«دروب مكة»... عناصر ثقافية وكنوز تراثية وحضارية عبر العصور

أضحى وصول ملايين المسلمين إلى مكة المكرمة في وقت واحد متيسراً بفضل تطور الخدمات من المغادرة حتى البلوغ (هيئة العناية بالحرمين)
أضحى وصول ملايين المسلمين إلى مكة المكرمة في وقت واحد متيسراً بفضل تطور الخدمات من المغادرة حتى البلوغ (هيئة العناية بالحرمين)
TT

«دروب مكة»... عناصر ثقافية وكنوز تراثية وحضارية عبر العصور

أضحى وصول ملايين المسلمين إلى مكة المكرمة في وقت واحد متيسراً بفضل تطور الخدمات من المغادرة حتى البلوغ (هيئة العناية بالحرمين)
أضحى وصول ملايين المسلمين إلى مكة المكرمة في وقت واحد متيسراً بفضل تطور الخدمات من المغادرة حتى البلوغ (هيئة العناية بالحرمين)

تقود السعودية مشروعاً لتوثيق دروب مكة المكرمة وعناصرها الثقافية التي شكلت هوية المكان، والمساجد التاريخية والصناعات الثقافية التي تطورت وتبلورت عبر الزمن، وأسهمت في تيسير رحلة ضيوف الرحمن إلى بيت الله الحرام.

ومطلع هذا العام، وقعت منظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة (الإيسيسكو) واللجنة الوطنية السعودية للتربية والثقافة والعلوم، اتفاقية ثنائية حول برنامج دروب الحج إلى مكة المكرمة والمساجد التاريخية، لتعزيز التعاون بين «الإيسيسكو» واللجنة الوطنية السعودية في مجال حماية التراث الثقافي المادي وغير المادي لدروب الحج التاريخية نحو مكة المكرمة، وتنسيق الجهود لوضع التدابير اللازمة لصون موروثها التاريخي والعمل على تطويره لمواكبة الأنماط الحديثة لمحطات الحجيج من موانئ ومطارات وغيرها، بما يجعل الحضارة الإسلامية، مرجعاً أساسياً لتاريخ الإنسانية والبشرية وللعلاقات الدولية.

‏من أعمال هيئة التراث السعودية في موقع «زُبَالا» على درب زبيدة وعلاقته الوثيقة مع حواضر العالم الإسلامي (هيئة التراث)

ويلتقي البرنامج التنفيذي بسلسلة جهود بذلتها السعودية لتسليط الضوء على تراثها المادي وغير المادي، وتوثيقه في القوائم الدولية، ما يسهل جذب اهتمام الباحثين والمتتبعين للتراث الإنساني حول العالم، وتوسيع نطاق الاهتمام بها عالمياً، لما تحظى به من قيمة تاريخية وتراثية مهمة، وتعكس المواقع السعودية التي تم تسجيلها على قائمة التراث العالمي ما تتمتع به أرض المملكة الشاسعة من موروث غني، حيث كانت الجغرافيا السعودية مسرحاً لكثير من الأحداث، وملتقى لقارات وحضارات ورثت تاريخاً عريقاً.

خريطة تاريخية لدروب الحج ومشاهده

ويركز برنامج دروب الحج إلى مكة المكرمة، على إبراز الدور الإسلامي ومكانة بلاد الحرمين الشريفين بصفتها مركزاً للتلاقي الحضاري والسلم العالمي، ويدعم الصناعات الثقافية المرتبطة بالحج في دول العالم، وتبادل الخبرات الفنية بين الدول الأعضاء بالمنظمة لبناء وتطوير القدرات في مجال التراث الخاص بدروب الحج.

