حقبة تاريخية جديدة في مسيرة فنلندا «غير محايدة»

بعد الانتخابات العامة الأخيرة التي سلّمت السلطة إلى اليمين

مبنى البرلمان الفنلندي في هلسنكي (أ.ب)
مبنى البرلمان الفنلندي في هلسنكي (أ.ب)
TT

حقبة تاريخية جديدة في مسيرة فنلندا «غير محايدة»

مبنى البرلمان الفنلندي في هلسنكي (أ.ب)
مبنى البرلمان الفنلندي في هلسنكي (أ.ب)

خلال يومين فقط، شهدت فنلندا تغيرات محورية في سياستها. التغير الأول تمثل باتجاهها من اليسار إلى اليمين بعدما خسر الحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) بزعامة رئيسة الحكومة سانا مارين الانتخابات يوم الأحد الماضي؛ إذ اختار الناخبون عوضاً عنه، حزبي يمين الوسط واليمين المتطرف اللذين حصل كل منهما على أصوات أكثر من الاشتراكيين. وعلى الرغم من شعبية مارين على الساحة العالمية، وقيادتها فنلندا بكفاءة إبان أزمة «كوفيد - 19»، والحرب في أوكرانيا - وقرارها التاريخي بإنهاء عقود من الحيادية لصالح الانضمام لحلف شمال الأطلسي «ناتو» - فإنها لم تستطع الحفاظ على منصبها في وجه أزمة اقتصادية متصاعدة يبدو أنها ما دفع الناخبين للابتعاد عن معسكر يسار الوسط. ولكن التغير الأهم الذي طرأ على توجهات هذه الدولة الأوروبية الشمالية المحاذية لروسيا، يبقى تخلّيها رسمياً عن عقود من الحيادية، وانضمامها إلى «ناتو» في خطوة تاريخية يوم الثلاثاء الماضي، لتغدو الدولة العضو الـ31 في الحلف. وهكذا، لم تعد فنلندا «الدولة الوسيط» بين روسيا والولايات المتحدة، كما فعلت في الماضي، خصوصاً عندما استضافت عاصمتها هلسنكي عام 2018 القمة الشهيرة التي جمعت بين الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في أوج التوتر بين الدولتين العظميين على خلفية اتهام واشنطن لموسكو بالتدخل في الانتخابات.
في وسط العاصمة الفنلندية هلسنكي، وبالذات، في ساحة كزارميتوري أمام مقر وزارة الدفاع، يقف نصب تذكاري لـ«حرب الشتاء»، التي خاضتها فنلندا مع الاتحاد السوفياتي عام 1939.
لم تدم تلك الحرب طويلاً؛ ذلك أنها انتهت بعد 105 أيام فقط، غير أن آثارها كانت كبيرة وطويلة الأمد، والحقيقة أن نتائج تلك الحرب شكلت أساساً لسياسة الحياد التي اعتمدتها البلاد منذ ذلك الحين.

الزعيم اليميني المنتصر أوربو يحيي مناصريه (أ.ب)

الحرب التي اندلعت يوم 30 نوفمبر (تشرين الثاني) 1939 كانت شرسة ودموية للطرفين، ولقد خاضها الجيشان الفنلندي والسوفياتي في درجات حرارة وصلت إلى ناقص 43 درجة مئوية، وانتهت بعد قرابة ثلاثة أشهر في منتصف مارس (آذار) من عام 1940. وعلى الرغم من الخسائر الكبيرة التي ألحقتها الجيش الفنلندي بغريمه السوفياتي القوي، فإن القيادة الفنلندية في العاصمة هلسنكي اضطرت في نهايتها إلى التخلي عما يقارب الـ10 في المائة من مساحة أراضيها لصالح الاتحاد السوفياتي.
ومنذ ذلك الحين، ظلت آثار هذه الحرب حاضرة في فنلندا، ليس فقط في سياستها الخارجية بل أيضاً الدفاعية؛ فلدى فنلندا جيش احتياط ضخم من القوات القادرة على الدفاع عن أراضيها، أنشئ من خلال التجنيد الإلزامي العام وعقيدة الدفاع عن الأرض المزروعة في أذهان الفنلنديين. وراهناً لدى فنلندا جيش نظامي قوامه 280 ألف عنصر، تضاف إليهم قوات الاحتياط التي تضم قرابة الـ900 ألف فرد مدربين على القتال، ما يجعله بالتالي واحداً من أكبر جيوش دول التحالف الغربي.
ومن جهة ثانية، امتدت هذه العقيدة الدفاعية أيضاً إلى البنية التحتية للبلاد الجاهزة لحماية السكان في حال تعرض البلاد لضربة نووية؛ فقد أنشأت الحكومات الفنلندية المتعاقبة منذ نهاية «حرب الشتاء» نظام ملاجئ ضخماً يمكنه تأمين حماية قرابة الـ4 ملايين شخص من أصل 5 ملايين ونصف المليون، يشكلون عدد سكان فنلندا. ويمكن لهذه الملاجئ التي تمتد تحت المدن الكبيرة وتستخدم حالياً إما كمحطات مترو، وإما صالات رياضية ومتاحف وغيرها، أن تؤمن حماية من أسلحة نووية تصل زنتها إلى 100 كيلوطن.
- سياسة الحياد
ومقابل تعميق دفاعاتها، بقيت فنلندا معتمدة في السنوات التي تلت خسارتها للحرب، على سياسة الحياد وعدم الانحياز، ونجحت في الحفاظ عليها طوال «الحرب الباردة». ومع مطلع الستينات، باتت فنلندا «دولة موثوقاً بها» لدى الغرب والاتحاد السوفياتي على أنها دولة حيادية فعلاً وعملاً. ويُعد الرئيس الفنلندي الأسبق جوهو كوستي باسيكيفي «عرّاب» سياسة الحياد تلك، التي عمل عليها منذ عام 1946. ولاحقاً، طور السياسة تلك خليفته الرئيس الأسبق أورهو كيكوكن عند تسلمه منصبه عام 1956، الذي وقّع مع الاتحاد السوفياتي اتفاقاً عام 1948 ثبّت حياد فنلندا رسمياً، واستحق كيكوكن بذلك «جائزة لينين للسلام»، التي منحه إياها الاتحاد السوفياتي عام 1979. وعبر السنوات، ربطت فنلندا بين حيادها والسلام في أوروبا، وعملت على الترويج لذلك طوال العقود الماضية التي بقيت ملتزمة فيها بمبدأ الحياد والتعامل السلمي.

