ليبيا... العملية السياسية «ميتة»

في ذكرى سقوط باب العزيزية... «الشرق الأوسط» تسلّط الضوء على اللاعبين الأساسيين المتنافسين على «تركة القذافي»

من هم اللاعبون الأساسيون في الملف الليبي اليوم؟
من هم اللاعبون الأساسيون في الملف الليبي اليوم؟
TT

ليبيا... العملية السياسية «ميتة»

من هم اللاعبون الأساسيون في الملف الليبي اليوم؟
من هم اللاعبون الأساسيون في الملف الليبي اليوم؟

تغيَّرت ليبيا كثيراً منذ سقوط نظام العقيد معمر القذافي عام 2011. فشل الليبيون في إقامة نظام جديد أفضل منه، وأدى تنافسهم على تركة القذافي إلى انقسام البلاد فعلياً إلى شطرين أساسيين؛ حكومة في الغرب تحظى بدعم تركيا، وأخرى في الشرق تحظى بدعم روسيا، لكن الصورة، في الحقيقة، أكثر تعقيداً من مجرد وجود حكومتين متنافستين.

يسلّط هذا التقرير الضوء على الأطراف الأساسية المتنافسة على السلطة في ليبيا اليوم، وتحديداً حكومة الوحدة الوطنية، بقيادة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس، مقابل الحكومة المدعومة من البرلمان وقوات المشير خليفة حفتر في الشرق. يقدم التقرير صورة عن أسباب الجمود في العملية السياسية التي تقودها الأمم المتحدة، والتي توصف بأنها باتت ميتة فعلياً. يتناول العلاقة بين الخمسة الكبار في الساحة السياسية الليبية، ويشرح خريطة الجماعات المسلحة في طرابلس، ونشوء ظاهرة نظام العائلات القوية في الشرق كما في الغرب.

في مثل هذه الأيام من عام 2011 كان المعارضون الليبيون يطرقون أبواب العاصمة طرابلس... معقل العقيد معمر القذافي في باب العزيزية، وهو مجمع ضخم بالغ التحصين، لم يصمد طويلاً. دخلته جماعات مسلحة، بعضها ينتمي إلى تيارات كانت توصف بأنها إرهابية وخرج أفرادها لتوهم من السجون. مع سقوط طرابلس، سقطت فعلياً «جماهيرية» القذافي رغم أنه بقي يقاوم حتى أكتوبر (تشرين الأول) من ذلك العام، حين تمكن «الثوار» من قتله في ضواحي سرت، مسقط رأسه على الساحل بين طرابلس وبنغازي.

سلكتُ الطريق البرية من الحدود التونسية إلى طرابلس. كانت رحلة محفوفة بالمخاطر. الصراع على معبر راس جدير لم يكن قد حُسم بعد. كان الرصاص يلعلع فوق رؤوس العابرين. مؤيدو القذافي كانوا ما زالوا يتمركزون في البلدات العربية القريبة من المعبر، بينما معارضوه الأمازيغ في زوارة يقودون محاولات الهيمنة على المعبر. لم يختلف الأمر على طول الطريق من هناك إلى طرابلس... حواجز وسواتر ودمار؛ مدن مع القذافي ومدن ضده، حتى في طرابلس نفسها، كان الوجوم بادياً على مناصري النظام السابق. لم يتردد هؤلاء المهزومون في الشكوى، بهمس، من حكّامهم الجدد الذين كانوا يطلقون النار احتفالاً بفرار القذافي بعدما حكمهم طيلة 42 عاماً. في منزل القذافي بباب العزيزية، كانت الأوراق ما زالت مبعثرة على الأرض... بعضها مكتوب بخط اليد. جمعت بعضها على سبيل الذكرى، لكنها لم تكن أوراقاً مهمة، كما يبدو، فالوثائق الأساسية أخذها المعارضون المنتصرون من هناك، كما فعلوا بالوثائق التي حصلوا عليها من قيادة الاستخبارات الليبية.

بعد 13 عاماً من إطاحة القذافي، فشلت ليبيا في إقامة نظام بديل أفضل منه، وسط تنافس بين لاعبين أساسيين على تقاسم تركته. انقسمت البلاد إلى حكومتين متصارعتين على السلطة؛ إحداهما تمسك بالشرق والأخرى بالغرب. الجيش الليبي الذي سقط مع سقوط النظام، أعيدَ تشكيله اليوم إلى حد كبير في شرق البلاد بقيادة المشير خليفة حفتر. لكن الأمور في غرب البلاد تبدو أكثر تعقيداً. جماعات مسلحة عدة تعمل تحت مظلة حكومة الوحدة الوطنية بقيادة عبد الحميد الدبيبة، لكنها تتنافس في ما بينها، وكل منها يمسك بمنطقة نفوذ. وما يزيد الأمور تعقيداً، عسكرياً، أن التنافس والصراع بين الشرق والغرب لم يعد ليبياً صرفاً، فقوى الغرب مدعومة من تركيا التي تنشر قوات ومرتزقة سوريين متحالفين معها في قواعد عسكرية عدة، بما في ذلك طرابلس. أما في الشرق والجنوب، فهناك وجود روسي داعم لحفتر، تمثّل في البداية بمرتزقة مجموعة «فاغنر»، لكنه بات اليوم حضوراً مباشراً للجيش الروسي، وسط حديث عن موطئ قدم جديد للكرملين على البحر المتوسط.

أما العملية السياسية للوصول إلى تسوية، فهي تراوح في مكانها منذ سنوات؛ يأتي مبعوث دولي، لكنه سرعان ما يفشل، فيأتي بديل له... يفشل بدوره. ولا تظهر في الأفق، في الواقع، بوادر حل قريب.