تنص بنود برنامج «دروب الحج» على حماية وترسيخ مكانة دروب الحج والمساجد التاريخية والمظاهر الثقافية المادية وغير المادية المرتبطة بها (هيئة التراث)

ومن المقرر أن يطلق مركز دولي، يكون مقره مدينة جدة، للاستفادة من موقعها الاستراتيجي بين مدينتي الحرمين الشريفين، ويتولى المركز تنظيم عمل وتنفيذ البرنامج التوثيقي لدروب ومشاهد الحج، وما يتصل بها من كنوز حضارية وعناصر ثقافية وتراثية، وإعداد خريطة المواقع والمساجد في العالم الإسلامي وخارجه، التي تبرز خصوصياتها الهندسية والمعمارية، واستكشاف مسارات ومنتجات سياحية عالمية للمساجد التاريخية وربطها بمسارات دروب الحج.

ويشمل البرنامج التنفيذي العمل على تأسيس دعامة بنيوية تفاعلية من متاحف ومنصات إلكترونية، تسلط الضوء على التطور التاريخي لدروب الحج التي تنطلق من أوروبا وروسيا وأميركا ومختلف أنحاء العالم، وإنشاء منظومة عالمية موحدة لاقتصاد الحج.

ذاكرة تاريخية لرحلات المسلمين

‏موقع فيد الأثري إرثٌ ثمين في منتصف الطريق بين الكوفة ومكة المكرمة على درب زبيدة (هيئة التراث‬⁩)

ويعدّ برنامج توثيق دروب الحج والسفر إلى مكة المكرمة، واحداً من المشروعات التوثيقية التاريخية التي تحفظ تجارب فريدة وعريضة لملايين المسلمين الذين تدفقوا من أصقاع الأرض، إذ لا يخلو بلد في العالم من حاج ومقبل إلى الله، عقد العزم وتجشم المصاعب وكابد رحلة الوصول إلى البيت العتيق، والتقى في مسيره بمحطات ولحظات، كادت تندثر مع الوقت، بينما يحاول البرنامج أن يعيد بناء ذاكرة المكان والزمان بحكايات وعناصر من تراث إنساني وإسلامي مشترك.

وتنص بنود الاتفاق على حماية وترسيخ مكانة دروب الحج والمساجد التاريخية والمظاهر الثقافية المادية وغير المادية المرتبطة بدروب الحج، وكل ما يتصل بها من عناصر وتجارب ثقافية وتراثية تعكس تطور هذه الرحلات التي بدأت قبل أكثر من 1000 عام، وكانت تفد بلا انقطاع إلى قلب مكة المكرمة التي لا تزال نقطة تجمع محوري لمختلف الثقافات التي انصهرت في مكان واحد انتفت عنها الحدود والقيود.

وقد شهد بعض المواقع التاريخية المرتبطة بدروب الحج، في السابق، جهوداً لإعادة إحياء ذكرها بعد اندثار أثرها، ومن ذلك مشروع وفعالية درب زبيدة، الذي تنظمه هيئة التراث السعودية كل عام، ويضم مجموعة متنوعة من الأنشطة الإثرائية التي تجمع بين التراث والثقافة والفن، لتكريم وإبراز تراث الدرب الذي يمتد من الكوفة إلى مكة المكرمة، كجزء من التراث الثقافي الغني في السعودية، التي تسعى من جهة أخرى إلى تسجيله في لائحة التراث العالمي لمنظمة «اليونيسكو»، إلى جانب مواقع سعودية أخرى مرتبطة بتاريخ الحج، ولها قيمة تاريخية وتراثية مهمة، مثل طريقي الحج الشامية والمصرية، وخط حديد الحجاز.


مقالات ذات صلة

«وادي الفرع»... ذاكرة التاريخ والعيون الجارية التي لم تغادرها القوافل

يوميات الشرق المباني القديمة في محافظة وادي الفرع (الشرق الأوسط)

«وادي الفرع»... ذاكرة التاريخ والعيون الجارية التي لم تغادرها القوافل

قبل أن تُرسم الطرق الحديثة على خرائط الجزيرة العربية، وقبل أن تختصر السيارات المسافات بين المدن، كانت الأودية هي الممرات، وكانت العيون الجارية هي محطات الحياة.