رئيسة الحكومة الاشتراكية الخاسرة سانا مارين (أ.ف.ب)  -   زعيمة اليمين المتطرف رييكا بورا (أ.ب)

هذه كانت الحال طوال السنوات التي تلت الحرب العالمية الثانية، ومعه ترسخت كاملة قناعة في هلسنكي بضرورة المحافظة على مبدأ الحياد كوسيلة مثلى للتعايش مع جار أكبر وأقوى منها للحفاظ على استقلالها، بل إن سياستها تلك بات لها تعبير هو «الفلدنة» أو «الفنلدة»، الذي صار يطلقه البعض بشكل ازدرائي على ممارسة الدول التي ترفض اتخاذ مواقف سياسية من جارتها الأقوى مقابل الحفاظ على استقلالها. ولكن بالتوازي، رغم حفاظ فنلندا على مبدأ الحياد، بدأ نقاش حقيقي حول مدى استمرار هذا الحياد وجدواه فعلاً منتصف التسعينات، بعد توقيع هلسنكي على اتفاق تعاون مع حلف شمال الأطلسي في عام 1994، وانضمامها إلى الاتحاد الأوروبي في العام الذي تلاه أي عام 1995. وسمح اتفاق التعاون مع الحلف آنذاك، بتنفيذ عمليات عسكرية مشتركة مع دول «ناتو» على الحدود مع روسيا.
غير أنه مع انهيار عقد السلام في أوروبا خلال فبراير الماضي على إثر غزو روسيا لأوكرانيا، انهارت كذلك مسوّغات الحياد الفنلندي التي كانت مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالسلام بين روسيا وجيرانها، ونابعة من ثقتها بأن حيادها سيحميها.
لقد غيّرت الحرب الروسية في أوكرانيا هذه الذهنية، والصدمة التي شكلتها الحرب لدى الفنلنديين دفعتهم، بشكل واسع لتأييد دعوة حكومتهم للانضمام لـ«ناتو»؛ فالحرب أعادت مخاوف تكرار «حرب الشتاء»، ودفعت بالسياسيين للاستنتاج سريعاً خلال مايو (أيار) الماضي، بأن فنلندا ليست جاهزة للدفاع عن نفسها في وجه أي اعتداء روسي شبيه لما حصل لأوكرانيا. وأنها، بالتالي، لا تستطيع أن تحافظ على حيادها في وجه ما رأته تهديداً متزايداً من روسيا. وهكذا، اتخذت القيادة الفنلندية القرار التاريخي بالتخلي عن حيادها على ضوء العملية العسكرية الروسية، والانضمام إلى الحلف الغربي. وهكذا بات الحلف هو المرجعية المسؤولة عن حماية استقلال فنلندا في مواجهة أي تهديد من روسيا التي تشاركها حدوداً طويلة جداً، تمتد على مسافة 1340 كيلومتراً. وغدت فنلندا تتمتع بحق الحماية من جميع دول «ناتو» في حال تعرضها لأي اعتداء خارجي بموجب المادة الخامسة من آلية الدفاع الجماعي للتحالف.
- عضوية «ناتو» والمتاعب المرتقبة
مع هذا، فإن هذا الانضمام الذي أصبح رسمياً خلال الأسبوع الماضي يحمل معه متاعب جديدة لفنلندا ولـ«ناتو» أيضاً. تلك الحدود بين دول «ناتو» وروسيا توسعت بشكل كبير، وبات على الحلف تأمين هذه الحدود الجديدة مع روسيا. وبالنسبة لفنلندا، ستوجب العضوية عليها مراجعة سياستها النووية بشكل سريع بعد انضمامها رسمياً لحلف هو نووي بالأساس. ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، سعت فنلندا لإنشاء «منطقة خالية من الأسلحة النووية» في شمال القارة الأوروبية، بيد أن طموحها اصطدم في ذلك الوقت بانضمام كل من الدنمارك والنرويج إلى «ناتو» الذي يعد المظلة النووية أساسية في منظومته الدفاعية. وفي النتيجة، بقيت فنلندا إلى جانب السويد - التي اعتمدت نفس سياسة جارتها بالحياد وعدم الانحياز - مصرة على خلق هذه المنطقة الخالية من الأسلحة النووية. وكانت، في الواقع، الدولة الأولى التي توقع على معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية عام 1968. وحسب قوانين فنلندا الوطنية، فهي تمنع أيضاً حيازة وتجربة الأسلحة النووية على أراضيها.
ومن ناحية ثانية، قبل الانضمام رسمياً إلى «ناتو»، رفضت فنلندا إعطاء موقف واضح حول إمكانية نشر أسلحة نووية للحلف على أراضيها، بل حتى بُعيد تقديم فنلندا طلب الانضمام للحلف قبل سنة، اكتفى الرئيس الفنلندي سولي نينستو بالقول عندما سئل عن ذلك، إن فنلندا ستنضم إلى «ناتو» بناءً على شروطه و«إن الوقت مبكر للبحث بمسألة نشر أسلحة نووية على أراضيها». ولكنه عاد لاحقاً لينفي وجود أي نية لدى الحلف أو لدى دولته لاتخاذ خطوة مماثلة.
وبالفعل، قد يكون النقاش حول نشر أسلحة نووية في فنلندا لا يزال بعيداً، لا سيما أن الحلف لا ينشر أسلحة نووية على حدوده مع روسيا، بل يبقيها محصورة في الدول الأوروبية الغربية (ألمانيا وبلجيكا وهولندا) ومعها تركيا. ولقد أكد ذلك تقرير نشره الحلف عن طريق الخطأ قبل سنتين؛ كون موضوع أماكن نشر الأسلحة النووية يُعد موضوعاً سرياً، وليس من المعتاد الكشف عنه. ولكن، مع ذلك، فإن العقيدة الدفاعية المتعلقة بالأسلحة النووية في فنلندا يجب أن تتغير بعد انضمامها الآن إلى حلف نووي بالأساس. وهي منذ انتمائها رسمياً، بات لديها مجال الوصول إلى معلومات نووية لم تكن متاحة لها في السابق، كما أنها أصبحت جزءاً من القرار الذي تتخذه دول الحلف حول دفاعاتها النووية. وإن كانت عقيدتها حول الأسلحة النووية تتعارض مع كل ذلك لغاية الآن.
- التحوّل إلى اليمين
في خضم كل هذا التغيير الدفاعي الذي تشهده فنلندا، اختار ناخبوها خلال الانتخابات العامة الأخيرة إقصاء حكومتهم الاشتراكية والرهان على اليمين بديلاً حاكماً؛ فقد خسرت رئيسة الحكومة سانا مارين، التي كانت حكومتها الائتلافية الاشتراكية قد تقدمت بطلب عضوية الانضمام إلى «ناتو»، الانتخابات التي شهدتها البلاد الأحد الماضي. وحل الحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) الذي قادته في المرتبة الثالثة بعدما حصل على 19.9 في المائة فقط من أصوات الناخبين. إذ جاء في المرتبة الأولى خلال المعركة الانتخابية حزب «الائتلاف الوطني» اليميني الوسطي بزعامة بيتيري أوروبو بحصوله على 20.8 في المائة من نسبة الأصوات، بينما حل ثانيا حزب «فينز» (الفنلنديون) اليميني المتطرف بـ20.1 في المائة من الأصوات.
وفي ضوء هذه الحصيلة، يتعيّن الآن على الحزب المتصدر اتخاذ قراره حول الحزب الثاني الذي يريد أن يشكل حكومة ائتلافية معه، ثم الدخول في مفاوضات لتشكيل هذه الحكومة. حتى الآن ما زال غير واضح أي من الحزبين سيقرر أوروبو التفاوض معه، وإن كانت ثمة ترجيحات إلى أنه ينوي التحالف مع حزب «فينز» اليميني المتطرف والشعبوي الذي تتزعمه رييكا بورا، والذي حل ثانياً. خطوة كهذه تعني أن الحكومة المقبلة ستحمل نزعة يمينية خالصة في تناقض كبير مع حكومة مارين اليسارية المعتدلة التي قادت البلاد في السنوات الأربع الماضية. وللعلم، فإن الحزبين اليمينيين يتشاركان نظرة اقتصادية موحدة تدعم تخفيض الإنفاق الحكومي، وتتناقض مع نظرة الاشتراكيين التي تؤمن بزيادته.
وفي الحقيقة، كان الملف الاقتصادي طاغياً في الحملة الانتخابية الأخيرة، وبدا بوضوح أن الهموم المالية هي التي تشغل - أكثر من غيرها - بال الناخبين وسط أزمة اقتصادية عالمية، وارتفاع كبير في أسعار الطاقة، وتضخم غير مسبوق بسبب الحرب في أوكرانيا. وفي حين روّج الاشتراكيون للإبقاء على سياسة الإنفاق ما يعني زيادة الدَّين العام الذي ارتفع بنسبة 75 في المائة إبان جائحة «كوفيد - 19»، روّج اليمينيون لتخفيض الإنفاق عبر تقليص النفقات والإعانات. وكانت هذه السياسة اليمينية هي التي اختارها الناخبون القلقون من زيادة الدَّين العام، واستمرار ارتفاعه أكثر في حال بقي الاشتراكيون في السلطة.
أما حيال مسألتي انضمام فنلندا لعضوية «ناتو» وسياستها المستقبلية تجاه روسيا، فقد كان لافتاً أن النقاشات كانت شبه غائبة عن البرامج والشعارات والطروحات المقدمة من الأحزاب. وهنا بالذات، قد لا يكون في الأمر غرابة، إذا ما تذكرنا أن الأحزاب الفنلندية كلها أجمعت في السابق على ضرورة تقديم طلب عضوية إلى «ناتو»، ومن ثم التخلي نهائياً عن سياسة عدم الانحياز. وهذا يعني أن حزب «فينز» اليميني المتطرف، على عكس الأحزاب اليمينية المتطرفة في أوروبا التي تميل إلى الدفاع عن مواقف القيادة الروسية والتقارب معها، لا يتعاطف مع موسكو. وفي المقابل، يركز هذا الحزب الشعبوي المتطرف على مهاجمة المهاجرين، ويعتمد سياسات تشكك في الاتحاد الأوروبي والسياسات المناخية.
- لا تغيير مرتقباً في السياسة الدفاعية
في أي حال، وبغض النظر عن الحزب الذي سيقود الحكومة المقبلة، والأحزاب التي ستشارك في الائتلاف الحاكم، فإن السياسات الدفاعية لفنلندا ستبقى نفسها، ولن تتغير بتغير الحزب الحاكم. ثم إنه سيتوجب على أي حكومة جديدة تُشكل - وهو ما قد يستغرق أشهراً - أن تراجع السياسة الدفاعية المتعلقة بالأسلحة النووية، وأن تتخذ أيضاً قرارات تتعلّق بالإنفاق الدفاعي المرتفع أصلاً، الذي زاد العام الماضي على الـ2 في المائة، وهي النسبة التي يوصي بها «ناتو» الدول الأعضاء. ولكن يرى كثيرون أن حكومة يمينية صرفاً ستواجه صعوبة أكبر في البحث عن مصادر لتمويل الإنفاق الدفاعي، في حين تعتمد سياسة خفض النفقات بهدف تقليص الدين العام.
وبالتالي، بانتظار تشكيل الحكومة الفنلندية الجديدة وبدئها بالعمل على سياسات مهمة ستحتاج إليها لدعم انضمامها إلى «ناتو»، يبدأ الحلف كذلك مراجعة لسياساته الدفاعية بعد توسيعه حدوده مع روسيا. وهنا قد يعرقل خطط الحلف في الشمال، استمرار بقاء السويد خارج الحلف، لتكون الدول الشمالية الوحيدة التي ما زالت غير منضمة إلى أسرته.
الجدير بالذكر، أن السويد التي كانت قد قدمت طلب انضمامها مع فنلندا، لا تزال تنتظر موافقة كل من تركيا والمجر على ضمها. ولكن حتى الآن ما زالت تركيا تعرقل ضم السويد لرفض الأخيرة تسليم مشتبه بهم تطالب بهم أنقرة على أساس أنهم إرهابيون أكراد. ولقد تسبب حرق مصحف أمام مقر السفارة التركية في ستوكهولم قبل أسابيع، بزيادة توتر العلاقات الثنائية، وتمسُك تركيا بعرقلة ضم السويد. ومع أن ينس شتولتنبرغ، أمين عام «ناتو»، ما زال يكرّر الإعراب عن ثقته بأن العملية ستؤدي في النهاية إلى تفاهمات لضم السويد، فإن تأخير ضمها قد يؤخر حقاً خطوات الحلف لدمج الدولتين الشماليتين المرتبطين باتفاقات دفاعية مشتركة، في سياسته الدفاعية.
وفي انتظار ضم السويد وبدء تطبيق «سياسة شمالية دفاعية» كاملة تحت مظلة «ناتو»، تبدأ فنلندا رحلة جديدة تتهيأ فيها لمرحلة سياسية ودفاعية مختلفة، تنفض خلالها عنها صيت «الفلدنة»، وتتخلى نهائياً عن سياسة عدم الانحياز بعدما اختارت، مرغمة، الغرب على الشرق.

