حقبة تاريخية جديدة في مسيرة فنلندا «غير محايدة»

بعد الانتخابات العامة الأخيرة التي سلّمت السلطة إلى اليمين

مبنى البرلمان الفنلندي في هلسنكي (أ.ب)
مبنى البرلمان الفنلندي في هلسنكي (أ.ب)
TT

حقبة تاريخية جديدة في مسيرة فنلندا «غير محايدة»

مبنى البرلمان الفنلندي في هلسنكي (أ.ب)
مبنى البرلمان الفنلندي في هلسنكي (أ.ب)

خلال يومين فقط، شهدت فنلندا تغيرات محورية في سياستها. التغير الأول تمثل باتجاهها من اليسار إلى اليمين بعدما خسر الحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) بزعامة رئيسة الحكومة سانا مارين الانتخابات يوم الأحد الماضي؛ إذ اختار الناخبون عوضاً عنه، حزبي يمين الوسط واليمين المتطرف اللذين حصل كل منهما على أصوات أكثر من الاشتراكيين. وعلى الرغم من شعبية مارين على الساحة العالمية، وقيادتها فنلندا بكفاءة إبان أزمة «كوفيد - 19»، والحرب في أوكرانيا - وقرارها التاريخي بإنهاء عقود من الحيادية لصالح الانضمام لحلف شمال الأطلسي «ناتو» - فإنها لم تستطع الحفاظ على منصبها في وجه أزمة اقتصادية متصاعدة يبدو أنها ما دفع الناخبين للابتعاد عن معسكر يسار الوسط. ولكن التغير الأهم الذي طرأ على توجهات هذه الدولة الأوروبية الشمالية المحاذية لروسيا، يبقى تخلّيها رسمياً عن عقود من الحيادية، وانضمامها إلى «ناتو» في خطوة تاريخية يوم الثلاثاء الماضي، لتغدو الدولة العضو الـ31 في الحلف. وهكذا، لم تعد فنلندا «الدولة الوسيط» بين روسيا والولايات المتحدة، كما فعلت في الماضي، خصوصاً عندما استضافت عاصمتها هلسنكي عام 2018 القمة الشهيرة التي جمعت بين الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في أوج التوتر بين الدولتين العظميين على خلفية اتهام واشنطن لموسكو بالتدخل في الانتخابات.
في وسط العاصمة الفنلندية هلسنكي، وبالذات، في ساحة كزارميتوري أمام مقر وزارة الدفاع، يقف نصب تذكاري لـ«حرب الشتاء»، التي خاضتها فنلندا مع الاتحاد السوفياتي عام 1939.
لم تدم تلك الحرب طويلاً؛ ذلك أنها انتهت بعد 105 أيام فقط، غير أن آثارها كانت كبيرة وطويلة الأمد، والحقيقة أن نتائج تلك الحرب شكلت أساساً لسياسة الحياد التي اعتمدتها البلاد منذ ذلك الحين.

الزعيم اليميني المنتصر أوربو يحيي مناصريه (أ.ب)

الحرب التي اندلعت يوم 30 نوفمبر (تشرين الثاني) 1939 كانت شرسة ودموية للطرفين، ولقد خاضها الجيشان الفنلندي والسوفياتي في درجات حرارة وصلت إلى ناقص 43 درجة مئوية، وانتهت بعد قرابة ثلاثة أشهر في منتصف مارس (آذار) من عام 1940. وعلى الرغم من الخسائر الكبيرة التي ألحقتها الجيش الفنلندي بغريمه السوفياتي القوي، فإن القيادة الفنلندية في العاصمة هلسنكي اضطرت في نهايتها إلى التخلي عما يقارب الـ10 في المائة من مساحة أراضيها لصالح الاتحاد السوفياتي.
ومنذ ذلك الحين، ظلت آثار هذه الحرب حاضرة في فنلندا، ليس فقط في سياستها الخارجية بل أيضاً الدفاعية؛ فلدى فنلندا جيش احتياط ضخم من القوات القادرة على الدفاع عن أراضيها، أنشئ من خلال التجنيد الإلزامي العام وعقيدة الدفاع عن الأرض المزروعة في أذهان الفنلنديين. وراهناً لدى فنلندا جيش نظامي قوامه 280 ألف عنصر، تضاف إليهم قوات الاحتياط التي تضم قرابة الـ900 ألف فرد مدربين على القتال، ما يجعله بالتالي واحداً من أكبر جيوش دول التحالف الغربي.
ومن جهة ثانية، امتدت هذه العقيدة الدفاعية أيضاً إلى البنية التحتية للبلاد الجاهزة لحماية السكان في حال تعرض البلاد لضربة نووية؛ فقد أنشأت الحكومات الفنلندية المتعاقبة منذ نهاية «حرب الشتاء» نظام ملاجئ ضخماً يمكنه تأمين حماية قرابة الـ4 ملايين شخص من أصل 5 ملايين ونصف المليون، يشكلون عدد سكان فنلندا. ويمكن لهذه الملاجئ التي تمتد تحت المدن الكبيرة وتستخدم حالياً إما كمحطات مترو، وإما صالات رياضية ومتاحف وغيرها، أن تؤمن حماية من أسلحة نووية تصل زنتها إلى 100 كيلوطن.
- سياسة الحياد
ومقابل تعميق دفاعاتها، بقيت فنلندا معتمدة في السنوات التي تلت خسارتها للحرب، على سياسة الحياد وعدم الانحياز، ونجحت في الحفاظ عليها طوال «الحرب الباردة». ومع مطلع الستينات، باتت فنلندا «دولة موثوقاً بها» لدى الغرب والاتحاد السوفياتي على أنها دولة حيادية فعلاً وعملاً. ويُعد الرئيس الفنلندي الأسبق جوهو كوستي باسيكيفي «عرّاب» سياسة الحياد تلك، التي عمل عليها منذ عام 1946. ولاحقاً، طور السياسة تلك خليفته الرئيس الأسبق أورهو كيكوكن عند تسلمه منصبه عام 1956، الذي وقّع مع الاتحاد السوفياتي اتفاقاً عام 1948 ثبّت حياد فنلندا رسمياً، واستحق كيكوكن بذلك «جائزة لينين للسلام»، التي منحه إياها الاتحاد السوفياتي عام 1979. وعبر السنوات، ربطت فنلندا بين حيادها والسلام في أوروبا، وعملت على الترويج لذلك طوال العقود الماضية التي بقيت ملتزمة فيها بمبدأ الحياد والتعامل السلمي.

رئيسة الحكومة الاشتراكية الخاسرة سانا مارين (أ.ف.ب)  -   زعيمة اليمين المتطرف رييكا بورا (أ.ب)