سعيد الأبيض (الرياض)
خاص وزير التنمية الاقتصادية خلال مشاركته في إحدى جلسات منتدى سان بطرسبرغ الاقتصادي الدولي (المنتدى)

خاص وزير الاقتصاد الروسي لـ«الشرق الأوسط»: موسكو شريك موثوق للسعودية

أكد وزير التنمية الاقتصادية في روسيا الاتحادية، مكسيم ريشيتنكوف، ارتياح بلاده لمستوى تطوُّر العلاقات الاستراتيجية مع السعودية.

رائد جبر (موسكو)
عالم الاعمال «مجموعة أباريل» تتعاون مع «الهيئة السعودية للسياحة» ضمن «حملة صيف السعودية - صيفنا على كيفنا»

«مجموعة أباريل» تتعاون مع «الهيئة السعودية للسياحة» ضمن «حملة صيف السعودية - صيفنا على كيفنا»

أعلنت «مجموعة أباريل»؛ الشركة الرائدة في قطاع الأزياء ونمط الحياة، عن تعاونها مع «الهيئة السعودية للسياحة» بصفتها شريكاً رئيسياً ضمن حملة «صيف السعودية 2026».

الاقتصاد المكتب المخصص لأولى رحلات «طيران ناس» المتجهة من الرياض إلى ميلانو (طيران ناس)

الرياض ترتبط مباشرة بميلانو عبر رحلات جديدة من «طيران ناس»

أعلن «طيران ناس» عن تسيير رحلات مباشرة تربط العاصمة السعودية الرياض بمدينة ميلانو الإيطالية، وذلك بالتعاون مع «برنامج الربط الجوي»، و«الهيئة السعودية للسياحة».

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد إحدى طائرات «طيران الرياض» تحلق في العاصمة الرياض (صندوق الاستثمارات العامة)

«بوينغ دريملاينر» ستحلّق بأول مسافري «طيران الرياض» في يوليو

يدخل «طيران الرياض»، الناقل الوطني الجديد، المملوك بالكامل لصندوق الاستثمارات العامة، المشهد الجوي العالمي من بوابة العاصمة البريطانية، لندن.

بندر مسلم (الرياض)

لامين يامال حفيد فاطمة المغربيّة... ركلَ الحرمان بقدَمٍ ذهبيّة

TT

لامين يامال حفيد فاطمة المغربيّة... ركلَ الحرمان بقدَمٍ ذهبيّة

لامين يامال لاعب فريق برشلونة ونجم المنتخب الإسباني (نادي برشلونة)
لامين يامال لاعب فريق برشلونة ونجم المنتخب الإسباني (نادي برشلونة)

التقى لامين يامال بقَدَرِه بينما كان بعدُ طفلاً رضيعاً في الشهر الرابع، وقد حملَ ذاك القدَر اسمَ «برشلونة». فيوم زار ليونيل ميسي عائلة يامال في ديسمبر (كانون الأول) 2007 لالتقاط صورٍ مع ابنها، كان ينوب حينها عن «مؤسسة برشلونة» في إطار مشروعٍ خيريّ.

ليونيل ميسي والطفل الرضيع لامين يامال في جلسة تصوير عام 2007 (أ.ب)

اختارت المؤسسة الطفل الأسمر للظهور على إحدى صفحات روزنامتها السنوية، الهادفة إلى جمع التبرّعات لصالح منظّمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف). لم يتوقع ميسي آنذاك أنّ القدمَين الصغيرتَين اللتَين غسلهما ستُساويان ذهباً عندما تكبران، ولا أنّ ملاعب كأس العالم ستجمعه بعد 19 عاماً بالصغير لامين.

كانت جلسة التصوير جزءاً من حملة خيريّة من تنظيم مؤسسة برشلونة (أ.ب)

لامين يامال وبرشلونة... قدَرٌ محتوم

المرة الثانية التي عاد فيها القدَر ليطرق باب لامين يامال على هيئة نادٍ يُدعى برشلونة، كان قد بلغ الطفل عامه السادس. استقطبه الفريق الإسباني العريق بعد أن أمضى سنواته الأولى وهو يركل الطابة على عشب نادي «لا توريتا» المحلّيّ في مسقط رأسه روكافوندا.

