية، يجهد من أجل إيصال رسالة واحدة بأن هدم هذا المكان البسيط والفقير، سيفتح الباب أمام المخطط الأخطر في الضفة «القدس الكبرى».

في خيمته المتواضعة من بين خيام أخرى يوجد كثير من الخرائط ودلة قهوة وعدد من الصحافيين والزوار والمتضامنين وبعثات أجنبية، وهو وضع قد اعتاد عليه مع كل تهديد إسرائيلي بهدم الخان، لكنه هذه المرة قلق أكثر من أي وقت مضى.

قال أبو خميس: «الوضع هذه المرة مختلف تماماً وخطير جداً... في عام 2018، كان الكل الفلسطيني معنا؛ كانت الحكومة والمجتمع المدني يبيتون هنا، كان عندي 5000 واحد. وكان الضغط الدولي حاضراً بقوة، وكانت قضيتنا تتصدر أجندة الشرق الأوسط. اليوم، الوضع غير».

وأوضح مخاوفه أن «إسرائيل بعد 7 أكتوبر تغولت وتحول الضفة إلى دولة مستوطنين. هذه حرب دولة ضدنا وليس مشكلة أفراد. في الضفة صار عنا ألف خان أحمر، قتل، وتهجير، وحرق يلتهم كل أنحاء الضفة الغربية، والجهد الفلسطيني مشتت. دولياً أيضا هناك حرب غزة، والحرب في لبنان، وحرب هرمز، العالم مشغول ومشتت كذلك. الحكومات تغيرت في أميركا وإسرائيل وأماكن أخرى. وأوضح أن الاحتلال يرى أن هذا هو الوقت المناسب».

وبالنسبة لأبو خميس فإن قرار سموتريتش الأخير «وُضع للتنفيذ الفعلي ولن يمنعه إلا ضغط دولي حقيقي».

وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش يحمل لوحة لمشروع استيطاني خلال مؤتمر صحافي قرب مستوطنة معاليه أدوميم بالضفة (أرشيفية - أ.ب)

أمر إخلاء وحرب معلنة

كان سموتريتش الذي يقود ما يعرفونه في إسرائيل بثورة لتغيير الوضع القائم في الضفة الغربية، وقّع الشهر الماضي، على أمر إخلاء «الخان الأحمر»، في «بداية حرب» أعلنها ضد السلطة الفلسطينية، التي اتهمها بأنها تقف خلف أمر اعتقال سري ضده أصدرته المحكمة الجنائية الدولية، التي كانت نفت الأمر في وقت سابق.

وقال سموتريتش في مؤتمر صحافي عقده منذ نحو 10 أيام، على خلفية التقارير التي تفيد بأن المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي أصدرت طلباً سرياً لإصدار مذكرة اعتقال بحقه: «الأيدي هي أيدي لاهاي، لكن الصوت هو صوت السلطة الفلسطينية؛ التنظيم الإرهابي الذي يُسمى خطأً بالسلطة الفلسطينية».

وادعى سموتريتش أن إصدار مذكرات اعتقال ضد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت، وضده هو «إعلان حرب». وأردف قائلاً: «أمام إعلان الحرب سنرد بحرب شعواء. أنا لست يهودياً خاضعاً، لا. والسلطة الفلسطينية بدأت حرباً وستحصل على حرب. من اليوم، أي هدف اقتصادي أو غيره يقع ضمن صلاحياتي بصفتي وزيراً للمالية ووزيرا في وزارة الدفاع ويمكنني الإضرار به، سيتم مهاجمته. لن تكون هناك أقوال وشعارات، بل أفعال».

وأضاف: «أعلن هنا عن الهدف الأول. فور انتهائي من الحديث هنا سأوقع على أمر لإخلاء (خان الأحمر) بموجب صلاحياتي كوزير في وزارة الدفاع. أعد جميع أعدائنا: هذه ليست سوى البداية».

