«مفكرة أبريل»: 3 أيام من الإنصات العميق لما تخفيه الذاكرة وتبوح به الأصوات

تكوين حيّ جمع الأداء بالمعرفة والحوارات النسوية بالمياه الشاهدة

عمل الفنانة السعودية تارا الدغيثر استند إلى أساطير سومرية (الشرق الأوسط)
عمل الفنانة السعودية تارا الدغيثر استند إلى أساطير سومرية (الشرق الأوسط)
TT

«مفكرة أبريل»: 3 أيام من الإنصات العميق لما تخفيه الذاكرة وتبوح به الأصوات

عمل الفنانة السعودية تارا الدغيثر استند إلى أساطير سومرية (الشرق الأوسط)
عمل الفنانة السعودية تارا الدغيثر استند إلى أساطير سومرية (الشرق الأوسط)

لـ3 أيام، نقَّبت «مفكرة أبريل» في إمكانات الصوت، وتجلّياته المتعدّدة، من خلال مقارباته، وتحولاته، وتبادلاته، بوصفه مشهداً ختامياً يحتضن في باطنه تاريخاً غير مرئي من البروفات، والارتجالات، والإعادات. وكأنَّ الصوت هنا يصبح أثراً نابضاً بما لا يُقال، يتردَّد صداه في الحاضر مثل توثيق لما جرى، وما قد يأتي.

حمل البرنامج عنوان: «في رِحالنا تكوينات جديدة»، المُستلهم من عنوان بينالي الشارقة 16: «رِحالنا»، ليؤكد أنَّ البينالي يتجاوز كونه وجهة نهائية، ليغدو عملية إبداعية مستمرّة تتراكم مع الوقت. فالعنوان تحوَّل دعوة مفتوحة لإعادة التفكير في المعرفة، وتقييمها، وإعادة تشكيلها في الحاضر، من أجل مستقبل تسوده كرامة الجماعة، ويُفتح فيه أفقٌ لابتكار طرق جديدة للعيش المشترك بين الإنسان والعالم. من هنا، لا ترى «مفكرة أبريل» في بينالي الشارقة نقطة وصول، وإنما سبيل يتشعَّب إلى طرق، وأساليب تُواصل التشكُّل والتطوُّر حتى بعد انتهاء الفعالية.

لا ترى «مفكرة أبريل» في بينالي الشارقة نقطة وصول، وإنما سبيل لمواصلة التشكُّل

وطوال الأيام الـ3، تجلَّت معارف تجذَّرت في أشكال متنوّعة انبثقت من الحركات المدنيّة والتضامنية العابرة للحدود الجغرافية والزمنية. تضمَّن البرنامج ورشات عمل في طباعة الريزو، وجلسات استماع معمَّقة، وجولات ميدانية بإرشاد فنّي، إلى جانب عروض سينمائية تستكشف الصوت كونه وسيطاً لبناء فضاءات بديلة، وتُوظّف الإصغاء ليُعتَمد منهجاً للتنقُّل في مسارات غير مألوفة.

قُبيل انطلاق الجلسات الحوارية، تحدَّثت مؤسِّسة ورئيسة «الشارقة للفنون»، الشيخة حور القاسمي، عن دور البينالي في توفير مساحة لما يرفض النسيان؛ مثل التواريخ، والإرث، والضرورات التي تستدعي الاستجابة. وقالت إنّ هدف «مفكرة أبريل» تحريك أسئلة حول كيفية الحفاظ على حضورنا في خضمّ الانقطاع، وما هي الإيماءات والأدوات، واللغات، المتوارَثة أو المُبتَكرة، التي تُساعدنا على العيش بشكل مختلف؟ وكيف يمكننا إفساح المجال لما هو ثقيل، أو غير مُكتمل، أو لا يزال في طور التشكُّل؟

الشيخة حور القاسمي تحدَّثت عن دور البينالي في توفير مساحة لما يرفض النسيان (الشرق الأوسط)

وعن التأمُّل في عيشنا المشترك، وإعادة تصوُّر أوضاعنا ومواقفنا الحالية، واستقصائها من منظور نقدي في مسعى لبناء مقاربات جديدة من شأنها أن تُسهم في بناء مستقبل يستند إلى الكرامة المجتمعية؛ تحدَّثت مديرة التعليم والبحوث في «مؤسّسة الشارقة للفنون»، الشيخة نورة المعلا، متوقّفةً عند إضاءة برنامج «مفكرة أبريل» على تواريخ التنظيم الجماعي وأشكاله، وعلى المعارف والحدود المكانية والنفسية التي تقيّد حركة الناس والأفكار، ومعاني الانتماء في حياتنا المعاصرة.

