موجة بطش حوثية تستهدف 17 بهائياً يمنياً

دعوات لتدخل دولي... والحكومة تصف الواقعة بـ«العمل المخزي»

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني يلتقي خلال زيارة إلى بروكسل مجموعة من أفراد الطائفة البهائية الذين نفاهم الحوثيون (سبأ)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني يلتقي خلال زيارة إلى بروكسل مجموعة من أفراد الطائفة البهائية الذين نفاهم الحوثيون (سبأ)
TT

موجة بطش حوثية تستهدف 17 بهائياً يمنياً

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني يلتقي خلال زيارة إلى بروكسل مجموعة من أفراد الطائفة البهائية الذين نفاهم الحوثيون (سبأ)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني يلتقي خلال زيارة إلى بروكسل مجموعة من أفراد الطائفة البهائية الذين نفاهم الحوثيون (سبأ)

كررت الميليشيات الحوثية في اليمن بطشها بمنتسبي الطائفة البهائية في أحدث موجة انتهاكات ضد الأقليات الدينية؛ حيث اعتقلت في صنعاء، الخميس، 17 شخصا بينهم خمس نساء ودهمت منازلهم وصادرت ممتلكات ووثائق، وسط دعوات حقوقية لتدخل دولي لإنقاذهم، وتنديد حكومي بالواقعة التي وصفها وزير الإعلام اليمني معمر الإرياني بـ«العمل المخزي».

عملية البطش الجديدة بعناصر الطائفة البهائية، جاءت بعد أن أبعدت الميليشيات في وقت سابق مجموعة كبيرة من رموز الطائفة إلى خارج اليمن، وحكمت على بعضهم بالإعدام بمن فيهم زعيم الطائفة.

وبحسب بيان صادر عن الطائفة، اقتحم مسلحو الجماعة الاجتماع السنوي السلمي للطائفة في صنعاء، واعتقلوا 17 من المشاركين فيه بينهم نساء والمتحدث الرسمي باسم الجامعة البهائية في اليمن الناشط المدني عبد الله العلفي، ودهمت منازلهم وصادرت ممتلكات ووثائق، في وقت تواصل فيه محاكمة أكثر من 24 شخصا من المنتمين لهذه الديانة التي دخلت اليمن في بداية أربعينات القرن الماضي.

وذكرت مصادر متعددة في الطائفة البهائية في اليمن لـ«الشرق الأوسط» أنه بعد أن أغلقت الجماعة الحوثية الجمعية الخاصة بالطائفة وصادرت كل ممتلكاتهم وفرضت قيودا مشددة على ممارستهم لشعائرهم، اختار عناصرها أحد المنازل لعقد الاجتماع السنوي السلمي، لكن مخابرات الحوثيين التي تتربص بالطائفة دهمت المنزل في أثناء وجودهم فيه وقامت باعتقال الحضور وبينهم نساء.

تاريخ مظلم

التاريخ القمعي للجماعة الحوثية ضد الطائفة البهائية، بدا منذ سيطرتها على صنعاء، وبعد سنوات من الاعتقال والتعذيب والمحاكمات التعسفية نفت الجماعة في 30 يوليو (تموز) 2020 ستة من البهائيين بسبب معتقدهم الديني وفق ما ذكرته المبادرة اليمنية للدفاع عن البهائيين، التي أكدت أن اليمن يشهد منذ سيطرة الحوثيين على صنعاء أوضاعا إنسانية غاية في الصعوبة.

الطائفة البهائية في اليمن، علاوة على تدهور أوضاعها كغيرها من فئات المجتمع اليمني الأخرى، كانت إحدى الفئات التي تعرضت لاضطهاد جماعي ممنهج يرقى إلى جريمة إبادة جماعية لطائفة دينية مسالمة. وفق ما يقوله مناصرو الطائفة.