هذه كانت الحال طوال السنوات التي تلت الحرب العالمية الثانية، ومعه ترسخت كاملة قناعة في هلسنكي بضرورة المحافظة على مبدأ الحياد كوسيلة مثلى للتعايش مع جار أكبر وأقوى منها للحفاظ على استقلالها، بل إن سياستها تلك بات لها تعبير هو «الفلدنة» أو «الفنلدة»، الذي صار يطلقه البعض بشكل ازدرائي على ممارسة الدول التي ترفض اتخاذ مواقف سياسية من جارتها الأقوى مقابل الحفاظ على استقلالها. ولكن بالتوازي، رغم حفاظ فنلندا على مبدأ الحياد، بدأ نقاش حقيقي حول مدى استمرار هذا الحياد وجدواه فعلاً منتصف التسعينات، بعد توقيع هلسنكي على اتفاق تعاون مع حلف شمال الأطلسي في عام 1994، وانضمامها إلى الاتحاد الأوروبي في العام الذي تلاه أي عام 1995. وسمح اتفاق التعاون مع الحلف آنذاك، بتنفيذ عمليات عسكرية مشتركة مع دول «ناتو» على الحدود مع روسيا.
غير أنه مع انهيار عقد السلام في أوروبا خلال فبراير الماضي على إثر غزو روسيا لأوكرانيا، انهارت كذلك مسوّغات الحياد الفنلندي التي كانت مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالسلام بين روسيا وجيرانها، ونابعة من ثقتها بأن حيادها سيحميها.
لقد غيّرت الحرب الروسية في أوكرانيا هذه الذهنية، والصدمة التي شكلتها الحرب لدى الفنلنديين دفعتهم، بشكل واسع لتأييد دعوة حكومتهم للانضمام لـ«ناتو»؛ فالحرب أعادت مخاوف تكرار «حرب الشتاء»، ودفعت بالسياسيين للاستنتاج سريعاً خلال مايو (أيار) الماضي، بأن فنلندا ليست جاهزة للدفاع عن نفسها في وجه أي اعتداء روسي شبيه لما حصل لأوكرانيا. وأنها، بالتالي، لا تستطيع أن تحافظ على حيادها في وجه ما رأته تهديداً متزايداً من روسيا. وهكذا، اتخذت القيادة الفنلندية القرار التاريخي بالتخلي عن حيادها على ضوء العملية العسكرية الروسية، والانضمام إلى الحلف الغربي. وهكذا بات الحلف هو المرجعية المسؤولة عن حماية استقلال فنلندا في مواجهة أي تهديد من روسيا التي تشاركها حدوداً طويلة جداً، تمتد على مسافة 1340 كيلومتراً. وغدت فنلندا تتمتع بحق الحماية من جميع دول «ناتو» في حال تعرضها لأي اعتداء خارجي بموجب المادة الخامسة من آلية الدفاع الجماعي للتحالف.
- عضوية «ناتو» والمتاعب المرتقبة
مع هذا، فإن هذا الانضمام الذي أصبح رسمياً خلال الأسبوع الماضي يحمل معه متاعب جديدة لفنلندا ولـ«ناتو» أيضاً. تلك الحدود بين دول «ناتو» وروسيا توسعت بشكل كبير، وبات على الحلف تأمين هذه الحدود الجديدة مع روسيا. وبالنسبة لفنلندا، ستوجب العضوية عليها مراجعة سياستها النووية بشكل سريع بعد انضمامها رسمياً لحلف هو نووي بالأساس. ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، سعت فنلندا لإنشاء «منطقة خالية من الأسلحة النووية» في شمال القارة الأوروبية، بيد أن طموحها اصطدم في ذلك الوقت بانضمام كل من الدنمارك والنرويج إلى «ناتو» الذي يعد المظلة النووية أساسية في منظومته الدفاعية. وفي النتيجة، بقيت فنلندا إلى جانب السويد - التي اعتمدت نفس سياسة جارتها بالحياد وعدم الانحياز - مصرة على خلق هذه المنطقة الخالية من الأسلحة النووية. وكانت، في الواقع، الدولة الأولى التي توقع على معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية عام 1968. وحسب قوانين فنلندا الوطنية، فهي تمنع أيضاً حيازة وتجربة الأسلحة النووية على أراضيها.
ومن ناحية ثانية، قبل الانضمام رسمياً إلى «ناتو»، رفضت فنلندا إعطاء موقف واضح حول إمكانية نشر أسلحة نووية للحلف على أراضيها، بل حتى بُعيد تقديم فنلندا طلب الانضمام للحلف قبل سنة، اكتفى الرئيس الفنلندي سولي نينستو بالقول عندما سئل عن ذلك، إن فنلندا ستنضم إلى «ناتو» بناءً على شروطه و«إن الوقت مبكر للبحث بمسألة نشر أسلحة نووية على أراضيها». ولكنه عاد لاحقاً لينفي وجود أي نية لدى الحلف أو لدى دولته لاتخاذ خطوة مماثلة.
وبالفعل، قد يكون النقاش حول نشر أسلحة نووية في فنلندا لا يزال بعيداً، لا سيما أن الحلف لا ينشر أسلحة نووية على حدوده مع روسيا، بل يبقيها محصورة في الدول الأوروبية الغربية (ألمانيا وبلجيكا وهولندا) ومعها تركيا. ولقد أكد ذلك تقرير نشره الحلف عن طريق الخطأ قبل سنتين؛ كون موضوع أماكن نشر الأسلحة النووية يُعد موضوعاً سرياً، وليس من المعتاد الكشف عنه. ولكن، مع ذلك، فإن العقيدة الدفاعية المتعلقة بالأسلحة النووية في فنلندا يجب أن تتغير بعد انضمامها الآن إلى حلف نووي بالأساس. وهي منذ انتمائها رسمياً، بات لديها مجال الوصول إلى معلومات نووية لم تكن متاحة لها في السابق، كما أنها أصبحت جزءاً من القرار الذي تتخذه دول الحلف حول دفاعاتها النووية. وإن كانت عقيدتها حول الأسلحة النووية تتعارض مع كل ذلك لغاية الآن.
- التحوّل إلى اليمين
في خضم كل هذا التغيير الدفاعي الذي تشهده فنلندا، اختار ناخبوها خلال الانتخابات العامة الأخيرة إقصاء حكومتهم الاشتراكية والرهان على اليمين بديلاً حاكماً؛ فقد خسرت رئيسة الحكومة سانا مارين، التي كانت حكومتها الائتلافية الاشتراكية قد تقدمت بطلب عضوية الانضمام إلى «ناتو»، الانتخابات التي شهدتها البلاد الأحد الماضي. وحل الحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) الذي قادته في المرتبة الثالثة بعدما حصل على 19.9 في المائة فقط من أصوات الناخبين. إذ جاء في المرتبة الأولى خلال المعركة الانتخابية حزب «الائتلاف الوطني» اليميني الوسطي بزعامة بيتيري أوروبو بحصوله على 20.8 في المائة من نسبة الأصوات، بينما حل ثانيا حزب «فينز» (الفنلنديون) اليميني المتطرف بـ20.1 في المائة من الأصوات.
وفي ضوء هذه الحصيلة، يتعيّن الآن على الحزب المتصدر اتخاذ قراره حول الحزب الثاني الذي يريد أن يشكل حكومة ائتلافية معه، ثم الدخول في مفاوضات لتشكيل هذه الحكومة. حتى الآن ما زال غير واضح أي من الحزبين سيقرر أوروبو التفاوض معه، وإن كانت ثمة ترجيحات إلى أنه ينوي التحالف مع حزب «فينز» اليميني المتطرف والشعبوي الذي تتزعمه رييكا بورا، والذي حل ثانياً. خطوة كهذه تعني أن الحكومة المقبلة ستحمل نزعة يمينية خالصة في تناقض كبير مع حكومة مارين اليسارية المعتدلة التي قادت البلاد في السنوات الأربع الماضية. وللعلم، فإن الحزبين اليمينيين يتشاركان نظرة اقتصادية موحدة تدعم تخفيض الإنفاق الحكومي، وتتناقض مع نظرة الاشتراكيين التي تؤمن بزيادته.
وفي الحقيقة، كان الملف الاقتصادي طاغياً في الحملة الانتخابية الأخيرة، وبدا بوضوح أن الهموم المالية هي التي تشغل - أكثر من غيرها - بال الناخبين وسط أزمة اقتصادية عالمية، وارتفاع كبير في أسعار الطاقة، وتضخم غير مسبوق بسبب الحرب في أوكرانيا. وفي حين روّج الاشتراكيون للإبقاء على سياسة الإنفاق ما يعني زيادة الدَّين العام الذي ارتفع بنسبة 75 في المائة إبان جائحة «كوفيد - 19»، روّج اليمينيون لتخفيض الإنفاق عبر تقليص النفقات والإعانات. وكانت هذه السياسة اليمينية هي التي اختارها الناخبون القلقون من زيادة الدَّين العام، واستمرار ارتفاعه أكثر في حال بقي الاشتراكيون في السلطة.
أما حيال مسألتي انضمام فنلندا لعضوية «ناتو» وسياستها المستقبلية تجاه روسيا، فقد كان لافتاً أن النقاشات كانت شبه غائبة عن البرامج والشعارات والطروحات المقدمة من الأحزاب. وهنا بالذات، قد لا يكون في الأمر غرابة، إذا ما تذكرنا أن الأحزاب الفنلندية كلها أجمعت في السابق على ضرورة تقديم طلب عضوية إلى «ناتو»، ومن ثم التخلي نهائياً عن سياسة عدم الانحياز. وهذا يعني أن حزب «فينز» اليميني المتطرف، على عكس الأحزاب اليمينية المتطرفة في أوروبا التي تميل إلى الدفاع عن مواقف القيادة الروسية والتقارب معها، لا يتعاطف مع موسكو. وفي المقابل، يركز هذا الحزب الشعبوي المتطرف على مهاجمة المهاجرين، ويعتمد سياسات تشكك في الاتحاد الأوروبي والسياسات المناخية.
- لا تغيير مرتقباً في السياسة الدفاعية
في أي حال، وبغض النظر عن الحزب الذي سيقود الحكومة المقبلة، والأحزاب التي ستشارك في الائتلاف الحاكم، فإن السياسات الدفاعية لفنلندا ستبقى نفسها، ولن تتغير بتغير الحزب الحاكم. ثم إنه سيتوجب على أي حكومة جديدة تُشكل - وهو ما قد يستغرق أشهراً - أن تراجع السياسة الدفاعية المتعلقة بالأسلحة النووية، وأن تتخذ أيضاً قرارات تتعلّق بالإنفاق الدفاعي المرتفع أصلاً، الذي زاد العام الماضي على الـ2 في المائة، وهي النسبة التي يوصي بها «ناتو» الدول الأعضاء. ولكن يرى كثيرون أن حكومة يمينية صرفاً ستواجه صعوبة أكبر في البحث عن مصادر لتمويل الإنفاق الدفاعي، في حين تعتمد سياسة خفض النفقات بهدف تقليص الدين العام.
وبالتالي، بانتظار تشكيل الحكومة الفنلندية الجديدة وبدئها بالعمل على سياسات مهمة ستحتاج إليها لدعم انضمامها إلى «ناتو»، يبدأ الحلف كذلك مراجعة لسياساته الدفاعية بعد توسيعه حدوده مع روسيا. وهنا قد يعرقل خطط الحلف في الشمال، استمرار بقاء السويد خارج الحلف، لتكون الدول الشمالية الوحيدة التي ما زالت غير منضمة إلى أسرته.
الجدير بالذكر، أن السويد التي كانت قد قدمت طلب انضمامها مع فنلندا، لا تزال تنتظر موافقة كل من تركيا والمجر على ضمها. ولكن حتى الآن ما زالت تركيا تعرقل ضم السويد لرفض الأخيرة تسليم مشتبه بهم تطالب بهم أنقرة على أساس أنهم إرهابيون أكراد. ولقد تسبب حرق مصحف أمام مقر السفارة التركية في ستوكهولم قبل أسابيع، بزيادة توتر العلاقات الثنائية، وتمسُك تركيا بعرقلة ضم السويد. ومع أن ينس شتولتنبرغ، أمين عام «ناتو»، ما زال يكرّر الإعراب عن ثقته بأن العملية ستؤدي في النهاية إلى تفاهمات لضم السويد، فإن تأخير ضمها قد يؤخر حقاً خطوات الحلف لدمج الدولتين الشماليتين المرتبطين باتفاقات دفاعية مشتركة، في سياسته الدفاعية.
وفي انتظار ضم السويد وبدء تطبيق «سياسة شمالية دفاعية» كاملة تحت مظلة «ناتو»، تبدأ فنلندا رحلة جديدة تتهيأ فيها لمرحلة سياسية ودفاعية مختلفة، تنفض خلالها عنها صيت «الفلدنة»، وتتخلى نهائياً عن سياسة عدم الانحياز بعدما اختارت، مرغمة، الغرب على الشرق.