وفي جلسة بعنوان: «علم الآثار: عبء التنقيب»، حاورت القيِّمة زينب أوز، المعماري اللبناني أكرم زعتري، والفنانة كلوديا مارتينيز غاراي، فناقشا كيف تتغيَّر دلالات المقتنيات الأثرية بتغيُّر السياق ومَن يستخدمها، سواء كانوا مُستعمرين، فنانين، أو مؤسّسات حفظ وطنية. وطرحت أسئلة محورية: ما الغاية من المشروع الأثري؟ وما الدور الذي يؤدّيه علم الآثار في زمننا الراهن؟ وخلُصَ النقاش إلى أنَّ هذا العلم يُستَثمر أحياناً بشكل انتهازي لبناء سرديات وهويات سياسية، مع تتبُّع مسارات القطع الأثرية عبر مؤسّسات الثقافة العالمية.

جلسة ناقشت كيف تتغيَّر دلالات المقتنيات الأثرية بتغيُّر السياق ومَن يستخدمها (الشرق الأوسط)

وأضاءت جلسة بعنوان «المعرفة النسوية منبعاً للحراك»، بإدارة القيِّمة علياء سواستيكا، على كيفية توظيف النساء الأصليات للطقوس، والمراثي، والرقصات، وممارسات الحياة اليومية لسبر معارف متجسِّدة ومتجذِّرة، تربُط المعتقدات الكونية بعلاقة عميقة بين البرّ والبحر. فتطرَّق الحوار إلى تشكُّل حركات نسوية محلّية تصدَّرت فيها المرأة مَشاهد النضال، وطرح تساؤلات حول الممارسات والاستراتيجيات التي يمكن استخلاصها من هذه النماذج.

وفي جلسة «أغاني الماء» التي أدارتها القيِّمة أمل خلف، جرى التطرُّق إلى الأغنيات المرتبطة بالماء بوصف أنها شكل من أشكال الذاكرة والتبجيل في مواجهة التدهور البيئي، ونزع الملكية والمحو الثقافي. قدَّم الحوار مقاطع أرشيفية، وتسجيلات ميدانية تستكشف البُعد الشعري والسياسي لأغاني الماء، كونها أدوات تعليمية بيئية تعكس حكمة الجماعة، وتجعل من المسطّحات المائية خزائن حيّة للمعرفة.

كما احتضنت الفعاليات عرضاً أدائياً لإحياء «مشروع المزرعة»، فشهدت سينما «سراب المدينة» المفتوحة لإتاحة مرور هواء أهدى شيئاً من البرودة لذلك المساء، تنشيطَ 4 من 6 أعمال تركيبية تُشكّل المشروع القائم في منطقة الذيد بالشارقة، والذي يتأمّل في وجود الأشجار، والمياه، والممرات المائية، وأنظمة الريّ، والكائنات الحيّة، أو غيابها. من بين المشاركين في العرض، اللبنانية ساندي شمعون.

عرض أدائي يُحيي «مشروع المزرعة» في سينما «سراب المدينة» المفتوحة (الشرق الأوسط)

ومن العروض اللافتة، جاء «التقاء الأنهار في سُلّم مي الموسيقي الصغير»، للفنانة السعودية تارا الدغيثر. استند العمل إلى أساطير سومرية، وتضمَّن 3 حركات: التدفُّق الصوتي، والاتحاد المقدَّس، والأصداء الأدبية؛ مُستخدِماً الصوت، كونه مجازاً للوعي المُربَك، ومستحضراً جغرافيا نهرية على هيئة رمز للتداخل بين الانفصال والاتصال في تاريخ المنطقة.

وفي جلسة «كوريغرافيات الاقتراح»، التقت القيِّمة زينب أوز بالكاتبة دانييلا كاسترو، واللبناني رأفت مجذوب، فناقشا سياسات النشاط الجماعي، وأثر الأدب، وكوريغرافيا المقاومة، ودور المرونة والوضوح في بناء أنظمة بديلة تتجاوز الرقابة. ورأى الحوار في الاجتماع والمشاركة فعلاً راديكالياً لإنتاج الاقتراحات، لا لمجرّد المُعارضة.