وفوراً وقع سموتريتش قرار إخلاء الخان الأحمر، وطلب في قراره «اتخاذ كافة الإجراءات اللازمة» لهدمه.

لقطة عامة تُظهر مستوطنة أفرات الإسرائيلية في تجمع غوش عتصيون بينما تظهر مدينة بيت لحم في الخلفية بالضفة الغربية (رويترز)

لا يمكن اعتبار قرار هدم الخان إلا جزءاً من حملة يقودها سموتريتش منذ سنوات ضد الفلسطينيين، في الضفة الغربية شملت السيطرة على أراض واسعة وتغيير قوانين متعلقة بالسيطرة والملكيات وإجراءات تسجيل الأراضي وحيازة العقارات، وحتى في الصلاحيات المتعلقة بإنفاذ القانون، إلى جانب عمله الدؤوب على إضعاف وتفكيك السلطة الفلسطينية، وتحويل الضفة إلى دولة مستوطنين عبر دفع مخططات استيطانية كبيرة وإطلاق يد المستوطنين في المنطقة.

لكن أهمية الخان الأحمر استثنائية؛ لأنه يشكل عقبة رئيسية لتنفيذ مشروع «إي 1» الاستيطاني الضخم الذي يقوم على تشبيك مخيف لمجموعة من المستوطنات الإسرائيلية الضخمة المحيطة، مع القدس، مشكلة القدس الكبرى.

ستربط الخطة مدينة القدس بمستوطنة «معاليه أدوميم» الضخمة وسط الضفة، بطريقة قالت منظمة «بتسليم» الإسرائيلية إنها تهدد بشدة إمكانية قيام دولة فلسطينية مستقبلية، وتعزز دولة فصل عنصري ثنائية القومية.

وقال المركز الوطني للمعلومات إنه إضافة إلى الهدف المعلن تاريخياً، عبر ربط مستوطنة معاليه أدوميم بالقدس وإخراج الأحياء الفلسطينية من مجال تطوّرها الطبيعي، يُخدم المخطط في بعد أوسع رؤية «القدس الكبرى» بمساحة تقارب 600كم² (نحو 10 في المائة من الضفة)، عبر أحزمة طرق ومناطق صناعية وأحياء جديدة.

ويعتمد التنفيذ على مشروع طريق «نسيج الحياة» الاستيطاني ومسارات بديلة لفصل حركة الفلسطينيين عن وسط الضفة، وربط المناطق الفلسطينية القريبة عبر ممرات محكومة في أنفاق.

صورة لمستوطنة بسغات زئيف الإسرائيلية (يسار) التي بنيت في ضاحية من ضواحي القدس الشرقية ذات الأغلبية العربية خلف جدار الفصل الإسرائيلي في 16 فبراير الماضي (أ.ف.ب)

خطة قديمة متجددة

منذ 2009، تسعى إسرائيل لهدم المكان، لكنها واجهت في كل مرة اقتربت فيها من الأمر عاصفة من الردود والانتقادات الفلسطينية والعربية والدولية، حتى تحول الخان إلى رمز للصراع، فتجنبت هدمه على الرغم من أن المحكمة الإسرائيلية أعطت الضوء الأخضر لذلك.

وفي كل مرة تطلب المحكمة تفسيراً حول عدم هدمه على الرغم من صدور قرار قضائي بذلك، تقدم الحكومة الإسرائيلية تفسيراً مختلفاً لعدم إخلاء المجمع السكني.

وقالت «يديعوت أحرونوت» إن إخلاء الخان الأحمر، الذي تحول إلى رمز عالمي، أصبح مصدر صداع دبلوماسي للحكومة بسبب الرأي العام الدولي.

وحتى هذه المرة، دعا 85 عضواً في مجلس النواب الأميركي إدارة الرئيس دونالد ترمب إلى استخدام جميع الأدوات الدبلوماسية المتاحة لوقف مشروع البناء الاستعماري الإسرائيلي المسمىE1، محذرين من أن تنفيذ المشروع سيؤدي إلى فرض واقع دائم على الأرض ويقوض فرص التوصل إلى حل الدولتين.