المشهد الليبي تغيّر كثيراً منذ سقوط القذافي. لكن صورة النظام الذي قام مكانه لم تتضح حتى اليوم. هذه محاولة لشرح الصورة الحالية المعقدة من خلال حوار مع المحلل البارز المختص بشؤون ليبيا في معهد «تشاتام هاوس» بلندن، تيم إيتون:

المبعوثون الأمميون إلى ليبيا فشلوا واحداً تلو الآخر... (من اليمين) عبدالله باتيلي، ستيفاني ويليامز، ستيفاني خوري ويان كوبيتش (أ.ب / أ.ف.ب)

العملية السياسية.. ميتة

* أين وصلت العملية السياسية التي تقودها الأمم المتحدة للوصول إلى تسوية في ليبيا؟

- تتولى مهمة العملية السياسية حالياً القائمة بأعمال بعثة الأمم المتحدة لدى ليبيا، ستيفاني خوري، التي عُيّنت لتكون نائبة للمبعوث الأممي عبد الله باتيلي. لكن باتيلي استقال. كانت خوري تتوقع أن تقود الفريق السياسي، لكنها بسبب استقالته وجدت نفسها عملياً في قيادة «بعثة الأمم المتحدة (انسميل)» بوصف ذلك أمراً واقعاً. لكن لا بد من الإشارة إلى أن المبعوثين الأمميين الخاصين يعيَّنون من قبل مجلس الأمن، وستيفاني خوري ليست معيّنة من هذا المجلس، وبالتالي فهي ليست مبعوثة خاصة. المهمة الموكلة إليها أقل وضوحاً. مهمتها تأتي من الأمين العام للأمم المتحدة.

هناك نقاش جارٍ حول من يكون المبعوث الخاص الجديد إلى ليبيا. ولكن نظراً إلى المشكلات التي يعاني منها المجلس، فقد كان هذا الأمر (تعيين مبعوث إلى ليبيا) صعباً في الماضي، وهو صعب اليوم أيضاً. خلاصة القول إنه صار من الصعب جداً تعيين مبعوث جديد من خلال تصويت في مجلس الأمن.

* وماذا عن الجمود في العملية السياسية...

- الجواب هو أن العملية ميتة. لا تتحرك من مكانها. الذي حدث هو أنه خلال تولي ستيفاني ويليامز مهمتها عام 2021 عُيّنت حكومة الوحدة الوطنية. كانت الحكومة الأولى منذ عام 2014 التي يُعترف بها في شرق ليبيا وغربها، وهي الحكومة التي كان يفترض بها أن تعمل من أجل تنظيم الانتخابات بنهاية عام 2021. وهو ما لم يحدث. منتقدو حكومة الوحدة الوطنية قالوا إنها كانت تحاول منع إجراء تلك الانتخابات، وبالطبع كانت هناك خلافات حول من يحق له خوض المنافسة. عودة سيف الإسلام القذافي كانت، على وجه الخصوص، عنصراً مثيراً للجدل.

ومنذ فشل إجراء الانتخابات عام 2022، تشكلت حكومة جديدة من قبل مجلس النواب في الشرق. لكن لم يُقبل بها من قبل «الخريطة السياسية الواسعة». وهكذا عدنا إلى وضع فيه انقسام بين حكومتين فعلياً، وهذا هو الوضع حالياً.

يان كوبيش الذي خلف ويليامز لم ينجح في الحقيقة في فعل ما يجب فعله للوصول إلى إجراء الانتخابات. وعندما ترك منصبه، ترك وضعاً كان في حكم المؤكد أن الانتخابات لن تُجرى فيه. عادت ستيفاني ويليامز مرة جديدة لفترة قصيرة، ثم استُبدلت. جيء بعبد الله باتيلي، المبعوث الخاص للأمين العام، الذي قرر أنه بدل أن يقول إن ما أنا بحاجة إلى أن أفعله هو أن أدفع بالعملية الحالية إلى أمام، قرر أنه بحاجة إلى وقت. أراد أن يقيّم الوضع وينفذ دبلوماسية مكوكية مع مختلف الأفرقاء. ركّز على الوصول إلى اتفاق بين الخمسة الكبار، لكنه لم يصل إلى مكان في الحقيقة.

الخمسة الكبار

* من هم الخمسة الكبار؟

- هم: رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة، ومحمد تكالة رئيس المجلس الأعلى للدولة (حل محله أخيراً خالد المشري الذي شغل هذا المنصب سابقاً)، وعقيلة صالح رئيس مجلس النواب، ومحمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي، وخليفة حفتر.

هؤلاء هم الخمسة الكبار. في نهاية المطاف، خطة باتيلي وصلت إلى هذه النقطة: نحن بحاجة إلى أن نجمع الخمسة حول الطاولة، وأن يُتوصل إلى اتفاق بينهم على ما سيحدث بعد ذلك. لكنه لم يتمكن من جمعهم، ولم تنجح خطته. لم يحصل على اتفاق بين الخمسة الكبار؛ لأن كل واحد منهم رسم الحدود التي يحدّ نفسه بها. الدبيبة، مثلاً، قال إنه لن يشترك في عملية (سياسية) إذا كان الهدف من النقاش هو تشكيل حكومة جديدة، فذلك سيعني أن هذه الحكومة ستحل محله. حفتر، من جهته، صار يقول إنه إذا جاءت حكومة الوحدة الوطنية فحكومة الشرق يجب أن تأتي أيضاً. صار كل طرف يضع الحواجز أمام النقاشات. هذا دفع باتيلي إلى تقديم استقالته؛ حيث لم يكن هناك شيء يمكن البناء عليه.

هذا هو الوضع الذي نجد أنفسنا فيه.

ولكن في الحقيقة في حين أن اللاعبين الخمسة الكبار يبدون كأنهم أعداء، إلا إنهم في الواقع يعملون بعضهم مع بعض بطريقة ما... فمثلاً حفتر والدبيبة لديهما تفاهم على طريقة تقسيم الأموال التي تُجنى من قطاع النفط.

إشكالية الدجاجة والبيضة

* إذا كانت العملية السياسية ميتة، كما تقول، فكيف تبدو المرحلة المقبلة؟

- نحن الآن في وضع «الدجاجة أولاً أم البيضة». كثير من الأطراف الليبية يقول إننا بحاجة إلى حكومة جديدة، وإن الطريق الوحيدة للخروج من النفق تكون بحكومة جديدة. دعونا ننسَ الانتخابات. نريد حكومة مؤقتة تعالج المشكلة. الذي حصل هو أنه عندما عُيّنت حكومة فتحي باشاغا، فإن اللاعبين الدوليين لم يقبلوا بها، وهكذا عدنا إلى وضع حكومتين متنافستين. قيام حكومة جديدة بحاجة إلى الحصول على دعم دولي مسبق من أجل دفع العملية قدماً. إما أن تكون هناك عملية للأمم المتحدة تنتج عنها حكومة جديدة، وإما يضع الليبيون عملية تقول الأطراف الدولية إنها ستدعمها مسبقاً، من أجل تحقيق تقدم وتشكيل حكومة جديدة.