فنلندا... في سطور

> فنلندا جمهورية تقع في شمال أوروبا، تعد فعلياً دولة «شمالية» (نوردية)، لكنها ليست جزءاً من إسكندينافيا، التي تضم السويد والنرويج والدنمارك.
> الشعب الفنلندي، من الناحية الإثنية اللغوية من الشعوب الفينو - أوغرية وليس كجيرانه الإسكندينافيين الذين يعودون إلى أصول جرمانية، وأقرب الشعوب إليه إثنو - لغوياً الإستونيون والكاريليون (في أقصى شمال غربي روسيا على حدود فنلندا الشرقية).
> في البلاد لغتان رسميتان هما الفنلندية (يتكلمها 87.3 في المائة من السكان)، والسويدية (5.2 في المائة من السكان). ومعهما لغة شعب السامي (اللابيون).
> الفنلنديون يطلقون على بلادهم اسم «سوومي»، ويبلغ تعداد الشعب الفنلندي نحو 5.5 ملايين نسمة، وتتركز غالبيتها في المناطق الجنوبية من البلاد.
> تبلغ مساحة البلاد، التي تحدها من الشرق روسيا، ومن الشمال النرويج، ومن الغرب السويد، وفصلها عن إستونيا جنوباً خليج فنلندا، نحو 339 ألف كلم مربع. وهي بالتالي الثامنة من حيث المساحة في أوروبا، وأقل دول الاتحاد الأوروبي كثافة سكانية.
> عاصمة البلاد مدينة هلسنكي، وهي أكبر مدنها، تليها مدن تامبيري وأوبو (توركو) ويوفاسكولا ولاهتي وكووبيو.
> فنلندا جمهورية برلمانية ذات حكومة مركزية مقرها العاصمة هلسنكي، وحكومات محلية في 336 بلدية.
> يدين معظم الفنلنديين بالمسيحية البروتستانتية اللوثرية (68.7 في المائة)، ويدين نحو 1.1 في المائة بالأرثوذكسية. ومن الناحية العملية، تغلب العلمانية على المجتمع الفنلندي.
> كانت فنلندا تاريخياً جزءاً من السويد، ولكنها منذ عام 1809 تحولت إلى دوقية ذاتية الحكم ضمن الإمبراطورية الروسية. وعقب إعلان الاستقلال الفنلندي عن روسيا في 1917 حرب أهلية، وحروب ضد الاتحاد السوفياتي وألمانيا النازية، وثم فترة من الحياد الرسمي خلال الحرب الباردة.
> انضمت فنلندا إلى الأمم المتحدة عام 1955، ومنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية عام 1969، والاتحاد الأوروبي عام 1995، ومنطقة اليورو منذ إنشائها.


مقالات ذات صلة

موسكو: «الأطلسي» يكثّف تحركات قواته قرب حدود روسيا

العالم موسكو: «الأطلسي» يكثّف تحركات قواته قرب حدود روسيا

موسكو: «الأطلسي» يكثّف تحركات قواته قرب حدود روسيا

أكد سكرتير مجلس الأمن القومي الروسي نيكولاي باتروشيف أن حلف شمال الأطلسي (ناتو) نشر وحدات عسكرية إضافية في أوروبا الشرقية، وقام بتدريبات وتحديثات للبنية التحتية العسكرية قرب حدود روسيا، بحسب ما نقلته وكالة الأنباء الروسية «سبوتنيك»، اليوم الأربعاء. وأكد باتروشيف في مقابلة مع صحيفة «إزفستيا» الروسية، أن الغرب يشدد باستمرار الضغط السياسي والعسكري والاقتصادي على بلاده، وأن الناتو نشر حوالى 60 ألف جندي أميركي في المنطقة، وزاد حجم التدريب العملياتي والقتالي للقوات وكثافته.

