صدام حفتر... «صندوق رهانات» المرحلة الليبية

بات قريباً من خلافة والده في «القيادة العامة»

صدام حفتر... «صندوق رهانات» المرحلة الليبية
TT

صدام حفتر... «صندوق رهانات» المرحلة الليبية

صدام حفتر... «صندوق رهانات» المرحلة الليبية

حلّق صدام خليفة حفتر على مستويات مرتفعة، قبل أن يهبط، في أول قفزة مظلية استعراضية، بدت في أعين العديد من الليبيين بمثابة باب يدلف منه إلى ما هو آتٍ. وصدام، هو الابن الأصغر للمشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني»، ونائبه في القيادة العامة، من بين سبعة ذكور، ينخرط بعضهم داخل ليبيا في أعمال عسكرية ومدنية. والقفزة الجوية التي أقدم عليها صدام قبل قرابة عشرة أشهر تلتها ترقيته من رئيس أركان القوات البرية برتبة لواء، إلى فريق أول، ليصبح الرجل العسكري الأبرز في القيادة العامة، والقائم على إدارة المشهد العسكري راهناً، ومحور اهتمام القوى الدولية المتداخلة في ليبيا. الآن، ينخرط صدام - الذي يُنظر إليه على أنه وريث محتمل لأبيه لقيادة المؤسسة العسكرية - في توسيع الشراكات الدولية، ورسم استراتيجية جديدة تبسط قبضته على الحدود المترامية، وتطوي مساحات جغرافية تحت عباءة الجيش الذي أعيد بناؤه في بنغازي (شرقاً) بالعدّة والعتاد.

وسط ندرة المعلومات الموثّقة عن صدام، يرجح مقربون منه أنه وُلد عام 1987 في مدينة بنغازي، التي نشأ فيها بين سبعة أشقاء ذكور، وأربع شقيقات، وأطلق عليه والده هذا الاسم تيمناً بالرئيس العراقي الراحل صدام حسين.

مع بداية 2016، بدأت تتبلور بوضوح ملامح شخصية صدام ومسيرته. ففي العام ذاته، شوهد خلال حفل عسكري في الأردن مرتدياً الزي العسكري في أثناء تخرج طلاب الكلية العسكرية من بينهم عناصر بـ«الجيش الوطني»، في أول ظهور له يحمل رتبة عسكرية على كتفيه، رقي حينها إلى «نقيب». وفي ذلك الحين رد المتحدث باسم الجيش أحمد المسماري على المنتقدين، وقال: «صدام كغيره من الشباب الليبي المنضمّ للجيش، حصل على دورة تسعة أشهر في الأردن؛ وهو في هذه المناسبة يحضر حفل تخرج زملائه».

عقب ذلك، ارتبط اسم صدام بشكل وثيق بـ«اللواء طارق بن زياد معزز»، ثم «اللواء 106 مجحفل»، وهو من القوى العسكرية التي ينظر إليها مؤيدو الجيش على أنها «الأكثر تنظيماً وتأثيراً في المنطقة الشرقية»، في مقابل انتقادات موازية من آخرين.

وبحلول مايو (أيار) 2023، حصل صدام على رتبة «عميد»، وفي مارس (آذار) عام 2024، حمل رتبة «لواء ركن»، ومنح درجة دكتوراه فلسفة في العلوم العسكرية من الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية بمصر، ليتولى في أعقابها منصب رئيس أركان القوات البرية. وفي أغسطس (آب) 2025، عُيّن نائباً للقائد العام للجيش برتبة فريق أول.

رهانات متقاطعة

فرض المنصب الرفيع الذي تولاه صدام حفتر في القيادة العامة - متجاوزاً قيادات عسكرية رفيعة شاركت والده في إعادة بناء الجيش - مسؤوليات عظمى، ووضعه في دائرة الاهتمام الدولي، وجعله محط أنظار ورهانات مؤيدين ومعارضين، محبين وكارهين. كلٍّ حسب معسكره وموقعه السياسي.

فمؤيدوه في شرق ليبيا وبعض مدن الجنوب، ولا سيما من يمتنّون لوالده، خليفة حفتر، لإعادة بناء الجيش الذي تفكك عقب مقتل العقيد معمر القذافي، يعقدون آمالهم عليه لقيادة مستقبل البلاد. أما مناوئوه، وخاصة في العاصمة، فتتباين نظرتهم إليه بين من يرونه «عدواً وخصماً»، ومن يرحبون بتصعيده شريطة أن يطرح نفسه عبر انتخابات «حقيقية وشفافة».