بيان صادر عن الجامعة البهائية أكد اعتقال 17 بهائياً من قبل مسلحين حوثيين في صنعاء (تويتر)

وكانت محكمة أمن الدولة التي يديرها الحوثيون أصدرت أحكاما بالإعدام، ومصادرة ممتلكات البهائيين وأموالهم الخاصة والوقفية، وإغلاق مؤسساتهم الإدارية والتنموية، كما حرضت الجماعة المجتمع على كراهيتهم، وأجبرتهم على العيش في ظروف مادية صعبة للغاية، وحرمتهم من أبسط الحقوق الإنسانية، بعد أن لفقت لهم تهما وصفتها «المبادرة» بـ«الأكاذيب»، مع أنهم مواطنون يمنيون لا يحملون سلاحا ولا يتدخلون في السياسة، ويحترمون النظام والقانون.

عفو لم ينفذ

كانت سلطة الحوثيين وتحت الضغط الدولي والمحلي أصدرت في 25 مارس (آذار) عام 2020 عفوا عاما عن المعتقلين البهائيين، لكنه لم ينفذ، ورغم نفي المعتقلين البهائيين قسرا منذ ثلاث سنوات، استمرت الجماعة في محاكمة المنفيين والمهجرين قسريا غيابيا، بهدف فرض مصير قاهر على من تبقى منهم في اليمن، ومن ثم إجبارهم على الهجرة، ومحو كل أثر لهم من خلال مصادرة أموالهم وممتلكاتهم وبيوتهم وطمس كل ما يشير إليهم بما في ذلك مقابر موتاهم وعبر أحكام قضائية غير منصفة.

ويقول أفراد الطائفة إن الجماعة الحوثية استمرت في التحريض على معاداة البهائيين إعلاميا وفي مناهج التعليم الجامعي وعبر الدورات الثقافية التي يقيمونها بكثافة «لوأد أي تعاطف إنساني مجتمعي مع البهائيين لما يتعرضون له من ظلم وقهر وإجرام».

وقفة سابقة لمحتجين من الطائفة البهائية في صنعاء يطالبون بالإفراج عن زعيمهم (تويتر)

وأكدت مصادر الطائفة في صنعاء استمرار التضييق الحوثي على المنتمين إليها واستهداف مصادر عيشهم من خلال إجراءات تعسفية وغير قانونية بحق العشرات منهم وبحق كل من شاركوا معهم في برامج خدمة المجتمع، وأدى ذلك إلى حرمانهم من فرص العمل، وحجز حساباتهم البنكية، ووضع أسمائهم في القوائم السوداء لدى شركات الصرافة.

محاكاة إيران

أفراد الطائفة الذين يقدر عددهم بخمسة آلاف شخص في ظل عدم وجود إحصاءات رسمية.

ولا يعرفون لماذا يضطهدهم الحوثيون، ولا يمكنهم تفسير ذلك سوى بتبعية الحوثيين لنظام الحكم في إيران الذي يضطهد البهائيين بشكل منهجي منذ ثمانينات القرن الماضي وفق ما ذكرته المصادر.

وتطالب الطائفة سلطة الحوثيين بإنهاء المحاكمة التعسفية بحق 24 من أفرادها حيث لا وجه لإقامة الدعوى عليهم، وتعويض كل من تضرر بسبب ذلك، التعويض الملائم والعادل ماديا ومعنويا، وكفالة حقهم في العيش بكرامة وحرية وأمان وسلام في وطنهم اليمن، والإقرار بحق المنفيين والمهجرين قسريا منهم في العودة إلى وطنهم اليمن دون أي عائق أو اعتراض.

كما تطالب الطائفة بإعادة جميع الأموال والممتلكات والوثائق الخاصة بأفرادها التي تم نهبها أو حجزها أو مصادرتها لأصحابها، وفتح حساباتهم البنكية، والكف عن التضييق عليهم في مصادر عيشهم، واحترام حقهم في المشاركة في بناء اليمن وتنمية المجتمع من خلال مؤسساتهم الإدارية والتنموية الطوعية بصفتهم مواطنين وبموجب الدستور.

نهج الاضطهاد المتواصل

موجة البطش الحوثية الجديدة ضد البهائيين في اليمن، وصفها عضو مكتب الشؤون العامة للبهائيين في اليمن نادر السقاف بأنها «مواصلة لنهج الاضطهاد» بحسب ما قاله لـ«الشرق الأوسط».

