إدارة بايدن ماضية في قرار تسليم الذخائر العنقودية لدعم الهجوم الأوكراني «المتباطئ»

رغم اعتراضات حلفاء واشنطن ويساريي الحزب الديمقراطي

جنديان من سلاح الجو الأميركي يقومان بفحص أخير لقنبلة عنقودية بقاعدة «هيل» الجوية في ولاية يوتا الأميركية (رويترز)
جنديان من سلاح الجو الأميركي يقومان بفحص أخير لقنبلة عنقودية بقاعدة «هيل» الجوية في ولاية يوتا الأميركية (رويترز)
TT

إدارة بايدن ماضية في قرار تسليم الذخائر العنقودية لدعم الهجوم الأوكراني «المتباطئ»

جنديان من سلاح الجو الأميركي يقومان بفحص أخير لقنبلة عنقودية بقاعدة «هيل» الجوية في ولاية يوتا الأميركية (رويترز)
جنديان من سلاح الجو الأميركي يقومان بفحص أخير لقنبلة عنقودية بقاعدة «هيل» الجوية في ولاية يوتا الأميركية (رويترز)

لا يزال قرار الرئيس الأميركي جو بايدن، بالموافقة على تزويد أوكرانيا بقذائف عنقودية، يثير الكثير من ردود الفعل والاعتراضات، داخل الولايات المتحدة وخارجها. ورغم إيضاح بايدن أسباب اتخاذه هذا «القرار الصعب»، في مقابلة ستذاع كاملة الأحد، مع محطة «سي إن إن»، قائلاً إن قناعته تشكلت لأن كييف بحاجة إليها في هجومها المضاد، أعلن عدد من نواب حزبه الديمقراطي، خصوصاً من التيار اليساري، «انشقاقهم» عنه، ووصفوا القرار بأنه غير ضروري وغير أخلاقي وخطأ فادح.

وكان البيت الأبيض، قد أشار الجمعة، إلى أن هذه الخطوة تشكل عتبة مهمة في نوع التسليح المقدم إلى كييف لمواجهة الغزو الروسي، وهي «الصواب» الذي يجب القيام به، وفق مستشار الأمن القومي جيك سوليفان. ودافع سوليفان عن قرار الإدارة، قائلاً: «روسيا تستخدم الذخائر العنقودية منذ بداية هذه الحرب لمهاجمة أوكرانيا». «لقد التزمت أوكرانيا بجهود إزالة الألغام بعد الصراع للتخفيف من أي ضرر محتمل يلحق بالمدنيين. وسيكون هذا ضرورياً بغض النظر عما إذا كانت الولايات المتحدة تقدم هذه الذخائر أم لا».

جيك ساليفان مستشار الأمن القومي بالبيت الأبيض (إ.ب.أ)

ومن جهتها، كشفت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) في وقت لاحق الجمعة، أن تسليم هذه الذخائر سيحدث خلال أسبوعين، من مخزونات وزارة الدفاع. وقال كولين كال وكيل وزارة الدفاع لشؤون السياسة للصحافيين، إن البنتاغون سيوفر هذه الذخائر العنقودية، على أمل أن تساعد في ضمان امتلاك أوكرانيا قوة نيران كافية. وقال: «نريد التأكد من أن الأوكرانيين لديهم مدفعية كافية لإبقائهم في القتال في سياق الهجوم المضاد الحالي، ولأن الأمور تسير بشكل أبطأ قليلاً مما كان يأمل البعض». وأعرب بعض المسؤولين الأميركيين الذين تحدثوا شريطة عدم الكشف عن هويتهم، عن تفاؤلهم بأن كييف لديها كل الأسلحة التي تحتاجها، بما في ذلك أجهزة تطهير خطوط الألغام وكاسحات الألغام.

