مصطلح «السياسات الثقافية» انتعش مع الثورات ويرصد التحولات

دراسات لمؤسسة «المورد» هدفها الكشف عن أصوات جديدة

طلاب ماجستير السياسات الثقافية الذين تم تدريبهم في هيلدسهايم في ألمانيا
طلاب ماجستير السياسات الثقافية الذين تم تدريبهم في هيلدسهايم في ألمانيا
TT

مصطلح «السياسات الثقافية» انتعش مع الثورات ويرصد التحولات

طلاب ماجستير السياسات الثقافية الذين تم تدريبهم في هيلدسهايم في ألمانيا
طلاب ماجستير السياسات الثقافية الذين تم تدريبهم في هيلدسهايم في ألمانيا

«السياسات الثقافية» مصطلح لا يزال قليل الاستعمال في المنطقة العربية. وهو إذ تمت ترجمته عن اللغات الأجنبية، وموّلت مراكز غربية الأبحاث المتعلقة به، ها هو يجد طريقه للاستخدام، في دراسات تتناول الحركة الثقافية العربية بمختلف جوانبها، لفهمها أولاً، وللمساعدة في رسم خطوطها واستراتيجياتها المستقبلية.

«المصطلح استخدم خصوصاً بعد الربيع العربي، وبخاصة بعد الثورتين التونسية والمصرية». إذ أجريت العديد من الدراسات التي ترصد التحولات وما رافقها من أشكال للتعبير، والثغرات التي تعاني منها المجتمعات العربية. وكذلك نشرت موضوعات عن السياسات الثقافية في كل من ليبيا ولبنان والجزائر ومصر وغيرها.

منذ ما يقارب العامين أصدرت مؤسسة «المورد الثقافي» دراسة في 150 صفحة غاية في الأهمية بالمشاركة مع «المعهد الألماني للدراسات الشرقية» في بيروت، حملت عنوان «نظرة حول السياسات الثقافية في لبنان»، حرّرتها كل من الباحثَتين والناشطَتين الثقافيَتين حنان الحاج علي وناديا فون مالتسان، وضمت ثلاثة بحوث ومقدمة تعريفية، واستغرق العمل عليها أربع سنوات.

خلصت الدراسة إلى أن بيروت رغم كل ما حلّ بها من كوارث متلاحقة «لا تزال، المختبر الفعلي الذي ينتج الحياة الفنية والثقافية في الشرق الأوسط، والجسرَ الذي يعدُّه عددٌ كبير من الفنانين والمُثقفين المكانَ الذي يتبناهم. وهي مركز تلاقٍ تتقاطعُ فيه الإنتاجات الفنية». غير أن المشكلة هي أن «الحياة الثقافية في لبنان، تخضع لفوضوية عارمة». وزارة الثقافة لم تكن موجودة قبل عام 1993، ووضعها التنظيمي، لا يزال يحتاج إلى الكثير من العمل، وهو يتطور ببطء. لذلك؛ فإن التمويلات الأجنبية وما تدفعه المؤسسات الخاصة، مع المبادرة الفردية، هي عصب الحيوية والديناميكية الثقافية في العاصمة اللبنانية. وكون هذه الأنشطة مرتبطة بالمبادرات الخاصة؛ فاستمراريتها ليست أكيدة، وهي مرهونة، بقرارات الممولين، التي قد تتوقف في أي لحظة..

وجاءت الدراسات تحت أربعة محاور رئيسية، هي: الحقوق الأساسية والتنوع الثقافي، أسئلة في التمويل الثقافي، التشريعات الثقافية ومحاولات التغيير، إضافة إلى محور حول جائحة كورونا وتجربة الرقمنة.

مسألة التنوع الثقافي

وكانت ورشة مفتوحة على مدى سنتين، عملت فيها الباحثة الرئيسية حبيبة العلوي بالتنسيق مع فريق المورد الثقافي، بحيث تم العمل مع 5 باحثين شاركوا في الورشة، إضافة إلى باحث متخرج من برنامج ماجستير السياسات الثقافية والإدارة الثقافية لكتابة مقالات متخصصة في المحاور المتفق عليها بمساعدة من مجموعة من المستشارين والخبراء في السياسات الثقافية الذين تعاونوا في قراءة وتقييم مجمل الدراسات. وتقول أريج أبو حرب، مديرة مشروع في المورد: إن الهدف الرئيسي هو إشراك بحاثة شباب أو مبتدئين، بمعونة خبراء في موضوع السياسات الثقافية، لتوسيع عدد المهتمين والباحثين في المجال.

