غابرييلا ميسترال وروميليو أوريتا: حب يائس ظل يكبر من وراء ظهر الموت

عشقته بجنون وكتبت أعذب الهدهدات للطفل الذي تمنت أن تنجبه منه

غابرييلا ميسترال (غيتي)
غابرييلا ميسترال (غيتي)
TT

غابرييلا ميسترال وروميليو أوريتا: حب يائس ظل يكبر من وراء ظهر الموت

غابرييلا ميسترال (غيتي)
غابرييلا ميسترال (غيتي)

«حين التقيت به في دربٍ ريفي
لم تكن المياه قد افترقت عن أحلامها بعد
مضى في طريقه متعَباً وآخذاً معه عينيّ
لم تكن أزهار المنثور وهي تودّعه
أكثر جلالاً وارتفاعاً
وظلّ قلبي العاشق يخفق كالراية في الريح
لا جراح في جسدي
غير أن وجهي كان يتغطى بالدموع»
لم يكن هذا النص الذي كتبته غابرييلا ميسترال في مطالع القرن الفائت، سوى واحد من نصوص كثيرة مماثلة، أرّخت الشاعرة التشيلية من خلالها لقصة الحب المؤثرة التي ربطتها بروميليو أوريتا، الموظف البسيط في شركة السكك الحديدية التشيلية. وإذا كانت قليلة ومتفرقة، المصادر التي يمكن للمرء الاستعانة بها لتتبع تفاصيل هذه العلاقة واستجلاء ما اكتنفها من غموض، فإن ما أخفاه الواقع المعيش أظهره الشعر بكامل قوته وسطوعه، ووضعنا بوصفنا قراء فضوليين في صورة ذلك الحب النادر الذي ينافس في جيشانه واحتدامه الروحيين، نماذج الحب العليا التي عرفها العالم منذ أقدم العصور، أو تلك التي اختبرها الصوفيون في علاقتهم بالخالق، بوصفه صورة للجمال الأسمى.
ولدت لوسيلا غودوا ألكاياغا في مدينة بيكوينا التشيلية عام 1889، لأب ينتمي إلى إحدى السلالات الباسكية، ويعمل في سلك التدريس، هو خوان خيرونيمو بيانوبيا، وأم ذات أصول هندية، هي بيترونيلا الكاياغا. ولعل هذا التمازج السلالي العريق في دماء الطفلة هو الذي غذى في داخلها بذرة الشعر، وألهب مخيلتها بنيرانه الفائرة.
أما الحادثة المبكرة التي أسست لمسار حياتها المأساوي، فقد تمثلت بترك أبيها المنزل العائلي دون سابق إنذار، تاركاً طفلته ابنة الأعوام الثلاثة تتربى في عهدة الأم، وتتلقى بالكثير من المشقة والتصميم دراستها الابتدائية والثانوية. لكن اللافت في الأمر أن لوسيلا المفطورة على الرقة والطباع الوادعة، لم تتحدث عن أبيها بالسوء، ولم تنقل عنه سوى أنه قبل تركه البيت أنشأ لها حديقة وارفة كانت تتخاطب بين جنباتها مع الطيور والأزهار. كما روت عنه تعلقه بالشعر ونظمه العديد من القصائد التي أيقظت في داخلها «العاطفة الشعرية». أما اسم غابرييلا ميسترال الذي وقّعت به قصائدها وأعمالها كافة، فهو مزيج من اسمي الشاعر الإيطالي غابرييل دينينزيو والفرنسي فريدريك ميسترال، اللذين أعجبت بهما الشاعرة، وارتأت أن تكرمهما على هذا النحو.