فنلندا... في سطور

> فنلندا جمهورية تقع في شمال أوروبا، تعد فعلياً دولة «شمالية» (نوردية)، لكنها ليست جزءاً من إسكندينافيا، التي تضم السويد والنرويج والدنمارك.
> الشعب الفنلندي، من الناحية الإثنية اللغوية من الشعوب الفينو - أوغرية وليس كجيرانه الإسكندينافيين الذين يعودون إلى أصول جرمانية، وأقرب الشعوب إليه إثنو - لغوياً الإستونيون والكاريليون (في أقصى شمال غربي روسيا على حدود فنلندا الشرقية).
> في البلاد لغتان رسميتان هما الفنلندية (يتكلمها 87.3 في المائة من السكان)، والسويدية (5.2 في المائة من السكان). ومعهما لغة شعب السامي (اللابيون).
> الفنلنديون يطلقون على بلادهم اسم «سوومي»، ويبلغ تعداد الشعب الفنلندي نحو 5.5 ملايين نسمة، وتتركز غالبيتها في المناطق الجنوبية من البلاد.
> تبلغ مساحة البلاد، التي تحدها من الشرق روسيا، ومن الشمال النرويج، ومن الغرب السويد، وفصلها عن إستونيا جنوباً خليج فنلندا، نحو 339 ألف كلم مربع. وهي بالتالي الثامنة من حيث المساحة في أوروبا، وأقل دول الاتحاد الأوروبي كثافة سكانية.
> عاصمة البلاد مدينة هلسنكي، وهي أكبر مدنها، تليها مدن تامبيري وأوبو (توركو) ويوفاسكولا ولاهتي وكووبيو.
> فنلندا جمهورية برلمانية ذات حكومة مركزية مقرها العاصمة هلسنكي، وحكومات محلية في 336 بلدية.
> يدين معظم الفنلنديين بالمسيحية البروتستانتية اللوثرية (68.7 في المائة)، ويدين نحو 1.1 في المائة بالأرثوذكسية. ومن الناحية العملية، تغلب العلمانية على المجتمع الفنلندي.
> كانت فنلندا تاريخياً جزءاً من السويد، ولكنها منذ عام 1809 تحولت إلى دوقية ذاتية الحكم ضمن الإمبراطورية الروسية. وعقب إعلان الاستقلال الفنلندي عن روسيا في 1917 حرب أهلية، وحروب ضد الاتحاد السوفياتي وألمانيا النازية، وثم فترة من الحياد الرسمي خلال الحرب الباردة.
> انضمت فنلندا إلى الأمم المتحدة عام 1955، ومنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية عام 1969، والاتحاد الأوروبي عام 1995، ومنطقة اليورو منذ إنشائها.