عقيلة صالح وآخرون يعتقدون أنهم بحاجة إلى موافقة دولية على ما ينوون فعله. لكن الأطراف الدولية مترددة. تعتقد أن هناك ضرورة لحدوث إجماع ليبي أولاً، بعد ذلك يدعم الدوليون أي شيء يتفق عليه الليبيون.

ولذلك؛ فإن «إشكالية الدجاجة والبيضة» هي أن الدوليين ينتظرون الليبيين كي يتحركوا أولاً، فيما ينتظر الليبيون الدوليين أن يتحركوا. وفي الوقت ذاته هناك كل هذه التحركات ضمن المعسكرات المتنافسة التي تحاول ضمان أن تبقى في السلطة وأن يكون هناك غطاء أمني لها أو تقوم بعقد اتفاقات من أجل ذلك. كل هذه الأمور تحدث، ولكن العملية السياسية لا تتقدم.

المشير خليفة حفتر (أ.ف.ب)

حكم عائلات

* هل يمكن أن يؤدي استمرار الانقسام بين شرق ليبيا وغربها إلى تقسيم فعلي للبلد... فنحن نتحدث عن حكومتين تتقاسمان ليبيا منذ سنوات؟

- لا أعتقد ذلك. الترابط بين شرق ليبيا وغربها أعمق مما يعتقده كثير من الناس، والصورة يجري تبسيطها، ولكنني أشعر أن ما نتحدث عنه اليوم هو وجود حكّام محددين... حكم عائلات مستفيدة. ما يحدث في شرق ليبيا هو أن الناس الذين في السلطة لديهم ارتباطات عائلية (بالمشير حفتر). في المقابل في حكومة الوحدة الوطنية، عائلة الدبيبة عززت حجم مكتب رئيس الحكومة، وعينت أشخاصاً في مناصب مختلفة لديهم ارتباطات بعائلته.

وهكذا يمكن الحديث عن ارتباطات عائلية وتنافس بين عائلات وشبكات تحاول أن تسيطر على مراكز أساسية في الدولة، أكثر مما يمكن أن نتحدث عن تنافس بين الشرق والغرب.

قضية المقاتلين الأجانب

* وكيف ترى الآن دور الروس و«الفيلق الأفريقي (فاغنر سابقاً)» في الشرق، ودور تركيا والمرتزقة السوريين المرتبطين بها في الغرب؟

- نظام القذافي سعى في عام 2011 إلى توظيف مقاتلين أجانب ومرتزقة في القتال من أجل تأييد قضيته. هناك مقاتلون أجانب ومرتزقة يقاتلون في ليبيا منذ عام 2011. جاءوا من دارفور بالسودان ومن تشاد (ومناطق أخرى). يلعبون أحياناً أدواراً أساسية، وبعضهم يلعب أدوار عصابات. ولكن في السنوات الأخيرة حدث تغيير كبير، خصوصاً بعد محاولة حفتر السيطرة على طرابلس في عامي 2019 و2020. وقتها اعتمد حفتر على دفق من مرتزقة «فاغنر» لدعمه في التقدم نحو طرابلس. ازدياد الدعم لحفتر من مرتزقة «فاغنر» دفع بسلطات طرابلس اليائسة إلى السعي للحصول على مساعدة من تركيا التي وقّعت مذكرة تفاهم مع حكومة عبد الحميد السراج (حكومة الوفاق). نتيجة ذلك بات لتركيا الآن وجود ثابت في الغرب. جلبت معها مرتزقة سوريين. في المقابل ثبّت مرتزقة «فاغنر» وجودهم في المناطق الخاضعة لسيطرة حفتر. هؤلاء اللاعبون باتوا حقاً متجذرين في ليبيا. في شرق ليبيا رأينا، بعدما تحوّلت «فاغنر» إلى «الفيلق الأفريقي»، أن العلاقة تحولت إلى نوع من العلاقة بدولة وليست مجموعة مرتزقة. رأينا نائب وزير الدفاع الروسي (يونس بك يفكيروف) يزور شرق ليبيا بانتظام. نعرف أن هناك معدات عسكرية كثيرة تُجلب عبر الشرق. وإقامة روسيا موطئ قدم لها على البحر المتوسط في ليبيا هو مصدر خوف كبير لدى الأميركيين. وأعتقد أن هناك عمليات بناء تطوير تحدث في مرافئ شرق ليبيا. في الخلاصة، عزز حفتر علاقته بالروس، وهذا الأمر يعبّر عن نفسه من خلال تعاون عسكري.

في غرب ليبيا، الوضع أكثر فوضى بالطبع. ليست هناك عائلة واحدة تسيطر على الأجهزة الأمنية. وزارة الدفاع لا تسيطر على كل الأجهزة الأمنية. تركيا دعمت جماعات معيّنة، لا سيما «اللواء 444» بقيادة محمود حمزة في طرابلس. نفذت تركيا كثيراً من التدريبات (لهذه الفرقة) ووفرت معدات. كما أنها تسلمت السيطرة على قاعدة الوطية الجوية (في غرب ليبيا قرب الحدود التونسية).

والحقيقة أن تركيا لن تذهب إلى أي مكان. وروسيا لا يبدو أنها ذاهبة إلى أي مكان أيضاً. بطريقة ما؛ وجود هذه القوات الأجنبية جعل إمكانية وقوع حرب واسعة في ليبيا مستبعدة... الثمن سيكون مرتفعاً. حفتر لا يستطيع أن يتقدم نحو طرابلس؛ لأنه سيواجَه بالقوات المسلحة التركية. في المقابل، عندما ظن المصراتيون أن بإمكانهم أن يتقدموا شرقاً وينهوا حفتر (بعد هزيمته عسكرياً بمساعدة تركيا في معركة طرابلس) منعهم وجود الطائرات الروسية و«الخط الأحمر» المصري (مصر وقتها أعلنت «خطاً أحمر» يمتد من سرت حتى الجفرة وحذرت قوات الغرب من قطعه للهجوم على الشرق).