في مسألة التنوع الثقافي تناقش دراسات المنشور الجديد واحدة من أحرج المسائل في المنطقة العربية المتأججة بالصراعات والخلافات السياسية ذات الخلفيات الطائفية والقبلية والدينية؛ مما احتاج إلى جرأة كبيرة عند الباحثين، كما في موضوع «تضييق هيئة الأوقاف بالحكومة المؤقتة على تجمع تاناروت للإبداع الليبي». وكذلك، هناك موضوع عن «بلدة القدس القديمة: موروث ثقافي في مدينة مقسمة» كتبه فراس فرح. نلحظ أن الممارسات التي تطبقها سلطة الاحتلال الإسرائيلية تتعدى الإقصاء. فهي، في رأي فرح، محاربة للثقافة الفلسطينية. وأي نشاط لا يتماشى مع الآيديولوجية الإسرائيلية يتم وقفه. فمثلاً «تم إغلاق مسرح الميدان في مدينة حيفا بسبب مسرحية عن الأسرى، واعتقلت الشاعرة دارين طاطور في مسرح السرايا بمدينة يافا بسبب قصيدة، وهدم تمثال الحوت للفنان الفلسطيني وليد قشاش في عكا، وتم اعتقال خالد الغول، مدير الأنشطة والمشاريع الفنية سابقاً في مؤسسة يبوس الثقافية في القدس بتهمة تنظيم أنشطة فنية من دون تراخيص داخل البلدة، ناهيك عن مراقبة المحتوى الثقافي للأنشطة المقدمة في العديد من المؤسسات الثقافية، خصوصاً في المدارس».

المنشور الجديد يتطرق إلى مواضيع قليلاً ما بحثت، مثل «السكان السود في المنطقة المغاربية» كجزء من التنوع الثقافي، والتعامل مع الاختلاف. وتقول الدراسة: إنه «مع انتشار شبكات التواصل الاجتماعي، أصبح الجيل الجديد من المغاربة السود مرئياً أكثر، وصار يعبّر دون حرج أو عقد عن قضايا تهمه مثل العنصرية، أو التمييز. لكن في بعض المجالات الفنية، لا يزال من الصعب على الفنانين السود المغاربة رفع أصواتهم».

ثغرات الحياة الثقافية

نظراً لأن الدراسات في هذا المنشور هي عن أكثر من بلد عربي، وتطال مجالات عدة، لذا من الصعب التوصل إلى خلاصات عامة.

لكن أريج أبو حرب، من مؤسسة «المورد الثقافي» ترى أن المنطقة العربية قد تتشابه في حاجاتها إلى سد الثغرات التي تعاني منها الحياة الثقافية. «باستثناء منطقة الخليج جميع الدول العربية، تعيش أزمة تمويل حادة للقطاع الثقافي، وتلجأ المؤسسات وكذلك الأفراد عند تمويل مشاريعهم إلى منظمات دولية، خاصة وأن التمويل العربي غائب أيضاً. والدول العربية بشكل عام، تعاني في المجال الثقافي من أزمة تشريع، والقوانين فيها غير واضحة بما يكفي لحماية الفنانين والأدباء ونتاجاتهم، أو حتى لدرء الأذى والحاجة عنهم في فترة الشيخوخة، بسبب غياب الضمانات». وبالتالي، فالمهن الإبداعية، على أهميتها الكبيرة جداً، ليس ثمة ما يشجع على احترافها لأنها تنتهي بصاحبها إلى نتائج غير مأمونة، تماماً بسبب غياب النصوص التشريعية التي تنظمها.

هناك أيضاً نقص حاد في البنى التحتية الثقافية، سواء في ما يتعلق بالمسارح ودور العرض والمتاحف، وحتى البنى التحتية الثقافية في المدارس فقيرة وغير كافية، بحسب ما تشرح لنا أبو حرب. ويضاف إلى كل ذلك ضعف في نوع آخر من البنى التحتية هي التكنولوجيات الحديثة، مثل الإنترنت وشبكات دفع الأموال بالطرق الإلكترونية، مما يصعب التواصل والتبادل.

نقص الخبرات المحلية

وتستثني أريج خلال كلامها دول الخليج التي بدأت بوضع خطط وسياسات ثقافية، لكن «هذه الخطوات على أهميتها الكبرى، وما يمكن أن تأتي به من نتائج جيدة، يصعب الحكم عليها من الآن؛ لأنها لا تزال ناشئة، والخطط بالنسبة لنا كباحثين غير واضحة، غير أننا نلحظ أن ثمة نقصاً في الخبرات المحلية».

لكن هذا ليس كل شيء، «فقد تبين خلال أزمة الوباء، ومع ازدياد حالة اللاستقرار خاصة بسبب تفشي الفقر، والحروب والفوضى في العديد من البلدان العربية، ان قبضة الحكومات أصبحت أكثر شدة على المواطنين، وأن الرقابة ازدادت ولم تنقص، وأن مراقبة الناس أصبحت سائدة»، تقول أبو حرب.