مقالات ذات صلة

موسكو: «الأطلسي» يكثّف تحركات قواته قرب حدود روسيا

العالم موسكو: «الأطلسي» يكثّف تحركات قواته قرب حدود روسيا

موسكو: «الأطلسي» يكثّف تحركات قواته قرب حدود روسيا

أكد سكرتير مجلس الأمن القومي الروسي نيكولاي باتروشيف أن حلف شمال الأطلسي (ناتو) نشر وحدات عسكرية إضافية في أوروبا الشرقية، وقام بتدريبات وتحديثات للبنية التحتية العسكرية قرب حدود روسيا، بحسب ما نقلته وكالة الأنباء الروسية «سبوتنيك»، اليوم الأربعاء. وأكد باتروشيف في مقابلة مع صحيفة «إزفستيا» الروسية، أن الغرب يشدد باستمرار الضغط السياسي والعسكري والاقتصادي على بلاده، وأن الناتو نشر حوالى 60 ألف جندي أميركي في المنطقة، وزاد حجم التدريب العملياتي والقتالي للقوات وكثافته.

العالم إسبانيا تستدعي سفير روسيا إثر «هجوم» على حكومتها عبر «تويتر»

إسبانيا تستدعي سفير روسيا إثر «هجوم» على حكومتها عبر «تويتر»

أعلنت وزارة الخارجية الإسبانية، الجمعة، أنها استدعت السفير الروسي في مدريد، بعد «هجمات» شنتها السفارة على الحكومة عبر موقع «تويتر». وقال متحدث باسم الوزارة، لوكالة «الصحافة الفرنسية»، إن الغرض من الاستدعاء الذي تم الخميس، هو «الاحتجاج على الهجمات ضد الحكومة على مواقع التواصل الاجتماعي».

«الشرق الأوسط» (مدريد)
العالم {الناتو} يؤكد تسليم أوكرانيا كل المركبات اللازمة لهجوم الربيع

{الناتو} يؤكد تسليم أوكرانيا كل المركبات اللازمة لهجوم الربيع

أعلن القائد العسكري الأعلى لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، أن جميع المركبات القتالية، التي وعد حلفاء أوكرانيا الغربيون بتسليمها في الوقت المناسب، تمهيداً لهجوم الربيع المضاد المتوقع الذي قد تشنه كييف، قد وصلت تقريباً. وقال الجنرال كريستوفر كافولي، وهو أيضاً القائد الأعلى للقوات الأميركية في أوروبا، إن «أكثر من 98 في المائة من المركبات القتالية موجودة بالفعل». وأضاف في شهادته أمام لجنة القوات المسلحة بمجلس النواب يوم الأربعاء: «أنا واثق جداً من أننا قدمنا العتاد الذي يحتاجون إليه، وسنواصل الإمدادات للحفاظ على عملياتهم أيضاً».

العالم الناتو يؤكد تسليم كل المركبات القتالية اللازمة لهجوم الربيع الأوكراني

الناتو يؤكد تسليم كل المركبات القتالية اللازمة لهجوم الربيع الأوكراني

أعلن القائد العسكري الأعلى لحلف شمال الأطلسي (الناتو) أن جميع المركبات القتالية، التي وعد حلفاء أوكرانيا الغربيون بتسليمها في الوقت المناسب، تمهيداً لهجوم الربيع المضاد المتوقع الذي قد تشنه كييف، قد وصلت تقريباً. وقال الجنرال كريستوفر كافولي، وهو أيضاً القائد الأعلى للقوات الأميركية في أوروبا، إن «أكثر من 98 في المائة من المركبات القتالية موجودة بالفعل». وأضاف في شهادته أمام لجنة القوات المسلحة في مجلس النواب الأميركي الأربعاء: «أنا واثق جداً من أننا قدمنا العتاد الذي يحتاجون إليه، وسنواصل الإمدادات للحفاظ على عملياتهم أيضاً».

العالم مقاتلات ألمانية وبريطانية تعترض طائرات روسية فوق البلطيق

مقاتلات ألمانية وبريطانية تعترض طائرات روسية فوق البلطيق

اعترضت مقاتلات ألمانية وبريطانية ثلاث طائرات استطلاع روسية في المجال الجوي الدولي فوق بحر البلطيق، حسبما ذكرت القوات الجوية الألمانية اليوم (الأربعاء)، وفقاً لوكالة الأنباء الألمانية. ولم تكن الطائرات الثلاث؛ طائرتان مقاتلتان من طراز «إس يو – 27» وطائرة «إليوشين إل – 20»، ترسل إشارات جهاز الإرسال والاستقبال الخاصة بها.

«الشرق الأوسط» (لندن)

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس
TT

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

بعد ساعات قليلة من توقيع الرئيسة الفنزويلية المؤقتة ديلسي رودريغيز، مع وزير النفط الأميركي كريس رايت، على الاتفاق الذي تتخلّى بموجبه فنزويلا عن 22 في المائة من احتياطيها النفطي، صرّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب من البيت الأبيض، بأن الظروف الراهنة لا تسمح بإجراء الانتخابات الموعودة في فنزويلا. rnوأضاف أنه ورودريغيز يرغبان في إجرائها «عندما تتوافر الأجواء المناسبة». في غضون ذلك، كانت تتوالى الانتقادات لهذا الاتفاق، وهو الأكبر في العالم، بما في ذلك بين أوساط المعارضة الفنزويلية التي كانت قد هللت من قبل للتدخل العسكري الأميركي الذي أطاح نيكولاس مادورو، والتي بدأ التصدّع يظهر في صفوفها بعد إصرار واشنطن على تهميشها وفتح قنوات الحوار مع النظام.