وجمعت جلسة «الحياة بعد الخسارة»، عالمة الأحياء صوفيا تنتوري والفنانة فاطمة بلقيس، وتناولت كيف يمكن للأشياء اليومية التي تُعدّ في العادة هامشية أن تكتسب معاني جديدة بعد الفقد. فطرح الحوار رؤى حول استخدام أدوات تركيبية وسينمائية وكتابية لاستكشاف ما تبقّى من الخسارة، مُقارِبةً الحياة بعد الفقد عبر منظور أثري حميمي.

وبين الجلسات، لفتت واحدة بعنوان: «الماء الذي طلب سمكة»؛ وفيها ناقشت الفنانة مريم النعيمي الباحثَ عباس الشحار في تحولات الشاطئ البحريني والعلاقات المتشابكة بين المسطّحات المائية في البحرين، في حاضرها وماضيها، مضيئةً على هشاشتها، وقيمتها الإيكولوجية، ودورها في حفظ التوازن الثقافي والطبيعي لكلٍّ من الإنسان وغير الإنسان.


مقالات ذات صلة

«أطياف الحرمين»... معرض يوثّق رحلة مصوّرة سعودية في الأماكن المقدسة

يوميات الشرق باب ومفتاح الكعبة المشرفة ومفتاح الغرفة العليا داخل الكعبة (إدارة المعرض)

«أطياف الحرمين»... معرض يوثّق رحلة مصوّرة سعودية في الأماكن المقدسة

معرض «أطياف الحرمين» يوثّق رحلة المصوّرة السعودية سوزان إسكندر في تصوير الحرمين الشريفين.

انتصار دردير (القاهرة )
يوميات الشرق من أعمال الفنانة السعودية سارة العبدلي في معرض «مهد الأسطورة» (حافظ غاليري)

سارة العبدلي تعيد كتابة سيرة جدة في «مهد الأسطورة»

تظهر المدينة كائناً يتأرجح بين الأسطورة والتاريخ، ويحتفظ في كل تحول بأثر مَن عاشوه ومرّوا به، وتركوا فيه شيئاً من حكاياتهم.

«الشرق الأوسط» (جدة)
يوميات الشرق حضور المتناقضات حتى في العمل الواحد (الشرق الأوسط)

«أنشودة الأرض» يوثق رحلة نازلي مدكور في عالم الفن التشكيلي

في تجربة فنية ثرية تعيد تأمل العلاقة بين الإنسان والطبيعة، افتتحت الفنانة التشكيلية المصرية نازلي مدكور معرضها الجديد بعنوان «أنشودة الأرض... سيرة فنية».

نادية عبد الحليم (القاهرة)
يوميات الشرق عدد من الصور المشاركة في معرض «حكايات المكان» (الشرق الأوسط)

«حكايات المكان» تجربة بصرية تبرز تراث العمارة في مصر

في تجربة بصرية تُبرز تراث العمارة المصرية، يصحبك معرض «حكايات المكان» في رحلة بين مختلف الأحياء والمباني التاريخيّة.

فتحية الدخاخني (القاهرة)
يوميات الشرق لوحة مستوحاة من أحلام فتاة من جنوب مصر (الشرق الأوسط)

«عشر سنوات بالداخل» يستكشف العلاقة بين الفنان والزمن

لا يقف معرض «عشر سنوات بالداخل» للفنان التشكيلي المصري علي حسان عند تجربة العرض البصري فقط.

منى أبو النصر (القاهرة)

«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

 ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
TT

«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

 ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)

فازت المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG) بعقد تشغيل وإدارة قناة «الثقافية» التابعة لوزارة الثقافة؛ في خطوة تواكب النهضة الثقافية التي تشهدها المملكة بدعم وقيادة وزارة الثقافة للقطاع وتعكس مكانة «المجموعة» وثقة عملائها بخبراتها الإعلامية والتحريرية.

وتمثل هذه الشراكة امتداداً للجهود السابقة في تطوير قناة «الثقافية»، وستشهد المرحلة المقبلة تطويراً في المعالجات التحريرية وتوسيع نطاق المحتوى بما يلبي اهتمامات مختلف شرائح الجمهور، إلى جانب تعزيز الحضور الرقمي للقناة.