تتناول الدراسات في المنشور الجديد مواضيع متفرقة، منها إشكاليات تمويل القطاع الثقافي في ليبيا، والمتاحف اللبنانية وأزمة التمويل. حرية الإبداع في التشريع المصري، السينما الجزائرية بين النص القانوني والتطبيق، التقنيون أبرز الضحايا. تطور صناعة الرسوم المتحركة في المنطقة العربية: الجزائر والسعودية مثالاً، كما نقرأ، صصكم من البيت للبيت تنقل المسرح الارتجالي إلى الفضاء الرقمي.

تقول إحدى الدراسات في المنشور: إن المنطقـة العربيـة شهدت تغيرات سياسـية وأزمـات عديـدة منـذ 2011 أثرت بعمق على القطاع الثقافي وآليات تمويله وعلى عكـس معظـم الـدول العربيـة اتخـذت دول الخليـج مسـاراً مختلفاً لدرجة أصبحت توسم جراء التطوير والاستثمار في القطاع الفني بـ«الاستثناء العربي».

موضوع «السياسات الثقافية»، لا يزال البحث فيه في أوله، ويتم تأهيل المزيد من الباحثين المبتدئين، كي يثروا هذا الميدان. فقد أطلقت مؤسسة «المورد» سلسلة من الفيديوهات من 9 حلقات، تحمل عنوان «أساسات السياسات» تضعها على موقعها الرسمي، نشرت منها لغاية الآن خمسة. وهي فيديوهات قصيرة تضمّ مقابلاتٍ مصوّرة مع فاعلين ثقافيين وخبراء وباحثين مختصّين في المجال، تهدف إلى التعريف بالسياسات الثقافية، بما في ذلك مفاهيمها، نشأتها، أشكالها ومدارسها المختلفة، وتقديمها لجمهورٍ واسع من الفاعلين الثقافيين والباحثين الّذين يرغبون بتطوير معارفهم في هذا المجال. تتيح هذه السلسلة المعارف النظريّة والخبرات العمليّة للجمهور، مع إضاءات على واقع المنطقة العربيّة وما مرّ فيها من تجارب مختلفة وقيّمة في السياسات الثقافيّة خلال السنوات الماضية، لتكون مصدراً للمعلومة والتجربة ومنطلقاً للنقاش.

خلصت الدراسة إلى أن بيروت رغم كل ما حلّ بها من كوارث متلاحقة «لا تزال المختبر الفعلي الذي ينتج الحياة الفنية والثقافية في الشرق الأوسط»


مقالات ذات صلة

جامعة الرياض للفنون تفتح أبوابها سبتمبر المقبل

يوميات الشرق جامعة الرياض للفنون تعدّ الأولى المتخصصة بالثقافة والفنون في السعودية (وزارة الثقافة)

جامعة الرياض للفنون تفتح أبوابها سبتمبر المقبل

أعلن الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان وزير الثقافة السعودي فتح باب التقديم والتسجيل بـ«جامعة الرياض للفنون» شهر مايو المقبل لتبدأ الدراسة في أروقتها خلال سبتمبر.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق يُعد المشروع أول منصة رقمية شاملة ومتخصصة تُعنى بتوثيق الفنون البصرية اليمنية (الشرق الأوسط)

إطلاق أول منصة رقمية لتوثيق الفنون البصرية اليمنية

يُعد المشروع أول منصة رقمية شاملة ومتخصصة تُعنى بتوثيق الفنون البصرية اليمنية بمختلف مجالاتها وأجيالها، ضمن مبادرات الدار الهادفة إلى خدمة الثقافة اليمنية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق تحولات إيجابية شاملة شهدتها قطاعات السياحة والثقافة والترفيه والرياضة في السعودية (واس)

السعودية تتقدم 10 مراتب في تقرير السعادة العالمي

حقَّقت السعودية تقدماً لافتاً في تقرير السعادة العالمي لعام 2026، إذ جاءت في المرتبة الـ22 عالمياً من بين 147 دولة، بتقدم 10 مراتب عن ترتيبها العام الماضي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق نجاحات السوق تدفع بالشخصية نحو تجربة سينمائية (رويترز)

بعد اجتياحها الأسواق... «لابوبو» إلى السينما

أعلنت شركة الألعاب الصينية «بوب مارت»، بالتعاون مع «سوني بيكتشرز»، أنّ دمى «لابوبو» ذات الشعبية الواسعة ستخوض قريباً تجربة السينما، عبر فيلم روائي طويل خاص بها.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)

فوق دويّ الحرب يرتفع صوت المسحراتي موقظاً الصائمين في لبنان

عادة ما يواكب المسحراتي فريق من الشبان يدلّونه على الطريق ويردّدون معه الأناشيد الدينية

فيفيان حداد (بيروت)