تصريحات الرئيس دونالد ترمب جاءت بعد الكشف عن بعض تفاصيل الاتفاق التي بيّنت أن سيطرة واشنطن على خُمس احتياط النفط الفنزويلي لفترة مائة سنة، ستكون عبر مساهمتها في شركة خاصة فنزويلية يملكها صديق لترمب هو المليونير أليخاندرو بيتانكور. وبالمناسبة، هذا الأخير ملاحق قضائياً في كل من سويسرا وإسبانيا بتهم تبيض الأموال.

في المقابل، أعربت أوساط المعارضة الفنزويلية عن مخاوفها من أن يشكّل هذا الاتفاق حافزاً لإبقاء الحكومة المؤقتة في السلطة، وتأجيل عملية الانتقال الديمقراطي، او حتى صرف النظر عنها كلياً.

ديلسي رودريغيز (آ فب/يونهاب)

فنزويلا ليست جاهزة للانتخابات

ترمب قال في تصريحاته حول الموضوع: «لا أعتقد أن فنزويلا جاهزة للانتخابات... إنها حكومة جديدة أنقذناها من النظام السابق ونقيم معها الآن علاقات جيدة، والرئيسة ديلسي رودريغيز تقوم بعمل ممتاز وتحظى باحترام الجميع، وهذا ما نريده».

الرئيس الأميركي امتنع أيضاً عن تحديد موعد لإجراء الانتخابات الموعودة، أو الشروط التي ينبغي أن تتوافر لإجرائها، مكتفياً بالقول إنها «قد تحصل قريباً». وبالتالي، يؤكد هذا الموقف المعلن لإدارة ترمب منذ العملية العسكرية الخاطفة التي انتهت باعتقال الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو واقتياده إلى الولايات المتحدة لمحاكمته بتهمة الاتجار بالمخدّرات.

إذ يستند موقف واشنطن، التي تمارس عملياً الوصاية على فنزويلا، إلى «خارطة طريق» من ثلاث مراحل: إعادة بناء قطاع النفط الذي يشكّل المحرك الأساسي للاقتصاد الفنزويلي، و«تحقيق الاستقرار» (وفق واشنطن)، وبعد ذلك انتقال السلطة إلى حكومة جديدة «عبر انتخابات حرة».

وفي هذا الاتجاه، يشدّد المسؤولون عن الملف الفنزويلي في واشنطن على أن الهدف ليس إجراء الانتخابات لمجرد إجرائها، بل لكي تؤدي إلى قيام «نظام سياسي ثابت ومستقر»، عبر حوار صريح وجدّي بين الحكومة المؤقتة وممثلين عن المعارضة، من المفترض أن ينطلق أواسط الشهر الجاري. وللعلم، كان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قد ردّ أخيراً على استفسار صحافي حول الانتخابات التي وعدت واشنطن بإجرائها في فنزويلا بالقول: «لا يمكن للانتخابات وحدها أن تحلّ كل المشكلات. إنها شرط لقيام نظام ديمقراطي لا يقتصر فقط على إجرائها. الاستقرار هو الذي يسمح بترسيخ هذا النظام اقتصادياً وقانونياً، وأن تكون هناك صحافة حرة، وأحزاب سياسية أُتيحت لها الظروف والوقت الكافي لتنظيم صفوفها، وأن تُجرى الانتخابات على أساس نظام قانوني يبعث على الثقة ولا يُقصي احداً».

اعتراف من المعارضة... وانتقادات بالجملة

في المقابل، تعترف المعارضة الفنزويلية ذاتها بأن المؤسّسات الفنزويلية الضامنة للنظام الديمقراطي «تعطّلت وأُفرغت من صلاحياتها» إبان الحقبة السابقة. وبناءً عليه، لا بد من إعادة بنائها قبل الانتقال إلى إجراء انتخابات حرة ونزيهة. بيد أن معظم قيادات هذه المعارضة بدأت تساورها شكوك حول نيّات واشنطن الحقيقية بعدما لمست مدى التناغم والتقارب بين إدارة ترمب والرئيسة المؤقتة التي كانت لسنوات طويلة من الركائز الأساسية في نظام مادورو، وقبله في نظام هوغو تشافيز.

الرئيس ترمب وصف الاتفاق بـ«التاريخي». وقال إنه «هديّة من الشعب الفنزويلي إلى الولايات المتحدة». وأردف أنه لن يكلّف بلاده فلساً واحداً، بل سيساعد على تجديد احتياطي النفط الأميركي الاستراتيجي الذي وصل حالياً إلى أدنى مستوياته منذ أربعة عقود.

ولكن، منذ أن بدأت ترشح المعلومات الأولى عن بنود هذا الاتفاق -الذي جرى التفاوض والموافقة عليه سرّاً- حتى سارعت جميع أطياف المشهد السياسي الفنزويلي، من أركان النظام السابق وأنصاره إلى المعارضة، إلى انتقاده بشدة لكونه يجعل من الحكومة الاميركية الشريك الرئيس في مؤسسة تسيطر على 17 من آبار النفط الفنزويلية طيلة 25 سنة قابلة للتجديد ثلاث مرات، كما أعلنت الرئيسة المؤقتة ديلسي رودريغيز.

يضاف إلى ما تقدّم، أن كل التفاصيل الأخرى في الاتفاق ما زالت طي الكتمان، سوى أنه سيجعل الاقتصاد الفنزويلي في قبضة الولايات المتحدة، وعملية الانتقال السياسي رهينة مزاج الرئيس الأميركي وحساباته السياسية الداخلية.

اقرأ أيضاً

لا يمكن للانتخابات وحدها أن تحلّ كل المشكلات... إنها شرط لقيام نظام ديمقراطي لا يقتصر فقط على إجرائها

روبيو

تطابُق مصالح مرحلي

لويس فيسنتي ليون، الخبير الاقتصادي المحاضر في جامعة كاراكاس، قال معلّقاً إن هذا الاتفاق هو «ثمرة تطابق المصالح الاميركية والفنزويلية في هذه المرحلة. فهو يفتح امام واشنطن نافذة لتجديد احتياطيها الاستراتيجي من النفط الذي وصل إلى أدنى مستوياته، بينما تواصل أسعار المحروقات ارتفاعها على أبواب استحقاق الانتخابات النصفية، فضلاً عن أن الحرب مع إيران ما زالت بعيدة عن الحسم ويرجَّح أن تطول أكثر مما كان متوقعاً. أما الحكومة الفنزويلية، فهي بحاجة ماسة إلى الموارد، وليس لديها أي هامش للمناورة مع واشنطن».

وأردف: «... والحماسة التي أبداها الرئيس الأميركي، عند إعلانه الاتفاق، تدعم مواقف الذين سبق أن ندّدوا بالعملية العسكرية التي أطاحت مادورو تحت عنوان مكافحة تجارة المخدرات، واتهامهم واشنطن بأن الهدف منها هو السيطرة على موارد النفط وليس تسهيل العودة إلى النظام الديمقراطي... التي كلفت المعارضة سنوات من النضال ومئات الضحايا وملايين المهاجرين».