بدأ يامال ممارسة لعبة كرة القدم في الرابعة من عمره، إلى أن وقَّع مع فريق برشلونة في 2014 لينتقل للإقامة والتمرين في أكاديمية النادي الكاتالوني. وما إن وطئت قدَماه العشب الأخضر، حتى بدأت توقّعات المحترفين له بأنّ مستقبلاً لامعاً في انتظاره.

روكافوندا 304

لم تتأخّر المعجزات في الظهور، إذ خاض لامين يامال مباراته الرسمية الأولى مع فريق «البرشا» في سن الـ15 و9 أشهر حيث سجّل هدفاً، ليصبح بذلك خامس أصغر لاعب في تاريخ الدوري الإسباني، والثاني في تاريخ نادي برشلونة.

منذ الهدف الأول الذي وثّقته الكاميرات، حرص يامال على الاحتفال بالتسجيل من خلال الإشارة بأصابعه إلى الرقم 304، وهو الجزء الأخير من الرمز البريدي لبلدته روكافوندا. تلك الحركة التي لم يستوعبها في البداية الجمهور العريض لكرة القدم عموماً، ولنادي برشلونة خصوصاً، تحوّلت إلى شبهِ تقليد في مسيرة يامال، وذلك كتحيّةٍ إلى أصوله وإلى الحيّ المتواضع الذي انطلق منه نحو النجوميّة.

لامين يامال راسماً إشارة 304 وهي الرمز البريدي لمسقط رأسه روكافوندا (فيسبوك)

الجدّة المؤسِسة... فاطمة المغربيّة

ليست روكافوندا مجرّد رقمٍ يُرسَم بأصابع لامين يامال كلّما سجّل هدفاً، بل هي جزءٌ أساسيّ من طفولة نجم الكُرة. فيها استقرّت جدّته فاطمة، بعد أن قادها الطريق بحراً من مدينة العرائش في المغرب إلى ماتارو في إقليم كاتالونيا، مروراً بغرناطة وغيرها من المدن الإسبانية.

يُحسَب للجدّة فاطمة أنها قلبَت حياة عائلتها رأساً على عقب. ففي عام 1990 وفي الـ40 من عمرها، قررت الانتقال بمفردها إلى إسبانيا لتبدأ لاحقاً بضَمّ أولادها إليها واحداً تلو الآخر. ثانيهم كان منير نصراوي، والد لامين يامال، الذي حطّ في إسبانيا في سن التاسعة، على ما يروي شقيقه البكر وعمّ لامين عبدول لصحيفة «لا فانغوارديا» الإسبانية.

الجدّة فاطمة رفيقة طفولة لامين يامال (فيسبوك)

حفرت الجدّة فاطمة في طفولة حفيدها لامين، خصوصاً بعد انفصال والدَيه عندما كان في الثالثة من عمره. وهي حتى اليوم ما زالت تعتني به، فكلّما زارها في روكافوندا طلب منها أن تُعدّ له البيض المخفوق للفطور والدجاج المشوي للغداء. وعندما عرض عليها أن تنتقل إلى منزلٍ في منطقةٍ أرقى، رفضت قائلةً إنها تريد البقاء في الحيّ الذي استقبلها قبل 3 عقود.

غالباً ما تُشاهَد الجدّة فاطمة مع حفيدها في المناسبات العامّة وعلى السجّادة الحمراء، كما في احتفاليّة الـBallon d’Or في باريس عام 2025. ولها محطّة أساسية في حوارات يامال الصحافية، كما في بودكاست «صدى القلب» (Resonancia de Corazón) حيث استحضرَ كفاحها قائلاً: «تنقّلت وحدها في الباصات حتى وصلت إلى ماتارو. بدأت العمل صباحاً وظهراً وليلاً كي تدّخر المال من أجل إحضار أولادها إلى إسبانيا».