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية
TT

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

المشهد الأخير للزعيم المقتول عبد الكريم قاسم في مبنى الإذاعة والتلفزيون ظل سنوات طويلة هو الموضوع السردي المعلن، أو المُشار إليه ضمناً في روايات عراقية كثيرة كانت أنموذجاً لإشكالية الذاكرة والنسيان. وقد نتحدث باطمئنان، ربما، عما يمكن تسميته بـ«رواية الزعيم». وليس القصد هنا بتوصيف «الزعيم» ما يمكن أن نجده من توصيفات إيجابية، بكائية في حالات كثيرة، أو مادحة أو متحسرة على مشهد «الإعدام» لـ«الزعيم المحبوب»، إنما تتقصَّد رواية «الزعيم» إنتاج صور «رمزية» للزعيم المقتول غدراً. تدخل في هذا التوصيف روايات وقصص كثيرة لا يُظهر بعضها تعاطفاً مع مشهد الزعيم المقتول. أشهرها رواية فؤاد التكرلي الشهيرة «الرجع البعيد» التي لا تتردد الشخصيات فيها من السخرية من حكم الزعيم، بل وتتداول «أوصافاً» تحقيرية بحقه مثل صفة «الخبل» أو «المخبل» وغيرها، ولا تُظهر تعاطفاً مع مصيره وتعمد لتحميله مسؤولية مصرع بطلها الرئيس «مدحت».

هذه الصور المختلفة حافظت على حضورها وفاعليتها حتى ظهرت «صورة» مضادة، كلياً، تختص بمشهد الملك الضحية نسميها، هنا، بـ«نصوص» فيصل. وما بين «الرواية» و«النصوص» ثمة وظائف مختلفة للذاكرة واستعمالات متضاربة، بل ومتناحرة للنسيان.

منطق سردي

أيَّا كان موقف عالم الرواية، بالضد من الزعيم، أو مناصراً له، أو حتى محايداً، فإن هناك منطقاً سردياً لا تتراجع عنه الرواية، ولا تشكِّك به، يمكن اختصاره بأن السرد يقاوم، بضراوة، النسيان. نحن، هنا، إزاء رغبة عارمة بتذكُّر كل شيء، بما فيها التفاصيل الجزئية مما يهمله السرد غالباً. وقد أقول إن إحدى الخصائص السردية الأساسية في هذا النوع من الرواية هي الرغبة المتجذرة في استعادة العوالم المنسية، وقد نقول المقصية، أو المطرودة، بتعمُّد، غالباً، ويجري الإقصاء كذلك لكل التأويلات السياسية والثقافية، بل وحتى الصياغات اللسانية الدالة على ما جرى استبعاده من العالم الروائي.

في «الرجع البعيد: 1980»، مثلاً، وهي الرواية الأساسية في مدونة الكاتب العراقي فؤاد التكرلي، وقد تعلَّقت عوالمها بالسنتين الأخيرتين من العهد القاسمي، نقرأ الإصرار على قول الحكاية كلها بتفاصيلها المختلفة. أفكر، هنا، بالحوارات المصاغة باللهجة البغدادية، الخاصة، ربما بمناطق بغداد القديمة، كما في باب الشيخ وما يتصل بها. تترك الرواية لشخصياتها أن تعبر عن نفسها، رفضاً أو قبولاً، لموجهات السرد المتحكمة، وأهمها حكاية الحاكم نفسه.

وفي هذا الصدد فإننا نسمع أصوات العجائز في الطابق العلوي، مثلما نقرأ الأشياء والشخصيات عبر صوت الصغيرة سناء. ثمة عالم كامل بصياغات نهائية يجري تقديمه لنا عبر تقنية الراوي المراقب الذي يسمح للشخصيات بالكلام والتفكير المتفق أو المخالف له، أو لسيد البيت وحاكمه. ومنه، مثلاً، المشهد الحواري الجامع بين مدحت وحسين، ثمة استعادة مربكة، وربما، غير مسوَّغة لتفاصيل حكائية تضطرب بينهما: حسين، زوج مديحة، المخمور دائماً، لا يجد ما يقوله لمدحت، الشاب المقبل على حياة كاملة، سوى أنه يغرق في سرد غير مترابط عن عوالم مختلقة، فيما يكفي مدحت بالاستماع له حتى يزجره غاضباً؛ فالأصل أن حسين غارق بعوالمه الخمرية المتداخلة مع سردية الزعيم. تنتهي عوالم الرواية بمشهد أخير يخبرنا عن مصرع مدحت باضطرابات صبيحة الثامن من فبراير (شباط) عام 1963، حين جرى الانقلاب البعثي على حكم عبد الكريم قاسم، فيما يبقى حسين حياً وراغباً بكتابة مذكراته.

