فرنسا: المجلس الدستوري يصادق على قانون التقاعد مع تعديلات بسيطة

النقابات وأحزاب المعارضة تؤكد استمرار الحراك

متظاهرون خارج مقر المجلس الدستوري في باريس أمس (رويترز)
متظاهرون خارج مقر المجلس الدستوري في باريس أمس (رويترز)
TT

فرنسا: المجلس الدستوري يصادق على قانون التقاعد مع تعديلات بسيطة

متظاهرون خارج مقر المجلس الدستوري في باريس أمس (رويترز)
متظاهرون خارج مقر المجلس الدستوري في باريس أمس (رويترز)

حقق الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ومعه الحكومة، «انتصاراً» قانونياً من خلال موافقة المجلس الدستوري على الأساسي من قانون إصلاح نظام التقاعد، ما يعدّ هزيمة للنقابات وللأحزاب الداعمة لها التي ترفض القانون وتسعى لمواصلة تحركها. وبموازاة ذلك، رفض المجلس المصادقة على طلب إجراء «استفتاء بمبادرة مشتركة» تقدمت به أحزاب اليسار والبيئويون، وكانت تعول عليه ملاذاً أخيراً لدفع ماكرون إلى تجميد القانون الجديد أو التراجع عنه.
ولم يبقَ لماكرون، حتى يصبح القانون نافذاً، سوى أن يصدره بمرسوم ينشر في الجريدة الرسمية. وأفادت مصادر رئاسية بأن ماكرون سيعمد إلى إصدار القانون الجديد في الأيام القليلة المقبلة، رغبة منه في إغلاق ملف التقاعد. يبقى أن المجلس رفض بعض بنود القانون الجديد، وعددها 6، والتي لا تؤثر على جوهر القانون، أي رفع سن التقاعد من 62 إلى 64 عاماً. ورغم هذا النجاح «القانوني»، فإن ردود الفعل الأولية من على جانبي الخريطة السياسية يميناً ويساراً اعتبرت أن قرار المجلس ليست نهاية التاريخ. والقلق اليوم أن يدفع هذا القرار المواطنين إلى الشوارع مجدداً، بحيث يكون الجانب القانوني قد أغلق فيما فتح على مصراعيه الجانب السياسي.
ومنذ يوم الخميس، تحول المبنى الذي يشغله المجلس الدستوري الواقع وسط العاصمة، على بعد بضع مئات من الأمتار من دار الأوبرا، إلى قلعة حصينة حيث أحاطت به وحدات من فرقة مكافحة الشغب ونشر أفراد منها على سطح المبنى. وكان لافتاً الحضور الإعلامي الواسع المحلي والعالمي على الرصيف المقابل للمجلس لتغطية الحدث، في سابقة لم يعرفها أبداً في الماضي. واستبق مدير الشرطة في باريس الحدث، فعمد إلى إصدار قرار يمنع فيه التظاهر بمحيط المجلس حتى يوم السبت. وطيلة الأيام الأخيرة، كان المجلس المذكور المؤلف من 9 أشخاص برئاسة لوران فابيوس، رئيس الوزراء الأسبق، حديث الساعة وإليه ترنو أنظار الحكومة والنقابات والمعارضة. والسبب في ذلك أن مصير قانون تعديل نظام التقاعد الذي ترفضه النقابات مجتمعة وأحزاب اليسار والخضر، ومعها نسبة الثلثين من الفرنسيين، أصبح بين يديه. وفي محاولة لمنع إقراره والسير به، نزل ملايين الأشخاص 12 مرة إلى الشوارع منذ 19 يناير (كانون الثاني) الماضي، في احتجاجات جاءت عنيفة في بعض الأحيان من أجل إسقاطه.
وينوط الدستور بهذه الهيئة القضائية، وهي الأعلى في فرنسا، مهمة النظر في مدى مطابقة القوانين الجديدة للنصوص الدستورية. كذلك، فإن قراراتها غير قابلة للنقض أو الاستئناف، وبالتالي فإن ما يصدر عنها يتخذ حكماً صفة القانون. ويعمد أعضاؤها التسعة إلى التصويت السري على القرارات التي تصدر بالأغلبية البسيطة، ويمنع بشكل مطلق الإفصاح عما دار من مناقشات داخلها.
ويوم أمس، كان على المجلس أن يصدر قرارين وليس قراراً واحداً: الأول يتناول بالطبع قانون التقاعد، والثاني مصير اقتراحين قدمهما نواب اليسار والخضر لعرض القانون المذكور على الشعب في إطار استفتاء عام تحت اسم «استفتاء بمبادرة مشتركة». وللتذكير، فإن هذا الإجراء لم يتم العمل به أبداً حتى اليوم منذ أن أدخل إلى الدستور في عهد الرئيس نيكولا ساركوزي. وفي حال أجاز المجلس إجراء الاستفتاء، فإن ذلك يعني حكماً تأخير العمل بالقانون الجديد على الأقل 9 أشهر، فيما الرئيس إيمانويل ماكرون يريده نافذاً بعد إصداره، بحيث يبدأ العمل به في سبتمبر (أيلول) المقبل أو في أي حال، قبل نهاية العام الحالي.