ذخائر عنقودية بانتظار تحميلها على مدافع «هاوتزر» ذاتية الدفع في قاعدة للجيش الأميركي بكوريا الجنوبية (رويترز)

وأوضح كال أن الهجوم الأوكراني المضاد على القوات الروسية يسير بوتيرة أبطأ من المتوقع، لكن لا يزال من السابق لأوانه استخلاص استنتاجات بشأن احتمالات تحقيق كييف مكاسب في ساحة المعركة. وأمضت الولايات المتحدة وحلفاء آخرون، شهوراً في بناء ما يطلق عليه «جبل الصلب» من الأسلحة في أوكرانيا، وتدريب القوات الأوكرانية على تقنيات الأسلحة المشتركة لمساعدة كييف على اختراق الدفاعات الروسية الهائلة خلال هجومها المضاد. لكن روسيا أمضت شهوراً أيضاً في حفر مواقع دفاعية، ونشر ألغام أرضية حولها، وتشييد تحصينات مدججة بالسلاح جعلت تقدم أوكرانيا في الشرق والجنوب بطيئاً ودموياً. وقال كال: «من السابق لأوانه الحكم على سير الهجوم المضاد، لا يزالون يختبرون الخطوط الروسية والمناطق الروسية لمعرفة نقاط الضعف». وتابع: «سيكون الاختبار الحقيقي عندما يحددون هذه النقاط، ومدى سرعة قدرتهم على استغلال نقاط الضعف تلك».

في المقابل، أصر عدد من المشرعين الديمقراطيين، على رفض تسليم الذخائر العنقودية لأوكرانيا، متمسكين بقرار الكونغرس الذي صدر عام 2017، ويحظر نقل أي ذخيرة عنقودية «بمعدل تفجير» يزيد على 1 في المائة، على الرغم من أن بايدن يمكنه تخطي هذه القاعدة. ورفضوا توضيحات المتحدث باسم البنتاغون، الجنرال باتريك رايدر، التي أشار فيها إلى أن المسؤولين سيختارون «بعناية» فقط القذائف ذات معدلات التفجير الأقل، التي اختُبرت أخيراً، لإرسالها إلى أوكرانيا. وانضم المشرعون إلى دعاة الحد من التسلح، قائلين إن الإدارة تقوم بمقايضة أخلاقية غير مقبولة من شأنها أن تقتل المدنيين، وتعزل الحلفاء، وتضر بالقضية الأخلاقية لدعم أوكرانيا. وانتقد كبار الديمقراطيين في لجنة قواعد مجلس النواب واللجان التي تمول البنتاغون ووزارة الخارجية في تصريحات عامة نادرة بثت انفصالهم عن رئيس حزبهم. ومن بين المعترضين، النائبة بيتي ماكولوم، العضو البارز في اللجنة الفرعية لتخصيصات الدفاع في مجلس النواب، والنائبة التقدمية باربرا لي، العضو البارز في لجنة مجلس النواب التي تمول وزارة الخارجية، والنائب كريسي هولاهان، عضو لجنة القوات المسلحة في مجلس النواب.

الثقوب تظهر على سيارة إسعاف أوكرانية بعد تعرضها لضربة بقنبلة عنقودية (أ.ب)

ومع ذلك، انضم أعضاء أقوياء في الكونغرس إلى تأييد إرسال الذخائر العنقودية. وحث النائب الجمهوري مايك ماكول رئيس لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب، والنائب الجمهوري مايك روجرز، رئيس لجنة القوات المسلحة بمجلس النواب، ونظراؤهم الجمهوريؤن في مجلس الشيوخ على هذه الخطوة منذ شهور. كما قدمت لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ بقيادة الديمقراطيين، الشهر الماضي، نسختها من مشروع قانون سياسة البنتاغون السنوي مع لغة تدعم توفير هذه الذخائر أيضاً. وفي بيان يوم الجمعة، أشاد الجمهوريون بتحرك الإدارة بوصفه يخفف الضغط على مخزونات الصواريخ والقذائف التقليدية، لكنهم انتقدوا ما وصفوه بتأخيرها في إرسال مجموعة من الأسلحة بسبب «الخوف المضلل من التصعيد» الذي يقولون إنه يهدد نجاح هجوم كييف المضاد.

كما اعترض الكثير من حلفاء واشنطن على الخطوة. وقال ريشي سوناك رئيس الوزراء البريطاني اليوم السبت إن بلاده من بين الدول الموقعة على اتفاقية تحظر إنتاج الذخائر العنقودية واستخدامها وتحث على عدم استخدامها، وأضاف سوناك للصحافيين: «سنواصل القيام بدورنا لدعم أوكرانيا ضد الغزو الروسي غير القانوني وغير المبرر».

كما عبّرت وزيرة الدفاع الإسبانية عن رفضها للخطوة. وقالت اليوم السبت إنه ينبغي عدم إرسال قنابل عنقودية إلى أوكرانيا.