وقالت جمانا راشد الراشد، الرئيسة التنفيذية «للمجموعة»: «نعتز بثقة وزارة الثقافة، ونعتبر هذه الترسية لقناة بأهمية القناة (الثقافية) مسؤولية لإكمال المسيرة والجهود الضخمة التي قامت بها الوزارة منذ إطلاق القناة، كما تأتي تتويجاً لجهود المجموعة في التطوير والتوسع».


«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
TT

«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)

في عمل مسرحي مونودرامي، ينهل شادي الهبر من ذاكرته المثقلة بالحرب الأهلية اللبنانية، فيقدّم «ضاع شادي» في حكاية تتجاوز فردية العنوان، وتلامس وجعاً جماعياً لم يندمل بعد. يقف وحده على الخشبة بوصفه كاتباً للنص وممثلاً ومخرجاً، يستعيد الأحداث في سردية مليئة بالجروح، ويتناول تأثيرها عليه مع عائلته التي تحضر فرضياً على شاشة عملاقة كخلفية بصرية. ومع أفراد من أهله وأعمامه يقيم حوارات جريئة، فتتحول إلى ما يشبه العلاج الشافي من ندوب الحرب.

يروي شادي الهبر حكايته الحقيقية منذ ولادته إلى حين بلوغه سن المراهقة، ويعدّها مرحلة أدت إلى تكوين شخصيته التي تطبعه اليوم. ويمر على حقبات الحرب منذ أيام التهجير من الجبل إلى حين إقامته في العاصمة. ويوضح لـ«الشرق الأوسط»: «إنه بمثابة عمل مسرحي أوثِّق فيه مرحلة مهمة من حياتي، وأتطرّق خلاله إلى موضوعات مختلفة. منها الذكورية، والعنف الأسري، والعلاقات العائلية».

يتحوَّل المسرح في «ضاع شادي» إلى مساحة مواجهة صادقة مع الذاكرة، في تجربة شخصية وجريئة يخوضها شادي الهبر على أكثر من مستوى. فهو يقف للمرة الأولى على الخشبة جامعاً بين أدوار الممثل، والكاتب، والمخرج، ليقدِّم في مسرح «شغل بيت» الذي أسَّسه عام 2015 حكايته الخاصة بكل ما تحمله من صدق ووجع.

يقول: «إنها سيرتي الذاتية، محمَّلة بمشاعر، وأحاسيس عشتها وواجهتها وحيداً. هذه المرحلة شكَّلت تكويني الحقيقي وبداياتي مع المسرح». ويوضح أن العمل يتكئ على عناصر بصرية وسمعية، تاركاً للصمت حيّزاً تعبيرياً أساسياً، مبتعداً عن النمط الوثائقي التقليدي، يتنقَّل بين محطات زمنية مختلفة من طفولته إلى المراهقة. ويضيف: «كانت الخشبة ملاذي، ومنها تعلَّمت كيف أعبِّر عن مكنوناتي بعدما كنت أخشى مواجهتها علناً».

يستعيد فترة زمنية تمتد من 1976 إلى 1990 (شادي الهبر)

على مدى 3 سنوات، عمل الهبر على بلورة هذا المشروع، ليقدِّمه في عرض لا يتجاوز 55 دقيقة، يختصر فيه رحلة طويلة من التجربة والنضج. ويشير: «أرى هذا العمل تتويجاً لمسيرتي بعد 26 عاماً في المهنة. وتقديمه في (شغل بيت) بحد ذاته إنجاز». ويؤكد أن تفاعل الجمهور فاجأه، إذ لمس أن كثيرين يشبهونه في صمتهم ومعاناتهم، مضيفاً: «خاطبتهم بلسان حالهم، وهذا ما انعكس عليهم إيجاباً».

ومنذ تأسيسه مسرح «شغل بيت» ساهم الهبر في تدريب مئات الهواة على التمثيل، من خلال ورش عمل أثمرت عن أكثر من 60 عرضاً مسرحياً. ويقول: «أعددت نحو 400 شخص اعتلوا الخشبة، وراكمت خبرة كبيرة، لتأتي (ضاع شادي) محطة مفصلية في مسيرتي».