وتابع فيسنتي ليون، في حوار هاتفي مع «الشرق الأوسط»، أن هذا الاتفاق «يضرّ بصورة الولايات المتحدة في أميركا اللاتينية، إذ يدحض بشكل نهائي المزاعم بأن التدخل العسكري الأميركي مطلع هذا العام كان دفاعاً عن الديمقراطية في وجه نظام مستبد، ويبيّن أن سياسة واشنطن لا تقيم أي وزن للقيم والمبادئ التي تتشدّق بها».

من جهة ثانية، يرى آخرون أن شركات النفط الأميركية التي تجاوبت مع دعوة ترمب إلى الاستثمار في قطاع النفط الفنزويلي «إنما فعلت ذلك مكرهة بفعل الضغوط التي تعرّضت لها... وأنها كانت مترددة للإقدام على هذه الخطوة بسبب المخاطر التي تلمسها في بلد تحكمه رئيسة غير منتخبة، ويحتاج قطاعه النفطي إلى استثمارات ضخمة قبل أن يستعيد مستويات الإنتاج السابقة». ويبدو أن ذلك التردد هو الذي دفع الرئيس ترمب إلى اتخاذ قرار يجعل من حكومته المستثمر في هذه الصفقة، بواسطة مكتب رأس المال الاستراتيجي التابع لوزارة الحرب (البنتاغون).

ترمب (آ ف ب/غيتي)

تأثير الاتفاق على فرص ترمب

مع هذا، فإن المعارضين لهذا الاتفاق يراهنون على الانتخابات النصفية الأميركية أواسط الخريف المقبل التي يرجح كثيرون أن تكون حاسمة بالنسبة لمستقبل ترمب وخططه. فالرئيس الأميركي يعرف أن أسعار المحروقات لن تنخفض بموجب هذا الاتفاق قبل مرور فترة طويلة، لكنه يريد استخدام هذه الورقة لإطلاق وعود بأن الأنباء السارة قادمة، لا سيما أن التوقعات تشير إلى أن الجمهوريين قد يخسرون الغالبية في مجلس النواب، وربما في مجلس الشيوخ أيضاً.

المعارضة المنقسمة

في هذه الأثناء، على الجبهة الفنزويلية يشكّل هذا الاتفاق «رافعة» أساسية لتحسين الوضع الاقتصادي المتردي، وخوض الانتخابات المقبلة تحت شعاره. ولقد كان لافتاً كيف أن اركان النظام سوّقوا الاتفاق في تصريحاتهم وتغريداتهم على منصّات التواصل الاجتماعي، حتى إن نجل نيكولاس مادورو نشره على حسابه، مؤكداً أن تيّار والده سيفوز في الانتخابات المقبلة.

وحقاً، ليس مستغرباً أن يسود التفاؤل أوساط أنصار النظام بعد التصدّع الذي بدأ يظهر في صفوف المعارضة التي لم تنجح في توحيد مواقفها طيلة سنوات. إذ سارع اثنان من الأحزاب الرئيسية في المعارضة، هما «العدالة أولاً» و«الإرادة الشعبية»، إلى التجاوب مع دعوة واشنطن لاستئناف جولات التفاوض مع النظام حول الانتقال الديمقراطي، في حين كانت الأحزاب اليمينية المنضوية تحت زعامة ماريا كورينا ماتشادو، الحائزة «جائزة نوبل للسلام» والتي ما زالت واشنطن تقصيها عن الدور التي كانت موعودة به، تتكلّم عن «خيانة» الحلفاء في المعسكر المعارض.

هذا، ووعدت ماتشادو، التي ما زالت خارج فنزويلا، بأنها ستعود قريباً لتستأنف التواصل مع أنصارها، رافضةً «الاكتفاء بالفُتات الذي ربما أثمرته المفاوضات مع النظام»، الأمر الذي يؤكد أنها لم تعُد الورقة التي كانت تراهن عليها واشنطن للتغيير في فنزويلا.


رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
TT

رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!

مع انتهاء العطلة الصيفية، عادت الحياة تدب في شرايين السياسة الفرنسية، والأنظار تتركز، منذ اليوم، على الاستحقاق الرئاسي العام المقبل. وما بين نتائج استطلاعات الرأي وتموضع المرشحين الذين يزيد عددهم على الثلاثين وبرامجهم، تبدو قراءة المشهد بالغة التعقيد. وما يميزه أن هناك وجوهاً معروفة سبق لها أن ترشحت العديد من المرات مثل مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان، أو مرشح اليسار الراديكالي جان لوك ميلونشون. لكن هناك سياسيين يخوضون غمارها للمرة الأولى. هم جُدد في هذه «المهنة» رغم خبراتهم السابقة وزراء أو نواباً في البرلمان الفرنسي أو الأوروبي. وأبرز هؤلاء، في الوقت الحاضر، رافاييل غلوكسمان الذي أعلن ترشّحه أواخر الشهر الماضي ويحلم بأن يكون مرشح الحزب الاشتراكي ومرشح حزبه الصغير المسمّى «الساحة العامة».

الأمور بالنسبة للمرشح رافاييل غلوكسمان يتوقع أن تحسم في اقتراع إلكتروني لأعضاء الحزبين، الشهر المقبل. مع العلم أن غلوكسمان رغم خوضه الانتخابات الأوروبية على رأس اللائحة الاشتراكية مرتين (2019 و2024)، يجهل الفرنسيون الكثير من تفاصيل حياته. بل، ربما أكثر ما يعرفه العديد منهم أنه «رفيق درب» الصحافية ليا سلامة، ابنة وزير الثقافة اللبناني غسان سلامة.

ولقد أسهمت الصور التي نشرتها «باري ماتش»، مجلة المشاهير، على غلافها أخيراً وهي تُظهر الاثنين معاً بملابس البحر خلال عطلتهما الصيفية في جزيرة كورسيكا، في تقريب السياسي والصحافي السابق من الجمهور الفرنسي. بيد أن ذلك لا يكفي؛ إذ لا يمكن فهم انخراط رافاييل في العمل السياسي خارج سيرة عائلته، وانخراط والده أندريه في معمعة الجدل الفكري والسياسي طيلة عقود طويلة.

الإرث العائلي: من الجد إلى الأب

مساء يوم 31 يناير (كانون الثاني) من العام الحالي، بثت قناة التلفزيون التابعة لمجلس الشيوخ الفرنسي فيلماً وثائقياً عن عائلة غلوكسمان بأجيالها الثلاثة التي بدأت قصتها مع الجدّ روبين غلوكسمان، المولود عام 1889، في مدينة تشرنيفستي التابعة حينذاك للإمبراطورية النمساوية ــ المجرية (قائمة حالياً في أوكرانيا)، في عائلة يهودية أشكنازية (يهود أوروبا الوسطى والشرقية)، وتواصلت مع ابنه المفكّر والفيلسوف الفرنسي الماركسي - الماوي أندريه، ثم الآن مع حفيده رافاييل.

رافاييل كان قد خاض منذ بضع سنوات الحقل السياسي، وهو اليوم مرشح للانتخابات الرئاسية الفرنسية التي ستجرىَ نهاية شهر أبريل (نيسان) وبداية شهر مايو (أيار) من العام المقبل. لكن لا بد من القول إن قصة هذه العائلة مشوّقة.