فكلما طال أمد الانقسام، واتسعت هشاشة الحدود، وتنامت الجريمة، ازداد تعلق شريحة واسعة من الليبيين بالمؤسسة العسكرية، واستعادت هيبة الزي العسكري حضورها باعتبارها عنواناً للأمن والانضباط.

وفي المحصلة، أسهمت حالة «اللا دولة» في تكريس حضور صدام وتعزيز حظوظه. لذا بات يتلاشى نسبياً في ليبيا وصف «الجيش الوطني»، من قبل مناوئين بأنه «جيش عائلي»، بلسان حال يقول: «أضحى لدينا جيش نظامي متماسك، بدلاً من تشكيلات مسلحة لا تكفّ عن الاقتتال».

غير أن هذا التحول في النظرة إلى صدام لم ينهِ الجدل المحيط بشخصه؛ إذ يواصل مناوئوه توجيه اتهامات إليه تتعلق بـ«انتهاكات لحقوق الإنسان»، بينما يتجاهل الرد عليها، ويتولى مقربون منه مهمة نفيها وتفنيدها والدفاع عنه.

وكلما حلا لبعض المؤيدين الإشادة بلغة جسد صدام في المناسبات الرسمية، ممتدحين ابتسامته الهادئة ونظرته المباشرة في أعين مستقبليه، وجدوا في المقابل من يرد عليهم بأنه «يفتقر إلى التدرج الطبيعي في المؤسسة العسكرية».

وفي أقل من عام على تعيينه نائباً للقائد العام، جاب صدام مناطق عدة في ليبيا، لا سيما جنوبها، والتقى أطيافاً مختلفة من المشايخ والأعيان والشباب. وعلى ندرة حديثه للجمهور، وظهوره صامتاً في غالبية الفعاليات، تحدث ذات مرة، بنبرة صوت تشبه والده، أمام قبائل براك الشاطئ، في نهاية العام الماضي، قائلاً: «أيها الأحرار، لقد كنتم وما زلتم الدرع الصامدة للوطن».

ولعل من أبرز المتغيرات التي لاحظها متابعون في خطاب صدام، استثماره استضافة ليبيا للتمرين الأميركي «فلينتلوك 2026» في مدينة سرت، منتصف أبريل (نيسان) الماضي؛ إذ عدّ ذلك «برهاناً على قدرة الشباب الليبي على التوحد، وتجسيداً لمدى مهنية واحترافية منتسبي المؤسسة العسكرية».

أكثر من مجرد نائب لأبيه

منذ أن قفز صدام مظلياً العام الماضي، لم يشاهَد في سماء ليبيا يكرر هذا الأمر، لكن لوحظ مراراً في العديد من الدول، منخرطاً في مباحثات أو لقاءات أو شراكات عسكرية، لا سيما مع روسيا وباكستان وتركيا ومصر وفرنسا.

فالعديد من الدول العربية والأوروبية، إلى جانب أميركا، لم تعد تنظر إلى صدام بوصفه قائداً عسكرياً في معسكر الشرق، أو نائباً لوالده فحسب، بقدر ما تراهن على دوره في نسج علاقات دولية مستدامة، وتهيئة آفاق أوسع للاستثمار، بما يسهم في ترسيخ الاستقرار في ليبيا، بحكم موقعها كبوابة لأفريقيا.

لذا، بعد أن كانت علاقات معسكر شرق ليبيا منحصرة في عدد محدود من الدول، من بينها مصر وروسيا والإمارات، باتت أكثر اتساعاً مع ترقّي صدام في هرم القيادة العامة، وامتدت إلى عواصم مؤثرة، من بينها واشنطن. من هنا - ووفقاً لمتابعين - بدأ صدام يدلف إلى «عالمه الجديد».

ومع الحديث عن «مبادرة أميركية» لحلحلة الأزمة الليبية ازدادت دائرة الضوء من حول صدام. وتقضي المبادرة بتوليه رئاسة المجلس الرئاسي خلفاً لمحمد المنفي رئيسه الحالي، وتنصيب عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة رئيساً لحكومة موحدة.

وتميل أطراف موالية لـ«الجيش الوطني» إلى دعم هذه المبادرة، لكن أطيافاً عديدة في غرب ليبيا ترفضها بشدة، وترى أن دخول صدام إلى العاصمة طرابلس «لن يتم إلا على أجسامهم».