بيد أن النقابات التي حافظت حتى اليوم على وحدتها أكدت سلفاً أن قرار المجلس الدستوري ليس نهاية المطاف. وفيما كانت المداولات جارية في الطابق الأول من جناح المجلس القائم في مبنى «الباليه رويال» (القصر الملكي)، كانت المسيرات قد بدأت بالانطلاق فيما يعد محاولة للضغط على «الحكماء التسعة». والرأي السائد كان أن المجلس لن يصادق ولن يرفض المصادقة على القانون الجديد بكليته، بل سيطلب سحب بعض مواده ليس إلا، الأمر الذي لن يزعج الحكومة ولن يرضي المعارضة، خصوصاً أنه لن يمس قلب الإصلاح الحكومي، أي رفع سن التقاعد من 62 إلى 64 عاماً. ومنذ ما قبل صدور قرار المجلس، أكد لوران بيرجيه، أمين عام الفيدرالية الديمقراطية للعمل، أن «النضال النقابي لن يتوقف» مهما كان قرار المجلس. وتتهيأ اللجنة النقابية المشتركة التي تضم ممثلين عن النقابات الـ12 لعقد اجتماع تقييمي يوم الاثنين المقبل، بعد أن قررت الخميس، أن يكون الثلاثاء المقبل يوم التعبئة الثالث عشر. لكن القرارات النقابية اللاحقة ستتأثر حكماً بما صدر عن المجلس.
وأكدت صوفي بنيت، الناطقة باسم اللجنة النقابية، أن وحدة النقابات «لن تنفجر»، وأن رد النقابات «سيكون موحداً». وحذر رئيس نقابة «الكونفدرالية الفرنسية للعمال المسيحيين»، سيريل شابانييه، من أنه «إذا لم نحصل على الأقل على استفتاء المبادرة المشتركة، فسيكون الغضب الاجتماعي شديداً جداً». وكما هو متوقع، جاءت تصريحات ممثلي الأحزاب الداعمة للحراك الشعبي داعمة للنقابات. وقالت ماتيلد بانو، رئيسة المجموعة النيابية لحزب «فرنسا المتمردة» اليساري المتشدد، إن «الناس لا يتظاهرون لأن قانون التقاعد لا يتوافق مع الدستور، بل لأنه غير عادل»، مضيفة أن «صفحة (الاحتجاجات) لن تقلب».
وكشفت مذكرة صادرة عن المخابرات الداخلية، وفق وكالة الصحافة الفرنسية، أن هناك 131 تحركاً متوقعاً بعد قرار المجلس، وقد بدأت التحركات منذ ما قبل صدور قرار المجلس. وضربت النقابات لمناصريها موعداً في ساحة القصر البلدي الواقع في قلب العاصمة، وإليه اتجهت عدة مسيرات وسط حضور أمني مكثف.
وفي محاولة من السلطات لتنفيس الاحتقان الاجتماعي، دعا الرئيس ماكرون ممثلي النقابات للقائه يوم الثلاثاء المقبل، «مهما يكن قرار المجلس الدستوري». بيد أنه نبّه مسبقاً أن الحديث لن يتناول قانون التقاعد. وقالت أوساط الرئاسة إن المطروح «سيكون بالضرورة بداية مرحلة (جديدة)، حيث سيسعى الرئيس والحكومة في الأسابيع المقبلة للحوار مع الشركاء الاجتماعيين (النقابات)، وأن أبواب الإليزيه ستبقى مفتوحة للحوار من غير شروط مسبقة».
من جانبها، أعلنت إليزابيث بورن، رئيسة الحكومة، رفع قيمة الحد الأدنى للأجور بنسبة 2 بالمائة في مسعى من السلطات لمساعدة الفئات الأكثر هشاشة لمواجهة موجة الغلاء والتضخم غير المسبوقة التي تعاني منها البلد. ويرى عدد من المراقبين أن تركيز الأنظار في الأشهر الثلاثة الأخيرة على قانون التقاعد، «أنقذ» السلطات عبر تحريف الأنظار عن الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية التي تصيب الطبقات الوسطى وما دون، وأن طي ملف التقاعد سيعيدها إلى الواجهة. ويبدو أن ماكرون يريد قلب صفحة قانون التقاعد بأسرع وقت، وقد يمر ذلك بتغيير وزاري يطال رئيسة الحكومة التي ارتبط اسمها بالقانون المذكور وعدد من الوزراء. وهمّ ماكرون هو توفير انطلاقة جديدة لعهده الثاني الذي انطلق متعثراً منذ بدايته.