فالجد روبين، الذي تبنى لاحقاً اسم روفين غيدوني، وخدم جندياً في الجيش الإمبراطوري، هاجر في عام 1920 إلى فلسطين مع زوجته مارتا كيسلر، بعدما اعتنق كلاهما العقيدة الصهيونية عندما أصبحت بريطانيا السلطة المَنتدَبة على فلسطين عقب انهيار الخلافة العثمانية.

«تحوّل» فكري في فلسطين

الطريف في القصة أن روبين ومارتا انتميا هناك إلى الحزب الشيوعي الفلسطيني، الذي كان يضم في حينه بضع عشرات من الأعضاء. بل يمكن القول إن روبين توجّه إلى فلسطين «صهيونياً» وعاد منها «شيوعياً»؛ إذ إنه انتمى لاحقاً إلى تنظيم «الكومنترن» الذي أنشأه لينين عام 1919، وكانت مهمته بث الفكر الشيوعي عبر العالم والتعجيل باندلاع الثورة الشيوعية العالمية.

ثم، بعد فلسطين، استقر روبين مع عائلته في مدينة هامبورغ الألمانية. وهناك كان، من الناحية الرسمية، موظفاً في شركة تأمين بينما كان في الحقيقة عميلاً لـ«الكومنترن» والاستخبارات السوفياتية، يشمل إطار مهمته العديد من البلدان الأوروبية. إلا أن هذا الوضع لم يَدُم؛ لأن صعود النازية في ألمانيا دفعه إلى الانتقال إلى فرنسا عام 1935، وبالأخص بعدما علم أن الشرطة السياسية الألمانية «الغستابو» تراقبه. وفي فرنسا، رسا خياره مع زوجته على العيش في ضاحية بولوني بييانكور الواقعة على مدخل باريس الغربي. وفي هذه المدينة ولد ابنه أندريه.

من باريس إلى لندن

أيضاً، لم يبق روبين طويلاً في باريس؛ إذ انتقل منها إلى لندن في عام 1937 حيث استقر وحيداً بغطاء مهني، مديراً لشركة تجارية «فار إيسترن فور تريدينغ كومباني» تتعاطى تجارة الفرو. لكن الشرطة البريطانية ساورتها الظنون سريعاً حول طبيعة عمله، وانتهى بها الأمر إلى أن ألقت القبض عليه مرتين في عام 1940.

وفي المرة الثانية، توافرت لها معلومات موثّقة عن حقيقة مهمته عميلاً استخباراتياً لصالح الاتحاد السوفياتي فاعتقل ثم صدر أمر بترحيله إلى كندا. غير أن الباخرة التي وضع على متنها، وكانت تحمل اسم «إس إس أراندورا ستار» أصيبت يوم 2 يوليو (تموز) من العام نفسه بمقذوف غواصة ألمانية دمّرها وأغرقها على بعد 140 كلم من الشواطئ الآيرلندية، وبذا انتهت حياة جد رافاييل غلوكسمان في مياه الأطلسي.

صحافي ومنتج أفلام وثائقية

قبل أن يغوص رافاييل غلوكسمان في بحر السياسة، جرّب الصحافة والإنتاج السينمائي والكتابة. وكان ينظر إليه على أنه مثقّف وكاتب ومفكّر، وأنه سار على درب والده أندريه صاحب الثلاثين كتاباً... تدور غالبيتها حول التوتاليتارية والحرب والسلم وحقوق الإنسان. والواقع أن أندريه تنقّل ما بين الماركسية اللينينية والماركسية الماوية لينهي رحلته الفكرية والسياسية يمينياً - وأحياناً يمينياً متطرفاً - يبرّر حرب جورج بوش «الابن» على العراق، ويدعم وصول نيكولا ساركوزي إلى قصر الإليزيه.

وبالفعل، دار الكثير من الجدل حول مواقفه السياسية ومواقف أقران له من مجموعة «الفلاسفة الجدد»، مثل برنار هنري ليفي وباسكال بروكنير.

النشأة والمسيرة

ولد رافاييل غلوكسمان في عام 1979، ودرس في باريس في ثانويتين معروفتين هما «لامارتين» و«هنري4». وبعدها دخل إلى «معهد العلوم السياسية» (سيانس بو) وتخرّج فيه في عام 2003. إلا أنه لم يَسِر على درب النخبة الفرنسية التي تتوجّه عادة إلى «معهد الإدارة الوطني» (إينا)، بل انصرف سريعاً إلى العمل الصحافي. وهنا كانت بداية غلوكسمان مع صحيفة جزائرية هي «لو سوار» بالتوازي مع عمله منتجاً لأفلام وثائقية أبرزها: وثائقي بعنوان «اقتلوهم جميعاً» عن مجازر التوتسي في رواندا وعن مسؤولية فرنسا فيها، ووثائقي آخر بعنوان «الثورة البرتقالية» في أوكرانيا. وخلال سنواتٍ عمل لمجلات ثقافية منها مجلات أميركية الهوى، لا بل من تيار «المحافظين الجدد».

بعدها، في عام 2017، عيّن غلوكسمان رئيساً لتحرير «المجلة الأدبية الجديدة». وكذلك تعاون مع عدة إذاعات وقنوات تلفزيونية، الأمر الذي جعله وجهاً معروفاً لدى الفرنسيين. غير أن دخوله المعترك السياسي، مباشرة، انطلق مع تأسيس حزب «الساحة العامة» عام 2018 برئاسة مشتركة بينه وبين أورور لالوك، وكان الهدف منه توحيد اليسار الداعم للاندماج الأوروبي والوقوف بوجه حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري المتشدد الذي يتزعمه جان لوك ميلونشون.

المخاض السياسي في الخارج والداخل

من جهة ثانية، تعود أول تجربة سياسية - انتخابية لغلوكسمان في فرنسا إلى عام 2019 عندما اقترح عليه الحزب الاشتراكي ترؤس لائحة مشتركة للانتخابات الأوروبية تضم الاشتراكيين و«الساحة العامة» وحزباً صغيراً آخر غير معروف اسمه «المُعطىَ الجديد». بيد أن هذه المحاولة فشلت عندما رفض «البيئويون» بتشكيلتيهم السياسيتين السير بمشروعه، وكذلك رفض الحزب الشيوعي، بينما اقتصر تجاوب الحزب الاشتراكي معه على الصعيد الانتخابي. وفي الحصيلة، أدى التحالف الانتخابي إلى انقسامات داخل الحزب الناشئ ودفع عدداً من كبار مؤسّسيه إلى الابتعاد عنه.

التجربة تجددت في انتخابات عام 2024، حين حصلت لائحة غلوكسمان على نحو 14 في المائة من الأصوات فحلت في المرتبة الثالثة. لكن قبل فرنسا، جرّب غلوكسمان السياسة في شرق أوروبا، وتحديداً في أوكرانيا وجورجيا.