العالم إسبانيا تستدعي سفير روسيا إثر «هجوم» على حكومتها عبر «تويتر»

إسبانيا تستدعي سفير روسيا إثر «هجوم» على حكومتها عبر «تويتر»

أعلنت وزارة الخارجية الإسبانية، الجمعة، أنها استدعت السفير الروسي في مدريد، بعد «هجمات» شنتها السفارة على الحكومة عبر موقع «تويتر». وقال متحدث باسم الوزارة، لوكالة «الصحافة الفرنسية»، إن الغرض من الاستدعاء الذي تم الخميس، هو «الاحتجاج على الهجمات ضد الحكومة على مواقع التواصل الاجتماعي».

«الشرق الأوسط» (مدريد)
العالم {الناتو} يؤكد تسليم أوكرانيا كل المركبات اللازمة لهجوم الربيع

{الناتو} يؤكد تسليم أوكرانيا كل المركبات اللازمة لهجوم الربيع

أعلن القائد العسكري الأعلى لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، أن جميع المركبات القتالية، التي وعد حلفاء أوكرانيا الغربيون بتسليمها في الوقت المناسب، تمهيداً لهجوم الربيع المضاد المتوقع الذي قد تشنه كييف، قد وصلت تقريباً. وقال الجنرال كريستوفر كافولي، وهو أيضاً القائد الأعلى للقوات الأميركية في أوروبا، إن «أكثر من 98 في المائة من المركبات القتالية موجودة بالفعل». وأضاف في شهادته أمام لجنة القوات المسلحة بمجلس النواب يوم الأربعاء: «أنا واثق جداً من أننا قدمنا العتاد الذي يحتاجون إليه، وسنواصل الإمدادات للحفاظ على عملياتهم أيضاً».

العالم الناتو يؤكد تسليم كل المركبات القتالية اللازمة لهجوم الربيع الأوكراني

الناتو يؤكد تسليم كل المركبات القتالية اللازمة لهجوم الربيع الأوكراني

أعلن القائد العسكري الأعلى لحلف شمال الأطلسي (الناتو) أن جميع المركبات القتالية، التي وعد حلفاء أوكرانيا الغربيون بتسليمها في الوقت المناسب، تمهيداً لهجوم الربيع المضاد المتوقع الذي قد تشنه كييف، قد وصلت تقريباً. وقال الجنرال كريستوفر كافولي، وهو أيضاً القائد الأعلى للقوات الأميركية في أوروبا، إن «أكثر من 98 في المائة من المركبات القتالية موجودة بالفعل». وأضاف في شهادته أمام لجنة القوات المسلحة في مجلس النواب الأميركي الأربعاء: «أنا واثق جداً من أننا قدمنا العتاد الذي يحتاجون إليه، وسنواصل الإمدادات للحفاظ على عملياتهم أيضاً».

العالم مقاتلات ألمانية وبريطانية تعترض طائرات روسية فوق البلطيق

مقاتلات ألمانية وبريطانية تعترض طائرات روسية فوق البلطيق

اعترضت مقاتلات ألمانية وبريطانية ثلاث طائرات استطلاع روسية في المجال الجوي الدولي فوق بحر البلطيق، حسبما ذكرت القوات الجوية الألمانية اليوم (الأربعاء)، وفقاً لوكالة الأنباء الألمانية. ولم تكن الطائرات الثلاث؛ طائرتان مقاتلتان من طراز «إس يو – 27» وطائرة «إليوشين إل – 20»، ترسل إشارات جهاز الإرسال والاستقبال الخاصة بها.

«الشرق الأوسط» (لندن)

أصداء آسيوية متفاوتة لعملية فنزويلا الأميركية

صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)
صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)
TT

أصداء آسيوية متفاوتة لعملية فنزويلا الأميركية

صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)
صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)

تعد العملية الدراماتيكية التي نفّذتها الولايات المتحدة لاعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وزوجته سيليا فلوريس، وإزاحتهما من السلطة على يد قوات عسكرية أميركية خاصة، واحدة من أهم الأحداث الجيوسياسية في حقبة ما بعد «الحرب الباردة». ومع أن «مسرح» العملية كان في أميركا اللاتينية، فإن تداعياتها تمتد إلى ما هو أبعد من المنطقة. أيضاً يشير الواقع إلى أن الهدف من العملية لم يكن مجرد إسقاط نظام مادورو، بل أيضاً العرض المتعمد للقوة الأميركية، من أجل تعطيل الشبكات الاستراتيجية لأبرز منافسي واشنطن على الساحة العالمية.

يرى مراقبون استراتيجيون أن الولايات المتحدة، عبر عملية اختطاف نيكولاس مادورو واعتقاله، لم تكتفِ بتحييد نظام معادٍ، بل أظهرت كذلك قدرتها على اختراق قيادة حاكمة، وإسقاطها من السلطة، داخل دولة لطالما حظيت بحماية دبلوماسية واقتصادية وعسكرية من منافسي واشنطن الكبار. وبذا، لم تتحدَّ واشنطن حكومة مادورو فحسب، بل تحدّت أيضاً الفرضيات التي يقوم عليها التخطيط الاستراتيجي الصيني والروسي والكوري الشمالي.

في هذا السياق، يعرب المحلل الجيوسياسي الهندي مانيش تشيبر عن اعتقاده بأن العملية الأميركية «ما كانت تهدف إلى تغيير النظام في كاراكاس، بقدر ما كانت تهدف إلى إعادة تأكيد الهيمنة الأميركية... وعموماً سعت العملية إلى تعطيل قدرة الدول المنافسة على بسط نفوذها وتعزيز التسلسل الهرمي في النظام الدولي. وجاءت الرسالة واضحة لا لبس فيها: التحالف مع خصوم الولايات المتحدة لا يضمن الحماية». ويضيف تشيبر: «من وجهة نظر واشنطن، مثّلت فنزويلا نقطة ضغط مثالية؛ إذ كانت متجذّرة بعمق في البنية الاستراتيجية لكل من الصين وروسيا، وتعتمد بشدة على دعمهما الاقتصادي والعسكري، ناهيك من أنها تقع جغرافياً في منطقة تُعتبر تاريخياً حيوية للأمن الوطني الأميركي. وبالتالي، فالضربة في فنزويلا مكّنت واشنطن في آن معاً من تعطيل شبكات منافسة متعددة». وحقاً، كان كل من الصين وروسيا قد استثمرتا بكثافة في فنزويلا ضمن مساعيهما لتحدي النفوذ الأميركي في ما تعتبره واشنطن منذ فترة طويلة «فناءها الخلفي» الاستراتيجي.

انتكاسة استراتيجية لبكين

بالنسبة للصين، يأتي إسقاط مادورو بمثابة ضربة قاسية. إذ إن فنزويلا لم تكُن مجرد شريك آخر في جهود بكين المتنامية للانخراط داخل دول «الجنوب»، بل كانت محوراً استراتيجياً لها في أميركا اللاتينية، واختباراً حاسماً لقدرتها على حماية مصالحها وتحدّي هيمنة واشنطن خارج شرق آسيا.

وحقاً، طيلة عقدين، رسّخت بكين مكانتها كشريك لا غنى عنه لفنزويلا - بلداً وسلطةً - بفضل القروض المدعومة بالنفط، والتعاون في مجال الطاقة، وتمويل البنية التحتية، والدعم الدبلوماسي. وكثيراً ما وصف المحلّلون الصينيون هذه الشراكة بأنها تقوم على «المنفعة المتبادلة»، إذ تلقت كاراكاس دعماً مالياً ودعماً سياسياً. وفي المقابل، أمّنت بكين إمدادات الطاقة ونفوذاً إقليمياً.