وعلى هذا الأساس، وجود المقاتلين الأجانب بات جزءاً من المشهد، وسيبقى كذلك في المدة المقبلة.

قوات من الجيش الليبي في راس لانوف عام 2018 (رويترز)

خريطة الجماعات المسلحة في طرابلس

* بعكس الشرق حيث هناك الجيش الوطني بقيادة حفتر، خريطة توزيع الجماعات المسلحة غرب ليبيا تبدو معقدة. فلمن الغلبة هناك اليوم؟

- الصورة غير واضحة (لمن الغلبة). في طرابلس كان هناك في عام 2016 عدد كبير من الجماعات المسلحة كل منها يسيطر على منطقة. لكن الوضع تغير الآن. هناك جماعة عبد الغني الككلي المعروف بـ«غنيوة». قواته («قوة دعم الاستقرار» التابعة للمجلس الرئاسي) هي القوة المهيمنة على منطقة أبو سليم بالعاصمة. وهناك «قوات الردع الخاصة» التي تعرف بـ«الردع». هذه القوة هي المهيمنة في سوق الجمعة بطرابلس. قوات «اللواء 444» كانت لديها علاقة صعبة بـ«قوة الردع»، وهي تتمركز أيضاً انطلاقاً من سوق الجمعة. رئيس «قوة الردع» عبد الرؤوف كارة، وهو سلفي. يُمكن القول إن كارة وغنيوة هما أقوى شخصيتين أمنيتين في طرابلس، بالإضافة إلى محمود حمزة من «اللواء 444». يُضاف إلى هؤلاء الثلاثة وزير الداخلية عماد طرابلسي وهو زنتاني (في غرب ليبيا) ويسيطر على بعض مناطق طرابلس.

هؤلاء هم القوى الأساسية في طرابلس. الأتراك يدعمون على وجه الخصوص «اللواء 444». فكرة الأتراك أنهم يريدون بناء قوات رسمية مدربة ومجهزة عبر سلسلة هرمية من القيادة. في المقابل، هناك كارة؛ الذي، كما أعتقد، كان ميكانيكياً قبل الحرب، و«غنيوة» الذي كان جزاراً. هؤلاء أقوياء كلٌ في المنطقة التي جاء منها حيث ارتبطوا بالثورة. يوصف كل منهم أحياناً بأنه بمثابة «رئيس بلدية» منطقته، مثل أبو سليم، أو سوق الجمعة. هؤلاء ليست لديهم هرمية قيادة نظامية (للمقاتلين التابعين لهم). هم شخصيات سياسية، بالإضافة إلى دورهم الأمني. محمود حمزة، في المقابل، يُنظر إليه على أنه شخصية أمنية (يتبع رئاسة الأركان في حكومة الوحدة الوطنية).

إذا نظرت إلى كل هذه القوى والجماعات المسلحة ترى أنها تتحدث عن ارتباطها بالدولة. «غنيوة» يقول إنه رئيس «قوة دعم الاستقرار». كارة يقول إنه رئيس «الردع» التابعة لوزارة الداخلية. كلهم يقولون إنهم يخضعون للدولة. ولكن في الواقع لديهم استقلالية ذاتية ولديهم برامجهم.

* رغم وجود جماعات مسلحة مختلفة اليوم، فإن الوضع يظل أفضل مما كان عليه قبل سنوات عندما كانت هناك جماعات عدة تسيطر على طرابلس... ألا تعتقد ذلك؟

- سيطرت قوات الزنتان على طرابلس بعد عام 2011، لكنها هُزمت وأُرغمت على الخروج من طرابلس، بعد مواجهة مع قوات كانت بقيادة مصراتة إلى حد كبير. منذ عام 2016 صارت القوات المنتشرة في طرابلس من طرابلس نفسها. هناك قوات من مصراتة حول طرابلس، ولكن القوات المهيمنة حالياً في طرابلس هي قوات طرابلسية. لكن الانقسام والتنافس موجودان في أكثر من منطقة. يمكننا أن نتحدث عن الصراعات بين الجماعات المنتشرة في الزاوية (غرب طرابلس). في الزنتان هناك طرفان؛ أسامة الجويلي الذي هو على اختلاف مع حكومة الوحدة الوطنية، في مقابل عماد الطرابلسي الذي هو وزير داخلية حكومة الوحدة. هناك احتمال أن تصير الزنتان كلها ضد حكومة الوحدة. نصف الزاوية يريد أن تتغير حكومة الوحدة ونصفها يريد بقاءها. مصراتة موحدة إلى حد كبير ضد رئيس حكومة الوحدة (الدبيبة) الذي هو من مصراتة. الصورة صورة فوضى. في راس جدير (الحدود مع تونس) هناك خلاف على من يدير المعبر. الطرابلسي يريد أن تدير قواته المعبر، بينما يقول أمازيغ زوارة: نحن من يسيطر على المعبر.

مسلّحون ضمن قوات موالية لحكومة عبد الحميد الدبيبة في مصراتة (أرشيفية - أ.ب)

التحالفات السياسية... وخلافة حفتر

* رغم هذه الانقسامات، فإنه يبدو أن هناك تغيّرات في التحالفات السياسية. هل يمكنك أن تشرح ما يدور؟

- نرى أموراً عدة تتغير. التغيّر الأكبر هو أنه منذ أن صار للروس والأتراك وجود على الأرض، فقد ازداد نفوذهم. التأثير الإقليمي نما في السنوات الأخيرة. القوى الغربية التي لعبت دوراً أساسياً في ما حدث عام 2011 (إسقاط القذافي) ليس لديها التأثير نفسه على ما يحدث اليوم. هذا تغيّر أساسي.

يمكن أن نشير هنا إلى زيارة الدبيبة إلى الإمارات (التي كانت حكومة الغرب تتهمها بدعم حفتر). الإمارات، كما يبدو، هي التي وصلت إلى اتفاق مع الأتراك حول ما يحدث في قطاع النفط الليبي، الأمر الذي سمح بعقد صفقة بين الدبيبة وحفتر (حول عائدات النفط). اللاعبون الإقليميون هم من يساعد في عقد الاتفاقات بين الأطراف الليبية. هذا هو التغيير الذي حدث. العملية السياسية التي يقودها مبعوثون دوليون باتت اليوم مرتبطة بتجمعات عائلية تبرم «صفقات بيزنس».