قنبلة عنقودية تحتوي على مئآت من القنابل الصغيرة (أ.ب)

وقالت الوزيرة مارغاريتا روبليس للصحافيين خلال تجمع في مدريد قبيل الانتخابات العامة المقررة في 23 يوليو (تموز): «إسبانيا، بناءً على التزامها الراسخ تجاه أوكرانيا، لديها أيضاً التزام قوي بعدم تسليم أسلحة وقنابل معينة تحت أي ظرف». وأضافت: «لا للقنابل العنقودية، ونعم للدفاع الأوكراني المشروع الذي نفهم أنه ينبغي ألا ينفذ بالقنابل العنقودية».

وقالت روبليس إن قرار إرسال القنابل العنقودية اتخذته حكومة الولايات المتحدة، وليس حلف شمال الأطلسي الذي تنتمي إليه إسبانيا. وهناك تأييد واسع النطاق بين الأحزاب الإسبانية لدعم أوكرانيا وتقديم المساعدة العسكرية لها في الحرب. ولم توقع أي من روسيا وأوكرانيا والولايات المتحدة على اتفاقية الذخائر العنقودية التي تحظر إنتاج هذه الأسلحة وتخزينها واستخدامها ونقلها.

جندي أوكراني يعطل قنبلة عنقودية أطلقتها القوات الروسية (أرشيفية - رويترز)

وعارض سياسي ألماني تزويد الجيش الأوكراني بذخائر عنقودية. وقال السياسي في حزب «الخضر»، أنطون هوفرايتر، في تصريحات لوكالة الأنباء الألمانية: «أرفض توريد ذخائر عنقودية... إنها محظورة». ودعا رئيس لجنة الشؤون الأوروبية في البرلمان الألماني (بوندستاغ)، عوضاً عن ذلك إلى توريد صواريخ كروز ألمانية لأوكرانيا، ودعم تحالف الطائرات المقاتلة بقيادة الدنمارك وهولندا بالخدمات اللوجيستية والتدريب. وطالب هوفرايتر المستشار الألماني أولاف شولتس بالإدلاء بتصريحات واضحة حول هذا الأمر خلال قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) المقبلة في فيلينوس عاصمة ليتوانيا.


مقالات ذات صلة

الكرملين لا يثق بزيلينسكي لكنه يرى أن التسوية السياسية من دونه «مستحيلة»

أوروبا أوكراني وزوجته وابنتهما أمام بناية تعرضت لغارة في كييف أمس (أ.ب) p-circle

الكرملين لا يثق بزيلينسكي لكنه يرى أن التسوية السياسية من دونه «مستحيلة»

خلافاً للموقف المتشدد للرئيس الأميركي دونالد ترمب حيال العلاقة مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، جاء موقف الكرملين أكثر هدوءاً وتحفظاً، وبدا لافتاً في…

رائد جبر (موسكو)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلتقي بالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في البيت الأبيض بالعاصمة واشنطن يوم 28 فبراير 2025 (رويترز)

ترمب: زيلينسكي ليس شخصاً جيداً للتعامل معه

وصف الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، بأنه شريك تفاوضي أكثر صعوبة من الروسي فلاديمير بوتين، مصوّراً إياه عقبةً أمام إنهاء الحرب.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم مبنى مدمر في أعقاب هجوم روسي في أوديسا بأوكرانيا (أ.ف.ب) p-circle

ترمب يهاجم زيلينسكي... والبيت الأبيض يقيّد نظام «ستارشيلد» في أوكرانيا

وصف الرئيس الأميركي ضربات أوكرانيا على مصافي النفط الروسية بأنها «مخزية»، فيما ذكرت مصادر أن البيت الأبيض أمر بتقييد قدرات نظام «ستارشيلد» في كييف.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال لقائهما في البيت الأبيض يوم 28 فبراير 2025 (أ.ف.ب) p-circle

وراء التوتر بين ترمب وزيلينسكي... اختلاف في تعريف الأولويات باستهداف المصافي

انهيار «هدنة الطاقة» يعمّق شرخ ترمب - زيلينسكي ويفتح جولة تصعيد جديدة.

إيلي يوسف (واشنطن)
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي والمستشار الألماني فريدريش ميرتس يسيران في ساحة الاستقلال بكييف الأحد (إ.ب.أ) p-circle

تعميق الهوة بين واشنطن وكييف... زيلينسكي يشعر «بالخيانة» ويواجه «قطيعة نهائية» من ترمب

الشرخ المتزايد في العلاقة بين الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي وإدارة الرئيس دونالد ترمب يقترب بسرعة من حافة «القطيعة النهائية».

