5 أسباب تبقي «فاغنر» خياراً جذاباً لدول أفريقية

رغم القلق من تداعيات «تمرد» المجموعة الروسية

مؤسس «فاغنر» يفغيني بريغوجين (أ.ب)
مؤسس «فاغنر» يفغيني بريغوجين (أ.ب)
TT

5 أسباب تبقي «فاغنر» خياراً جذاباً لدول أفريقية

مؤسس «فاغنر» يفغيني بريغوجين (أ.ب)
مؤسس «فاغنر» يفغيني بريغوجين (أ.ب)

تدرك الدول الأفريقية، التي تستعين بخدمات «فاغنر»، أن تداعيات التمرد العسكري للمجموعة الروسية، قد يصل إلى أراضيها آجلاً، إن لم يكن في القريب العاجل، لكنها على ما يبدو تُفضل أن تطمئن لأحاديث الحكومة الروسية في موسكو، بشأن «سير الأمور كالمعتاد»، فثمة 5 أسباب تشكل «عوامل جذب» لاستمرار عمل المجموعة في تلك الدول التي تعاني من اضطرابات أمنية وسياسية. من بينها وفق مراقبين تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، عدم الثقة في البديل الغربي، والمخاوف من دخول فاعلين آخرين لاستغلال حالة الفراغ، حال التخلي عن «فاغنر»، والتي بدورها لا تمتلك أي طموحات سياسية أو آيديولوجية، وتُركز فقط على استغلال الموارد الاقتصادية، ما يجعلها محل ثقة لدى بعض الحكام الأفارقة.

وطرح «التمرد المجهض»، والذي لم يدم سوى يوم واحد، في الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) الماضي، تساؤلات حول مستقبل المجموعة، التي برزت وبدعم مُعلن من موسكو، كفاعل رئيسي في القارة السمراء، حيث تسهل عبر مشاريع تجارية سرية، النفوذ الروسي. لكن روسيا سعت مبكراً لطمأنة شركائها، وقال وزير الخارجية سيرجي لافروف، في مقابلة تلفزيونية، الاثنين الماضي، إن أحداث تمرد «فاغنر» «لن تؤثر على العلاقات مع الشركاء والأصدقاء».

علم روسي معلق على تمثال في عاصمة جمهورية أفريقيا الوسطى في 22 مارس الماضي (أ.ف.ب)

وخص مالي وجمهورية أفريقيا الوسطى، باعتبارهما أكثر المناطق وجوداً لـ«فاغنر»، مشيراً إلى أن «المجموعة ستواصل عملياتها هناك»، معتبراً أن «تخلي أوروبا عن أفريقيا الوسطى ومالي» دفع بهذين البلدين إلى الانفتاح على روسيا ومجموعة «فاغنر» للحصول منها على مدربين عسكريين و«ضمان أمن قادتهما».

ورغم ذلك يبدو أن روسيا تركت الباب مفتوحاً لإمكانية إبراء مسؤوليتها مستقبلاً، مشيرة إلى أن «التعامل مع المجموعة أمر متروك للدول المعنية»، وقالت المتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا، إن «دول أفريقيا هي من تقرر هل ستستمر في تعاونها مع شركة (فاغنر) أم لا، فهذا يعتبر حقاً سيادياً».

وتشير تقارير لمؤسسات بحثية دولية إلى تمركز قوات «فاغنر» في دول أفريقية عدة، منها مالي وأفريقيا الوسطى وليبيا والسودان، إضافة إلى تقديم خدمات أمنية بعدد من دول منطقة الساحل والصحراء. ويصف تقرير نشرته شبكة المجتمع المدني «المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للأوطان (GIATOC)»، خلال العام الحالي، حول «فاغنر» في أفريقيا، المجموعة بأنها «اللاعب الروسي الأكثر نفوذاً في أفريقيا اليوم».