* التفاهمات التي تتحدث عنها ربما هي نتيجة للوصول إلى اقتناع بأن أي طرف لا يمكنه هزيمة الطرف الآخر: الدبيبة لا يمكنه هزيمة حفتر، وحفتر لا يمكنه هزيمة الدبيبة؟

- أعتقد أن الدبيبة بالتأكيد وصل إلى اقتناع بأنه لا يمكنه السيطرة على كامل البلاد. وصل إلى اقتناع بأنه لا بد من عقد صفقات وبناء تحالفات. هكذا يكون البقاء في السلطة. كل الجماعات في طرابلس وصلت إلى هذا الاقتناع. لا أعتقد مثلاً أن غنيوة يفكّر في أنه سيذهب إلى بنغازي ويسيطر عليها عسكرياً. الجميع وصل إلى اقتناع بأن هناك منطقة يسيطر كل طرف عليها وأن عليهم بناء تحالفات. الإشكالية هي أن حفتر ربما ما زال يعتقد أنه يستطيع ذلك (السيطرة على كامل ليبيا).

* إذا وصل إلى اقتناع بأنه غير قادر على ذلك، فهل تعتقد أنه يحضّر أحد أبنائه كي يخلفه؟

- صورة الخلافة غير واضحة. صدام حفتر هو الشخص الذي يُذكر كثيراً بوصفه المرتبط بكل ما هو اقتصادي، علماً بأنه شخصية عسكرية قوية (يحمل صدام رتبة «لواء ركن» وهو يرأس أركان القوات البرية التابعة للقيادة العامة للجيش الليبي). لكن شقيقه خالد هو الذي يتعامل مع الروس (يحمل خالد أيضاً رتبة «لواء ركن» وهو رئيس أركان الوحدات الأمنية للجيش). أما بلقسام حفتر فهو الذي يتولى مسؤولية ملف إعادة البناء (يتولى بلقاسم منصب مدير صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا). صدّيق (وهو الابن الأكبر لحفتر) يقدّم نفسه بوصفه دبلوماسياً. إذن هناك اتجاهات مختلفة بين الأبناء في داخل العائلة الواحدة. الصورة معقدة.

تيم إيتون

المحلل المختص بشؤون ليبيا في معهد «تشاتام هاوس» بلندن، تيم إيتون (الشرق الأوسط)

تيم إيتون، محلل بارز مختص بشؤون ليبيا في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بالمعهد الملكي للشؤون الدولية في لندن (تشاتام هاوس)


مقالات ذات صلة

مخاوف ليبية من طلب دفع تعويضات جديدة في قضية «لوكربي»

شمال افريقيا الطائرة بعد سقوطها في بلدة لوكربي الاسكوتلندية (أ.ف.ب)

مخاوف ليبية من طلب دفع تعويضات جديدة في قضية «لوكربي»

تزايدت المخاوف في ليبيا من احتمال مطالبة أطراف أميركية بتعويضات جديدة في قضية تفجير طائرة «بان آم 103» فوق بلدة لوكربي الاسكوتلندية عام 1988

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا طلاب من كلية الطب بالمرج بجامعة بنغازي يؤدون الامتحان (الصفحة الرسمية للجامعة)

ليبيا تفتح «الصندوق الأسود» للشهادات الجامعية «المزوّرة»

تنشغل ليبيا بقرار النائب العام الصديق الصور، إلزام الجهات الحكومية باقتصار التعيين أو التعاقد على خريجي الجامعات والمعاهد الخاصة المستوفين لضوابط الاعتماد.

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا جانب من أعمال الصيانة بمسار «النهر الصناعي» (أرشيفية من إدارة النهر الصناعي)

نهر القذافي «الصناعي» مهدد بالاعتداءات وانقطاع الكهرباء

أعاد مسؤول بـ«النهر الصناعي» الذي شيده القذافي قبل 4 عقود، ما تتعرض له هذه المنظومة الحيوية من اعتداءات إلى واجهة الأحداث، وسط تحذيرات من انهيارها.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا الدبيبة خلال اجتماع مع مجلس التخصصات الطبية الليبي في طرابلس الثلاثاء (مكتب الدبيبة)

اشتباكات «الزاوية» الليبية... اختبار متجدد لنهج الدبيبة الأمني

أعادت الاشتباكات الدامية بين ميليشيات وفصائل مسلحة محسوبة على حكومة «الوحدة» الليبية المؤقتة في مدينة الزاوية اختبار نهج رئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة الأمني

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا جانب من مصفاة الزاوية في غرب ليبيا (شركة الزاوية لتكرير النفط)

مصفاة الزاوية النفطية... ثروة ليبية في قلب النار

تجددت المخاوف من امتداد نيران المواجهات المسلحة إلى مستودعات مصفاة الزاوية، عقب اندلاع اشتباكات عنيفة في المدينة استخدمت فيها الأطراف المتناحرة «الدرون».

جمال جوهر (القاهرة)

بغداد تتحرك لتطويق مواقع فصائل يديرها «الحرس الثوري» دون احتكاك

صورة نشرها «الحشد الشعبي» لعناصره في بلدة جرف الصخر جنوب بغداد في عام 2014
صورة نشرها «الحشد الشعبي» لعناصره في بلدة جرف الصخر جنوب بغداد في عام 2014
TT

بغداد تتحرك لتطويق مواقع فصائل يديرها «الحرس الثوري» دون احتكاك

صورة نشرها «الحشد الشعبي» لعناصره في بلدة جرف الصخر جنوب بغداد في عام 2014
صورة نشرها «الحشد الشعبي» لعناصره في بلدة جرف الصخر جنوب بغداد في عام 2014

كشفت مصادر عراقية، الأربعاء، عن ملامح خطة حكومية بعد انتهاء مهلة حصر السلاح في 30 سبتمبر (أيلول) 2026، تتضمن «تطويق مواقع قيادية» لفصائل يديرها «الحرس الثوري»، تمهيداً لتفكيكها «تدريجياً»، في حين يحاول مسؤولون إيرانيون عرقلة أو تأجيل الخطة رغم أن بغداد «صممت مساراً لا يفضي إلى المواجهة المسلحة».