أيضاً، برزت الصين كأكبر مستورد للنفط الخام الفنزويلي، وتكشف الأرقام أنها استوردت ما يقارب 400 ألف برميل يومياً عام 2025، أي أكثر من نصف إجمالي صادرات فنزويلا. وكانت هذه التدفّقات النفطية «شريان حياة» لحكومة مادورو، إذ حافظت على إيرادات الدولة تحت وطأة عقوبات وانهيار اقتصادي واضطرابات داخلية مستمرة.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن فنزويلا تهدّدت بأزمات مالية هائلة. ومنذ مطلع العقد الأول من الألفية الثانية، قدّمت لها بكين قروضاً تجاوزت قيمتها 100 مليار دولار، أي ما يقارب 39 في المائة من إجمالي القروض الصينية المقدمة لمجمل دول أميركا اللاتينية. ومع أنها سددت جزءاً من هذه الديون، لا تزال فنزويلا مدينة للصين بما يُقدّر بما بين 10 و12 مليار دولار، معظمها مُرتبط بترتيبات تتعلق بالسلع الأساسية. وبجانب النفط، استثمرت الشركات الصينية بكثافة في التعدين، (بالذات) الذهب والاتصالات والبنية التحتية.

نقاط الضعف الصينية

بالتوازي، وبينما ركّزت التحركات الأميركية الأخيرة في فنزويلا علناً على النفط والنفوذ السياسي، يرى محللون أن «تقييد» المصالح الصينية شكّل هدفاً رئيسياً. إذ لطالما كانت الصين مشترياً أساسياً للنفط الخام الفنزويلي، واستثمرت بكثافة عبر صفقات «قروض مقابل النفط»، التي ربطت التمويل بضمانات إمدادات النفط. ويُبرز تعطيل هذا الترتيب هشاشة أصول الطاقة الصينية في الخارج، ولا سيما المناطق الهشّة سياسياً، وتلك التي تقع خارج نطاق سيطرتها العسكرية. وربما يدفع هذا الانكشاف بكين إلى إعادة تقييم استثماراتها في أميركا اللاتينية وأفريقيا وآسيا الوسطى.

الواقع أن فنزويلا تمثّل معضلة في الاستراتيجية الصينية تجاه الموارد الخارجية. فغالباً ما يؤدي تأمين أصول الطاقة والمعادن البعيدة من دون التزامات أمنية مقابلة إلى انكشافها، بدلاً من تعزيز قدرتها على الصمود. وقد تتحوّل الأصول التي كانت تُعدّ في السابق حواجز استراتيجية إلى أعباء في المناطق المتنازع عليها، خاصةً في ظل اشتداد المنافسة الجيوسياسية وقدرة الخصوم على إعادة رسم النتائج بالقوة أو الدبلوماسية.

الثروات الأرضية النادرة

وهنا يتناقض ضعف الصين بشكل حادّ مع موقعها في مجال الثروات الأرضية النادرة والمعادن الحيوية. ولقد وصف مسؤولون ومحللون أميركيون المتطلبات الصينية المتعلقة بتراخيص التصدير التي أقرّت أواخر عام 2025 بأنها محاولات «لاستغلال» قدرتها التصنيعية شبه المهيمنة، خاصة في مجال المعادن النادرة المتوسطة والثقيلة التي تتسم بأهمية بالغة لأنظمة الدفاع والإلكترونيات المتقدمة والمركبات الكهربائية وتقنيات الطاقة المتجددة. وجاءت هذه الإجراءات عقب فرض واشنطن قيوداً على أشباه الموصلات وغيرها من التقنيات ذات الاستخدام المزدوج للشركات الصينية. ومع أن بكين حافظت لاحقاً على الصادرات بموجب ترتيبات محدودة ومؤقتة، عزّزت هذه العملية المخاوف من جاهزيتها لتحويل هيمنتها التصنيعية إلى نفوذ جيوسياسي.

في هذا الإطار، يرى المحلل الهندي راجا موهان أن الضغط الأميركي على فنزويلا «قد يُستخدم كورقة ضغط مضادة غير مباشرة في مواجهة السيطرة الصينية على المعادن النادرة وغيرها من المواد الاستراتيجية». وعبر تهديد مصدر طاقة رئيس واحتياطيات معدنية محتملة، «تضغط واشنطن على بكين في مجالات استراتيجية متعدّدة»... وبالتالي، يمكن اعتبار تشديد بكين اللاحق على «ضوابط» تصدير المعادن النادرة خطوة دفاعية أو انتقامية في خضم صراع جيوسياسي متصاعد، لا مجرّد إجراء اقتصادي معزول.

من جهة ثانية، لا تقتصر الأهمية الاستراتيجية لفنزويلا على النفط وحده، إذ تختزن أرضها أيضاً احتياطيات غير مستغلة من المعادن النادرة البالغة الأهمية للتخطيط الصناعي والتكنولوجي والدفاعي الطويل الأجل. وفي هذا الإطار، رأى المحلل الهندي سوشانت سارين أن قضية المعادن النادرة «تُسلط الضوء على حدود جهود الإكراه الاقتصادي من دون وجود نفوذ أمني مُكمّل. فالهيمنة على سلاسل التوريد قد تُوفر قوة تفاوضية قصيرة الأجل، لكنها لا تستطيع منع الخصوم من إعادة تشكيل المشهد الاستراتيجي بالوسائل السياسية أو العسكرية». وهكذا، تحمل فنزويلا درساً مهماً لبكين: فالسيطرة على نقاط الاختناق في عمليات المعالجة لا تعني بالضرورة السيطرة على نتائجها داخل المساحات الجيوسياسية، التي تحركها الأزمات.

انكشاف فجوة الصدقية

وللعلم، في أعقاب العملية مباشرة، أصدرت بكين إدانة دبلوماسية شديدة اللهجة، متهمة واشنطن بانتهاك القانون الدولي وتهديد الاستقرار الإقليمي. واستنكر المسؤولون الصينيون ما وصفوه بـ«السلوك الساعي لفرض الهيمنة»، وحذّروا من الإجراءات أحادية الجانب. لكن، بخلاف الخطابات والتصريحات، لم تُقدّم القيادة الصينية أي ردّ ملموس. إذ لم تكن هناك أي إشارة عسكرية، ولا أي نشر وقائي، ولا أي إجراء مضاد لحماية مصالحها أو أفرادها على الأرض. وأكثر من هذا، تشير تقارير إلى أن الاستخبارات الصينية بوغتت بالعملية الأميركية، في حين أثبتت أنظمة الدفاع الجوي الصينية في فنزويلا انعدام فاعليتها خلال العملية.

بخلاف التداعيات الدبلوماسية المباشرة، قد تجبر الأزمة الفنزويلية بكين على مواجهة تناقضات هيكلية أعمق في استراتيجيتها العالمية؛ فقد بنت الصين نفوذها الخارجي أصلاً على المهارة الاقتصادية للدولة كالقروض، والبنية التحتية، وشراكات الطاقة، والإحجام عن فرض شروط سياسية. لكن أزمة فنزويلا الأخيرة كشفت أن العمق الاقتصادي لا يُترجم تلقائياً إلى قدرة على الصمود في وجه الأزمات. وهنا يحلّل راجا موهان المسألة على النحو الآتي: «تكشف هذه الحادثة عن فجوة في مصداقية الاستراتيجية الصينية العالمية. إذ بمقدور بكين تقديم الاستثمار والتجارة والدعم السياسي، لكنها عاجزة حتى الآن عن تقديم ضمانات أمنية قاطعة بمواجهة قوة أحادية حاسمة».

ويتابع المحلل الهندي: «بما يخص حكومات أميركا اللاتينية، تثير التداعيات القلق، فالتقارب مع الصين يُحقق فوائد اقتصادية، لكنه لا يُترجم بالضرورة إلى حماية عند مواجهة ضغوط واشنطن. بل قد يتبع ذلك إعادة تقييم هادئة للتوجّه نحو واشنطن للحصول على ضمانات أمنية... ما يُبطئ وتيرة التوسع الصيني إقليمياً».

أما المحلل الاستراتيجي الهندي أماليندو ميسرا، فيوضح: «إن أمام صانعي السياسة الصينيين الآن مراجعة صعبة. فحماية الاستثمارات الخارجية بالوسائل العسكرية تتطلب تمركزاً متقدماً، واختراقاً استخباراتياً، وتأهباً للتصعيد... وهذه خطوات تتناقض في مجملها مع تركيز بكين المُستمر على تجنّب التدخل. ومع ذلك، فإن استمرار ضبط النفس يُهدد بمزيد من تآكل المصداقية بين الدول الشريكة».