ويؤكد أن الحرب كانت تحضر دائماً في الأعمال التي قدّمها: «بسبب تأثيرها الكبير عليَّ تناولتها في معظم مسرحياتي. وكما في (نرسيس)، و(قفير النحل)، كذلك في (رحيل الفراشات)، و(دفاتر لميا)، جميعها حضر فيها جزء من الحرب وأحياناً سادت أحداث العمل برمّته. ولكن في (ضاع شادي) أخرجت كل ما سبق وكتمته في قلبي من تداعيات ومصير مجهول، تسببت به الحرب».

ولا يخفي الهبر البعد العلاجي الذي يحمله العمل، موضحاً: «خضعت لجلسات علاج نفسي طويلة حتى تصالحت مع نفسي وأهلي. دخلت الفن متأخراً لأنني كنت أبحث عن وسيلة للتخلّص من ندوب كثيرة. ربما كانت (ضاع شادي) مساحة (فشّة خلق) منحتني سلاماً داخلياً».

ويقرّ بأن مصارحة الذات ليست أمراً سهلاً، لكنه اختار المواجهة بلا أقنعة. ويتابع: «في هذا العمل اكتشفت أحاسيس لم أختبرها من قبل، وشعرت بأنني اكتملت فنياً وإنسانياً، إذ اجتمع داخلي المخرج والكاتب والممثل للمرة الأولى».

تعرض مسرحية «ضاع شادي» على مسرح «شغل بيت» في فرن الشباك. ومن المقرر أن يمدد عرضها في مايو (أيار) المقبل.

أما على مستوى السينوغرافيا، فقد اختار عناصر بصرية مستوحاة من الحرب، من متاريس رملية، وأقمشة ممزقة، طغى عليها اللونان الأحمر والأبيض، في إشارة إلى شظايا الانفجارات. وتتكامل هذه العناصر مع إضاءة صمَّمها توفيق صفدي، لتخلق جواً متقلباً بين الضوء والعتمة، والحرّ والبرد، في محاكاة حسّية لذاكرة الحرب.


«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
TT

«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)

يفتح الكاتب والمخرج إيلي كمال في مسرحيته «حنّة» باباً للضحك من حيث لا يبدو هذا الضحك ممكناً أصلاً، على خشبة «مسرح المونو»، في لحظة لبنانية خارجة للتوّ من اشتعال الحرب وثقل الجنائز. يريد مسرحيته مساحةً لالتقاط النَفَس، بعيداً عن الهروب الساذج من الواقع، فيسعى إلى تخفيف حدّته، لربما تمنح الخشبة المُتفرّج فرصة أن يضحك على ما يؤلمه.

النصّ خفيف، لكنه لا يقع في الخفّة السطحية. يذهب إلى الكوميديا عبر اللعب على الكلمات وسوء الفهم والمواقف المُتلاحقة، من دون أن يتخلَّى عن طبقة أعمق تتّصل بالدولة والاستشفاء وشركات التأمين، ومصير الإنسان حين يكبر أو يمرض أو يتركه أبناؤه للهجرة البعيدة.

ما يبدو بسيطاً... ليس كذلك تماماً (مسرح المونو)

تبدأ الحكاية مع «حنّة» التي تؤدّيها ندى أبو فرحات. امرأة تدخل المستشفى بعد حادث بهوية مجهولة، ويظنّ الجميع أنها فقدت عقلها أو ذاكرتها. إنما اللعبة تتكشَّف تدريجياً فيتراجع الفارق بين مَن يُفترض أنهم واعون ومَن يُنظَر إليهم على أنهم في غفلة. تبدو «حنّة» أحياناً خارج ما يجري، ثم تظهر واعية تماماً بما تريده، مُمسِكةً بالخيوط من سريرها، بينما يظنّ الآخرون أنهم يديرون المشهد.

ندى أبو فرحات تبني هذا الازدواج بحضور متوازن بين جسد مستسلم للغفلة، وعين تراقب، وصوت يحمل معرفة غير مُصرَّح بها. شخصيتها لا تُضحِك لأنها مُضحكة فقط، إنما لأنها تكشف اختلالات مَن حولها. ومع الوقت، تصبح «حنّة» نموذجاً يتقاطع فيه الجميع. فكلّ شخصية مثلها، تحمل هروباً ما، من يومياتها، ومن خيبتها، ومن الخريطة القاسية التي وُلدت داخلها.