فيما يشير تحليل نشره موقع «مجلس العلاقات الخارجية (The Council on Foreign Relations - CFR)» إلى أن «فاغنر» تمتلك علاقات قوية مع عديد من الحكومات الأفريقية على مدى العقد الماضي من خلال عمليات في 8 دول أفريقية على الأقل، وفقاً لوثائق أميركية مسربة. وتشير تقارير غربية لوجود نحو 1900 خبير لمساعدة القوات الحكومية في أفريقيا الوسطى، ونحو 1200 من عناصر «فاغنر» يعملون في ليبيا، ومقاتلين في مالي وبوركينا فاسو. بينما يعود تاريخ «فاغنر» في السودان إلى حكومة الرئيس المخلوع عمر البشير، قبل أن تواصل المجموعة علاقتها بقوات «الدعم السريع» هناك حالياً.

حاجة أمنية مُلحة

تقدم «فاغنر» الدعم العسكري للحكومات الأفريقية في الدول الموجودة بها، والتي جاء بعضها عبر انقلابات عسكرية، كما تساعد على احتواء الجماعات المتمردة المسلحة، في ظل ضعف المؤسسات العسكرية والأمنية بتلك الدول، وتنامي الإضرابات والحركات المسلحة، ذات النزعة الانفصالية، كما يوضح محمد تورشين، الخبير السوداني في الشؤون الأفريقية، والمقيم في باريس.

يقول تورشين لـ«الشرق الأوسط»: «هناك مخاطر من انسحاب (فاغنر) من تلك الدول الأفريقية، خاصة أفريقيا الوسطى ومالي وبوركينا فاسو، فالإضرابات الأمنية والسياسية وكثرة الحركات المسلحة المتطرفة، مع وجود أزمات إثنية وقبلية وعقائدية، تجعل استعانة تلك الأنظمة الشمولية ذات التوجهات القمعية بـ(فاغنر)، أمراً حتمياً في الوقت الراهن على الأقل».

ويعيش المجلس العسكري الانتقالي في مالي، الذي جاء بعد انقلابين متتاليين الأول في أغسطس (آب) 2020، والثاني في مايو (أيار) 2021، مرحلة حرجة، نظراً لافتراض تسليمه السلطة عقب انتخابات تُجرى العام المقبل، فيما تعاني بوركينا فاسو وقادتها العسكريون من أزمات أمنية واسعة.

ويتزايد اعتماد المجلس العسكري في البلدين على مسلحي مجموعة «فاغنر» التي تتميز بأنها «تعمل خارج أطر القانون الإنساني الدولي»، كما يؤكد الخبير السوداني، ومن ثم فهي «غير معنية بالقيود التي تُوضع على الحكومات، لذا تمارس انتهاكات بشكل مستمر دون النظر إلى أي تداعيات».

وتتهم الأمم المتحدة عناصر «فاغنر» في مالي، بالتورط في عمليات تعذيب واغتصاب، حيث أعربت مجموعة عمل تابعة للأمم المتحدة في سبتمبر (أيلول) الماضي عن بالغ قلقها بشأن «تزايد مشاركة مزودي الخدمات العسكرية والأمنية الخاصة في العمليات الإنسانية». فيما أشارت «مجموعة الأبحاث والمعلومات حول السلام والأمن» ومقرها بروكسل، في دراسة نُشرت في مارس (آذار) الماضي، إلى تورط عناصر مرتزقة في ارتكاب جرائم وانتهاكات حقوق الإنسان دون تردد.

وترى الدكتورة نورهان الشيخ، عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، أن الحاجة الأمنية الملحة تجعل غالبية الدول الأفريقية المعنية تتمسك باستمرار «فاغنر» على أراضيها في الوضع المنظور على الأقل، مشيراً في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن دورها «بات مهماً في تثبيت الأنظمة الهشة هناك، ومن ثم فإن أي تغيير سيكون بالغ التكلفة».

عدم وجود طموح سياسي

ميزة ثانية تجعل «فاغنر» مفضلة لدى القادة الأفارقة العسكريين، تشير إليها السياسية المصرية. تقول نورهان الشيخ: «(فاغنر) هي شركة أمن متعاقدة معها وليس لديها طموح أي عسكري أو سياسي في هذه الدول، بعكس التعامل مع حكومات الدول الغربية التي تتدخل سياسياً بتفضيل حكومات بعينها، بينما يتعلق الأمر فقط في (فاغنر) بالأموال والمصالح الاقتصادية».