رائد جبر (موسكو)

الكرملين لا يثق بزيلينسكي لكنه يرى أن التسوية السياسية من دونه «مستحيلة»

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في حديث هامس الخميس مع أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية في بروكسل بمناسبة قمة الاتحاد ليومي الخميس والجمعة (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في حديث هامس الخميس مع أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية في بروكسل بمناسبة قمة الاتحاد ليومي الخميس والجمعة (رويترز)
TT

الكرملين لا يثق بزيلينسكي لكنه يرى أن التسوية السياسية من دونه «مستحيلة»

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في حديث هامس الخميس مع أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية في بروكسل بمناسبة قمة الاتحاد ليومي الخميس والجمعة (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في حديث هامس الخميس مع أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية في بروكسل بمناسبة قمة الاتحاد ليومي الخميس والجمعة (رويترز)

خلافاً للموقف المتشدد للرئيس الأميركي دونالد ترمب حيال العلاقة مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، جاء موقف الكرملين أكثر هدوءاً وتحفظاً، وبدا لافتاً في تأكيد أنه «مهما بلغت الرغبات» فإن مناقشة أي تسوية سياسية من دون القيادة الحالية لأوكرانيا «أمر مستحيل».

وموسكو التي شككت طويلاً بـ«شرعية» زيلينسكي، وتحدثت عن صعوبة إبرام اتفاق سلام مع رجل انتهت ولايته الرئاسية منذ عامين، ولم يعمل على تنظيم انتخابات رئاسية تجدد الثقة به وبسياساته وتمنحه تفويضاً للتحدث باسم الشعب الأوكراني، وجدت نفسها أمام استحقاق جديد بعدما بلغت الأزمة بين زيلينسكي وترمب حد القطيعة النهائية، وأعلن ترمب أنه لا يجد فيه «شخصاً يمكن التعامل معه»، كما تحدث عن حتمية التوصل إلى تسوية نهائية للصراع «من دون زيلينسكي».

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (يسار) ونظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب)

وموقف الكرملين لا يبدو معزولاً عن سياقات المعركة الجارية والمزاج العام في أوروبا وفي الداخل الأوكراني. لذلك وبرغم الاعتراضات الروسية الكثيرة على سلوك زيلينسكي، ومع أن موسكو نفسها ساهمت في تعميق أزمته مع ترمب واستثمرت في توسيع الهوة لضمان قطع المساعدات الاستخباراتية الأميركية عن أوكرانيا، وتقليص الدعم العسكري إلى أدنى درجة، فإنها في الوقت ذاته لا تبدو متحمسة كثيراً للانقلاب الأميركي الكامل حيال الرجل.

في هذا السياق، قال الناطق الرئاسي الروسي ديمتري بيسكوف إن بلاده تتفق مع ترمب في أن «فولوديمير زيلينسكي غير مستعد لتحمل المسؤولية والسعي إلى تسوية سلمية».

ولكنه أضاف مباشرة: «إن عدم رغبة زيلينسكي في تحمل المسؤولية والسعي إلى تسوية سلمية أمر لا لبس فيه. ونحن نتفق تماماً مع الرئيس ترمب في هذه النقطة، لكن مهما بلغت رغبتنا، فإن مناقشة أي شيء دون مشاركة القيادة الأوكرانية الحالية أمر مستحيل».

يبدو الموقف الروسي ملتبساً بعض الشيء، خصوصاً على خلفية ارتفاع حدة اللهجة ضد زيلينسكي ولغة الشماتة التي برزت في اليومين الماضيين في وسائل الإعلام الحكومية، وعلى ألسنة مسؤولين بارزين، مثل نائب رئيس مجلس الأمن القومي ديمتري مديفيديف الذي وصف زيلينسكي بـ«الجرذ الذي عض يد صاحبه بعد كل المساعدات التي قدمت إليه».

لكن هذا الالتباس يخفي فهماً روسياً أعمق وأكثر تحديداً للصعوبات التي تواجه التسوية السياسية، من الفهم الأميركي. وهنا تدخل ضرورات التعامل مع زيلينسكي بالنسبة إلى موسكو رغم كل الاعتراضات السابقة عليه.