ولا يقتصر نفوذ صدام على الجانب العسكري فحسب، بل يمتد لعمق المشهد السياسي بفضل ظهير برلماني قوي وتأييد شعبي وازن. ويتجلى هذا الدعم في تصريحات عضو مجلس النواب عن مدينة الكفرة، جبريل أوحيدة، الذي اعتبر أن صعود صدام إلى سدة المجلس الرئاسي يمثل مكسباً سياسياً، وقال: «نحن رابحون إذا وصل إلى رئاسة المجلس الرئاسي».

«صندوق مغلق»

يظل صدام لمن هم خارج دائرته كـ«صندوق مغلق» لم يبح بكل أسراره بعد. فقوى دولية فاعلة في الملف الليبي في مقدمتها الولايات المتحدة تضعه في حساباتها وترى فيه «البديل المناسب» - ولو مؤقتاً - لتجاوز الانقسام العسكري والأمني والاقتصادي.

وفي المشهد الليبي، تظل القوة العسكرية هي الورقة الرابحة والأقوى لإدارة اللعبة السياسية؛ وهو ما يفسر التهافت الدولي والإقليمي على بناء شراكات مع القيادة العامة. ويتجسد هذا الحراك في إبرام اتفاقيات عسكرية استراتيجية، أبرزها التعاون مع باكستان لتزويد الجيش بـ16 مقاتلة من طراز «JF - 17» ضمن صفقة قُدّرت بنحو 4.6 مليار دولار، مما يعكس اعتراف عواصم كبرى بثقل القوة العسكرية التي يقودها المشير خليفة حفتر باعتبارها بوابة أساسية لأي تفاهمات.

«صدام العرب»

التغني بصدام، الذي يُطلق عليه مؤيدوه في بنغازي وما حولها «صدام العرب»، تجاوز «الأوبريتات» الغنائية، وما تنتجه الطبقة الشعبية البسيطة الحالمة بالأمان الذي يوفره الشرطي والعسكري، ووصل إلى أطياف قبائلية عديدة وقوى موالية ترى فيه «المُخلّص».

فكثيرون من سياسيين ونشطاء ومدونين وصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي موالون لـ«الجيش الوطني» زادوا من الحديث خلال الأسابيع الماضية عن صدام، و«أنه القادر على قيادة ليبيا».

ولجهة الرهان على صدام، ذهب محمد بعيو، رئيس المؤسسة الليبية للإعلام في بنغازي، إلى أن «أميركا إذ تراهن على الفريق الشاب ليكون شريكاً أساسياً في الحل، فإنها تختار الطريق الصحيح؛ وتعرف أنها تراهن على من يعرف».

وكثيرون غير بعيو تصدوا بالتحليل للصورة التي نشرها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو للقائه حفتر في واشنطن، وعدوها دلالة على كيفية رؤية البيت الأبيض لنجل حفتر، الذي بات وشيكاً من خلافة والده في القيادة العامة.

وحلّل مصطفى الفيتوري، الكاتب الليبي، الموالي لنظام القذافي صورة صدام وروبيو، وقال: «تعني أن الضيف ليس فقط مقبولاً أميركياً، بل قد يكون مدعوماً، ولو مؤقتاً... هذه الصورة توحي بتأييد حفتر الابن في سعيه للوصول إلى طرابلس؛ ولكن سلماً لا حرباً».

وتبقى «الأوبريتات» والأغاني الشعبية التي تُنتج في شرق ليبيا راهناً للتغنّي بصدام، مقدمة لترسيخ صورته القيادية، وبداية لما هو آتٍ، في قابل الأيام، فور صدور قرار - يراه مقربون منه قريباً - بتنازل والده المشير حفتر عن قيادة الجيش له.

وفي أحدها يغني الفنانون خالد الزروق، وعبد الرحمن العوامي، وصفاء سعد: «اليوم عامرة يا دار ما تنضامي/ جاك الفرج والفرح والتشييد... اليوم ليبيا جالت/ هذا صدام، صدام العرب صنديد من صناديد... زغرتي يا صابرة/ صدام مستقبل الوطن أكيد».