وبحسب المحلل البوركينابي والخبير بالشؤون الأفريقية محمد الأمين سوادغو، الذي تحدث لـ«الشرق الأوسط» من واغادوغو، فإن عمليات المجموعة تمتد إلى ما وراء الجهود الأمنية لتشمل قطاعات الذهب وقطع الأشجار والتعدين، حيث توجد شركات تعدين خاصة تابعة لها، متخصصة في تنقيب الذهب والماس واستخراجهما وبيعهما في عدة بلدان أفريقية لها صلة مباشرة بالكرملين، وأعمالها تصب في مصلحة «فاغنر» فرع أفريقيا قبل غيرهم، وبالتالي فلن يفرطوا في تلك المصالح التي جاؤوا من أجلها، وهي التي تمولهم في أوكرانيا وتساعد الدولة الروسية من الانهيار الكلي أمام العقوبات الغربية الشديدة.

وبالنسبة للحكومات الأفريقية التي تواجه قيوداً مالية، فإنها تجد خدمات «فاغنر» جذابة، كما يوضح سوادغو، حيث «يجري سداد المدفوعات غالباً من خلال حقوق التعدين أو امتيازات الوصول إلى السوق».

دعم روسي غير مشروط

رغم الأزمة فإن ارتباط روسيا بـ«فاغنر» أمر لا مفر منه، حيث تثق الدول الأفريقية بالدعم الروسي، غير المرتبط بمطالب حقوقية أو ديمقراطية، كما يقول سوادغو، حيث إن «فاغنر» لا تعمل وحدها في تلك البلدان، بل معهم خبراء عسكريون روس، يقدمون إلى روسيا خدمة كبيرة بتعزيز نفوذها. ويرى الخبير البوركينابي أن كثيراً من المحللين يخطؤون عند حديثهم عن ملف استعانة بعض الدول الأفريقية بـ«فاغنر» ويعتقدون أنه يمكن سحبهم بعد الحادثة التي حصلت مؤخراً بين قائد المجموعة يفغيني بريغوجين والرئيس بوتين، مؤكداً أن «ولاء الوحدة الموزعة في مختلف بلدان أفريقيا للدولة الروسية وبوتين أكثر من ولائها ليفغيني نفسه، وثمة أخبار عن امتعاضها من تصرفات قائد (فاغنر) في أوكرانيا، وطمأنة قادة البلدان بمواصلة عملهم تحت قيادة أوامر القيادة الروسية».

ويضيف: «مهمة (فاغنر) في بعض بلدان أفريقيا تدريبية تسليحية، فحتى لو غادرت اليوم في بعض معسكراتها... فمن الممكن أن يسد ثغرتهم الخبراء الروس المتخصصون في المجال اللوجيستي والتخطيطي وتوصيل الإمدادات العسكرية والمعلومات اللوجيستية».

وقامت مجموعة «فاغنر» بتوسيع نفوذها في أفريقيا مؤخراً من خلال شبكة من الشركات والتحالفات التي تعمل في منطقة قانونية رمادية، كما توضح نورهان الشيخ، التي تعتقد أنه «حتى إذا حدثت إعادة هيكلة في المجموعة كأحد تداعيات التمرد الأخير، فإن الأمر لن يتجاوز القادة في روسيا وأوكرانيا، ولن يمتد لأفريقيا على النحو الذي يعرقل عملها، وثقة القادة الأفارقة بها».

ضعف البديل الغربي

يعتقد المحلل السياسي الأميركي بوبي جوش أن التطورات الأخيرة تقدم للدول الغربية فرصة ذهبية لاقتلاع مجموعة «فاغنر» وعناصرها من الدول الأفريقية التي تنشط فيها، ويرجع ذلك في تحليل نشرته وكالة «بلومبرغ»، الأسبوع الماضي، إلى تراجع محتمل بسبب اهتزاز الثقة بمستقبل المجموعة، لكن السوداني تورشين، يعتبر أن «الاستعانة بـ(فاغنر) مستمرة، وإن كانت بتغيير الوجهات والأسماء، بسبب ضعف البديل الغربي، خاصة أن هذه الدول هي سبب كل الأزمات التي تعيشها أفريقيا»، على حد قوله، وأن القارة تشهد حالياً «تنامياً للتيار التحريري من الاستعمار الفرنسي والغربي بشكل عام... ولذلك فإن التنافس لا يصب في صالح الغرب».