وكان رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي حدد في وقت سابق أن نهاية الشهر المقبل ستكون موعداً نهائياً لسحب القوات الأميركية من البلاد، كما ستكون نهاية لمهلة حصر سلاح الفصائل المسلحة بيد الدولة.

«خطة التطويق»

وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط» إن الخطة الحكومية بعد 30 سبتمبر تقضي بنشر قوات نظامية من الجيش و«جهاز مكافحة الإرهاب» ووحدات نخبة في محيط مراكز عمليات تابعة لفصائل مسلحة، وعلى طرق مؤدية إليها، بهدف تقييد حركة النقل والإمداد من وإلى هذه المواقع.

وأوضحت المصادر أن القوات الحكومية ستبدأ تدريجياً بنصب مفارز تفتيش بإمرة ضباط لرصد حركة الأسلحة، ومصادرتها، مع التركيز على المسيّرات، والصواريخ.

وحسب المصادر، فإن تلك القوات ستشرع بفرض طوق أمني محكم حول مراكز الفصائل المسلحة دون احتكاك، في عملية تهدف في نهاية المطاف إلى دفع الفصائل «إما إلى ارتكاب خطأ، مثل نقل مسيّرات، أو الاحتكاك المسلح، أو التخلي عن مواقعها لصالح المؤسسة الرسمية من دون إطلاق رصاصة واحدة».

وقال مصدر مطلع على نقاشات حساسة بشأن سلاح الفصائل التي يديرها «الحرس الثوري» إن «القوات الحكومية ستتدرج بشكل منهجي في إجراءات التقييد حول تلك المواقع، وصولاً إلى مرحلة تسمح بفرض السيطرة عليها، وكان من الصعب دخولها منذ سنوات».

وتوصلت قيادات عسكرية وسياسية إلى هذه الصيغة بعد نقاشات حول المسار الذي يجنب طرفي النزاع حول السلاح خارج الدولة «المواجهة العسكرية».

وقالت مصادر ميدانية إن «قوات من الجيش وجهاز مكافحة الإرهاب كانت قد شرعت مطلع الأسبوع الجاري بالفعل في نشر عدد من الضباط في مفارز مراقبة في عدد من المناطق، والطرق السريعة، كمرحلة تجريبية للخطة».

وأكدت المصادر أن بعض هذه المفارز «نجحت خلال الأسابيع القليلة الماضية في ضبط شحنات مسيرات كانت متجهة إلى نقاط متفرقة في مناطق عراقية».

عنصر من جهاز مكافحة الإرهاب في بغداد (أرشيفية - أ.ف.ب)

جرفا الصخر والنداف

وعلمت «الشرق الأوسط» أن الخطة تتركز بشكل أساسي على موقعي جرف الصخر، معقل «كتائب حزب الله»، وجرف النداف، معقل «حركة النجباء»، وكلاهما جنوبي العاصمة بغداد.

ومنطقة «جرف الصخر» أحد أهم معاقل الفصائل منذ عام 2014، ويُعتقد أنها تحولت إلى قاعدة عسكرية استراتيجية للفصائل تضم معسكرات، وسجوناً، ومخازن، ومعامل للصواريخ، والمسيّرات، إلا أن كثيرين يعتقدون أنها مركز عمليات لـ«الحرس الثوري» الإيراني.

أما منطقة جرف النداف التي تقع في الأطراف الجنوبية الشرقية لبغداد، قرب طريق بغداد-المدائن، فقد برزت خلال السنوات الأخيرة كموقع يضم مقرات ومنشآت تابعة لـ«هيئة الحشد الشعبي»، وفصائل مسلحة مرتبطة بها.

وتزايد الاهتمام الأمني بالمنطقة بسبب ارتباطها، وفق مصادر أمنية عراقية، بمنشآت لتخزين الأسلحة، والذخائر، وبنشاط عسكري لفصائل موالية لإيران.

وفي يوليو (تموز) 2026، قالت مصادر أمنية إن قوة أمنية مشتركة داهمت مقراً يعتقد أنه تابع لـ«حركة النجباء» في جرف النداف، وإن الموقع كان يضم منشأة لتصنيع الطائرات المسيّرة، وقد استخدم لإطلاق طائرات مسيّرة استهدفت مواقع مختلفة.

وقالت المصادر العراقية إن «التقييم الاستخباري أفاد بأن شحنات المسيّرات التي تم ضبطها -أو تلك التي انطلقت نحو أهداف مختلفة- تتصل بمركز تحكم في هذه المواقع».

ورغم أن القوات التي شاركت في المداهمة كانت تضم قيادة عمليات بغداد، والشرطة الاتحادية، ومديرية أمن «الحشد الشعبي»، فإنها انتهت بانسحابها دون تفتيش الموقع.

وقال مصدر سياسي مطلع إن «فشل عملية اقتحام مقر جرف النداف منح للقيادات العسكرية تصوراً كافياً لتعديل الخطة من اقتحام المقرات إلى تطويقها، وتقييد قدرة الوصول إليها».

صورة أرشيفية لعناصر من «كتائب حزب الله» في جرف الصخر (أ.ف.ب)

انتشار أوسع

لا يقتصر انتشار الفصائل المسلحة على جرف الصخر وجرف النداف، الواقعتين جنوب غربي بغداد، لكنهما تحظيان بتركيز خاص، نظراً لأهميتهما الاستراتيجية، وقربهما من العاصمة.

وثمة مواقع أخرى للفصائل في طوزخورماتو، الواقعة في محافظة صلاح الدين شمالي بغداد، وآمرلي في محافظة صلاح الدين أيضاً، فضلاً عن معسكر أشرف في محافظة ديالى شمال شرقي بغداد، ومواقع في مدينة الكوت، مركز محافظة واسط، إلى الجنوب الشرقي من العاصمة.

وتبرز مهمتان أساسيتان للفصائل التي يديرها «الحرس الثوري» الإيراني، وفق مسؤول سياسي كبير، تتمثل الأولى في التمركز في مواقع قريبة جداً من العاصمة بغداد، لضمان القدرة على التدخل السريع إذا اقتضت الضرورة، وهو ما يبرر وجودها المكثف في نقاط ومواقع متعددة هناك.