وإذا كان تميز ميسترال في مجال التربية والتعليم قد جعلها تشغل مناصب ومهمات تربوية مهمة في بلادها، وتتلقى دعوات عدة للإفادة من أساليبها التربوية المبتكرة في الولايات المتحدة والمكسيك وبورتوريكو، فإن شهرتها كشاعرة دفعت بسلطات بلادها إلى إلحاقها بالسلكين القنصلي والدبلوماسي، لتتنقل بين العديد من أقطار العالم وعواصمه.
ورغم كل ما عرفته مسيرتها من نجاحات وإخفاقات، فإن حب غابرييلا لروميليو أوريتا، الذي التقته أثناء فترة التدريس في لاكانتيرا، كان الحدث الأهم الذي ترك في داخلها أبلغ الندوب، ونقطة الارتكاز الأبرز التي تحلقت من حولها حياتها وشعرها اللاحقان. صحيح أنها كانت قد أغرمت في الخامسة عشرة من عمرها ببيديلا بيتيدا، الرجل الثري والوسيم الذي يكبرها بعشرين عاماً، وظلت تراسله لسنة ونصف سنة من الزمن، إلا أنها سرعان ما اكتشفت أن ما عاشته آنذاك، لم يعدُ كونه نوعاً من الأعراض العاطفية المتوهمة لسن المراهقة، التي انطفأ أوارها في وقت قصير.
ولم تكد تمر شهور قليلة على انتهاء علاقتها ببيتيدا، حتى التقت ميسترال بروميليو، الذي وقعت في حبه منذ لحظات اللقاء الأولى، وشعرت بأنه الكائن الألصق بتصوراتها المثلى عن فتى أحلامها المتخيل، والرجل الذي خفق له قلبها في الصميم. وقد بدت الشاعرة في كتابتها عنه، وكأنها تمشي على الخيط بين الثمل الروحي الطهراني، والانتشاء الحسي بالحب. كما أن فرحها الكرنفالي بالرجل بالمعشوق ظل يخالطه على الدوام قلق غامض من فقدانه، وهو ما يظهر جلياً في قصيدتها «أرق» التي تقول فيها:
أريد أن أتبسم في الطرقات كلها
وأن أثق بالناس جميعاً ما دمتَ قد جئتَ إلي
غير أنني تعلمت أن أخاف حتى في أحلامي
وأتساءل: أأنت هنا؟ ألم تذهب؟
لكن الأقدار الشائكة للشاعرة الرومانسية الهشة، ما لبثت أن وضعتها أمام صدمتين متعاقبتين؛ تمثلت الأولى في انصراف حبيبها عنها وزواجه من امرأة أخرى، فيما تمثلت الثانية، وهي الأفدح والأشد مرارة، في لجوء أوريتا إلى الانتحار، إثر اتهامه باختلاس أموال الشركة التي يعمل بها. وفيما ذهبت بعض الروايات إلى أن روميليو أخذ المال لمساعدة أحد أصدقائه المعوزين، ثم دفعه عجزه عن تسديده إلى الانتحار بفعل التهم القاسية التي وُجهت إليه، فإن رحيله المفجع بدا أشبه بالصاعق العصبي والنفسي الذي فجر مكنونات قلب الشاعرة، فتحولت قصائدها إلى مرثية لا نهائية لحبها المتواري في غيابة التراب:
أنت سمعتَ ينبوعي وقد جرت سيوله أجراساً ذات رنين
وتعرف أن خوفي أمام الرؤية المرعبة
لم يكن نزوة جامحة
فلا تحجب وجهك عني وتحرمني نعمة الضوء
لا تصمت بحقّ الإله
فالليل يتطلع إليّ من كل جهة بعيونٍ مجنونة
لم يبق معي غير عينيك
لكن، واحسرتاه، لقد أغلقتهما الثلوج
وإثر صدور مجموعتها الثانية «سوناتات الموت» عام 1914، مُنحت ميسترال جائزة الأدب التشيلي عام 1914. وحين هرع الكثيرون للقاء معلمة القرية الفائزة، كانت ميسترال تكلف من ينوب عنها لحضور المناسبة، لأنها كما قيل لم تجد في خزانتها سوى بذلة واحدة، لا تليق بالحفل المعد لتسلمها أرفع جائزة أدبية في تاريخ البلاد.