ففي «عزّ» الحرب في جورجيا، سافر السياسي الطموح إلى عاصمتها تبيليسي، صيف عام 2008، ووضع نفسه في خدمة رئيسها ميكاييل سكاشفيلي ذي التوجّهات اليمينية الليبرالية الغربية، وأصبح في عام 2009 مستشاره الرسمي للشؤون الأوروبية، وكُلّف، من ثم، التفاوض مع بروكسل لانضمام جورجيا إلى النادي الأوروبي.

أيضاً لعب غلوكسمان دور الوسيط بينه وبين ساركوزي، وكذلك ساعد سكاشفيلي على كتابة خطاباته. وأكثر من ذلك، تزوّج غلوكسمان وزيرة الداخلية الجورجية إيكا زغولادزه في عام 2009 وأنجب منها صبياً اسمه ألكسندر. ولكن، بعد هزيمة سكاشفيلي في انتخابات عام 2013 الرئاسية، غادر غلوكسمان تبيليسي مع عائلته وانتقل إلى أوكرانيا، حيث انطلقت الحركة الاحتجاجية المعروفة بـ«يوروميدان»، وحيث تحمل زوجته جنسيتها، والتي عُيّنت لاحقاً نائبة لوزير الداخلية في أوكرانيا.

«مستشار» سياسي ذو تموضعات لافتة

في أوكرانيا، أصبح غلوكسمان مستشاراً للمرشح الرئاسي فيتالي كليتشكو. ومنذ سنوات، يُعدّ دعم أوكرانيا المطلق أحد أهم خياراته والتزاماته السياسية الأساسية. بالتوازي، شكّلت نتائج الانتخابات الأوروبية لعام 2024 «الرافعة» السياسية الأساسية لغلوكسمان الذي وضع لنهجه السياسي خطين عريضين: الأول مواجهة اليسار المتشدد ... والثاني مواجهة اليمين المتطرف.

وفي المعركة الرئاسية المقبلة، يجد الرجل نفسه بمواجهة جان لوك ميلونشون على تزعّم اليسار، علماً بأنه من دعاة الانفصال التام عن «فرنسا الأبيّة» ومن المروّجين لقدرة اليسار غير الميلونشوني على الفوز في الانتخابات. ولكن - كعادة غلوكسمان - لهذه «القاعدة استثناءات»؛ إذ سبق له دعم الجبهة اليسارية التي تشكلت بمناسبة الانتخابات التشريعية في عام 2024 من أجل قطع الطريق على وصول حزب «التجمع الوطني» بزعامة مارين لوبان إلى السلطة.

لكنه، في الانتخابات المحلية البلدية التي أجريت هذا العام، أعلن أنه لن يدعم أي قائمة مشتركة مع اليسار المتشدّد، على الرغم من احتمال الفشل وفوز اليمين المتطرّف في البلديات المعنيّة.

في الحقيقة، يصعب أحياناً تتبع انعطافات غلوكسمان السياسية. وحقاً، بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردّد في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات». ومع هذا، لم تمنعه هذه «الوفاة» من أن يخوض المنافسة الراهنة لتسميته مرشحاً عن الحزب «المتوفى» وعن حزبه الصغير «الساحة العامة».بالتالي، في غياب التسمية المشتركة، يفقد غلوكسمان أي أمل في الانتخابات الرئاسية العام المقبل. ومعلوم، أنه حتى اليوم، ووفق استطلاعات الرأي، يهيمن على هذه الانتخابات مرشحان رئيسان: اليمينية مارين لوبان، واليساري جان لوك ميلونشون؛ أي: ممثلَيْ التيارين اللذين يحاربهما غلوكسمان.


عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

ميلونشون (رويترز)
ميلونشون (رويترز)
TT

عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

ميلونشون (رويترز)
ميلونشون (رويترز)

تعترض طريق رافاييل غلوكسمان (47 سنة) لخلافة الرئيس إيمانويل ماكرون في مايو (أيار) من العام المقبل، عقبات لا يستهان بها.

غلوكسمان أعلن ترشحه لهذه الانتخابات يوم 26 أغسطس (آب) الماضي، لينضم بذلك إلى عدد كبير من المرشحين يتجاوز الثلاثين مرشحاً، يميناً ويساراً. ولكن سيتعيّن عليه اجتياز عقبة أولى تتمثّل بالانتخابات الداخلية التي ستجرى خلال الأسبوعين الأولين من الشهر المقبل للفوز بترشيح التيار الاشتراكي - الديمقراطي الممثل بالحزب الاشتراكي وبحزب «الساحة العامة» الذي أطلقه غلوكسمان في عام 2018، والحزب الآخر الصغير المسمى «اليسار الاشتراكي الجمهوري».

عددياً، المقترعون في هذه المنافسة قلة قليلة؛ إذ لا يتجاوز عديدهم 39 ألف مقترع في بلد يضم 67 مليون نسمة. ثم إن درب غلوكسمان ليس مفروشاً بالورود؛ إذ ينافسه، من الداخل، مرشحون أبرزهم: أمين عام الحزب الاشتراكي أوليفيه فور، والمرشحة الرئاسية السابقة سيغولين رويال، ويتربص به من الخارج الرئيس الاشتراكي الأسبق فرنسوا أولاند ورئيس الوزراء الأسبق برنار كازنوف.

لو بن (آ ف ب)

حتى اليوم، تبين استطلاعات الرأي أن غلوكسمان سيجتاز بنجاح العقبة الأولى. لكن بعدها عليه فرض نفسه في معسكر اليسار، حيث سيواجه المرشح العنيد جان لوك ميلونشون، زعيم حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري المتشدد، والخبير في المعارك الرئاسية؛ إذ يخوض منافسته الرابعة، ولقد كاد يتأهل عام 2022 للجولة الثانية الحاسمة بحصوله على نحو 22 في المائة من الأصوات. ولليوم، تبدو حملته الأكثر ديناميكية، كما أن استطلاعات الرأي ترجّح أن يتمكّن في الربيع المقبل من «السقف الزجاجي» الذي حال دوماً دون ولوجه المنافسة النهائية.

في المقابل، تبدو مارين لوبان، ابنة جان ماري لوبان، مؤسس «الجبهة الوطنية» التي تغيّر اسمها إلى «التجمّع الوطني» ووريثته السياسية، هي الوحيدة الواثقة من تأهلها للجولة الانتخابية الثانية، وفق نتائج استطلاعات الرأي التي تمنحها ما بين 33 و35 في المائة من الأصوات في الجولة الأولى، بينما أقرب منافسيها، ميلونشون، يلهث وراءها لكنه لا يزال بعيداً عنها بما لا يقل عن 15 إلى 18 في المائة من الأصوات.

أيضاً، تبين هذه الاستطلاعات أن لوبان ستفوز بفوارق كبيرة في الجولة الثانية الحاسمة، خصوصاً إذا كان منافسها ميلونشون.

حقيقة الأمر أن الموعد الرئاسي ما زال بعيداً، والرأي العام متحول، والمعركة الانتخابية ما زالت في بداياتها. ورهان غلوكسمان، أن تستمر «حرب» مرشحي «الكتلة المركزية»، بينما يتمكن هو من تجاوز ميلونشون، وعندها يجد الناخب الفرنسي نفسه ملزماً بالاختيار بينه وبين لوبان.