وتتركز المهمة الثانية في تضييق الخناق على المناطق السنية عبر السيطرة على أهم عقدها الجغرافية، وتحديداً تلك القريبة من الحدود السورية.

وأكدت المصادر أن «فرض الطوق، وتقييد الحركة حول منشآت الفصائل التي يديرها (الحرس الثوري)، جزء من خطة أوسع تشمل إخراج جميع ألوية (الحشد الشعبي) من جميع المدن، وإعادة توزيعها وفق خطة تحددها القيادة العسكرية بمعزل عن قادة الفصائل».

وقال مسؤول سياسي كبير لـ«الشرق الأوسط» إن «الخطة الحكومية مصممة لتجنب الصدام المسلح مع الفصائل، كما تهدف في مرحلة متقدمة إلى إدخال الفصائل المسلحة في مفاوضات جدية ضمن إطار وطني مع السلطات حول وضعها، ومستقبل عناصرها».

رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي (أ.ف.ب)

«الوقت ليس مناسباً» لإيران

حتى الآن ترفض كل من «كتائب حزب الله»، و«كتائب سيد الشهداء»، و«حركة النجباء»، وجميعها حليفة لإيران، تسليم السلاح للدولة، ويقول ناشطون مقربون من هذه الجماعات إن «محور المقاومة لن يسلم سلاحه حتى بعد انسحاب الأميركيين»، كما دعوا علناً بنبرة تحدٍ إلى «حصر سلاح الدولة بيد الفصائل».

وأثارت الخطة الحكومية قلق مسؤولين إيرانيين حول مصير أسلحة استراتيجية بحوزة الفصائل، ومراكز قيادة وتحكم يعمل فيها مستشارون إيرانيون يتبعون «الحرس الثوري» الإيراني.

ونقلاً عن مصدرين سياسيين، فإن مسؤولين إيرانيين أبلغوا قيادات في تحالف «الإطار التنسيقي» أن توقيت الحملة سيئ للغاية، لأن الوضع الإقليمي يتطلب من الحلفاء التمسك بسلاحهم، خصوصاً في العراق.

وقال مصدر سياسي مقرب من زعيم حزب شيعي متنفذ، إن «الأخير حاول إقناع الإيرانيين بعدم الضغط أكثر على رئيس الحكومة، لأنه يرزح بالأساس تحت ضغط مقابل من الأميركيين حول مسألة السلاح، كما أن فشل هذه الحكومة سيعني نهاية تحالف (الإطار التنسيقي) وحكومته الفتية التي تواجه أزمة مالية خانقة».

وأضاف المصدر أن «الإيرانيين يضغطون على (الإطار التنسيقي) لدفع الحكومة إلى تأجيل تنفيذ الخطة»، مضيفاً أن «الفصائل ستحاول في نهاية المطاف كسب الوقت إلى حين تغيير موازين القوى محلياً، وإقليمياً، وتغيير مواقع أصولها العسكرية».


الزيدي لتشريع «قانون ملزم» لحصر السلاح بيد الدولة

رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي خلال حضوره اجتماع «الإطار التنسيقي» في بغداد (واع)
رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي خلال حضوره اجتماع «الإطار التنسيقي» في بغداد (واع)
TT

الزيدي لتشريع «قانون ملزم» لحصر السلاح بيد الدولة

رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي خلال حضوره اجتماع «الإطار التنسيقي» في بغداد (واع)
رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي خلال حضوره اجتماع «الإطار التنسيقي» في بغداد (واع)

في تطور لافت، قرر رئيس الوزراء العراقي، علي الزيدي، إعداد مشروع قانون لحصر السلاح بيد الدولة، في إطار ما تقول مصادر إنه استعداد لمواجهة محتملة مع فصائل ترفض تسليم أسلحتها.

وقال الزيدي إن أخطر ما يهدد الدولة العراقية هو السلاح المنفلت. وأضاف، في بيان صدر لدى استقباله أعضاء لجنة الأمن والدفاع النيابية، أن «أخطر ما يهدد الدولة هو السلاح المنفلت؛ كونه يقوض سلطة القانون، ويضعف هيبة المؤسسات الأمنية».

ووجه الزيدي، خلال الاجتماع، بإعداد مشروع قانون لحصر السلاح بيد الدولة، وفقاً للسياقات الدستورية. وأشار إلى «أهمية تعزيز مكانة الدولة بسيادتها وهيبتها ومؤسساتها الدستورية وتعظيم قدرات المؤسسة العسكرية».

سياق قانوني

وبشأن السياق القانوني لحصر السلاح بيد الدولة، قال الخبير القانوني علي التميمي لـ«الشرق الأوسط» إن «الدستور العراقي نص في المادة الـ9 على أن تكون القوات المسلحة العراقية والأجهزة الأمنية خاضعة لقيادة السلطة المدنية، وحظر تكوين ميليشيات عسكرية خارج إطار القوات المسلحة النظامية».

وأضاف التميمي أن «قانون (هيئة الحشد الشعبي) رقم (40 لسنة 2016) نص على أن (الحشد الشعبي) مؤسسة أمنية رسمية، ولكن هذا القانون يتضمن فك ارتباط (الحشد) بالجهات الحزبية» التي ينتمي إليها أعضاؤه.

وأشار التميمي إلى أن «أبرز التحديات القانونية التي تحيط بعملية حصر السلاح بيد الدولة هي في تعريف مفهوم السلاح، حيث إن الفصائل المسلحة تعدّ أن سلاحها سلاح مقاومة، وأنه مشروع بموجب (قانون الحشد الشعبي)، وفي المقابل ترى الدولة أنه سلاح منفلت يجب تنظيمه وحصره بيدها وحدها».

رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي (أ.ف.ب)

قاآني «يجمد» خلافات «الإطار»

وفي الوقت الذي تستعد فيه الحكومة العراقية لإصدار مثل هذا التشريع، الذي سيكون ملزماً في حال صدوره، وفق خبراء القانون، تستمر الخلافات داخل «الإطار التنسيقي»، الذي يخوض بعض أطرافه معركة صامتة مع رئيس الوزراء علي الزيدي، لا سيما بعد أن تمكن الزيدي من استبعاد قيادات عسكرية بارزة تابعة لقوى وأحزاب شيعية تتبع بعض قيادات «الإطار التنسيقي»، واستبدال قادة جدد بهم.