وقد كتب الناقد التشيلي فرانسيسكو دونوسو آنذاك بأن غابرييلا بحثت عن الشعر في لجج نفسها العميقة وأهدته للعالم على شكل صلوات. وإذا كانت الصدفة المجردة هي التي وفرت لميسترال سبل اللقاء بالطالب المولع بالشعر نفتالي رييس، الذي سيستعير لنفسه فيما بعد اسم بابلو نيرودا، فإن ما أوصل الأولى إلى جائزة «نوبل» عام 1945، والثاني إلى الجائزة نفسها بعد ذلك بربع قرن، لم يكن المصادفات بالتأكيد، بل اتكاء كل منهما على موهبة نادرة، وبحثهما المشترك عن الكنوز المختزنة في تربة بلادهما الأم. كما أن كره غابرييلا للاستبداد ووفاءها للحرية، هما اللذان دفعاها إلى مؤازرة نيرودا لدى نفيه السياسي إلى إيطاليا، حيث كانت قد عينت في تلك الفترة قنصلاً لبلادها هناك.
منقسمةً على نفسها راحت غابرييلا ميسترال تكتب بلا هوادة للموت تارةً، وللحياة تارة أخرى. فلقد بدا الموت أشبه بالقاتل المتسلسل الذي أزهق أرواح كل من أحاط بها من الأهل والأحبة والأصدقاء. فبالإضافة إلى انتحار روميليو، حب حياتها الأثير، خسرت في أوقات مختلفة أباها وأمها، ومن ثم صديقها النمساوي ستيفان زفايغ، الهارب من البطش الهتلري إلى البرازيل، والذي أقدم مع زوجته على الانتحار. لكن أكثر ما آلمها كان الرحيل المأساوي لابن أخيها خوان ميغيل، الذي عمدت إلى تبنّيه كما لو كان الطفل المستحيل الذي حلمت أن يهبها إياه روميليو أوريتا، حتى إذا بلغ الثمانية عشرة من عمره دفعه شعور داهم باليأس إلى الانتحار بواسطة جرعة من الزرنيخ، عام 1943.
لقد اكتشفت ميسترال، متماهية مع المنظور المريمي للعالم، أن معنى الحياة الحقة لا يتمثل بالحصول على الحب والامتلاك الأناني للأشياء، بقدر ما يوفره البذل والإيثار والعطاء غير المحدود. لذلك كتبت في إحدى قصائدها النثرية «أنا لم أر من قبل طلعة الأرض الأصيلة، الأرض التي تشبه امرأة تحمل طفلاً على يديها. أنا أعرف فكرة الأمومة في الأشياء. فالجبل الذي يتطلع إلى هو أمٌّ أيضاً». وحيث كانت تتحول يوماً بعد يوم إلى كائن من حب خالص، راحت غابرييلا تناغي من خلال طفلها المتخيل كل البراعم القابلة للتفتح على أديم الطفولة الكونية:
هادئاً يرقد الطفل
والطريقُ ساكنٌ تماماً
الضبابُ يغمر الوهاد
وقد توارى القصرُ الأزرق
وانطرح الهدوءُ على الوادي النائم
كراحة اليدِ فوق الجبين
وأنا أترنمُ بلطفٍ وأهزّ طفلي
وقد أرقدتْ ترنيمتي هذه الأرضَ المكدودةَ كلّها
ولشدة تعلقها بالأطفال أوصت غابرييلا، قبيل رحيلها متأثرة بسرطان البنكرياس عام 1957، أن تُستخدم الأموال الآتية من مبيعات كتبها، في مساعدة أطفال مونتيغراندي، المدينة التي احتضنت في الآن ذاته سريرها الأول ومثواها الأخير.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

 ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
TT

«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

 ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)

فازت المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG) بعقد تشغيل وإدارة قناة «الثقافية» التابعة لوزارة الثقافة؛ في خطوة تواكب النهضة الثقافية التي تشهدها المملكة بدعم وقيادة وزارة الثقافة للقطاع وتعكس مكانة «المجموعة» وثقة عملائها بخبراتها الإعلامية والتحريرية.

وتمثل هذه الشراكة امتداداً للجهود السابقة في تطوير قناة «الثقافية»، وستشهد المرحلة المقبلة تطويراً في المعالجات التحريرية وتوسيع نطاق المحتوى بما يلبي اهتمامات مختلف شرائح الجمهور، إلى جانب تعزيز الحضور الرقمي للقناة.

وقالت جمانا راشد الراشد، الرئيسة التنفيذية «للمجموعة»: «نعتز بثقة وزارة الثقافة، ونعتبر هذه الترسية لقناة بأهمية القناة (الثقافية) مسؤولية لإكمال المسيرة والجهود الضخمة التي قامت بها الوزارة منذ إطلاق القناة، كما تأتي تتويجاً لجهود المجموعة في التطوير والتوسع».


«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
TT

«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)

في عمل مسرحي مونودرامي، ينهل شادي الهبر من ذاكرته المثقلة بالحرب الأهلية اللبنانية، فيقدّم «ضاع شادي» في حكاية تتجاوز فردية العنوان، وتلامس وجعاً جماعياً لم يندمل بعد. يقف وحده على الخشبة بوصفه كاتباً للنص وممثلاً ومخرجاً، يستعيد الأحداث في سردية مليئة بالجروح، ويتناول تأثيرها عليه مع عائلته التي تحضر فرضياً على شاشة عملاقة كخلفية بصرية. ومع أفراد من أهله وأعمامه يقيم حوارات جريئة، فتتحول إلى ما يشبه العلاج الشافي من ندوب الحرب.

يروي شادي الهبر حكايته الحقيقية منذ ولادته إلى حين بلوغه سن المراهقة، ويعدّها مرحلة أدت إلى تكوين شخصيته التي تطبعه اليوم. ويمر على حقبات الحرب منذ أيام التهجير من الجبل إلى حين إقامته في العاصمة. ويوضح لـ«الشرق الأوسط»: «إنه بمثابة عمل مسرحي أوثِّق فيه مرحلة مهمة من حياتي، وأتطرّق خلاله إلى موضوعات مختلفة. منها الذكورية، والعنف الأسري، والعلاقات العائلية».

يتحوَّل المسرح في «ضاع شادي» إلى مساحة مواجهة صادقة مع الذاكرة، في تجربة شخصية وجريئة يخوضها شادي الهبر على أكثر من مستوى. فهو يقف للمرة الأولى على الخشبة جامعاً بين أدوار الممثل، والكاتب، والمخرج، ليقدِّم في مسرح «شغل بيت» الذي أسَّسه عام 2015 حكايته الخاصة بكل ما تحمله من صدق ووجع.

يقول: «إنها سيرتي الذاتية، محمَّلة بمشاعر، وأحاسيس عشتها وواجهتها وحيداً. هذه المرحلة شكَّلت تكويني الحقيقي وبداياتي مع المسرح». ويوضح أن العمل يتكئ على عناصر بصرية وسمعية، تاركاً للصمت حيّزاً تعبيرياً أساسياً، مبتعداً عن النمط الوثائقي التقليدي، يتنقَّل بين محطات زمنية مختلفة من طفولته إلى المراهقة. ويضيف: «كانت الخشبة ملاذي، ومنها تعلَّمت كيف أعبِّر عن مكنوناتي بعدما كنت أخشى مواجهتها علناً».

يستعيد فترة زمنية تمتد من 1976 إلى 1990 (شادي الهبر)

على مدى 3 سنوات، عمل الهبر على بلورة هذا المشروع، ليقدِّمه في عرض لا يتجاوز 55 دقيقة، يختصر فيه رحلة طويلة من التجربة والنضج. ويشير: «أرى هذا العمل تتويجاً لمسيرتي بعد 26 عاماً في المهنة. وتقديمه في (شغل بيت) بحد ذاته إنجاز». ويؤكد أن تفاعل الجمهور فاجأه، إذ لمس أن كثيرين يشبهونه في صمتهم ومعاناتهم، مضيفاً: «خاطبتهم بلسان حالهم، وهذا ما انعكس عليهم إيجاباً».

ومنذ تأسيسه مسرح «شغل بيت» ساهم الهبر في تدريب مئات الهواة على التمثيل، من خلال ورش عمل أثمرت عن أكثر من 60 عرضاً مسرحياً. ويقول: «أعددت نحو 400 شخص اعتلوا الخشبة، وراكمت خبرة كبيرة، لتأتي (ضاع شادي) محطة مفصلية في مسيرتي».

ويؤكد أن الحرب كانت تحضر دائماً في الأعمال التي قدّمها: «بسبب تأثيرها الكبير عليَّ تناولتها في معظم مسرحياتي. وكما في (نرسيس)، و(قفير النحل)، كذلك في (رحيل الفراشات)، و(دفاتر لميا)، جميعها حضر فيها جزء من الحرب وأحياناً سادت أحداث العمل برمّته. ولكن في (ضاع شادي) أخرجت كل ما سبق وكتمته في قلبي من تداعيات ومصير مجهول، تسببت به الحرب».