تولّت فاطمة نقل أولادها من المغرب وتأسيس حياة لهم في إسبانيا (فيسبوك)

أصلُ الاسم... الأمين جمال

في روكافوندا، التقى الدهّان المغربي منير نصراوي بالمرأة التي ستصبح والدة لامين يامال؛ شيلا إيبانا، النادلة المهاجرة من غينيا الاستوائيّة. عن سنواته الأولى، يخبر يامال في البودكاست: «نشأتُ مع والديّ في مساكن مخصصة للآباء والأمهات الشباب حيث كانوا يقدّمون وجبات الطعام للجميع». لاحقاً اضطرّوا إلى التنقّل بين غُرفٍ أقرضَهم إياها الأصدقاء.

لم تكن الظروف المادية سهلةً بالنسبة إلى والدَي يامال، حتى أنهما لجآ إلى مساعدة الأصدقاء الماليّة قبل ولادة ابنهما؛ وقد أطلقا عليه اسمَه المركّب تيمّناً بصديقَين قدّما لهما الدعم ويُدعيان «الأمين» و«جمال».

لامين يامال مع جدّته ووالده منير نصراوي (إنستغرام)

لامين يامال: «أمّي ملكتي»

مَن واكبوه صغيراً في أكاديمية برشلونة، يتذكّرون طفلاً هادئاً وخجولاً وقليلَ الكلام. لا شكّ في أنّ الظروف المادية القاهرة للعائلة وانفصال والدَيه لاحقاً، كان لها وقعٌ على يامال. اعتاد التنقّل بين منزل جدّته حيث أقام والده بعد الانفصال، ومقرّ إقامة والدته في بلدة مجاورة.

كانت الكرة الثابتَ الأهمّ في طفولة لامين يامال. اختصرت الساحرة المستديرة شغفَه وطموحَه وحبلَ خلاصِه من البؤس. راقب منبهراً أداء رونالدينيو وميسي ونيمار، لكنه ابتكر أسلوباً خاصاً به. وعندما عوّضته الحياة عن متاعب البدايات، أوّل ما فعله يامال كان شراء منزلٍ لأمّه. «هي ملكتي»، يقول. ويتذكّر اللاعب الإسباني كيف كانت تحرص على طهو العشاء له يومياً رغم نوبات عملها الليليّة.

لامين يامال ووالدته شيلا إيبانا وابنتها من زواجٍ ثانٍ (فيسبوك)

يامال مغربي غيني إسباني

رغم انتقال والده من منطقة روكافوندا الشعبية المتواضعة بعد تعرّضه لحادث طعنٍ هناك عام 2024، فإنّ وجه يامال ما زال محفوراً في مسقط رأسه وهو وفيٌّ للمكان الذي يحتضن جدّته وأقرباءه حتى اللحظة.

مقابل الملعب البلديّ الذي شهد على الخطوات الأولى للنجم نحو الطابة، جداريّةٌ يلتقط أمامها كل زوّار روكافوندا الصور؛ يامال يرتدي قميص برشلونة ويتوسّط أعلام بلاده الثلاثة أي المغرب وغينيا الاستوائية وإسبانيا.

جداريّة لامين يامال في مسقط رأسه روكافوندا الإسبانية (فيسبوك)

لامين يامال... مرآة جيلِه

هذا الصيف سيخوض لامين يامال تجربة كأس العالم للمرة الأولى في حياته، ممثلاً المنتخب الإسباني. على الملاعب الخضراء سيحتفل بعيد ميلاده الـ19 في 13 يوليو (تموز). ستختلف الاحتفاليّة عن العام الماضي حيث دخل سنّ الرشد وسط عشرات المشاهير ونجوم الكرة في برشلونة.

أثار صخب الحفل حفيظة الكثيرين آنذاك، إلّا أنّ يامال لم يتأثّر فهو يسير على قاعدة أنّ مَن يتعب يستحقّ أن يحتفل ويتسلّى، وأنّ المال الذي يُجنى هو وسيلة للسعادة.

بذلك يعبّر يامال عن جيله، أو بالأحرى عن جيلَي زد وألفا، مختصراً القيَم التي يتمسّكون بها؛ من الاستقلاليّة إلى تقدير الذات، مروراً بالطموح وعدم الخجل من مشاركة حياتهم علناً وبعفويّة.