يتفق سوادغو، قائلاً: «استغلت الدول الغربية أزمة (فاغنر) عبر إعلامها لضرب معنويات الشعوب الأفريقية التي تسعى للخروج من عباءة الاستعمار الغربي الذي أثقل كاهل أفريقيا والمواطن الأفريقي إلى استقلالية تامة... لكن سرعان ما فهمت الشعوب الأفريقية أن أزمة (فاغنر) لن تؤثر على شراكتهم مع روسيا في المجال العسكري المؤقت»، وبينما يعترف بأن ثقة الأفارقة اهتزت بسبب الأزمة في روسيا، ففي المقابل إذا استمر الوضع الراهن فسيكون عبر الاعتماد على النفس مع تعدد الشراكات مع جميع القوى العالمية، بعيداً عن الاستغلال الغربي، كتوسعة الشراكة مع الصين وتركيا وكوريا الشمالية».

منع دخول فاعلين آخرين

أحد عوامل الجذب، التي تجعل الأفارقة يفضلون استمرار التعاون مع «فاغنر»، هو الخوف من دخول فاعلين آخرين لاستغلال حالة الفراغ الأمني التي قد يسببها انسحاب تلك القوات، مثل الجماعات المتمردة المسلحة. ويتوقع الدكتور حمدي عبد الرحمن، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، أن يؤدي انسحاب قوات «فاغنر» في حالة جمهورية أفريقيا الوسطى، مثلاً، إلى إعطاء فرصة للجماعات المتمردة المسلحة لاكتساب المزيد من الأراضي وزعزعة استقرار البلاد، وينطبق السيناريو نفسه على مالي وبوركينا فاسو، وليبيا التي تساند فيها فاغنر «الجيش الوطني» بقيادة خليفة حفتر.

الأمر قد يصبح أكثر صعوبةً، وفقاً لعبد الرحمن، إذا قررت موسكو حل مجموعة «فاغنر»، فمن المُحتمل أن تتحول «فاغنر» إلى هياكل مرتزقة فرعية لا يمكن السيطرة عليها، وتؤسس علاقاتها الخاصة مع الحكومات المحلية، متجاهلة نفوذ موسكو.


مقالات ذات صلة

التلفزيون الروسي: جيشنا ينشط في 6 دول أفريقية

أوروبا قال مراسل للتلفزيون الرسمي الروسي في تقرير بُثَّ الأحد: «ينشط ضباط وجنود من وحدة القوات المسلحة الروسية في 6 دول أفريقية» (رويترز)

التلفزيون الروسي: جيشنا ينشط في 6 دول أفريقية

ينشط الجيش الروسي في 6 دول أفريقية، وفق تقرير للتلفزيون الرسمي، في اعتراف قلما يحدث بمدى الوجود العسكري الرسمي لموسكو في هذه القارة.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أفريقيا تنظيم «القاعدة» يعلن مقتل 4 جنود في هجوم ضد الجيش المالي والفيلق الروسي (تواصل اجتماعي)

«القاعدة»: مقتل 4 جنود في هجوم ضد جيش مالي والفيلق الروسي

أعلن تنظيم «القاعدة»، الثلاثاء، مقتل 4 جنود على الأقل، خلال هجوم استهدف رتلاً من الجيش المالي، كان برفقته جنود من «الفيلق الروسي».

الشيخ محمد (نواكشوط)
أفريقيا الجيش المالي أكد مضيّه قدماً في الحرب على الإرهاب (إعلام محلي)

مالي: مقتل 15 إرهابياً بقصف للجيش

أعلن الجيش المالي أنه شن ضربات جوية على معاقل تابعة لجماعات إرهابية، وقتل ما لا يقل عن 15 إرهابياً، في محافظة سيغو، وسط البلاد.