فهل كان هذا شأن عوالم السرد في رواية «زعيم» سابقة مثل رواية «المخاض: 1974» لغائب طعمة فرمان؟ أفكر أن عوالم المخاض قد ضبطت إيقاعها سرديتان أساسيان، هما: سردية العودة، وسردية الذاكرة. لكن «الزعيم» يظل هو نفسه حاكم السرد وممثله الأوحد، ربما. يعود كريم داود لبلاده، بعد سنوات التشرد، ليستعيد بيته «وطنه» وعائلته «حكايته»، فلا يجد سوى «الزعيم» وحكاياته الوحيدة؛ فلا بيت، ولا عائلة، هناك رغبة باستعادة المفقودات والبحث عنها. إنه منطق السرد التشردي الذي يدفع بكريم إلى التجوال عميقاً في بغداد القديمة. لكن الرواية لا تخفي التزامها بمنطق حكاية الزعيم؛ فهو الناظم الأساسي للقصة كلها. وفي أثناء ذلك نستعيد عالماً كاملاً بأمكنته وسياقاتها الكلامية المختلفة عن بعض.

ثمّ إن رواية الزعيم تحافظ، حتى في زمن شيطنة الزعيم ذاته، على منطقها الأساسي بصفتها سردية الذاكرة الكبرى. وهذا شأن رواية «الزعيم: خرائط وأسلحة: 2024» لعلي بدر الطامحة لأن تكون جزءاً من ثلاثية روائية عراقية تُعيد قراءة التاريخ. في رواية بدر تُستعاد العوالم العراقية كلها بتضادها واختلافها فيما يظل «الزعيم» وقصصه الناظم الرئيس للرواية. وفي المحصلة فإن الذاكرة تؤدي دوراً مركزياً في تقدم الرواية واطرادها، وتعمل بصيغة أرشيف ضخم للأحداث والعوالم المتصارعة.

«نصوص فيصل»: عظة النسيان غير المجدية

لحظة الملك فيصل الثاني، الذي قتل في 14 يوليو (تموز) 1958، هي عظة سردية أساسية في الرواية العراقية الأحدث. وهي تفارق رواية الزعيم مفارقة أبدية على كل الأصعدة. فلا صورة تراجيدية لزعيم مقتول وسط رفاقه الخلص، ولا أرشيف يُستعاد، بل ليس هناك حتى حياة وعوالم تكتمل أمامنا. ثمة، إذاً، استعمالات متفردة لمقولات النسيان. وهذا، ربما، هو السياق الطبيعي لرواية ما بعد الحداثة؛ فهي رواية النسيان غير المجدي؛ حيث الاقتصاد بكل شيء، بالحكاية ذاتها، بحياة تمر أمامنا سريعاً كما لو أنها «شذرة» سرية. أفكر، هنا، بمعنى الاحتمال بصفته أحد تجليات النسيان الكبرى، وهو كذلك في الصياغة السردية للرواية بصفتها نصاً مبشراً بمدونة فيصل التأسيسية. أتحدث عن رواية «1958: حياة محتملة لعارف البغدادي: 2018»، لضياء الخالدي، وهي رواية مميزة حقاً، وسبق لي أن كتبت عنها مقالة نشرتها «الشرق الأوسط» الغراء في سنة سابقة. تتخذ الرواية من الاحتمال سردية أساسية، فيما يؤدي النسيان دوراً مركزياً في اقتراح رواية معقولة تتجاوز إشكالية الذاكرة ومؤسساتها الكبرى. ولأن النسيان قضية لا تخص فرداً بعينه وهي ليست خياراً جماعياً بعيداً عما تقبل به المؤسسة الحاكمة للسرد فإن الاحتمال هو الاقتراح المقبول.

فلا أحد ينسى برغبته؛ فالذاكرة هي حكايات وقصص؛ فكيف، إذاً، يتحقَّق النسيان هنا؟ تقترح الرواية صياغة معقولة تتجنب إشكالية التصادم بين سلطة الذاكرة والنسيان باعتماد حكاية مقترحة يجري فيها تعديل «نسيان» أساسي للحكاية الأصلية؛ فبدلاً من المضي مع الأصل الحكائي لسردية الحدث المركزي عام 1958 نجد أن الرواية تُبقي الأصل كما هو وتحافظ، بنسيان ما حصل، على الشخصيات الأساسية من دون تصادم؛ فالزعيم «قاسم» لا يقوم بتمرد عسكري على العائلة المالكة، إنما يجري الإبلاغ عن «المتأمرين» على العائلة ونظام حكامها ويُعدمون. هذه الصيغة المعدَّلة هي إحدى مواعظ النسيان المؤجلة لأجل أن تمضي الرواية بعالمها المتخيل. وفي هذا الصدد لا يكون من شأن رواية «حياة محتملة» أن تقترح تاريخاً، أو تُعيد تأسيس أو تخيل عوالم جديدة، إنها تقترح النسيان حلاً وجودياً لإشكالية الذاكرة المستعصية في تخيل عوالم رواية الزعيم.

وقد يفسر اقتراح النسيان خلو الرواية من الحياة المحتدمة باندفاعاتها الكبرى لشخصيات تطمح أو تكسل أو حتى تؤجل كل شيء وتمارس سردية الصمت المقاوم.