في هذا السياق، كتب معلق بارز أن «زيلينسكي الضعيف والمشكوك بشرعيته والمحاط بالضغوط أفضل من زيلينسكي الواقف على صخرة قوية من الدعم الأوروبي والمستند إلى دعم واضح في المجتمع الأوكراني».

بهذا المعنى فإن الدعوة إلى تجديد الشرعية وإجراء انتخابات رئاسية، وربما برلمانية أيضاً، في أوكرانيا، هي دعوة محقة لأنها تفاقم الضغوط على الرئيس الأوكراني. لكن تنفيذ ذلك واقعياً يحتاج لترتيبات كثيرة؛ بينها إعلان هدنة مؤقتة وإفساح المجال أمام الأوكرانيين للإدلاء بأصواتهم واختيار قيادة جديدة. وهنا مع الرفض الروسي الواضح لفكرة الهدنة التي قد تستخدم لالتقاط الأنفاس وإعادة تزويد الجيش بما يحتاج إليه ومنحه فرصة لترتيب وضعه الدفاعي والهجومي، فإن النتيجة لا تبدو مضمونة. ماذا لو حصل زيلينسكي على تفويض جديد قوي من الشعب الأوكراني؟ سيكون الوضع أصعب بكثير أمام أي تنازلات محتملة لدفع تسوية سياسية.

في هذا الإطار، لا تبدو الأرقام والإحصائيات للمزاج العام في أوكرانيا مشجعة لدعم عملية انتخابية في الوقت الحالي. ويكفي إيراد بعض النتائج وفقاً لاستطلاعات الرأي الاجتماعي الحديثة في أوكرانيا (سبتمبر «أيلول» - أكتوبر «تشرين الأول» 2026).

أولاً: الرغبة في مواصلة الحرب: وفقاً لاستطلاع أجراه معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع (KIIS)، فإن 62 في المائة من الأوكرانيين مستعدون لتحمل الحرب إذا لزم الأمر. واللافت أنه في مقابل غالبية مستعدة لمواصلة تحمل تبعات الحرب لسنوات، يقول 23 في المائة إنهم مع منح الفرصة للعسكريين لسنة إضافية أو نصف سنة. أي أنهم لا يعارضون وقف الحرب حالياً، لكنهم يريدون سقفاً زمنياً محدداً لإنهاء القتال.

رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين خلال افتتاح فعالية في بروكسل يوم 29 سبتمبر 2026 (أ.ب)

ثانياً: التنازلات الإقليمية: وفقاً لدراسة أجرتها مجموعة «ريتينج» في أكتوبر 2026، فإن نحو 56 في المائة من المواطنين يقبلون، إلى حد ما، إمكانية تقديم تنازلات إقليمية لتحقيق سلام طويل الأمد. لكن هؤلاء يربطون القبول بأي تنازلات بالحصول على ضمانات أمنية كاملة وموثوقة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ويرون أن الثمن يجب أن يكون قبول أوكرانيا التي تسعى للتكامل مع المنظومة الأوروبية، في مقابل وقف القتال عند خطوط التماس الحالية. اللافت هنا أن هذه الفئات لا تطالب القيادة الأوكرانية الحالية أو الجديدة إذا جرت الانتخابات بإعلان «شرعية» السيادة الروسية على الأراضي، بل تبدي استعداداً للتعامل مع «أمر واقع» مفروض على الأرض.

ثالثاً: الثقة بالحكومة: تشير استطلاعات معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع إلى أن مستوى الثقة بالرئيس فولوديمير زيلينسكي لا يزال عند نحو 54 في المائة. اللافت في كل تلك النتائج أن الأرقام لم تتغير كثيراً عن نتائج استطلاعات جرت قبل شهرين، وكذلك نتائج العام الماضي.

مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي كايا كالاس (أ.ب)

على وجه الخصوص، لم تنخفض النسبة بين سكان كييف العاصمة الذين شملهم الاستطلاع؛ 72 في المائة من المستجيبين مستعدون لتحمل الحرب مهما طال الأمر (في أواخر يوليو «تموز» وأوائل أغسطس «آب»، كانت هذه النسبة 69 في المائة، وهو فرق ضمن هامش الخطأ).

واللافت أيضاً أن معهد كييف الدولي للدراسات الاستراتيجية أشار إلى أنه ينبغي الأخذ في الاعتبار أن هذا الاستطلاع أُجري بعد تصعيد الهجمات الروسية النشطة على المرافق الحيوية باستخدام الطائرات المسيّرة.