السقاف، وهو أحد المبعدين من اليمن، أكد أن قوات تتبع الحوثيين مدججة بالسلاح اقتادت 17 بهائيا إلى جهة مجهولة بعد أن دهمت اجتماعا سلميا لهم في أحد منازل أفراد الطائفة؛ حيث كانوا يناقشون ما يخص مشاركة المجتمع البهائي في خلق بيئة نابضة بالحياة لكل اليمنيين وتشكيل هيئات ترعى الاحتياجات الروحانية والمادية لمجتمعهم.

وقال: «الهجوم هو مواصلة لنهج الاضطهاد الممنهج الذي يمارسه الحوثيون ضد البهائيين منذ أواخر سنة 2014 وحتى الآن، ومحاولاتهم المستمرة لمسح الهوية الثقافية والاجتماعية للبهائيين بوصفهم من مكونات المجتمع اليمني». وأضاف أن الجماعة الحوثية مستمرة في مداهمة المنازل وترويع العوائل والأطفال وإطلاق النار على المنازل، والتهديد الصريح بالقتل والتصفية الجسدية وبث الرعب بين النساء والأطفال.

عضو مكتب الشؤون العامة للبهائيين نادر السقاف (يمين) مع حامد بن حيدرة في لقاء سابق (تويتر)

ووصف السقاف الخطوة الحوثية بأنها «انتهاك واضح لحرية المعتقد بموجب المواثيق الدولية، والحق في التجمع وإدارة الشؤون الدينية والمجتمعية». وأكد أن الهجوم إضافة لمنهجية الاضطهاد الذي يصر عليه الحوثيون، وشاهد إضافي على أنهم مستمرون في محاولات إخفاء صوت ووجود البهائيين الاجتماعي عبر المضايقات المستمرة وحملات المتابعة وملاحقة الأفراد وتضييق سبل العيش عليهم، على أمل انكماش البهائيين وإخفاء هويتهم.

ويشير عضو مكتب الشؤون العامة للبهائيين إلى تعرض أفراد الطائفة لأصناف مختلفة من التعذيب الجسدي والنفسي إضافة لنفيهم من وطنهم، ويؤكد أن هناك عشرات وربما مئات من أفراد الطائفة يعانون بصورة شبه يومية من مستويات مختلفة من الاضطهاد ومنها مصادرة أموالهم دون وجه حق وبصورة مخالفة للقانون، وقطع أرزاقهم، والتسبب في تسريح البعض الآخر من وظائفهم، وإغلاق مؤسسات مرخصة وسرقة ممتلكاتها والمضايقات المالية وتجميد التعاملات المصرفية للبهائيين ومن يتعاملون معهم.

تنديد حكومي

إلى جانب الغضب الحقوقي من خطوة الميليشيات الانقلابية والمطالبة بتدخل دولي لإنقاذ الطائفة البهائية من الاضطهاد الحوثي، نددت الحكومة اليمنية بهذه الواقعة من البطش، ووصفتها بـ«العمل المخزي والجبان» بحسب ما قاله لـ«الشرق الأوسط» وزير الإعلام اليمني معمر الإرياني.

وقال الإرياني إن عملية دهم الاجتماع من قبل الحوثيين واختطاف 17 بهائيا «عمل مخز وجبان يندرج ضمن الاضطهاد الذي تمارسه الميليشيا بحق الأقليات الدينية وعلى رأسها الطائفة البهائية منذ انقلابها على الدولة، في انتهاك واضح وصريح لحرية الدين والمعتقد والحق في التنظيم والتجمع وممارسة الشعائر الدينية التي تقرها القوانين والمواثيق والمعاهدات الدولية».