هذه الفجوة في الصدقية لا تنطبق على فنزويلا وحدها، بل يتردد صداها في جميع أنحاء منطقة «مبادرة الحزام والطريق» الصينية الأوسع، حيث يجري عدد من الدول المستفيدة من «المبادرة» تقييماً هادئاً لمدى ضمان الشراكات الاقتصادية مع الصين، أي حماية أمنية فعّالة خلال فترات الأزمات الحادة. وعليه، فمثال انعدام الحماية الصينية في فنزويلا قد يؤثر على المفاوضات المستقبلية، وتقييمات المخاطر، والتوقعات السياسية في مناطق بعيدة عن أميركا اللاتينية.

هل تُشكّل فنزويلا نموذجاً لتايوان؟

على صعيد آخر، بين القراءات الأكثر جدية لعواقب العملية الأميركية القراءة الخاصة بمصير تايوان. فهل تعتبر بكين العملية نموذجاً لمعاملة تايوان؟

ظاهرياً، استغلّ المسؤولون الصينيون العملية للتشكيك في صدقية الولايات المتحدة حيال الالتزام بمبادئ السيادة والقانون الدولي. لكن ثمة محللين عقدوا مقارنات مباشرة بين فنزويلا وتايوان. وكمثال، وصف ستيف تسانغ، مدير معهد الدراسات الصينية في مدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية (سواس) بجامعة لندن، هذا بأنه «فخّ نفاق» يسمح لبكين بالزعم أن المعايير الدولية تُطبّق بشكل انتقائي، وبالتالي فهي قابلة للتفاوض.

وفي المقابل، يرفض آخرون فكرة أن فنزويلا تُقدّم نموذجاً تكتيكياً لتايوان. ووفق واي كيه سينها، السفير الهندي السابق لدى فنزويلا: «ثمة فوارق واضحة... فنزويلا تفتقر إلى حلفاء موثوقين مستعدين للقتال، ولم تكن لديها ضمانات أمنية مُلزمة، كما كانت قدراتها الردعية ضئيلة. أما تايوان فتشكل النقيض تماماً، إذ تتميّز بدعم أميركي عميق، وتكامل عسكري كثيف، ومخاطر تصعيد عالية للغاية، الأمر الذي تدركه بكين بوضوح».

ولكن رغم استبعاد أن تُشكّل فنزويلا نموذجاً عسكرياً لتايوان، فإنها تُزوّد بكين بذخيرة خطابية في بحر الصين الجنوبي. وعبر تسليط الضوء على الأحادية الأميركية، تستطيع بكين أن تُجادل بأن الأعراف السائدة تتبع القوة، بدلاً من أن تُقيّدها. ويدعم هذا التأطير ادعاء بكين القديم بأن أفعالها في المياه المتنازع عليها لا تختلف عن التدخلات الأميركية في أماكن أخرى.

كوريا الشمالية...وتعزيز خطاب الردع

في اتجاه آخر، إلى جانب الصين، وجّهت عملية فنزويلا رسالة ردع إلى كوريا الشمالية. وجاء ردّ فعل قيادتها أقوى وأكثر حدة من كثير من الردود الدولية الأخرى. وبعكس بعض حلفاء واشنطن، الذين أعربوا عن قلقهم، لكنهم لم يصلوا إلى حد الإدانة الصريحة، كان ردّ بيونغ يانغ قاسياً وذا طابع آيديولوجي، متسقاً مع معارضتها التاريخية للعمليات العسكرية الأميركية.

إذ أدانت وزارة خارجية بيونغ يانغ، عبر وكالة الأنباء المركزية الكورية الرسمية، العملية، ووصفتها بأنها «أخطر شكل من أشكال التعدي على السيادة»، واصفةً الولايات المتحدة بأنها «مارقة ووحشية». وأعقب هذه الإدانة إطلاق صواريخ باليستية - الأولى منذ عدة أسابيع – ما فُسِّر على نطاق واسع بأنه إشارة متعمدة.

ومن ثم، يرى محللون أن العملية الفنزويلية تعزز الاعتقاد الاستراتيجي الأساسي لدى كوريا الشمالية بأن الأسلحة النووية لا تزال الضمانة النهائية لبقاء النظام. ووفق المحلل الهندي سوشانت سارين: «فيما يخص يونغ يانغ، تُعزز فنزويلا قناعة راسخة مفادها أن الأنظمة التي تفتقر إلى رادع موثوق، تظل عرضة للخطر بغضّ النظر عن التحالفات الدبلوماسية. وتُعزز هذه الحادثة مبررات كوريا الشمالية للاحتفاظ بترسانتها النووية وتوسيعها، وتُصعّد مقاومتها لنزع السلاح النووي، وتُرسّخ فكرة أن القوة العسكرية الضمانة الوحيدة ضد التدخل الخارجي».

نمط استراتيجي أوسع

في نهاية المطاف، تُبرز عملية فنزويلا سمة أساسية للجغرافيا السياسية المعاصرة: أن القوة تُمارس بشكل متزايد من خلال السرعة والدقة والتأثير النفسي، بدلاً من المواجهة المطولة. وفي ما يخص الصين وكوريا الشمالية، بل روسيا أيضاً، تُذكّر هذه الحادثة بأن النفوذ دون حماية قابلة للتنفيذ يبقى مشروطاً. وفي نظام تكون فيه مصداقية الردع أهم من التحالفات القائمة على التصريحات والبيانات، من المرجح أن يشكل التوازن بين النطاق الاقتصادي والقدرة الأمنية النتائج الاستراتيجية في السنوات المقبلة.


مامادي دومبويا... «عسكري استثنائي» و«قيادي أمني» يتولَّى الرئاسة في غينيا

سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع
سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع
TT

مامادي دومبويا... «عسكري استثنائي» و«قيادي أمني» يتولَّى الرئاسة في غينيا

سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع
سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع

في قلب غرب أفريقيا، تبرز قصة الرئيس الغيني مامادي دومبويا، كواحدة من أكثر التحولات السياسية دراماتيكية، المشحونة بالتناقضات خلال العقد الأخير. إذ نجح العسكري الذي أمضى معظم حياته برتبة عريف أوَّل في الجيش الفرنسي، خلال 4 سنوات فقط في التدرّج من قائد انقلاب عسكري إلى رئيس منتخب أخيراً، في مشهد يعكس تعقيدات السلطة والسياسة في «القارة السمراء». ما يجعل رحلة دومبويا أكثر إثارة للجدل هو التناقض العميق في شخصيته وسياساته، فهو يحكم بلداً غنياً بالثروات المعدنية، لكن البلاد تعاني تحت وطأة الفقر. ثم إن دومبويا، الذي تلقى إعداداً عسكرياً مبكّراً في إسرائيل، يقف في قلب مفارقة تاريخية وسياسية، فقيادته جاءت في بلد عرف بدعمه لحركات التحرّر الوطني الأفريقي وبتوتراته مع إسرائيل، لكنه اليوم يسعى لإعادة تشكيل الدولة وفق رؤيته الخاصة.

مامادي دومبويا، البالغ من العمر 42 سنة، لم يتردّد في استخدام سرعته العسكرية لتحقيق السلطة، لكنه لم يكتفِ بذلك، بل مضى نحو كسب شرعية انتخابية لإعادة إنتاج قيادته وإضفاء طابع قانوني على حكمه، في قارة شهدت عشر انقلابات خلال 5 سنوات.

تحيط أستار السرّية بنشأة دومبويا، المولود يوم 5 ديسمبر (كانون الأول) 1984 في مدينة كانكان بشرق غينيا، لكن المعروف أنه ينتمي إلى شعب «المالينكي»، وهو مجتمع تاريخياً محافظ، وقيادي، ومتماسك اجتماعياً، له تأثير سياسي واضح، ما يفسّر حضور شخصيات مثل دومبويا في المشهد العسكري والسياسي لغينيا وأفريقيا الغربية.