الشيخ محمد (نواكشوط )
أفريقيا صورة نشرتها وزارة الدفاع البيلاروسية يوم الخميس 20 يوليو 2023 لمقاتلين من «فاغنر» وسط مناورات بميدان إطلاق نار بالقرب من مدينة بريست الحدودية (أ.ب)

ما بعد بريغوجين: تراجع النفوذ الروسي في أفريقيا يفتح الباب أمام عودة الغرب

يقول مسؤول عسكري أميركي رفيع إن بعض هذه الحكومات باتت تبحث من جديد عن قنوات تعاون مع واشنطن، حسب تقرير «وول ستريت جورنال»

إيلي يوسف (واشنطن)
أفريقيا صورة نشرها التلفزيون الحكومي المالي لقادة محاولة انقلابية فاشلة الشهر الماضي ضمنهم فرنسي (إعلام محلي)

فرنسا توقف تعاونها مع مالي في مكافحة الإرهاب

قررت فرنسا تعليق تعاونها مع مالي في مجال الحرب على الإرهاب، من ضمن موجة جديدة من التصعيد الدبلوماسي بين البلدين.

الشيخ محمد (نواكشوط)

نيجيريا: نشر الجيش في كوارا بعد مقتل العشرات على يد «إرهابيين»

عربات وبيوت مدمرة نتيجة الهجوم المسلح على قرية وورو في ولاية كوارا (أ.ب)
عربات وبيوت مدمرة نتيجة الهجوم المسلح على قرية وورو في ولاية كوارا (أ.ب)
TT

نيجيريا: نشر الجيش في كوارا بعد مقتل العشرات على يد «إرهابيين»

عربات وبيوت مدمرة نتيجة الهجوم المسلح على قرية وورو في ولاية كوارا (أ.ب)
عربات وبيوت مدمرة نتيجة الهجوم المسلح على قرية وورو في ولاية كوارا (أ.ب)

أعلن رئيس نيجيريا بولا أحمد تينيبو، مساء الخميس، أنه أمر بنشر كتيبة من الجيش في ولاية كوارا، غرب البلاد على الحدود مع دولة بنين، وذلك بعد هجوم إرهابي عنيف أودى بحياة أكثر من 75 شخصاً، حسب حصيلة رسمية، في حين تشير مصادر محلية إلى أن الحصيلة قد تتجاوز 170 قتيلاً.

وبحسب وسائل إعلام محلية، فإن مجموعة من مقاتلي «بوكو حرام»، بقيادة شخص يُدعى مالام صديقي، اجتاحوا قرية وورو في وقت متأخر من ليل الثلاثاء/ الأربعاء، وسيطروا عليها لعدة ساعات، وارتكبوا مجازر بحق السكان، قبل أن ينسحبوا نحو الغابات القريبة.

ويوصف الهجوم بأنه الأكثر دموية في نيجيريا منذ بداية العام (2026)، ويأتي في وقت تحاول نيجيريا رفع نسق الحرب على الإرهاب في شمال البلاد، وذلك بدعم وضغط داخلي وخارجي، وخاصة من طرف الولايات المتحدة.

قوات نيجيرية في ولاية كوارا بعد الهجوم الإرهابي على القرية المسلمة (أ.ف.ب)

تحرك الجيش

وقال الرئيس تينيبو في تغريدة على حسابه بمنصة «إكس»، مساء الخميس، إنه استقبل في القصر الرئاسي حاكم ولاية كوارا، عبد الرحمن عبد الرزاق، من أجل الاطلاع على تفاصيل الهجوم الإرهابي الأخير، مشيراً إلى أن سكان القرية «استُهدفوا بسبب رفضهم آيديولوجيا المتطرفين».

وقال تينيبو: «أدين بأشد العبارات هذا الهجوم الجبان والوحشي». وأضاف: «إن المسلحين بلا رحمة؛ لأنهم يختارون أهدافاً رخوة في حملتهم الإرهابية الفاشلة. أفعالهم تُهين إنسانيتنا وإيماننا وقيمنا المشتركة كأمة».

وقالت صحيفة «بريميوم تايمز» النيجيرية، إن الرئيس تينيبو أمر بنشر كتيبة من الجيش في الولاية التي وقع فيها الهجوم، وقال إن الكتيبة «ستقود عملية (درع السافانا) للقضاء على هؤلاء الإرهابيين المتوحشين وحماية السكان العزل».