وأضاف الإرياني «هذه الجريمة تأتي لتؤكد مضي ميليشيا الحوثي بتوجيه وإيعاز إيراني، في نهج التصعيد والاستهداف والإرهاب الممنهج للأقليات الدينية، واضطهاد أتباعها على خلفية معتقداتهم؛ حيث تعرض أتباع تلك الأقليات لسلسلة من الجرائم والانتهاكات تنوعت بين مداهمة المنازل وترويع الأسر والخطف والاعتقال التعسفي بتهم ملفقة، والتعذيب النفسي والجسدي، والإخفاء والنفي القسري، وإخضاعهم لمحاكمات خارج إطار القانون، ومصادرة ونهب ممتلكاتهم واقتحام ومصادرة مقراتهم، والتحريض العلني عليهم عبر بث خطاب الكراهية ومحاولة النيل من النسيج الاجتماعي والسلم الأهلي».

وزير الإعلام اليمني معمر الإرياني التقى مجموعة من البهائيين في لوكسمبورغ (إعلام رسمي)

واستغرب وزير الإعلام اليمني مما وصفه بـ«استمرار صمت المجتمع الدولي والأمم المتحدة ومنظمات وهيئات حقوق الإنسان على هذه الجرائم»، وطالبها بالقيام «بمسؤولياتها في الضغط على ميليشيا الحوثي لوقف ممارساتها العنصرية ضد الأقليات الدينية».

كما طالب الوزير اليمني بـ«وقف كل أشكال الملاحقات والتضييق والتمييز على خلفية المعتقد، باعتبارها انتهاكا صارخا للقوانين والمواثيق الدولية، وفي مقدمها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وملاحقة ومحاسبة المتورطين فيها من قيادات وعناصر الميليشيا».


مقالات ذات صلة

الأمم المتحدة: التحرك السعودي الأخير لدعم التنمية في اليمن قوي وسريع

خاص وصف المنسق الأممي التحرك السعودي الأخير لدعم التنمية في اليمن بأنه كان قوياً وسريعاً (الأمم المتحدة)

الأمم المتحدة: التحرك السعودي الأخير لدعم التنمية في اليمن قوي وسريع

أكد المنسق المقيم للأمم المتحدة في اليمن أن التدخلات التنموية السعودية لا تقل أهمية عن تدخلاتها الإنسانية، وذلك من خلال البرنامج السعودي لتنمية إعمار اليمن.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي فعالية حوثية في محافظة إب استعداداً لتنظيم الأنشطة الدعوية والتعبوية في شهر رمضان (إعلام حوثي)

الحوثيون يستبقون رمضان بالتعبئة والتجنيد

تحت لافتة رمضان، يسارع الحوثيون إلى إنهاء العام الدراسي لفتح الطريق أمام المراكز الصيفية، وسط اتهامات لهم باستبدال تعبئة عقائدية تستهدف العقول مبكراً، بالتعليم.

وضاح الجليل (عدن)
العالم العربي جانب من لقاء المكونات الوطنية ورجال المقاومة في محافظة مأرب (وسط اليمن) (الشرق الأوسط)

مأرب: دعوات لتوحيد الجهود السياسية والعسكرية لاستعادة صنعاء

دعا عدد من القوى الوطنية وقيادات المقاومة في محافظة مأرب (وسط اليمن) إلى توحيد الجهود السياسية والعسكرية، والعمل الجاد من أجل استعادة العاصمة اليمنية صنعاء.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
خاص قوات تابعة لـ«حماية حضرموت» بمدينة المكلا شرق اليمن (الشرق الأوسط)

خاص حضرموت: دعوات لإدراج أبو علي الحضرمي في قوائم الإنتربول

تصاعدت في حضرموت مطالب قبلية وميدانية بملاحقة قائد «لواء الدعم الأمني»، صالح بن الشيخ أبو بكر، المعروف بـ«أبو علي الحضرمي»، وجلبه عبر الإنتربول الدولي.

عبد الهادي حبتور (المكلا (اليمن))
العالم العربي سجن انفرادي حسب ما وثقته اللجنة الوطنية اليمنية في سقطرى (اللجنة الوطنية)

لجنة يمنية تختتم توثيق ومعاينة مراكز اعتقال وانتهاكات في سقطرى

اختتمت اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان نزولها الميداني إلى محافظة أرخبيل سقطرى، ضمن إطار ولايتها القانونية للتحقيق في…

«الشرق الأوسط» (عدن)

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.