ووفقاً لدراسة المعهد، فإن «هذا يعني أن هذه البيانات، على الأقل حتى الفترة من 12 إلى 21 سبتمبر، لم تُؤدِّ إلى تراجع معنويات السكان. وفي الوقت نفسه، أُنجز الاستطلاع قبل بدء الهجمات على الجسور عبر نهر دنيبر».

لكن هذا لا يعني أن الأوكرانيين يعارضون مبدأ التفاوض، فقد أظهرت الدراسات ذاتها أن 75 في المائة مع مبدأ التفاوض، لكن 56 في المائة كما ورد سابقاً يرفضون التنازلات الإقليمية من دون ضمانات واضحة وموثقة لأوكرانيا. بينما يوافق 3 في المائة فقط على التنازلات دون أي شروط مسبقة.

إذا أصبحت القضية الإقليمية شرطاً أساسياً للسلام، يعتقد 68 في المائة من الأوكرانيين أن القرار النهائي يجب أن يُتخذ حصرياً في استفتاء شعبي. ويرى 17 في المائة آخرون أن الرئيس يجب أن يتحمل هذه المسؤولية، بينما يرى 9 في المائة أن البرلمان الأوكراني (فيرخوفنا رادا) هو من سيُخول هذه المسألة.

أوكراني وزوجته وابنتهما أمام بناية تعرضت لغارة في كييف أمس (أ.ب)

وفي العودة إلى مسألة الثقة بزيلينسكي، فقد دلت الدراسات الحديثة كلها على أنه سيكون من الصعب جداً شطبه من المشهد السياسي في البلاد. ولا يزال زيلينسكي، بالإضافة إلى فاليري زالوجني (قائد الجيش السابق) وكيريل بودانوف (رئيس مجلس الأمن) وميخائيل فيدوروف، (سياسي بارز ورائد في مجال التقنيات الرقمية)، يتصدرون استطلاعات الرأي ونسب التأييد الانتخابي.

المعنى هنا أن الانتخابات لو جرت حالياً أو بعد وقت، فإن زيلينسكي سيكون المرشح الأكثر حظاً بالفوز ـ أو قد تميل الكفة إلى الجناح الأكثر تشدداً منه مثل زالوجني أو بودانوف.

وكان لافتاً في استطلاعات سبتمبر أن زالوجني تجاوز زيلينسكي قليلاً بنسب الثقة المتوقعة. لكن المهم أن فوز أي من الرجلين لا يغير كثيراً في المشهد السياسي، بل سوف يبرز قيادة منتخبة قوية تحظى بتأييد واسع لسياساتها.

أميركا تقترح رفع التجميد عن بعض الأصول السيادية الروسية في محاولة لإحياء محادثات إنهاء الحرب الأوكرانية (أ.ب)

العنصر الثاني المؤثر في هذا السياق هو الموقف الأوروبي. كانت تصريحات عدد من القادة الأوروبيين تجاه الأزمة بين ترمب وزيلينسكي لافتة. وكرر رئيس الوزراء اللاتفي، أندريس كولبيرغس، الخميس، مواقف عدد من السياسيين الأوروبيين، عندما قال إن «أوروبا لا تزال الحليف الوحيد لفولوديمير زيلينسكي في ظل تدهور العلاقات بين كييف وواشنطن». كما تحدث الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن أهمية تقديم كل أنواع المساعدة العسكرية اللازمة لزيلينسكي.

وذكر موقع «بوليتيكو»، الجمعة، أن بعض قادة الاتحاد الأوروبي قلقون من توتر العلاقات بين زيلينسكي وترمب. مع إشارات إلى تماسك المواقف الأوروبية حيال ضرورة عدم تقديم تنازلات لروسيا وعدم ممارسة ضغوط على القيادة الأوكرانية. في هذا السياق، وصل زيلينسكي، الخميس، إلى بروكسل سعياً للحصول على دعم معزز من حلفائه الأوروبيين المجتمعين في قمة الخميس والجمعة.


إيطاليا تمدد تعليق اتفاقية شنغن مع إسبانيا

علم الاتحاد الأوروبي يتدلى من إحدى الشرفات (بيكسلز)
علم الاتحاد الأوروبي يتدلى من إحدى الشرفات (بيكسلز)
TT

إيطاليا تمدد تعليق اتفاقية شنغن مع إسبانيا

علم الاتحاد الأوروبي يتدلى من إحدى الشرفات (بيكسلز)
علم الاتحاد الأوروبي يتدلى من إحدى الشرفات (بيكسلز)

قال مصدر في الحكومة الإيطالية، ​اليوم الجمعة، إن بلاده مددت لمدة أسبوع آخر تعليقها لاتفاقية «شنغن» الخاصة بالسفر دون تأشيرات عبر الاتحاد الأوروبي ‌مع إسبانيا.