ما يُخفى أكثر مما يُقال (مسرح المونو)

سلمى الشلبي، بدور «الأخت إيزابيل»، أكثر الشخصيات حضوراً في العمل. الراهبة عنصر كوميدي فاعل داخل البنية، يتحوّل إلى محرّك أساسي للمشهد. جسدها هو الحامل الأول للمعنى، قبل أن يتدخَّل الكلام لتفسيره. فانحناءة الظهر امتداد لثقل داخلي، وخطوتها المُتباطئة تفرض إيقاعاً خاصاً على الخشبة، فيما يمنح تقوُّس القدمين حضورها بُعداً شبه طَقْسي، كأنّ الشخصية تسير داخل نظام منضبط لا تسمح لنفسها بالخروج عنه. الوجه الخالي من الليونة، والنبرة المقفلة على ذاتها، يوحيان بتاريخ طويل من كبح الانفعال، ومن إقصاء كلّ ما يمكن أن يفتح مجالاً للانفلات أو المرح.

كلّ شيء في مكانه... إلا ما في الداخل (مسرح المونو)

من هذه الصرامة تولد الكوميديا. فكلّ خروج صغير عن القاعدة، وكلّ انزلاق في الرصانة، يصنع مُفارقة مسرحية. هنا يعرف التمثيل كيف يمنح الشخصيات حقّها في التجسُّد عبر دقّة التفاصيل، ضمن رؤية إخراجية لإيلي كمال تُمهّد الطريق لهذه الانكسارات الدقيقة كي تتشكَّل، وتحوّلها إلى جزء أساسي من حركة العرض وبنائه.

ويضيف كريم شبلي في دور المحقّق «خالد»، إلى المشهد، نبرة مرحة مُقنعة تُخفّف من ثقل خطّ التحقيق وتفتحه على تفاعل أكثر سلاسة. يدخل في مسار التقرُّب من الممرضة «سمر»، التي تؤدّيها جويس أبو جودة بقدرة على اختيار اللحظة المناسبة لإلقاء الجملة والاستجابة لما يدور حولها. وإنما تفصيل بصري بقي خارج انسجام هذا الخطّ، تمثَّل في محبس بإصبع يده، رغم أنّ مساره الدرامي يتّجه نحو استمالة الممرضة. قد يكون الأمر سهواً، لكنه يبقى تفصيلاً أمكن تداركه على خشبة تُقرأ فيها أدقّ العلامات.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

أما جويس أبو جودة فتمنح «سمر» حضوراً لافتاً لا يقوم فقط على الإلقاء، إنما على حركة الجسد وسرعة التقاط الموقف. شخصيتها تُسهم في تثبيت الكوميديا داخل المستشفى، وتجعل المكان أقل برودة وأكثر قابلية لانفجار المفارقات الصغيرة.

المسرحية تجربة متماسكة تنطلق من إمكانات محدودة وتعرف كيف توظّفها من دون افتعال. الديكور يكتفي بإشارات مضحكة إلى فضاء المستشفى، تاركاً للممثلين حرّية الحركة، وللإخراج مَهمّة تنظيم الفراغ وتحويله إلى مساحة دينامية. هنا يظهر دور إيلي كمال في ضبط حركة الشخصيات داخل المشهد وتوزيعها بحيث لا يطغى حضور على آخر، ممّا يمنح المواقف الكوميدية قوّتها من ذاتها.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

تتجلّى اللمسة الإخراجية أيضاً في انتقال «حنّة» من حالة إلى أخرى من دون قَطْع حاد، كأنّ التحوّل يحدث أمام العين تدريجياً، وفي وقوف «الأخت إيزابيل» لحظةً خارج مسار الحركة، ثابتة وسط اندفاع الآخرين، ممّا يُضاعف أثر حضورها، وفي المشهد الجماعي داخل المستشفى، حيث تتقاطع المسارات وتبدو الفوضى مُنظَّمة، فيبقى المشهد مقروءاً رغم تقاطُع خطوطه.

لا يفصل العرض الضحك عن سياقه، ولا يُحمِّل مضمونه ما يفوق احتماله، ويعمل على إيجاد مساحة متوازنة بينهما. «حنّة» مسرحية تُدرك حدودها وتُحسن توظيفها، فتُقدّم تجربة متوازنة تلامس الواقع من دون إثقال.