نقل جثث ضحايا الهجوم الإرهابي (رويترز)

وأضاف الرئيس: «من الجدير الإشادة بأفراد المجتمع المسلمين؛ لأنهم رفضوا الانخراط قسراً في معتقد شاذ يروّج للعنف على حساب السلام والحوار». وأكد: «لن تسلّم نيجيريا شعبها أبداً للتطرف والإرهاب المتخفيين تحت ستار الدين». وخلص الرئيس إلى أنه أصدر تعليمات بتعزيز التنسيق بين الوكالات الاتحادية ووكالات الولاية لتقديم الدعم الفوري وإغاثة المتضررين من الهجوم الإرهابي، وأضاف أن الإرهابيين «سيطارَدون حتى آخر واحد منهم، ولن يفلتوا من العقاب».

غياب الأمن

بيوت مدمرة نتيجة الهجوم المسلح على قرية وورو في ولاية كوارا (أ.ب)

ورغم تطمينات الرئيس فإن السكان المحليين يشتكون غياب الجيش عن المنطقة. وقال صالحُ عمر، وهو عمدة قرية وورو التي تعرضت للهجوم، إن الهجوم استمر لعدة ساعات من دون أي تدخل أمني، وأضاف العمدة في تصريحات صحافية أن اثنين من أبنائه قُتلا في الهجوم، في حين اختُطفت زوجته وبناته الثلاث.

وقال العمدة في تصريح لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «قتلوا اثنين من أبنائي أمام منزلي وخطفوا زوجتي الثانية وثلاثاً من بناتنا»، وأضاف الرجل البالغ من العمر 53 عاماً، وهو يمسك بسبحته: «في حدود الساعة الخامسة مساءً (الثلاثاء)، وصل المجرمون وبدأوا إطلاق النار. كانوا يبحثون عني، لكنهم لم يجدوني في المنزل؛ لأنني كنت خارجه. اختبأت في بيت آخر وسمعت صوت الرصاص».

وتابع عمدة وورو، وهي بلدة ريفية صغيرة ذات أغلبية مسلمة تقع على حدود ولاية النيجر قرب غابات يُعتقد أنها تؤوي إرهابيين وعصابات مسلحة: «أُحرِقَ أشخاص أحياء داخل منازلهم»، وخلص إلى القول: «مع بزوغ الفجر، كانت الجثث في كل مكان».

دفن جثث ضحايا الهجوم الإرهابي المسلح على قرية وورو في ولاية كوارا (رويترز)

أرض محروقة

لم تعد قرية وورو، التي كانت تضم بضعة آلاف من السكان، سوى ظلٍّ لما كانت عليه؛ فقد هجرها جميع سكانها، ولم يبقَ فيها سوى عدد قليل من الرجال الذين يواصلون البحث ودفن القتلى. وعلى جانبَي الشارع الرئيسي تنتشر دكاكين ومنازل مدمّرة ومحترقة.

ويقول محمد عبد الكريم، وهو متقاعد يبلغ 60 عاماً فقد 12 فرداً من عائلته في الهجوم الذي انتهى فجر الأربعاء: «كنت على جانب الطريق حين رأيت دراجة نارية عليها ثلاثة رجال يرتدون زياً عسكرياً ويحملون بنادق (كلاشنيكوف)... كانوا قطّاع طرق لا جنوداً، وبعد ثلاث ثوانٍ سمعت إطلاق النار».

أوبا ساني حاكم ولاية كادونا يصافح رعايا كنيسة اختُطفوا سابقاً من قِبل مجموعات مسلحة بعد عودتهم (أ.ب)

ويصف الرجل، الذي خُطف ابنه البالغ عامين ونصف العام على يد المهاجمين، ما جرى قائلاً: «كانوا يمسكون بالناس، يربطون أيديهم خلف ظهورهم، ثم يطلقون النار على رؤوسهم»، ويضيف: «بين أمس واليوم، دفنّا 178 جثة».

وبحسب أرقام نقلتها «وكالة الصحافة الفرنسية» عن «الصليب الأحمر»، الأربعاء، فقد جرى إحصاء ما لا يقل عن 162 جثة، في حين أعلن حاكم ولاية كوارا حصيلة قدرها 75 قتيلاً، كما أفاد عبدول إبراهيم، وهو ممرض متقاعد من سكان وورو، بأن عدد القتلى «يزيد على 165». ووفقاً لسعيدو بابا أحمد، عضو الجمعية المحلية، فإن «38 شخصاً، معظمهم من النساء والأطفال، اختطفهم القتلة».