وجاءت الدعوة في رسالة وجهها النواب إلى وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو.

وأوضح الموقعون أن منطقة E1 الممتدة على مساحة نحو 12 كيلومتراً مربعاً شرق القدس، تُعد من أكثر المناطق حساسية في الضفة الغربية؛ نظراً لأن البناء الاستيطاني فيها سيؤدي إلى فصل شمال الضفة الغربية عن جنوبها، ويعزز التواصل الجغرافي بين القدس ومستعمرة «معاليه أدوميم»، بما يرسخ السيطرة الإسرائيلية على منطقة استراتيجية في قلب الضفة الغربية.

كما لفتوا إلى إجراءات إسرائيلية أخرى مرتبطة بالمشروع، من بينها خطط لشق ما يُعرف بـ«طريق السيادة»، إلى جانب خطوات تستهدف التجمع البدوي في الخان الأحمر، معتبرين أن هذه الإجراءات تشكل جزءاً من عملية متسارعة تهدف إلى فرض وقائع جديدة على الأرض يصعب التراجع عنها مستقبلاً.

شرطيان إسرائيليان يقفان في منطقة «إي 1» قرب مستوطنة «معاليه أدوميم» خارج القدس في الضفة الغربية (أرشيفية - أ.ف.ب)

من وجهة نظر النواب، فإن تنفيذ مشروع E1 الاستيطاني سيقوض إمكانية قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافياً، داعين وزارة الخارجية الأميركية إلى إبلاغ الحكومة الإسرائيلية بشكل واضح بأن المضي في المشروع يتعارض مع المواقف الأميركية المعلنة بشأن مستقبل الضفة الغربية.

وقبلهم، دعا أكثر من 400 وزير وسفير ومسؤول أوروبي في رسالة مفتوحة لقادة الاتحاد الأوروبي، إلى «التحرك الآن» ضد «الضم غير القانوني» الذي تقوم به إسرائيل في الضفة الغربية المحتلة من خلال مشروع E1 الذي تخطط بموجبه لبناء آلاف المنازل.

وكتب الموقعون الـ448، ومن بينهم نائب رئيس المفوضية الأوروبية السابق جوزيب بوريل ورئيس الوزراء البلجيكي السابق غي فيرهوفشتات، أنه «يجب على الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء، بالتعاون مع شركائهم، اتخاذ خطوات فورية لردع إسرائيل عن مواصلة ضمها غير القانوني لأراض فلسطينية في الضفة الغربية».

وقال الموقعون إن «الاتحاد الأوروبي، كحد أدنى، يجب أن يفرض عقوبات محددة الأهداف، بما فيها حظر التأشيرات وحظر ممارسة النشاطات التجارية في الاتحاد الأوروبي، ضد جميع الأشخاص المتورطين في عمليات الاستيطان غير القانونية، ولا سيما أولئك الذين يروجون ويشاركون في مناقصات وينفذون الخطة المتعلقة بمنطقة E1».

وجاءت هذه الدعوات بعدما أخذت إسرائيل خطوة أخرى عملية باتجاه البدء في إقامة المخطط عبر إخطار رسمي بهدم 50 منشأة ومحلاً تجارياً، في بلدة العيزرية، جنوب شرقي القدس المحتلة، تقع ضمن المخطط الاستيطاني.

وهذه المواقف الدولية المتكررة هي التي تعقد هدم الخان حالياً.

جدار الفصل الإسرائيلي يظهر في صورة التُقطت من قرية الرام في الضفة الغربية على مشارف القدس في 16 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

قد لا يكون قرار الهدم بيد سموتريتش وحده، وفق «يديعوت»؛ إذ يعود إلى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بالتنسيق مع وزير الدفاع يسرائيل كاتس والجيش الإسرائيلي، وسيستلزم مصادقة صريحة من «الكابينت» نظراً لتداعياته التي قد تعقد الأمور بالنسبة لإسرائيل وقد تورّطها سياسياً، وقد يؤدي إلى فرض عقوبات شديدة جداً عليها من جانب الاتحاد الأوروبي.