زوجة فرنسية

هذا الانتماء العرقي الأصيل لم يمنع دومبويا من الزواج من سيدة فرنسية بيضاء، اسمها لوريان داربو، وسط شحِ في المعلومات عن «سيدة غينيا الأولى» المرتقبة. ومن ناحية ثانية، يُنظر إلى الرئيس الغيني كقائد عسكري استثنائي، تميَّز عن نظرائه من قادة الانقلابات في القارة الأفريقية، إذ جمع بين التدريب التكتيكي التقليدي والخبرة في الأمن السيبراني والإدارة الاستراتيجية. ولقد صُقلت هذه المهارات عبر مسار مهني طويل، تميّز بالتدريب الدولي والعمل الميداني في عدة دول، أبرزها فرنسا حيث أمضى 15 سنة ضمن صفوف الجيش و«الفيلق الأجنبي» الفرنسي، مكتسباً خبرة لا تقتصر على التكتيكات العسكرية التقليدية فحسب، بل شملت أيضاً مهارات القيادة في بيئات معقّدة ومتعدِّدة الأبعاد.

خلال مسيرته، شارك دومبويا في عدة مهام عملياتية في مناطق النزاعات حول العالم، من أفغانستان وكوت ديفوار إلى جيبوتي وجمهورية أفريقيا الوسطى، كما تولّى حماية شخصيات دولية في إسرائيل وقبرص وبريطانيا وغينيا، وفق تقارير «إنتليجنس أونلاين». كلّ هذه التجارب أكسبته رؤية شاملة لمفاهيم الأمن وإدارة الأزمات، جعلته قادراً على التحرّك بسرعة وكفاءة في مواجهة التحدّيات السياسية والعسكرية على حد سواء.

وبدت مفارقة الأقدار متجسّدة بوضوح في المسار الذي أوصل دومبويا إلى قمة السلطة، بتناغم لافت مع مقولة الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه «مَن يرفعكَ إلى القمة قد يكون أول مَن يدفعك منها». إذ في عام 2018، لم يكُن الرئيس السابق ألفا كوندي يتوقّع أن قراره بتكليف دومبويا بقيادة مجموعة «القوات الخاصة» النخبوية (GFS) سيؤسس، بعد ثلاث سنوات فقط، لانقلاب عسكري أطاح به في سبتمبر (أيلول) 2021 على يد «الوحدة» ذاتها التي أوكل إليها حمايته وترسيخ نفوذه.

نموذج معقّد للقادة الانتقاليين

بعد هذا الانقلاب، الذي لحق بموجة انقلابات اجتاحت «القارة السمراء» منذ مطلع هذا العقد، جسَّد مامادي دومبويا نموذجاً معقداً لقائد انتقالي يجمع بين خطاب الاستقرار والتنمية وطموح تثبيت السلطة، في ظل مسار سياسي يثير جدلاً واسعاً حول الالتزام بالديمقراطية والحرّيات.

ذلك أنه بينما قدّم نفسه منقذاً للدولة من «حكم الفرد» التسلّطي في أول ظهور تليفزيوني له عقب الانقلاب، تلازمت سلطته مع تضييق غير مسبوق على المعارضة، شمل حلّ عشرات الأحزاب وإقصاء المنافسين المحتملين، ما أفرغ الانتخابات الرئاسية من مضمون التعدّدية.

وفي الاتجاه نفسه، حمل تحوّل الرجل من «قائد انقلاب» إلى «رئيس منتخب» تناقضات صارخة، أبرزها تراجعه عن تعهدات سابقة بالامتناع عن الترشح، عقب تعديل دستوري أزال القيود المفروضة على أعضاء المجلس العسكري. وفي مقابل خطابه الذي بشّر بإنهاء الحكم الفردي، تتهمه تقارير دولية ومحلية اليوم بتقييد الحرّيات وقمع الاحتجاجات وتهميش الخصوم السياسيين.

وحقاً، بين تثبيت الشرعية والتضييق على المعارضين داخلياً، يخضع مسار مامادي دومبويا لاختبار دقيق بين السلطة والحقوق. ففوزه الرئاسي بنسبة 86.72 في المائة بيَّن دعماً شعبياً شكلياً، خاصة بين الشباب والعمال، وهو ما كشفته شهادات بثتها وكالات أنباء عالمية. وفي المقابل، حاول ترسيخ صورة انتقاله من قائد عسكري إلى صاحب شرعية انتخابية مدنية وسياسية جديدة كاملة، بكلامه عن «غينيا للجميع».

من جهة أخرى، ركَّز دومبويا اقتصادياً، على قطاع التعدين ومشروع «سيماندو» للحديد، الذي تملك الصين 75 في المائة منه، مع استثمارات البوكسيت والبنية التحتية. وهنا نشير إلى أنه، على الرغم من برامج تدريب الشباب الرقمية، يواجه نصف سكان غينيا فقراً، وأمناً غذائياً هشّاً، وسط انتقادات ترى الإصلاحات تكريساً للسلطة واستمرار التحديات الاجتماعية الكبرى.

اختبار السياسة... إقليمياً ودولياً

على الصعيد السياسي، يأتي الاختبار التقليدي لمسار دومبويا على المستوى القاري الأفريقي، ضمن موجة الانقلابات التي وقعت منذ عام 2020 في غرب أفريقيا والساحل. وهذه الانقلابات تجسّد توتر علاقة الجيوش بالسلطة المدنية، مع سعي قادتها «إنتاج» شرعيتهم انتخابياً. وكما هو معروف، تشهد أفريقيا جنوبي الصحراء عدة حالات لقادة عسكريين شرعنوا بقاءهم حتى 2029 تقريباً، مع إمكانية إجراء انتخابات فقط إذا تحسّنت الظروف الأمنية.

أما لجهة السياسة الدولية العليا، فلم توضع علاقات دومبويا مع واشنطن على محك التجربة بعد بشكل مباشر ومعلن. إلا أن فوزه حظي بلهجة معتدلة من جانب واشنطن، عبر سفارتها، التي أعربت عن دعمها الرسمي للرئيس المنتخب، مع التركيز على العلاقات الاقتصادية والاستقرار. واللافت أن الصين، الشريك الاقتصادي الرئيسي لدومبويا، لم تكن بمنأى عن المشهد، إذ سارع رئيسها شي جينبينغ برسالة تهنئة، مشدّداً على تطوير الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين.

دور إسرائيل الموعود... والمتعاظم مستقبلاً

ولكن بجانب هذه المفارقة، ثمة مفارقة مهمة أخرى لا تبدو اليوم لافتة بقدر ما هي دالة تاريخياً. ففي بلدٍ، كغينيا ارتبط اسمه طويلاً بموقف عدائي صريح من إسرائيل إبان عهد زعيمه الاستقلالي التاريخي أحمد سيكوتوري، تبدو الأمور إلى تغيّر جذري.

سيكوتوري كان قد قطع العلاقات مع الدولة العبرية تضامناً مع الدول العربية عقب نكسة الخامس من يونيو (حزيران) 1967، إلا أن المشهد السياسي الراهن يسير في مسار مغاير تماماً، ولعل الترحيب الأميركي بانتخاب دومبويا ينمّ عن التغيّر المرجح. ذلك أنه سبق لدومبويا، أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع، بعدما أوفدته فرنسا ضمن برامج ذات طابع أمني، فيما يوحي بوجود تحوّل عميق في بوصلة العلاقات الخارجية لكوناكري.