تكرر رواية «ساعة في جيب الملك» للكاتبة العراقية المتمرسة ميسلون هادي المنتمية لجيل أدبي سابق، الصياغة المتفجعة لمصرع الملك، ولكن بلا سرديات خاصة لصورة الملك الشاب المخذول. وهي بهذا إنما تستعيد سردية الزعيم وروايته المتشكِّلة على فجائعية مقتله. وقد نلاحظ أنها تستعيد منطق الراوي المراقب كذلك، فيما سنجد «نصوص فيصل» اللاحقة ستتخلى عن منطق «الراوي المراقب» وتعتمد تقنية «الراوي العليم». لماذا؟ لأن النسيان تفرضه سلطة أساسية يمكنها أن تفرض على مجتمع الرواية. لكن رواية ميسلون هادي ستحافظ على تيمة أساسية في نصوص فيصل، وهي «التقشف» و«الاقتصاد» البليغ في إنشاء العالم السردي للرواية. فلا حكاية أساسية تتولى الرواية عرضها. نحن إزاء حوارات موسعة بين نساء بغداديات كن، وما زلن، ربما، على صلة مؤكدة وحميمية بعالم «فيصل». وفي الحقيقة فإن التقشف هو أحد اللوازم الأساسية لسلطة النسيان؛ فالأصل أن الرواية تقترح «النسيان» بصفته إجراءً أساسياً لمعالجة مشكلة وجودية.

لكن رواية «الزعيم: خرائط وأسلحة» لعلي بدر تعيد «بناء» أو لنقل «تقدِّم» حكاية فيصل بصياغة شبه متكاملة. وهذه مفارقة كلية؛ فهذه الرواية سجَّلت تحُّكماً مطلقاً لمنطق الأرشيف، وهو أحد تجليات الذاكرة المتسلطة. هذا سبب رئيس لاكتمالية حكاية فيصل؛ فلا سلطة للنسيان، إنما تستعيد الذاكرة الحكاية كلها من منطق سلطة الأرشيف وتعيد، من ثمَّ، منح «النسيان» وظيفة بنائية جديدة في حكاية «الزعيم». نحن، هنا، إزاء عوالم فيصل الأخيرة؛ إذ يجري استعادة كل شيء من منطق «بناء» حكاية فيصل نفسه، فنعرف مصيره، ومن قتله، وأين دُفن، وأمور أساسية تجاهلتها نصوص فيصل الأساسية. لكن حكاية فيصل المعاد بناؤها هي من بعض عالم الزعيم المفقود. وقد يكون علينا أن ننتظر صدور الأجزاء الأخرى لثلاثية «بدر» لنفهم أكثر؛ هل كانت رواية الزعيم بصدد «كتابة» تاريخية متخيلة عن الزعيم ذاته، أم أنها «خدعة» جديدة لكتَّاب نصوص فيصل؟


«الإمتاع والمؤانسة»... تفاصيل حزينة لكتاب مبهج

«الإمتاع والمؤانسة»... تفاصيل حزينة لكتاب مبهج
TT

«الإمتاع والمؤانسة»... تفاصيل حزينة لكتاب مبهج

«الإمتاع والمؤانسة»... تفاصيل حزينة لكتاب مبهج

يكشف كل من الكاتب والمؤرخ المصري أحمد أمين، والباحث أحمد زين، في مقدمة الكتاب الشهير «الإمتاع والمؤانسة» لأبي حيان التوحيدي عن مفارقة حزينة تتمثل في حالة البؤس والشقاء التي انتابت المؤلف وسعى للتخلص منها عبر تأليف عدد من المؤلفات منها هذا الكتاب، إلا أنه فشل في تحقيق غرضه رغم الطابع المبهج الذي يشير إليه العمل، وزاد يأسه حتى أنه حاول التخلص من أعماله بحرقها في أواخر حياته ونجا الكتاب من تلك المحاولة بأعجوبة.

نشأ التوحيدي يتيماً في بغداد حيث عاش في الفترة من 922 حتى 1023 ميلادية، وفق أغلب المصادر التاريخية، وهو فيلسوف وأديب موسوعي، يُعد من أبرز أعلام القرن الرابع الهجري، عمل في الوراقة، واشتهر بـ«فيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة»، كما امتاز بأسلوب أدبي رفيع وعمق فكري ومسحة صوفية، لكنه عاش حياة شقية مليئة بالصراعات التي انتهت بوفاته وحيداً بعد أن أحرق كتبه.

كما يذكر محققا الكتاب، الذي صدرت منه طبعة جديدة عن «الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة»، ظل طيلة حياته يجاهد ويكافح في التأليف واحتراف الوراقة والنسخ وجوب الأقطار حيث يقصد الأمراء والوزراء لعلهم يكافئون علمه وأدبه، فلم يحظ من وراء ذلك بطائل وعاش كما يقول في بعض كتبه على نحو أربعين درهماً، مع أنه، كما يقول، رأى كل من حوله من العلماء والشعراء يحظون من الأمراء بالمال الكثير والحظ الوافر وليس أكثرهم يدانيه علماً أو يجاريه أدباً.