وقال ‌متحدث باسم ​الحكومة ‌الإسبانية إن ​وزيري الداخلية في البلدين سيعملان خلال الأسبوع المقبل على إلغاء إجراءات الرقابة الحدودية، وفقاً لوكالة «رويترز».

ويأتي التمديد الأحدث من جانب إيطاليا تماشياً مع ‌الإجراء المضاد ‌الذي اتخذته ​مدريد، التي ‌مددت مؤخراً تعليقها ‌لاتفاقية «شنغن» مع روما حتى 22 أكتوبر (تشرين الأول).

وكانت إيطاليا قد ‌علقت لأول مرة اتفاقية «شنغن» مع إسبانيا في 31 يوليو (تموز)، بعد تدفق أكثر من 72 ألف مهاجر عبر الحدود إلى جيب سبتة الواقع شمال المغرب، ثم ​مددت هذا الإجراء مراراً.


السجن 20 عاماً لنرويجي خطّط لجريمة قتل مرتبطة بإيران في بريطانيا

النرويجي يوهانس كونغسنيس ناتلاند المحكوم بالسجن 20 عاماً لتوجّهه إلى إنجلترا لتنفيذ عملية قتل لحساب عصابة دولية مدعومة من إيران في صورة غير مؤرخة وزّعتها شرطة لندن (د.ب.أ)
النرويجي يوهانس كونغسنيس ناتلاند المحكوم بالسجن 20 عاماً لتوجّهه إلى إنجلترا لتنفيذ عملية قتل لحساب عصابة دولية مدعومة من إيران في صورة غير مؤرخة وزّعتها شرطة لندن (د.ب.أ)
TT

السجن 20 عاماً لنرويجي خطّط لجريمة قتل مرتبطة بإيران في بريطانيا

النرويجي يوهانس كونغسنيس ناتلاند المحكوم بالسجن 20 عاماً لتوجّهه إلى إنجلترا لتنفيذ عملية قتل لحساب عصابة دولية مدعومة من إيران في صورة غير مؤرخة وزّعتها شرطة لندن (د.ب.أ)
النرويجي يوهانس كونغسنيس ناتلاند المحكوم بالسجن 20 عاماً لتوجّهه إلى إنجلترا لتنفيذ عملية قتل لحساب عصابة دولية مدعومة من إيران في صورة غير مؤرخة وزّعتها شرطة لندن (د.ب.أ)

قضت محكمة بريطانية، اليوم الجمعة، بالسجن لمدة 20 عاماً على شاب نرويجي كان يخطط لارتكاب جريمة قتل في بريطانيا بعد تجنيده من قبل جماعة جريمة منظمة سويدية مرتبطة بالحكومة الإيرانية.

وأُلقي القبض على يوهانس ناتلاند، البالغ حالياً من العمر 19 عاماً، في غرفة بأحد الفنادق في مدينة هدرسفيلد بشمال إنجلترا في مارس (آذار) 2025، وكان بحوزته سلاحان ناريان وذخيرة، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقال الادعاء إن ناتلاند جُنّد من قبل شبكة «فوكس تروت»، وهي جماعة جريمة منظمة سويدية تستخدمها الدولة الإيرانية وفرضت عليها كل من بريطانيا والولايات المتحدة عقوبات.

وأقر بحيازة مسدس نصف آلي ومسدس دوّار وذخيرة، لكنه أنكر التآمر على القتل وادعى أنه لم يكن ينوي تنفيذ الخطة.

وأدين الشاب في يوليو (تموز) بعد إعادة المحاكمة، وصدر بحقه حكم بالسجن لمدة 20 عاماً من محكمة وولويتش كراون في لندن.

وناتلاند أحدث شاب يَمثُل للمحاكمة في بريطانيا وغيرها في تهم تتعلق بجرائم خطيرة يُعتقد أنه ارتكبها بعد تجنيده عبر الإنترنت مقابل المال، وغالباً ما يكون الشخص المجنّد أداة بالوكالة لدولة أجنبية من دون علمه بذلك بالكامل.