مقالات ذات صلة

فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

شؤون إقليمية فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

ندّدت فرنسا باحتجاز البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني ناقلة النفط «نيوفي» التي ترفع عَلَم بنما، في مضيق هرمز الاستراتيجي، وذلك صبيحة الثالث من مايو (أيار)، وفق المعلومات التي أذاعها الأسطول الخامس، التابع لـ«البحرية» الأميركية، وأكدها الادعاء الإيراني. وأعربت آن كلير لوجندر، الناطقة باسم «الخارجية» الفرنسية، في مؤتمرها الصحافي، أمس، أن فرنسا «تعرب عن قلقها العميق لقيام إيران باحتجاز ناقلة نفطية» في مياه الخليج، داعية طهران إلى «الإفراج عن الناقلات المحتجَزة لديها في أسرع وقت».

ميشال أبونجم (باريس)
العالم باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

قالت وزارة الخارجية الفرنسية إنها تأمل في أن يُحدَّد موعد جديد لزيارة وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني بعدما ألغيت بسبب تصريحات لوزير الداخلية الفرنسي حول سياسية الهجرة الإيطالية اعتُبرت «غير مقبولة». وكان من المقرر أن يعقد تاياني اجتماعا مع وزيرة الخارجية الفرنسية كاترين كولونا مساء اليوم الخميس. وكان وزير الداخلية الفرنسي جيرار دارمانان قد اعتبر أن رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني «عاجزة عن حل مشاكل الهجرة» في بلادها. وكتب تاياني على «تويتر»: «لن أذهب إلى باريس للمشاركة في الاجتماع الذي كان مقررا مع الوزيرة كولونا»، مشيرا إلى أن «إهانات وزير الداخلية جيرالد دارمانان بحق الحكومة وإي

«الشرق الأوسط» (باريس)
طرد الطيور في مطار «أورلي الفرنسي»  بالألعاب النارية

طرد الطيور في مطار «أورلي الفرنسي» بالألعاب النارية

يستخدم فريق أساليب جديدة بينها الألعاب النارية ومجموعة أصوات لطرد الطيور من مطار أورلي الفرنسي لمنعها من التسبب بمشاكل وأعطال في الطائرات، حسب وكالة الصحافة الفرنسية. وتطلق كولين بليسي وهي تضع خوذة مانعة للضجيج ونظارات واقية وتحمل مسدساً، النار في الهواء، فيصدر صوت صفير ثم فرقعة، مما يؤدي إلى فرار الطيور الجارحة بعيداً عن المدرج. وتوضح "إنها ألعاب نارية. لم تُصنّع بهدف قتل الطيور بل لإحداث ضجيج" وإخافتها. وتعمل بليسي كطاردة للطيور، وهي مهنة غير معروفة كثيراً لكنّها ضرورية في المطارات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم فرنسا: المجلس الدستوري يصدر عصراً قراره بشأن قبول إجراء استفتاء على قانون العمل الجديد

فرنسا: المجلس الدستوري يصدر عصراً قراره بشأن قبول إجراء استفتاء على قانون العمل الجديد

تتجه الأنظار اليوم إلى فرنسا لمعرفة مصير طلب الموافقة على «الاستفتاء بمبادرة مشتركة» الذي تقدمت به مجموعة من نواب اليسار والخضر إلى المجلس الدستوري الذي سيصدر فتواه عصر اليوم. وثمة مخاوف من أن رفضه سيفضي إلى تجمعات ومظاهرات كما حصل لدى رفض طلب مماثل أواسط الشهر الماضي. وتداعت النقابات للتجمع أمام مقر المجلس الواقع وسط العاصمة وقريباً من مبنى الأوبرا نحو الخامسة بعد الظهر «مسلحين» بقرع الطناجر لإسماع رفضهم السير بقانون تعديل نظام التقاعد الجديد. ويتيح تعديل دستوري أُقرّ في العام 2008، في عهد الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي، طلب إجراء استفتاء صادر عن خمسة أعضاء مجلس النواب والشيوخ.

ميشال أبونجم (باريس)
«يوم العمال» يعيد الزخم لاحتجاجات فرنسا

«يوم العمال» يعيد الزخم لاحتجاجات فرنسا

عناصر أمن أمام محطة للدراجات في باريس اشتعلت فيها النيران خلال تجدد المظاهرات أمس. وأعادت مناسبة «يوم العمال» الزخم للاحتجاجات الرافضة إصلاح نظام التقاعد الذي أقرّه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)


شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