لكن مئير دويتش، المدير العام لحركة «ريغافيم» التي أسسها سموتريتش، والتي قدمت التماساً إلى المحكمة العليا بشأن الموضوع قبل أشهر، قال: «إن الوضع مختلف الآن ويوجد فرصة».

وأضاف: «خلال العامين الماضيين، اتخذت الحكومة الإسرائيلية قرارات غير مسبوقة وتاريخية في سبيل ضمان مستقبل دولة إسرائيل. والآن، أكثر من أي وقت مضى، حان الوقت لتطبيق القانون ضد المعتدين في هذا المجال، وبالتالي إحباط مخطط السلطة الفلسطينية للاستيلاء على هذا الموقع المهم كجزء من إقامة دولة إرهابية في قلب البلاد».

وتفهم السلطة الفلسطينية أكثر من غيرها هذا الوضع، وفي سنوات سابقة عندما كان الوضع مختلفاً إلى حد كبير، هددت السلطة بإلغاء الاتفاقيات إذا مضت إسرائيل بمشروع «إي 1»؛ لأنه يقتل الدولة الفلسطينية، ونظمت حملات ضخمة للتموضع في المكان، بخلاف ما يحدث الآن.

إسرائيل توسع الاستيطان في الضفة الغربية

أهمية جيوسياسية

قال المحامي حسن مليحات، المشرف العام لمنظمة «البيدر» للدفاع عن حقوق البدو، لـ«الشرق الأوسط»، إن «ما يجب فهمه هو أن الخان الأحمر يشكل منطقة ذات أهمية جيوسياسية بالغة؛ إذ يقع شمال شرقي القدس المحتلة، وتحديداً على الطريق الحيوي الواصل بين مدينتي القدس وأريحا»، مضيفاً أن «الخطورة الفائقة لهذه المنطقة تكمن في وقوعها ضمن مخطط (E1) الاستيطاني، وهو المشروع الأشد خطورة الذي يستهدف القضية الفلسطينية والضفة الغربية في تاريخ الصراع».

وأضاف مليحات أن «خطورة المشروع تكمن أيضاً في أنه يشكل القدس الكبرى عبر السيطرة على 12 ألف دونم في قلب الضفة الغربية، ويعمل على خلق حالة من التواصل الجغرافي المستمر بين القدس ومستوطنة «معاليه أدوميم» وصولاً إلى البحر الميت، وهو التطبيق الفعلي لمشروع «القدس الكبرى».

بالنسبة لمليحات، ثمة نتائج أخرى كارثية للمشروع؛ لأنه «يعيد هندسة التركيبة السكانية في هذه المناطق عبر طرد الفلسطينيين وإحلال المستوطنين مكانهم، ويقسم الضفة الغربية إلى قسمين منفصلين (شمال وجنوب): مما يعني استحالة قيام أي كيان أو دولة فلسطينية متواصلة جغرافياً، كما أن نجاح الاحتلال في هذه المنطقة سيشكل نقطة انطلاق للاستفراد بباقي الضفة».

وتابع: «هذا مشروع خطير وضخم، والخان الأحمر هو العقبة الأكبر».

سموتريتش (في الوسط) يسير عبر «مستوطنة ياتسيف» التي تم تقنينها حديثاً المتاخمة لبلدة بيت ساحور الفلسطينية في الضفة الغربية - 19 يناير 2026 (أ.ب)

الخان في قلب القدس الكبرى

لكن ليس الخان الأحمر وحده، إذ يعتقد مليحات أن الهجوم على الخان جزء من هجوم أوسع على البدو الفلسطينيين. وإذا كانت إسرائيل لم تهدم الخان حتى الآن، فقد رحلت فعلاً أكثر من 88 تجمعاً بدوياً في الضفة.