احتفل يامال بعيد ميلاده الـ18 صيف 2025 بحضور نجوم الكرة والموسيقى (إنستغرام)

من طفلٍ خجول بلا سقفٍ ثابت، إلى صاحب القميص رقم 10 في نادي برشلونة؛ رحلةُ تحوّلٍ فائقة السرعة خاضها لامين يامال. لم تكن قدمُه الذهبيّة بوصلتَه الوحيدة، بل شخصيّته ذات الكاريزما والشفافيّة التي جعلت منه نجماً يُحتذى بنظَر ملايين الشباب من الجيل الجديد.


في سن الـ91... فنزويلية تحوِّل تقاليد النسج القديمة إلى فن معاصر

النسَّاجة الفنزويلية مارغريتا مورا (نيويورك تايمز)
النسَّاجة الفنزويلية مارغريتا مورا (نيويورك تايمز)
TT

في سن الـ91... فنزويلية تحوِّل تقاليد النسج القديمة إلى فن معاصر

النسَّاجة الفنزويلية مارغريتا مورا (نيويورك تايمز)
النسَّاجة الفنزويلية مارغريتا مورا (نيويورك تايمز)

رغم هيمنة الآلات الكهربائية اليوم، تتمسَّك النسَّاجة الفنزويلية مارغريتا مورا بمزيج من الممارسات التقليدية المتوارثة عن السكان الأصليين والإسبان، لابتكار أعمال فنية تحمل لمسة حديثة مدهشة.

أثناء جلوسها أمام نولها على سطح منزلها في موكوتشيس، وهي بلدة تقع على ارتفاع شاهق في جبال الأنديز الفنزويلية، استذكرت مارغريتا مورا صباح أحد الأيام عندما كانت في الخامسة من عمرها تقريباً. آنذاك، كانت تتولى توصيل بعض الصوف الذي غزلته والدتها إلى نسَّاج محلي في بلدة ميتيفيفو القريبة. وهناك كان أول لقاء لها مع النول نفسه، الذي سيرافقها لعقود طويلة.

المهنة هذه لم تجعلها ثرية لكنَّها أبقتها على قيد الحياة (نيويورك تايمز)

وقالت خلال مقابلة أُجريت في منزلها عام 2024: «زرع هذا النول في داخلي سعادة غامرة. وعندما تعلمت النسيج، تمكنت من شراء ملابسي وأحذيتي بنفسي».

وهكذا اكتشفت مورا الحرفة التي كرَّست حياتها لها. ففي ذلك الوقت، كانت ميتيفيفو مستوطنة نائية لا تضم سوى بضع عائلات، تقع حيث تلتقي الجبال بالسماء، وهناك بدأت مورا بيع منسوجاتها.

وفي حين حلّت الآلات الكهربائية محل تقنيات النسيج التقليدية في معظم أنحاء العالم، ظلت مورا، البالغة من العمر 91 عاماً، وهي امرأة صغيرة البنية تلف الأوشحة حول وجهها الذي أثرت فيه عوامل الطقس، متمسكة بمزيج من التقاليد الأصلية للسكان الأصليين والتقاليد الإسبانية.

وبفضل منسوجاتها، حظيت بشهرة متواضعة في فنزويلا. وعلى مدى سنوات، عملت معلمة في مدرسة موكونوك للتجارة والفنون والحرف اليدوية، وهي منظمة غير ربحية تهدف إلى الحفاظ على الحرف التقليدية والترويج لها. وفي عام 2008، تصدَّر وجهها لوحة إعلانية ضخمة على واجهة مركز مؤتمرات يستضيف معرضاً فنياً في مدينة ميريدا، الواقعة جنوب غربي موكوتشيس، إلى جانب صورتين لنسَّاجتين أخريين والرئيس الفنزويلي السابق هوغو تشافيز. كما حصلت على أوسمة وشهادات فخرية عدَّة.