العليمي: توحيد القرار الأمني والعسكري شرط لاستعادة الاستقرار

العليمي يستقبل في الرياض مسؤولين ألمانيين (سبأ)
العليمي يستقبل في الرياض مسؤولين ألمانيين (سبأ)
TT

العليمي: توحيد القرار الأمني والعسكري شرط لاستعادة الاستقرار

العليمي يستقبل في الرياض مسؤولين ألمانيين (سبأ)
العليمي يستقبل في الرياض مسؤولين ألمانيين (سبأ)

أكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد محمد العليمي، أن توحيد القرار الأمني والعسكري يمثل شرطاً أساسياً لتحقيق الأمن واستعادة الاستقرار في بلاده، وتهيئة بيئة مواتية لعمل مؤسسات الدولة، وتدفق المساعدات الدولية، وبناء شراكة موثوقة مع المجتمع الدولي، محذراً من أن تعدد الجماعات المسلّحة خارج إطار الدولة يعيد إنتاج الفوضى ويُغذّي التطرف.

جاءت تصريحات العليمي خلال استقباله، الاثنين، أمين عام وزارة الدفاع الألمانية نيس بولتر، يرافقه سفير جمهورية ألمانيا الاتحادية لدى اليمن توماس شنايدر، حيث ناقش الجانبان العلاقات الثنائية، وآفاق تعزيز التعاون في المجالات الأمنية والدفاعية، إلى جانب أولويات الدعم الألماني والأوروبي لتمكين الحكومة اليمنية من فرض الأمن والاستقرار ومكافحة الإرهاب، وفق ما نقله الإعلام الرسمي.

وشدد العليمي، وفق المصادر الرسمية، على أن القرارات السيادية التي اتخذتها بلاده، خلال الفترة الأخيرة، جاءت لمنع تكريس قوى موازية تنازع الدولة سلطاتها الحصرية، مؤكداً أن إنهاء ازدواجية القرار يمثل خطوة ضرورية لحماية السلم الداخلي، وتعزيز ثقة الشركاء الدوليين، وضمان فاعلية المؤسسات الرسمية.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (سبأ)

وتناول اللقاء الأبعاد الإقليمية والدولية للإصلاحات الأمنية والعسكرية الجارية، حيث أوضح رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني أن توحيد القرار المؤسسي يعزز الشراكة الدولية في مكافحة الإرهاب، ويحمي الأمن البحري وحرية الملاحة، بما ينعكس على استقرار سلاسل الإمداد وأمن الطاقة العالمي.

في السياق نفسه، أكد العليمي التزام الدولة اليمنية بالتعاون مع المجتمع الدولي في مجال مكافحة الإرهاب، عبر آليات مشتركة طويلة الأمد، تجمع بين العمل الأمني، وبناء الحوكمة، وتحسين الخدمات، بما يسهم في معالجة الأسباب الجذرية للتطرف وتجفيف بيئته.

الأولوية للحل السياسي

وفيما يتعلق بمسار السلام، أوضح العليمي أن القيادة اليمنية لا تزال تمنح أولوية للحل السياسي، غير أن نجاح هذا المسار يتطلب امتلاك خيار القوة الرادعة، محذّراً من أن أي تراخٍ في هذا الجانب قد يُضعف فرص التسوية، ويشجع الميليشيات الحوثية على مواصلة التعنت.

كما عبّر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني عن تقديره الموقف الألماني الداعم لوحدة اليمن وأمنه واستقراره، ولمساهمات ألمانيا الإنسانية، وعَدَّ أن هذا الدعم يعكس التزاماً سياسياً وأخلاقياً تجاه الشعب اليمني الذي يواجه واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية في العالم.

وأكد العليمي أن المرحلة الراهنة تمثل فرصة للمجتمع الدولي للتعامل مع شريك مؤسسي واحد وقابل للمساءلة، مشدداً على أن دعم الدولة اليمنية سياسياً وأمنياً واقتصادياً وإنسانياً يشكل استثماراً مباشراً في أمن واستقرار المنطقة والعالم.

Your Premium trial has ended