قصد التوحيدي العديد من أصحاب الجاه والسلطان في عصره مثل ابن العميد وابن عباد وابن شاهاويه وابن سعدان وأبي الوفا المهندس وغيرهم، ومدح وأطرى وبكى واشتكى وهدد وأوعد فما نفعه مدحه ولا ذمه ولا إطراؤه ولا هجاؤه في التخفيف مما عاناه رغم عطائه الأدبي الكبير. ولعل أقوم كتبه وأنفعها وأمتعها كتابه «الإمتاع والمؤانسة» الذي يقع في ثلاثة أجزاء.

يذكر المحققان أن أبا الوفاء المهندس كان صديقاً لأبي حيان وللوزير أبي عبد الله العارض فقرب أبو الوفاء أبا حيان من الوزير ووصله به ومدحه عنده حتى جعل الوزير أبا حيان من سماره فسامره سبعاً وثلاثين ليلة، كان يحادثه فيها ويطرح الوزير عليه أسئلة في مسائل مختلفة فيجيب عنها أبو حيان، ثم طلب أبو الوفاء من أبي حيان أن يقص عليه كل ما دار بينه وبين الوزير من حديث وذكره بفضله عليه في وصلة بالوزير مع أنه، أي أبا حيان، ليس أهلاً لمصاحبة الوزراء لقبح هيئته وسوء عادته وقلة مرونته وتواضع ملبسه، لدرجة أنه هدده إن هو لم يفعل سيغض عنه ويستوحش منه ويوقع به عقوبته وينزل الأذى به.

أجابه أبو حيان ونزل على حكمه وفضل أن يدون ذلك في كتاب يشتمل على كل ما دار بينه وبين الوزير من دقيق وجليل وحلو ومر فوافق أبو الوفاء على ذلك ونصحه بأن يتوخى الحق في تضاعيفه وأثنائه، والصدق في إيرداه، وأن يطنب فيما يستوجب الإطناب، ويصرح في موضع التصريح، فكان من ذلك كتاب «الإمتاع والمؤانسة».

قسم أبو حيان كتابه إلى ليالٍ، فكان يدون في كل ليلة ما دار فيها بينه وبين الوزير على طريقة «قال لي وسألني» و«قلت له وأجبته» وكان الذي يقترح الموضوع دائماً هو الوزير وأبو حيان يجيب عما يُقترح، فإذا أجاب أبو حيان على نحو أثار فكراً ومسائل عند الوزير فيستطرد إليها ويسأله عنها.

وأحياناً يتخذ الكلام شكل حوار، فأبو حيان مثلاً يروي عن الفيلسوف اليوناني ديوجانيس أنه سُئل متى تطيب الدنيا، فقال: «إذا تفلسف ملوكها وملك فلاسفتها»، فلم يرض الوزير عن هذا، وقال إن الفلسفة لا تصح لمن رفض الدنيا وفرغ نفسه للدار الآخرة فكيف يكون الملك رافضاً للدنيا وهو محتاج إلى سياسة أهلها والقيام عليها باجتلاب مصالحها ونفي مفاسدها، وأطال في ذلك.

موضوعات الكتاب متنوعة تنوعاً ظريفاً؛ لا تخضع لترتيب ولا تبويب إنما تخضع لخطرات العقل وطيران الخيال وشجون الحديث، حتى لنجد في الكتاب مسائل من كل علم وفن وأدب وفلسفة وحيوان وأخلاق وطبيعة وبلاغة وتفسير وحديث وغناء ولغة وسياسة وتحليل شخصيات فلاسفة العصر وأدبائه وعلمائه وتصوير للعادات وأحاديث المجالس وغير ذلك مما يطول شرحه.

وقد خاف أبو حيان من بعض ما ورد في الكتاب، حيث إنه في حديثه مع الوزير عاب أشخاصاً من رجالات الدولة الذين يستطيعون إيذاءه ، فرجا أبا الوفاء أن يحفظ هذا الكتاب سراً فقال: «وأنا أسألك ثانية على طريق التوكيد كما سألتك على طريق الاقتراح أن تكون هذه الرسالة مصونة من عيون الحاسدين العيابين بعيدة عن تناول أيدي المفسدين المنافسين فليس كل قائل يسلم ولا كل سامع ينصف»، وقد أنجز أبو حيان وعده وأرسل إليه الجزء الثاني على يد غلامه «فائق» أيضاً، ثم أرسل إليه الجزء الثالث وهو الأخير وقال في أوله:«أرسلت إليك الجزأين الأول والثاني وهذا الجزء وهو الثالث قد ألقيت فيه كل ما في النفس من جد وهزل وغث وسمين وشاحب ونضير وفكاهة وأدب واحتجاج واعتذار، ولأنه آخر الكتاب ختمته برسالة وصلتها بكلام في خاص أمري».