ولا يخفي الهبر البعد العلاجي الذي يحمله العمل، موضحاً: «خضعت لجلسات علاج نفسي طويلة حتى تصالحت مع نفسي وأهلي. دخلت الفن متأخراً لأنني كنت أبحث عن وسيلة للتخلّص من ندوب كثيرة. ربما كانت (ضاع شادي) مساحة (فشّة خلق) منحتني سلاماً داخلياً».

ويقرّ بأن مصارحة الذات ليست أمراً سهلاً، لكنه اختار المواجهة بلا أقنعة. ويتابع: «في هذا العمل اكتشفت أحاسيس لم أختبرها من قبل، وشعرت بأنني اكتملت فنياً وإنسانياً، إذ اجتمع داخلي المخرج والكاتب والممثل للمرة الأولى».

تعرض مسرحية «ضاع شادي» على مسرح «شغل بيت» في فرن الشباك. ومن المقرر أن يمدد عرضها في مايو (أيار) المقبل.

أما على مستوى السينوغرافيا، فقد اختار عناصر بصرية مستوحاة من الحرب، من متاريس رملية، وأقمشة ممزقة، طغى عليها اللونان الأحمر والأبيض، في إشارة إلى شظايا الانفجارات. وتتكامل هذه العناصر مع إضاءة صمَّمها توفيق صفدي، لتخلق جواً متقلباً بين الضوء والعتمة، والحرّ والبرد، في محاكاة حسّية لذاكرة الحرب.


«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
TT

«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)

يفتح الكاتب والمخرج إيلي كمال في مسرحيته «حنّة» باباً للضحك من حيث لا يبدو هذا الضحك ممكناً أصلاً، على خشبة «مسرح المونو»، في لحظة لبنانية خارجة للتوّ من اشتعال الحرب وثقل الجنائز. يريد مسرحيته مساحةً لالتقاط النَفَس، بعيداً عن الهروب الساذج من الواقع، فيسعى إلى تخفيف حدّته، لربما تمنح الخشبة المُتفرّج فرصة أن يضحك على ما يؤلمه.

النصّ خفيف، لكنه لا يقع في الخفّة السطحية. يذهب إلى الكوميديا عبر اللعب على الكلمات وسوء الفهم والمواقف المُتلاحقة، من دون أن يتخلَّى عن طبقة أعمق تتّصل بالدولة والاستشفاء وشركات التأمين، ومصير الإنسان حين يكبر أو يمرض أو يتركه أبناؤه للهجرة البعيدة.

ما يبدو بسيطاً... ليس كذلك تماماً (مسرح المونو)

تبدأ الحكاية مع «حنّة» التي تؤدّيها ندى أبو فرحات. امرأة تدخل المستشفى بعد حادث بهوية مجهولة، ويظنّ الجميع أنها فقدت عقلها أو ذاكرتها. إنما اللعبة تتكشَّف تدريجياً فيتراجع الفارق بين مَن يُفترض أنهم واعون ومَن يُنظَر إليهم على أنهم في غفلة. تبدو «حنّة» أحياناً خارج ما يجري، ثم تظهر واعية تماماً بما تريده، مُمسِكةً بالخيوط من سريرها، بينما يظنّ الآخرون أنهم يديرون المشهد.

ندى أبو فرحات تبني هذا الازدواج بحضور متوازن بين جسد مستسلم للغفلة، وعين تراقب، وصوت يحمل معرفة غير مُصرَّح بها. شخصيتها لا تُضحِك لأنها مُضحكة فقط، إنما لأنها تكشف اختلالات مَن حولها. ومع الوقت، تصبح «حنّة» نموذجاً يتقاطع فيه الجميع. فكلّ شخصية مثلها، تحمل هروباً ما، من يومياتها، ومن خيبتها، ومن الخريطة القاسية التي وُلدت داخلها.