الطاقم الأميركي في مجموعة العمل المشتركة بين نيجيريا والولايات المتحدة (رويترز)

رفض التطرف

وفي تصريحات نقلتها صحف محلية، قال صالحُ عمر، عمدة القرية: «أرسلوا لنا رسالة يُبلّغوننا فيها بأنهم سيأتون لإلقاء موعظة» في القرية، لكن «المجتمع غير مستعد لقبول آيديولوجيتهم»، مشيراً إلى أنه كعمدة أبلغ أجهزة الأمن المحلية فور تلقي الرسالة. وأضاف العمدة: «أعتقد أن هذا ما أغضبهم ودفعهم للقدوم وقتل الناس».

ويزداد الوضع الأمني صعوبة في نيجيريا، خاصة في ظل وجود تنظيم «داعش في غرب أفريقيا»، وجماعة «بوكو حرام»، ودخول جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين» التابعة لتنظيم «القاعدة» على الخط؛ إذ شنت الجماعة هجوماً في نفس المنطقة في شهر أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي، إيذاناً ببداية نشاطها الإرهابي في نيجيريا.

تجمُّع سكان بالقرب من موقع تفجير استهدف مسجداً في سوق غامبورو بمدينة مايدوغوري شمال شرقي نيجيريا يوم 25 ديسمبر 2025 (أ.ف.ب)

ومع تصاعد العنف، أصبحت الجماعات الإرهابية في نيجيريا مصدر قلق للولايات المتحدة بعدما قال الرئيس دونالد ترمب إن مسيحيي نيجيريا «يتعرضون للاضطهاد»، وإنهم ضحايا «إبادة جماعية» ينفذها «إرهابيون». غير أن أبوجا ومعظم الخبراء نفوا هذه المزاعم بشدة، مؤكدين أن العنف يطال المسيحيين والمسلمين على حد سواء في البلاد.

وخلال الأسابيع الأخيرة، قرر البلدان تعزيز تعاونهما العسكري عقب ضغوط دبلوماسية مارستها واشنطن على أبوجا بشأن أعمال العنف التي ترتكبها جماعات إرهابية وغيرها من الجماعات المسلحة.


«أطباء بلا حدود» تؤكد تعرض مستشفى تابع لها في جنوب السودان لـ«غارة حكومية»

أرشيفية لمرضى خارج قسم علاج سوء التغذية في مستشفى بونج بمدينة مابان بجنوب السودان (أ.ب)
أرشيفية لمرضى خارج قسم علاج سوء التغذية في مستشفى بونج بمدينة مابان بجنوب السودان (أ.ب)
TT

«أطباء بلا حدود» تؤكد تعرض مستشفى تابع لها في جنوب السودان لـ«غارة حكومية»

أرشيفية لمرضى خارج قسم علاج سوء التغذية في مستشفى بونج بمدينة مابان بجنوب السودان (أ.ب)
أرشيفية لمرضى خارج قسم علاج سوء التغذية في مستشفى بونج بمدينة مابان بجنوب السودان (أ.ب)

أعلنت منظمة أطباء بلا حدود، الأربعاء، أن مستشفاها في لانكين بجنوب السودان تعرض لغارة جوية حكومية خلال الليل، بعد نهب منشأة صحية أخرى تابعة لها.

وقالت المنظمة الخيرية الطبية إن المستشفى الواقع في ولاية جونقلي «تعرض لغارة جوية شنتها قوات حكومة جنوب السودان ليل الثلاثاء».

أضافت في بيان إنه تم «إخلاء المستشفى وإجلاء المرضى قبل ساعات من الهجوم» بعد تلقيها معلومات عن ضربة محتملة ضد المدينة، مشيرة إلى إصابة أحد موظفي المنظمة بجروح طفيفة.

وتابع البيان «تم تدمير المستودع الرئيسي للمستشفى خلال الهجوم، وفقدنا معظم إمداداتنا الحيوية لتقديم الرعاية الطبية».