أيضاً، إبان عهد دومبويا، أبدت إسرائيل اهتماماً خاصاً بتعزيز حضورها في قطاع الأمن السيبراني الغيني، وفق ما أورده موقع «إنتليجنس أونلاين» الاستخباراتي، وهذه خطوة تعكس استمرارية العلاقات الدبلوماسية التي أُعيد إحياؤها عام 2016 بعد قطيعة دامت قرابة خمسة عقود. وكذلك يشير هذا التطور إلى فتح صفحة جديدة من التعاون تتجاوز الطابع الدبلوماسي التقليدي إلى شراكات أمنية وتقنية أكثر عمقاً. ويرى خبراء أن هذا المسار مرشّح لمزيد من التوسّع.

تطبيع واستخبارات

وفي تقدير للدكتور يسري العزباوي، الباحث السياسي في «مركز تريندز للبحوث والاستشارات» في أبوظبي، فإن دومبويا، سواءً استمر في السلطة أو خلفه غيره، «سيمضي بخطوات أوسع على طريق التطبيع مع إسرائيل، لا سيما في مجالي التعاون العسكري والتسليح». ويضيف العزباوي أن مجموعة كبيرة من الدول الأفريقية التي تشهد انقلابات عسكرية تبقى عملياً رهينة للرضى الأميركي، مذكّراً بأن «المدخل إلى هذا الرضى يمر غالباً عبر إسرائيل».

ويستند العزباوي في تحليله، إلى ما يصفه بـ«التوغّل الإسرائيلي المتنامي في أفريقيا طيلة السنوات الأخيرة، في مقابل غياب تنسيق عربي فاعل». ويلفت في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن السلاح الإسرائيلي لم يعُد حاضراً في دول أفريقيا جنوبي الصحراء ووسطها فحسب، بل امتد أيضاً إلى شمال القارة.

ووفق العزباوي، يكتسب هذا التوجّه زخماً إضافياً، من «التأييد الكامل الذي وفّرته إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب لإسرائيل»، ما يمنحها هامش حركة أوسع في الساحة الأفريقية.وإجمالاً، فإن نجاح دومبويا في الانتقال من قائد انقلاب إلى رئيس منتخب يمثل اختباراً نادراً في أفريقيا، حيث لا تتيح الانقلابات العسكرية عادةً فرصة للتحوّل إلى قيادة مدنية شرعية، بما يفتح باب التساؤل... هل تكون تناقضات دومبويا هي «كلمة السرّ» التي ستجعله استثناءً في «القارة السمراء»؟


في غينيا ثروات هائلة يلاحقها شبح الانقلابات

 FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo
FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo
TT

في غينيا ثروات هائلة يلاحقها شبح الانقلابات

 FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo
FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo

تقف غينيا، الواقعة في قلب غرب أفريقيا، عند مفترق طرق اقتصادي وسياسي حاسم وبالغ الحساسية. فالبلد الذي يزخر بواحدة من أغنى الثروات الطبيعية في القارة، يجد نفسه أمام تحدٍ مزدوج يتمثل في تحويل هذه الموارد الهائلة إلى نمو اقتصادي شامل ومستدام، بالتوازي مع مساعٍ لتحقيق استقرار سياسي بعد عقود من الاضطرابات والانقلابات العسكرية التي ألقت بظلالها الثقيلة على مسار التنمية.

منذ الاستقلال عن فرنسا عام 1958، شهدت غينيا ثلاثة انقلابات عسكرية بارزة أعوام 1984 و2008 و2021، أطاحت برؤساء مدنيين أو عسكريين، ورسّخت صورة بلد يعاني من هشاشة سياسية مزمنة.

هذا الإرث الانقلابي أسهم في إضعاف ثقة المستثمرين، وعرقل في فترات كثيرة الاستفادة الكاملة من الثروات الطبيعية، وبالتالي الإمكانات الاقتصادية الكبيرة التي تمتلكها غينيا.

وأيضاً رغم هذا السياق السياسي المعقَّد، شهد الاقتصاد الغيني خلال السنوات الأخيرة نمواً ملحوظاً، مدفوعاً أساساً بقطاع التعدين. إذ أعادت الطفرة في صادرات المعادن غينيا إلى واجهة الاهتمام الدولي، لا سيما مع امتلاكها أكثر من 25 في المائة من احتياطيات البوكسيت العالمية، ما يجعل منها واحدة من أكبر مصدّري هذه المادة الخام الأساسية لصناعة الألمنيوم. وبالإضافة إلى البوكسيت، تزخر البلاد باحتياطيات معتبرة من الذهب والألماس ومعادن أخرى، ما يمنحها موقعاً استراتيجياً في خريطة الموارد الطبيعية الأفريقية.

في نهاية عام 2025، خطت الحكومة الغينية خطوة وُصفت بالتاريخية عبر تدشينها استغلال منجم سيماندو العملاق للحديد في جنوب البلاد، وهو أحد أكبر مكامن الحديد غير المستغلة في العالم. ولقد رُوّج للمشروع رسمياً بأنه «حلم أجيال»، نظراً لما يُنتظر أن يوفره من عائدات مالية وفرص عمل، إضافة إلى دوره في تعزيز البنية التحتية عبر إنشاء خطوط سكك حديدية وموانئ مرتبطة به. بيد أن المشروع، على ضخامته، يضع غينيا قبالة تحديات كبيرة تتعلق بالحوكمة والشفافية، بالذات في قطاع التعدين الذي لطالما كان بؤرة نزاعات سياسية وقانونية.

بيانات البنك الدولي تفيد بأن الناتج المحلي الإجمالي لغينيا سجل نمواً ثابتاً في السنوات الأخيرة، مستفيداً من توسع أنشطة التعدين وارتفاع الإنتاج الزراعي. ومع هذا، لا يزال الاقتصاد الغيني يعاني من اختلالات هيكلية، في مقدمتها الاعتماد المُفرط على الموارد الطبيعية وضعف تنويع القطاعات الاقتصادية، إلى جانب محدودية الإيرادات الضريبية، ما يقيّد قدرة الدولة على تمويل الخدمات الاجتماعية الأساسية.

من ناحية أخرى، تظل الزراعة، التي تشغّل أكثر من نصف القوى العاملة، قطاعاً حيوياً، لكنه يعاني من ضعف الإنتاجية واعتماد أساليب تقليدية، الأمر الذي يقلص مساهمته في الصادرات والنمو الاقتصادي. ويرى خبراء أن تحديث هذا القطاع يمكن أن يشكل رافعة حقيقية للتنمية، خصوصاً في المناطق الريفية الأكثر فقراً.

إلى جانب التعدين والزراعة، تمتلك غينيا إمكانات هيدروليكية كبيرة تؤهلها لأن تغدو مصدراً رئيساً للطاقة في غرب أفريقيا. وراهناً تسعى السلطات إلى استثمار هذه الموارد عبر مشاريع لتوسيع إنتاج الكهرباء، وتحديث الموانئ، وتطوير شبكات السكك الحديدية، من بينها خط سيماندو – موريبايا الذي يمتد لأكثر من 650 كيلومتراً، بما يعزّز ربط البلاد بالأسواق العالمية ويسهل حركة التجارة.

ولكن، رغم هذه الآفاق الواعدة، تبقى التحديات الاجتماعية والاقتصادية حاضرة بقوة. فالفقر ما زال واسع الانتشار، وإمكانات الدولة المالية محدودة، في حين يواصل ضعف الشفافية في قطاع التعدين إثارة مخاوف المستثمرين الدوليين. وبالطبع يبقى الاستقرار السياسي عاملاً حاسماً وضرورياً في مستقبل البلاد، في ظل تاريخ طويل من الانقلابات والحكم المدني المتعثر.

وبالتالي، يرجّح مراقبون أن نجاح غينيا في تحويل ثرواتها الطبيعية إلى تنمية حقيقية يتوقف على تنفيذ تغييرات بنيوية عميقة، تشمل تعزيز الإدارة المالية والاستثمار في رأس المال البشري وتنويع الاقتصاد بدلاً من الاعتماد الأحادي على التعدين، وقبل كل ذلك بيئة سياسية دون انقلابات عسكرية أو توترات سياسية.