ما يُخفى أكثر مما يُقال (مسرح المونو)

سلمى الشلبي، بدور «الأخت إيزابيل»، أكثر الشخصيات حضوراً في العمل. الراهبة عنصر كوميدي فاعل داخل البنية، يتحوّل إلى محرّك أساسي للمشهد. جسدها هو الحامل الأول للمعنى، قبل أن يتدخَّل الكلام لتفسيره. فانحناءة الظهر امتداد لثقل داخلي، وخطوتها المُتباطئة تفرض إيقاعاً خاصاً على الخشبة، فيما يمنح تقوُّس القدمين حضورها بُعداً شبه طَقْسي، كأنّ الشخصية تسير داخل نظام منضبط لا تسمح لنفسها بالخروج عنه. الوجه الخالي من الليونة، والنبرة المقفلة على ذاتها، يوحيان بتاريخ طويل من كبح الانفعال، ومن إقصاء كلّ ما يمكن أن يفتح مجالاً للانفلات أو المرح.

كلّ شيء في مكانه... إلا ما في الداخل (مسرح المونو)

من هذه الصرامة تولد الكوميديا. فكلّ خروج صغير عن القاعدة، وكلّ انزلاق في الرصانة، يصنع مُفارقة مسرحية. هنا يعرف التمثيل كيف يمنح الشخصيات حقّها في التجسُّد عبر دقّة التفاصيل، ضمن رؤية إخراجية لإيلي كمال تُمهّد الطريق لهذه الانكسارات الدقيقة كي تتشكَّل، وتحوّلها إلى جزء أساسي من حركة العرض وبنائه.

ويضيف كريم شبلي في دور المحقّق «خالد»، إلى المشهد، نبرة مرحة مُقنعة تُخفّف من ثقل خطّ التحقيق وتفتحه على تفاعل أكثر سلاسة. يدخل في مسار التقرُّب من الممرضة «سمر»، التي تؤدّيها جويس أبو جودة بقدرة على اختيار اللحظة المناسبة لإلقاء الجملة والاستجابة لما يدور حولها. وإنما تفصيل بصري بقي خارج انسجام هذا الخطّ، تمثَّل في محبس بإصبع يده، رغم أنّ مساره الدرامي يتّجه نحو استمالة الممرضة. قد يكون الأمر سهواً، لكنه يبقى تفصيلاً أمكن تداركه على خشبة تُقرأ فيها أدقّ العلامات.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

أما جويس أبو جودة فتمنح «سمر» حضوراً لافتاً لا يقوم فقط على الإلقاء، إنما على حركة الجسد وسرعة التقاط الموقف. شخصيتها تُسهم في تثبيت الكوميديا داخل المستشفى، وتجعل المكان أقل برودة وأكثر قابلية لانفجار المفارقات الصغيرة.

المسرحية تجربة متماسكة تنطلق من إمكانات محدودة وتعرف كيف توظّفها من دون افتعال. الديكور يكتفي بإشارات مضحكة إلى فضاء المستشفى، تاركاً للممثلين حرّية الحركة، وللإخراج مَهمّة تنظيم الفراغ وتحويله إلى مساحة دينامية. هنا يظهر دور إيلي كمال في ضبط حركة الشخصيات داخل المشهد وتوزيعها بحيث لا يطغى حضور على آخر، ممّا يمنح المواقف الكوميدية قوّتها من ذاتها.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

تتجلّى اللمسة الإخراجية أيضاً في انتقال «حنّة» من حالة إلى أخرى من دون قَطْع حاد، كأنّ التحوّل يحدث أمام العين تدريجياً، وفي وقوف «الأخت إيزابيل» لحظةً خارج مسار الحركة، ثابتة وسط اندفاع الآخرين، ممّا يُضاعف أثر حضورها، وفي المشهد الجماعي داخل المستشفى، حيث تتقاطع المسارات وتبدو الفوضى مُنظَّمة، فيبقى المشهد مقروءاً رغم تقاطُع خطوطه.

لا يفصل العرض الضحك عن سياقه، ولا يُحمِّل مضمونه ما يفوق احتماله، ويعمل على إيجاد مساحة متوازنة بينهما. «حنّة» مسرحية تُدرك حدودها وتُحسن توظيفها، فتُقدّم تجربة متوازنة تلامس الواقع من دون إثقال.