وقال مليحات إنه منذ عام 2019، وتحديداً بعد إعلان «صفقة القرن»، تصاعدت وتيرة استهداف البدو، واشتدت الهجمة الشرسة عليهم بشكل غير مسبوق بعد أحداث أكتوبر.

وأضاف: «تستهدف هذه الحرب الوجود البدوي في كافة مناطق وجيوب المنطقة ج (C)، وبشكل خاص في وسط الضفة شرق القدس بسبب مخطط E1 وفي أريحا والأغوار نظراً لأبعادها الحدودية والأمنية».

واضطرت عشرات العائلات فعلاً لمغادرة أماكن سكنها في الأغوار الفلسطينية بعد عدة هجمات من قبل الجيش والمستوطنين، في مشهد متكرر وصفه مليحات بأنه يمثل نكبة مستمرة.

وكان لافتاً أن البدو اضطروا لمواجهة مصيرهم وحيدين في معركة أكبر منهم، وهو الوضع الذي أشار إليه جهالين في الخان الأحمر.

علم إسرائيلي رفع في مستوطنة جديدة أُنشئت خلف تجمع سكني فلسطيني قرب رام الله بالضفة الغربية (رويترز)

«وحيدون في المعركة»

يهتم أبو خميس بأمر نحو 300 بدوي في الخان، يعيشون في المكان الذي يضم مدرسة ومسجداً وعيادة صحية، وهذه تستقبل الكثير من البدو من خارج التجمع من أجل الدراسة أو العلاج.

كان أبو خميس ينظر إلى المدرسة البسيطة بينما يلعب الأطفال هناك ويلهون في محاولة لسرقة فسحة من الفرح، ويسألون الكثير من الأسئلة حول ما إذا كانوا الإسرائيليون سيهجمون على المكان فعلاً. وقال أبو خميس: «نحن وحيدون في هذه المعركة».

وأضاف: «الحرب اليوم مركزة وموجّهة ضد البدو تحديداً، وهي نتاج لتبعات اتفاقية أوسلو وتقسيم الأراضي إلى مناطق (أ، ب، ج). تشكل (المنطقة ج) نحو 62 في المائة من مساحة الضفة الغربية، ومَن الموجود فيها؟ البدو».

وتابع: «مشكلة الخان أنه يقع في قلب مشروع (القدس الكبرى) من العيزرية حتى حدود البحر الميت، ولا توجد في هذه المساحة الشاسعة أي قرية أو مخيم فلسطيني سوى الخان الأحمر».

يفهم أبو خميس المسألة جيداً، ويشرح قائلاً: «إذا تم اقتلاعنا من هنا، فسيربط الاحتلال مستوطنات (معاليه أدوميم)، «كفار أدوميم»، «ميشور أدوميم»، ومستوطنة «ألون»، ليشكل حزاماً استيطانياً يطبق على البوابة الشرقية لمدينة القدس ويغلقها بالكامل، ومن ثم يقطع أوصال الضفة الغربية ويفصل شمالها عن جنوبها. القدس اليوم تُحاصر بكتلة استيطانية ضخمة، والخان الأحمر يقع في قلب هذا المشروع الاستيطاني الأخطر منذ قيام الاحتلال وحتى يومنا هذا».

وهذا الإدراك موجود عند كل سكان الخان وحتى الأطفال بينهم.

كان الطفل علي قد أنهى دوامه المدرسي للتو حين ذهب يطمئن على مواشي عائلته. قال علي لـ«الشرق الأوسط» إنهم يهاجموننا بين الفترة والأخرى ويشتموننا ويهددوننا».

جنود إسرائيليون ومستوطنون يمنعون فلسطينيين من الوصول إلى حقولهم الزراعية في قرية ترقوميا بالضفة الغربية (د.ب.أ)

لم يوافق علي الصغير على تبديل مكان سكنه وقال إنه يحب المكان ولن يهاجر: «مش راح نطلع... لو هدموا البيوت مش راح نطلع، عادي خليهم يهدّوا بس مش راح نطلع، بدنا نضل هان، هاي الأرض إلنا ومش راح نطلع منها».