وفي حادث منفصل، أفادت منظمة أطباء بلا حدود بأن منشأة صحية تابعة لها في بلدة بييري في جونقلي أيضا، تعرضت للنهب الثلاثاء على يد مهاجمين مجهولين، ما يجعلها «غير صالحة للاستخدام للمجتمع المحلي».

وأضافت المنظمة «اضطر زملاؤنا من لانكين وبييري إلى الفرار مع السكان المحليين، ولا يزال مصيرهم ومكان وجودهم مجهولا، ونحن نحاول الاتصال بهم».

وشدد غول بادشاه، مدير عمليات منظمة أطباء بلا حدود في جنوب السودان، على أن المؤسسة الخيرية «شاركت إحداثيات نظام تحديد المواقع لجميع منشآتنا مع الحكومة وأطراف النزاع الأخرى من قبل، وتلقينا تأكيدا بأنهم على علم بمواقعنا».

وأضاف أن «القوات المسلحة لحكومة جنوب السودان هي الطرف المسلح الوحيد الذي يملك القدرة على تنفيذ هجمات جوية في البلاد».

وأوضحت منظمة أطباء بلا حدود أنها المزود الصحي الوحيد الذي يخدم نحو 250 ألف شخص في لانكين وبييري، محذرة من أن الهجمات على منشآتها هناك «تعني أن المجتمعات المحلية ستترك من دون أي رعاية صحية».

ويعاني جنوب السودان، الدولة الأحدث عهدا في العالم، من حرب أهلية وفقر وفساد مستشر منذ نيله الاستقلال في عام 2011.

وأحصت منظمة أطباء بلا حدود تعرضها لثماني هجمات في جنوب السودان العام الماضي، ما أدى إلى إغلاق مستشفيين في أعالي النيل الكبرى وتعليق أنشطة الرعاية الصحية العامة في جونقلي وأعالي النيل وولاية الاستوائية الوسطى.

وجاء استهداف مستشفى منظمة أطباء بلا حدود هذا الأسبوع بعد أن فرضت حكومة جنوب السودان في ديسمبر (كانون الأول) قيودا على وصول المساعدات الإنسانية إلى المناطق التي تسيطر عليها المعارضة في جونقلي، ما حد من قدرة المنظمة على تقديم المساعدات الطبية الأساسية هناك.


مسلحون يقتلون عشرات في شمال ووسط نيجيريا

من الجماعات الإرهابية في نيجيريا (إعلام محلي)
من الجماعات الإرهابية في نيجيريا (إعلام محلي)
TT

مسلحون يقتلون عشرات في شمال ووسط نيجيريا

من الجماعات الإرهابية في نيجيريا (إعلام محلي)
من الجماعات الإرهابية في نيجيريا (إعلام محلي)

ذكرت الشرطة النيجيرية أن مسلحين قتلوا 13 شخصاً على الأقل في شمال نيجيريا، الأربعاء، في أحدث حلقة من سلسلة الهجمات التي تعصف بالدولة الواقعة في غرب أفريقيا، بعد يوم على مقتل نحو 160 شخصاً في وسط البلاد.

وقال المتحدث باسم الشرطة، أبو بكر صادق عليو، في بيان، إن المهاجمين «المسلحين بأسلحة خطيرة، بدأوا في إطلاق النار بشكل متقطع» الثلاثاء، في قرية دوما بمنطقة فاسكاري، في ولاية كاتسينا، شمال غربي البلاد، وأن التحقيقات تجري الآن لتحديد ملابسات الهجوم وهوية المسؤولين.

استنفار أمني في نيجيريا عقب هجوم إرهابي (غيتي)

وفي هجوم منفصل، الثلاثاء، قتل مسلحون أشخاصاً عدة في منطقتي: وورو، ونوكو، في ولاية كوارا شمال وسط البلاد، طبقاً لما ذكره حاكم الولاية عبد الرحمن عبد الرزاق، في بيان.

ولم يحدد عدد القتلى، إلا أن تقارير محلية تحدثت عن أكثر من 162 ضحية. ووصف عبد الرزاق الهجوم بأنه «تعبير جبان عن الإحباط من قبل خلايا إرهابية» رداً على العمليات الجارية لمكافحة الإرهاب في الولاية.