وبدأ ذلك بإعادة ترتيب مكتب القائد العام للقوات المسلحة وإلغاء «العمليات المشتركة»، مروراً برئاسة «جهاز مكافحة الإرهاب»، وتغيير قائد «الشرطة الاتحادية»؛ الأمر الذي أثار حفيظة بعض قيادات «الإطار» الذين بدأوا يستشعرون، وفق مصادر مطلعة، أن رئيس الوزراء يتجه إلى مواجهة أوسع مع الفصائل المسلحة.

وأكدت المصادر لـ«الشرق الأوسط» أن «الزيدي بدأ يعد العدة فعلاً لمعركة فاصلة بعد نهاية شهر سبتمبر (أيلول) المقبل مع الفصائل التي لا تزال ترفض تسليم سلاحها، في وقت يحاول فيه بعض قوى (الإطار التنسيقي) العمل على تسوية بين رئيس الوزراء والفصائل الرافضة، بما يمنح الزيدي انتصاراً شكلياً، وحفظ ماء وجه قيادات أعلنت أنها لن تسلم سلاحها بوصفه سلاحاً عقائدياً».

إسماعيل قاآني قائد «فيلق القدس» التابع لـ«الحرس الثوري» الإيراني (أ.ب)

«عراق آخر»

طبقاً للمصادر، فإن «الأميركان التقطوا هذه التسوية وأبلغوا السلطات العراقية رفضهم أي تسوية بعد 30 سبتمبر المقبل؛ لأن الاتفاق الذي وقعه الزيدي مع الأميركيين عند زيارته الأخيرة يقضي بأن يكون هناك عراق آخر بعد انسحاب قوات التحالف».

وفي الوقت الذي جرى فيه تداول زيارة أجراها قائد «فيلق القدس» في «الحرس الثوري» الإيراني، إسماعيل قاآني، إلى بغداد لتخفيف حدة التوتر داخل قيادات «الإطار التنسيقي»، خصوصاً بعد الكشف عن مئات المقار الوهمية لـ«الحشد الشعبي» وتسريب معلومات تفيد باستبعاد رئيس «هيئة الحشد الشعبي»، فالح الفياض، ورئيس هيئة أركان «الحشد الشعبي»، أبو فدك، فإن زيارات قاآني عادة ما تحاط بسرية تامة.

لكن القيادي في «تيار الحكمة» عضو مجلس النواب السابق، حسن فدعم، أكد، في تصريحات متلفزة، أن إسماعيل قاآني زار العراق الاثنين الماضي وأنه التقى قيادات سياسية وحكومية. وأشار إلى أن قاآني يدير الملف العراقي في إيران، وأن زياراته إلى بغداد مستمرة.


البرلمان اللبناني يقرّ قانوناً للعفو العام

جلسة للبرلمان اللبناني (الوكالة الوطنية للإعلام)
جلسة للبرلمان اللبناني (الوكالة الوطنية للإعلام)
TT

البرلمان اللبناني يقرّ قانوناً للعفو العام

جلسة للبرلمان اللبناني (الوكالة الوطنية للإعلام)
جلسة للبرلمان اللبناني (الوكالة الوطنية للإعلام)

أقرّ البرلمان اللبناني، الأربعاء، قانوناً للعفو العام طال انتظاره ويُفترَض أن يستفيد منه تباعاً آلاف من المحكومين والموقوفين والمطلوبين، في أول قرارٍ من نوعه منذ عام 1991.

وأعلنت رئاسة البرلمان، في بيان مقتضب، «إقرار اقتراح قانون يرمي إلى منح عفو عام وتخفيض مدة بعض العقوبات بشكل استثنائي معدلاً»، في خطوة تهدف أساساً إلى تخفيف الاكتظاظ من السجون وطالبت بها قوى سياسية عدة في البلاد، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

ووفق النائب عماد الحوت، وهو من المُشرّعين الذين واكبوا النقاشات لإقرار العفو، جرى، بموجب القانون الجديد، تخفيض عقوبات المحكومين بالإعدام والمؤبد إلى 17 سنة سجنية؛ أي ما يعادل 12 عاماً وتسعة أشهر.

ووفق إحصاءات مديرية السجون، بلغ عدد المحبوسين 6268 شخصاً حتى 30 مارس (آذار) الماضي. وكانت الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان قد أفادت، في تقريرها السنوي لعام 2025، بأن نسبة الاكتظاظ في السجون بلغت 300 في المائة.

وعاد إقرار العفو العام إلى التداول بعد الإطاحة بالحكم السابق في سوريا أواخر عام 2024، ولا سيما فيما يتعلق بمعالجة ملف من يُعرَفون بـ«الموقوفين الإسلاميين»، الذين جرى توقيف قسم منهم على خلفية أحداث مرتبطة بالنزاع السوري دون محاكمات.

وينحدر القسم الأكبر من هؤلاء من مدينة طرابلس ذات الغالبية السنية في شمال البلاد، وهم متهمون بجرائم؛ بينها قتال الجيش اللبناني والاعتداء عليه وتنفيذ تفجيرات.

في المقابل، طالبت قوى سياسية أخرى بأن يشمل العفو قواعد مُناصريها. وطلب «حزب الله» أن يشمل العفو الآلاف من الموقوفين والمطلوبين الشيعة من منطقتيْ بعلبك والهرمل (شرق)، وغالبيتهم متهمون بجرائم مخدرات وسرقة سيارات.

وطالبت كذلك أحزاب مسيحية بأن يشمل العفو مئات العائلات التي فرّت إلى إسرائيل مع انسحاب قوات إسرائيل من جنوب لبنان في عام 2000، في ظل خشيتها من أعمال انتقامية على خلفية انتساب أفراد منها إلى «جيش لبنان الجنوبي» المتعاون مع الدولة العبرية، خلال سنوات الاحتلال.

وأقرّ لبنان، بعد عام من انتهاء الحرب الأهلية (1975-1990)، آخِر قانون عفو عن الجرائم التي ارتُكبت خلالها، دون أي مساءلة أو مصالحة حقيقية بين الأطراف المتحاربة، أو تحقيق العدالة للضحايا ولذويهم.