ويمثل علي الجيل الخامس الذي ولد في الخان الأحمر منذ وصل إليه سكانه في الخمسينات مهجرين من تل عراد في النقب.

وقال الشيخ محمد أبو داهوك (56 عاماً)، وهو من مواليد الخان الأحمر، لـ«الشرق الأوسط»: «جدي وأبوي كانوا هنا. وأنا مواليد هنا، والآن أولادي وأحفادي ولدوا هنا».

ولا ينوي أبو داهوك ترك المكان رغم أنه يتوقع منهم هدمه في أي لحظة.

وقال: «نتوقع منهم كل شيء، اليوم في كل مكان الدم شغال لكن لو هدموا، هنا باقون في الشمس، قاعدين (جالسين) لو هدموا ما في مكان نروح عليه، وين نروح؟ ما في مكان نروح له، بنظل قاعدين في الشمس».

ومثل غيره، يرفض أبو داهوك فكرة الانتقال إلى ما تسميه إسرائيل «منطقة لائقة»، ويقول: «أعطونا تراخيص هنا. إحنا أصحاب الأرض. وهذه أرضنا وأرضنا غالية علينا... ومش طالعين لأي مكان آخر شو ما كان».

وإلى جانب المعارك القانونية الكثيرة في السابق، قدم سكان الخان الأحمر وتجمعات عرب الجهالين اعتراضاً على مخطط يهدف إلى تركيز التجمعات البدوية في «مجمع حضري مُخطط». وجاء في الاعتراض، الذي قُدم بواسطة جمعية «بمكوم» الإسرائيلية أن هذا المخطط لا يتناسب مع نمط حياة التجمعات، وأنه قد يؤدي إلى إخلاء قسري من الحيز الذي يعيشون فيه منذ عقود.

وقال المهندس المعماري ألون كوهين ليفشيتس في «بمكوم» لصحيفة «يديعوت أحرونوت»، هذا «مخطط اقتلاع تحت غطاء التخطيط»، مؤكداً أنه جزء من سياسة أوسع لصياغة حيز في شرقي القدس والضفة الغربية».

في أثناء ذلك، كانت ملحمة الخان الأحمر مستمرة، ويستمر جهالين في استقبال مسؤولين أوروبيين ومحليين ونشطاء، ويتلقى الكثير من الاتصالات، ويعقد اجتماعات «زووم» مع مؤسسات ونشطاء في الخارج، والتقى من بين آخرين رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى في مكتبه ووعده، بدوره، بدعم صمود السكان.

لكن شيئاً من ذلك لم يكن جديداً عليه. وقال: «صراعنا ليس جديداً. إنه مستمر منذ 1967 منذ أعلنت إسرائيل المنطقة «منطقة عسكرية مغلقة»، وكانوا يطلقون النار لترهيبهم، قبل أن يتفاجأوا لاحقاً بأن تلك «الأراضي العسكرية» قد تحولت إلى مستوطنات كبيرة بينها «معاليه أدوميم» و«كفار أدوميم».

بدو فلسطينيون يجمعون أمتعتهم قبل نزوحهم القسري من منطقة العوجا قرب أريحا بالضفة الغربية عقب أعمال عنف نفذها المستوطنون الإسرائيليون يناير الماضي (رويترز)

وأكد جهالين مكرراً ما قاله عدة مرات: «إنها دولة مستوطنين وهذه المرة مختلفة عن سابقاتها».

لكن أيضاً، ورغم أن كل شيء تغير بعد السابع من أكتوبر، فإن عقلية البدو لم تتغير؛ وقالها أبو خميس بالحرف: «أنا بدوي وقضيت 60 في المائة من عمري في الشمس ما بضرني إذا ظليت 100 في المائة بالشمس... سأكون هنا أو في أقرب نقطة ممكنة للخان. وإن بقيت معلقاً بين السماء والأرض. فلن أرحل».