بلدة موكوتشيس الواقعة على ارتفاع شاهق في جبال الأنديز الفنزويلية حيث تعيش مارغريتا مورا (نيويورك تايمز)

وكان أول معرض جماعي شاركت فيه مورا، إلى جانب نسَّاجات أخريات من المنطقة، عام 1979 في كاراكاس. ومع ذلك، لم تُعرض أعمالها ضمن سياق الفن المعاصر إلا في السنوات الأخيرة. ويأتي هذا التحول في وقت بات فيه فن النسيج يحظى بحضور متزايد في مؤسسات كبرى، مثل معهد شيكاغو للفنون والمعرض الوطني للفنون في واشنطن.

فعند سحب المشط، تُشد الخيوط الأفقية بإحكام على القماش قيد النسج لتكوين نسيج كثيف يتحول إلى قطعة مزخرفة أو بطانية أو سجادة أو أي منتج آخر. وتمتاز الأنماط التي تبتكرها مورا بطابع هندسي وتجريدي، وتضم زخارف مستوحاة من حياتها اليومية، مثل الأيدي والفراشات والمقصات والفؤوس.

من جانبها، ترى لين كوك، كبيرة أمناء الفن الحديث والمعاصر السابقة في المتحف الوطني للفنون في واشنطن، أن مورا «تمتلك موهبة استثنائية».

وقالت كوك في مقابلة حديثة إن تصاميم مورا «تختلف بشكل دقيق عن الأنماط الهندسية المتكررة»، موضحة أن ذلك يتحقق من خلال «التباينات اللونية القوية بين الصوف الداكن والفاتح الذي تحصل عليه محلياً».

ولسنوات طويلة، ربّت مورا أغناماً من سلالتي ميرينو وكريولو. أما اليوم، فهي تشتري أكياس الصوف من المزارعين في المناطق المحيطة وتخزنها على سطح منزلها. وإذا كان لديها حجم كبير من العمل، فإنها تشتري الصوف المغزول من ابن عمها. كما تتولى تمشيط الصوف يدوياً، وفك تشابكه، وترتيب أليافه استعداداً للغزل.

حصلت مارغريتا على أوسمة وشهادات فخرية عدَّة (نيويورك تايمز)

وعادة ما يستغرق إنجاز قطعة كبيرة ما بين شهرين و3 أشهر، وتشمل العملية الغسل والصباغة والغزل والنسيج. ونظراً لعدم إمكانية الاعتماد على توفر الكهرباء والمياه الجارية بصورة مستمرة، فإن العملية تتم يدوياً بالكامل وتعتمد بدرجة كبيرة على الظروف الجوية؛ فإذا هطلت أمطار غزيرة بعد غسل الصوف، فلن تجف الألياف.

وقال المهندس المعماري البريطاني - الفنزويلي جيمي ألكوك، الذي يزخر منزله الريفي في ميتيفيفو بالسجاد والبطانيات والأثاث المنجّد من صنع مورا: «تركت مارغريتا إرثاً من المهارة والحكمة في استخدام المواد الأساسية».

وفي المقابل، حرصت مورا على نقل خبرتها إلى الأجيال التالية من عائلتها، التي شيدت استوديو على سطح منزلها في موكوتشيس، يضم 8 أنوال. وعن ذلك تقول: «إن نقل الإرث أمر مجزٍ للغاية».

وتعمل ابنتها أسونسيون رانجيل، البالغة من العمر 53 عاماً، في حرفة النسيج حالياً، بعدما كانت مسؤولة عن غسل الصوف وتجفيفه وتمشيطه لوالدتها. كما يعمل اثنان من أحفاد مورا الستة، هما دانييل كاستيلو (23 عاماً) وفابيان رانجيل (22 عاماً)، في هذه الحرفة.

وقالت مورا، في إشارة إلى النسيج: «ما دمت أمارس هذه المهنة، فأنا سعيدة. إنها مهنة لم تجعلني ثرية، لكنها أبقتني على قيد الحياة طوال حياتي».