ويعلق المحققان بأنه أياً ما كان، فالكتاب ممتع مؤنس كاسمه يلقي الضوء كثيراً على العراق في النصف الثاني من القرن الرابع، فهو يتعرض لكثير من الشؤون الاجتماعية في ثنايا حديثه فيصف الأمراء والوزراء ومجالسهم كابن عباد وابن العميد وابن سعدان ومحاسنهم ومساوئهم، ويصف العلماء ويحلل شخصياتهم وما كان يدور في مجالسهم من حديث وجدال وخصومة وشراب، ويصف النزاع بين المناطقة والنحويين كالمناظرة الممتعة التي جرت بين أبي سعيد السيرافي ومتى بن يونس القنائي في المفاضلة بين المنطق اليوناني والنحو العربي، ورأي العلماء في الشعوبية والمفاضلة بين الأمم.

يكشف الكتاب عن أسلوب أبي حيان الأدبي الراقي كما عهدناه في كل كتاباته، يحب الازدواج ويطيل في البيان ويحتذي حذو الجاحظ في الإطناب والإطالة في تصوير الفكرة وتوليد المعاني منها حتى لا يدع لقائل بعده قولاً، ولكن عاب أسلوبه في هذا الكتاب تعرضه كثيراً لمسائل فلسفية عميقة قد عزّت على البيان ودقت عن الإيضاح، لكنه حين يخرج عن هذه الموضوعات الدقيقة إلى موضوعات أدبية كوصف فقره وبؤسه أو وصف للكرم وفوائده أو وصف للسان والبيان، جرى قلمه وسال سيله وأجاد وأبدع.


سيرة المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد

سيرة المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد
TT

سيرة المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد

سيرة المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد

صدر حديثاً عن دار نوفل - هاشيت أنطوان كتاب «على خشبة الحياة»، وهو سيرة المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد، «الذي استطاع أن يحوّل الخشبة مساحةً حيّة للسرد الإنساني والوطني»، كما جاء في كلمة الناشر. يقع الكتاب في 356 صفحة، وفيه نقرأ عن أبرز المحطات في حياته منذ طفولته في الريف الجنوبي، ثم مجيئه إلى بيروت لدراسة المسرح في الجامعة اللبنانية وانطلاقه في عالم المسرح.

جاء في كلمة الناشر: «يُعدّ رفيق علي أحمد واحداً من أبرز أعمدة المسرح اللبناني المعاصر، وفناناً استطاع أن يحوّل الخشبة مساحةً حيّة للسرد الإنساني والوطني. على امتداد مسيرته الفنية، كرّس حضوره كممثل استثنائي يتميّز بقدرته الفريدة على مزج الأداء التمثيلي بالتجربة الحياتية، مقدّماً أعمالاً مسرحية تنبض بالذاكرة الجماعية وتعكس تحولات المجتمع اللبناني وتعقيداته.

تميّز بأسلوب مسرحي خاص يجمع بين الحسّ الحكواتي والاحتراف الأدائي، فنجح في تقديم عروض مسرحية منفردة تركت أثراً عميقاً لدى الجمهور والنقّاد على حدّ سواء، حيث استطاع أن ينقل تفاصيل الإنسان اللبناني وهمومه اليومية بلغة فنية صادقة وقريبة من المتلقي. ولم يقتصر تأثيره على الساحة اللبنانية، بل امتد حضوره إلى المسارح العربية، حيث شكّل نموذجاً للمسرح الملتزم الذي يجمع بين البعدين الفني والإنساني. في سيرته المسرحية هذه، يفتح رفيق علي أحمد نافذة على تجربته الإبداعية والشخصية، مستعرضاً رحلته في تحويل التجربة الفردية خطاباً فنياً جامعاً ومسيرته مع المسرح بوصفها فعل مقاومة ثقافية وذاكرة حيّة، كاشفاً عن كواليس عمله المسرحي الشخصي، ومانحاً القارئ المهتم بالمسرح اللبناني والعربي شهادةً عن عصرٍ كامل برموزه من زملاء المهنة، والمدارس المسرحية التي انتموا إليها؛ ليكون الكتاب بذلك مرجعاً مهماً لكلّ مهتم بالمسرح، بالإضافة إلى كونه شهادة فنية وإنسانية توثّق مسيرة أحد أبرز الأصوات المسرحية التي أسهمت في صياغة هوية المسرح اللبناني والعربي المعاصر».

وتميّز رفيق علي أحمد بأعماله المونودرامية وبمشاركاته في مسرح «الحكواتي»، واشتهر في لبنان والعالم العربي حيث عرضت مسرحياته في مهرجانات عدة، عربية، وكذلك في بعض المدن الأوروبية والأميركية، وحاز الكثير من الجوائز عن أعماله المسرحية والدرامية، من ضمنها جائزة أفضل ممثل في مهرجان قرطاج الدولي للمسرح.