* خدمة «نيويورك تايمز»


«فتاة الصحراء تخرخوري» تستقر في المتحف الليبي

مصلحة الآثار الليبية بغرب البلاد تتسلم مومياء «تخرخوري» 14 يونيو (وزارة الثقافة)
مصلحة الآثار الليبية بغرب البلاد تتسلم مومياء «تخرخوري» 14 يونيو (وزارة الثقافة)
TT

«فتاة الصحراء تخرخوري» تستقر في المتحف الليبي

مصلحة الآثار الليبية بغرب البلاد تتسلم مومياء «تخرخوري» 14 يونيو (وزارة الثقافة)
مصلحة الآثار الليبية بغرب البلاد تتسلم مومياء «تخرخوري» 14 يونيو (وزارة الثقافة)

بعد غياب طويل، استقرت مومياء الفتاة «تخرخوري»، إحدى «أهم المكتشفات الأثرية المرتبطة بتاريخ الصحراء الليبية في عصور ما قبل التاريخ»، أخيراً في المتحف الوطني بالعاصمة طرابلس.

والمومياء «تخرخوري» التي يقدر عمرها «بنحو 7000 سنة، وتعود إلى فتاة «كانت في منتصف الثلاثينات من عمرها»؛ عدّتها وزارة الثقافة بحكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة (الأحد) «شاهداً استثنائياً على فترة مناخية مهمة شهدتها الصحراء الليبية خلال العصور المطيرة، ما يمنحها قيمة علمية وتاريخية كبيرة في دراسة حياة الإنسان القديم بالمنطقة».

وسبق أن اكتُشفت المومياء عام 2003، حسب الوزارة، ثم نقلت إلى معامل جامعة «روما لا سابينزا» عام 2004 لإجراء الدراسات العلمية المتخصصة عليها؛ لكن «بسبب نقص الدعم خلال السنوات الماضية تأخر استكمال أعمال الصيانة والترميم وإعادتها إلى ليبيا».

وعانى الموروث الأثري في ليبيا من عمليات سرقة واسعة وإهمال منذ عشرات السنين، ما عرضه للنهب المنظم خلال الأعوام التي تلت إسقاط نظام الرئيس الراحل معمر القذافي بواسطة عصابات تستهدف التنقيب عن القطع الأثرية وتهريبها. رغم ذلك يعيد مواطنون بمحض إرادتهم بعض القطع التاريخية التي تقع في أيديهم «متغاضين عن ملايين الدولارات التي قد تُعرض عليهم».

رأس تمثال «فاوستينا» ابنة الإمبراطور الروماني أنتونينوس بيوس استعادته ليبيا مارس 2021 (الخارجية الليبية بغرب البلاد)

وسبق أن استعادت ليبيا في مارس (أذار) 2021 من النمسا رأس تمثال رخامي نادر للسيدة «فاوستينا»، ابنة الإمبراطور الروماني أنتونينوس بيوس، والإمبراطورة فوستينا (الكبرى)، وذلك بعد 75 عاماً من تهريبه إلى خارج البلاد أثناء الحرب العالمية الثانية؛ ويعود أصل التمثال للعصر الأنطوني.

وأسفر التعاون الليبي-الإيطالي عن النجاح في إعادة المومياء، الأمر الذي أعدته حكومة «الوحدة» خطوة من قبلها في «دعم قطاع الآثار والمحافظة على التراث الثقافي الوطني لتعود المومياء إلى أرض الوطن بعد سنوات من الدراسات والأعمال الفنية المتخصصة».

ونوهت وزارة الثقافة أنه «سيقام في 30 يوليو (تموز) المقبل احتفال بمناسبة استلام المومياء، وافتتاح المعرض المصاحب لها بقاعة العرض المؤقت بالمتحف الوطني حيث ستعرض للجمهور لعدة أشهر قبل انتقالها إلى موقعها الدائم ضمن قاعات ما قبل التاريخ بالمتحف».

ونجحت الجهود التي تبذلها السفارات الليبية في الخارج بالتعاون مع المختصين المحليين في إعادة عدد من القطع المنهوبة أو التي كانت تخضع للترميم. وسبق أن تسلمت ليبيا مجموعة من القطع الأثرية كانت مهربة إلى دولة إيطاليا، في سابقة وصفت بأنها الأولى من نوعها.