صدام حفتر نائب القائد العام لـ"الجيش الوطني" الليبي (القيادة العامة)

حسابات و«جهوية» و«تدخلات خارجية»... تشابكات الأزمة الليبية

> لا تبدو الأزمة الليبية مجرد خلاف سياسي بين أطراف تتنافس على السلطة، بقدر ما تحولت، خلال السنوات الماضية، إلى شبكة معقدة من الحسابات الداخلية الممتزجة بـ«الجهوية»، و«الأجندات الخارجية»، والمصالح الاقتصادية، الأمر الذي جعل أي مسار نحو التسوية يصطدم بعقبات حادة. في الداخل، لا يزال الانقسام المؤسسي أحد أبرز أسباب استمرار الأزمة؛ فوجود سلطات متنافسة، وانقسام أمني وعسكري، وظهور نزوع جديد نحو الجهوية، بإعلان 9 بلديات من غرب ووسط إلى شمال غربي ليبيا عن تدشين «إقليم الوسطى»، يعد كاشفاً لتجذر الخلاف. كما أن غياب الثقة بين الأطراف المتنازعة يدفع كل طرف إلى التعامل مع أي مبادرة سياسية بحذر شديد، خشية أن تمنح خصومه مكاسب جديدة على حسابه، وبالتالي يتم عرقلة الوصول إلى صيغة توافقية لإدارة المرحلة الانتقالية. وتبقى الانتخابات، رغم الاتفاق الواسع على أنها المخرج الطبيعي للأزمة، إحدى أكثر القضايا تعقيداً... فالخلاف لا يقتصر على موعد إجرائها، بل يمتد إلى القوانين المنظمة لها، وشروط الترشح، وضمانات قبول النتائج، فضلاً عن تأمين العملية الانتخابية في مختلف أنحاء البلاد. لذلك، كثيراً ما تتحول المبادرات السياسية في ليبيا إلى جولات جديدة من الخلاف، بدلاً من أن تكون جسوراً نحو الحل. وفي موازاة ذلك، يحتل النفط موقعاً محورياً في المشهد الليبي. فالثروة النفطية ليست مجرد مورد اقتصادي، بل أصبحت ورقة نفوذ يستخدمها طرفا الأزمة في طرابلس وبنغازي، لتعزيز مواقعهما السياسية والمالية. وعليه، فإن الجدل المتكرر حول إدارة الإيرادات النفطية وآليات توزيعها يؤدي إلى زيادة حدة التوتر، خصوصاً مع ارتباط هذه العائدات بتمويل مؤسسات الدولة والإنفاق العام، وهو ما يجعل أي خلاف بشأنها يتجاوز البعد الاقتصادي إلى أبعاد سياسية وأمنية. ويرى متابعون أن جانباً كبيراً من الصراع يرتكز على السيطرة على المؤسسة الوطنية للنفط ومصرف ليبيا المركزي في طرابلس؛ إذ إن الجهة التي تسيطر على هاتين المؤسستين تتحكم في تدفقات النقد الأجنبي وعائدات النفط. أما العامل الخارجي، فلا يقل تأثيراً عن العوامل الداخلية. فما زالت ليبيا ساحة تتقاطع فيها مصالح قوى إقليمية ودولية، لكل منها أولوياتها ورؤيتها لمستقبل البلاد. وبينما تعلن هذه الأطراف دعمها للحل السياسي، فإن تباين مصالحها ينعكس أحياناً على مواقف القوى المحلية نفسها، ما يُبقي حالة الاستقطاب قائمة. وفي المحصلة، فإن تعقيد الأزمة الليبية لا يعود إلى سبب واحد، بل إلى تداخل السياسة بالأمن والاقتصاد، وامتزاج الحسابات المحلية بالمصالح الخارجية. وينتهي متابعون إلى أن أي حل قابل للتطبيق يحتاج إلى توافق ليبي واسع، تدعمه إرادة دولية منسجمة تحترم سيادة البلاد، مع معالجة الملفات الاقتصادية والأمنية بالتوازي مع المسار السياسي بعيداً عن أي «جهوية أو حسابات دولية».


مقالات ذات صلة

مرجعية جنوب لبنان تنتقل تدريجياً من الأمم المتحدة إلى واشنطن

حصاد الأسبوع ممثلو لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة يوقّعون اتفاق الإطار في مقر وزارة الخارجية الأميركية الجمعة (رويترز)

مرجعية جنوب لبنان تنتقل تدريجياً من الأمم المتحدة إلى واشنطن

فتح تنامي الدور الأميركي في جنوب لبنان، بالتوازي مع الترتيبات التي أعقبت الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل، نقاشاً سياسياً وقانونياً حول الجهة التي تتولى إدارة هذا الملف في المرحلة المقبلة. وبينما تتمسك قراءات قانونية بأن الأمم المتحدة لا تزال المرجعية التي تستند إليها قرارات مجلس الأمن واتفاقية الهدنة، يرى آخرون أن واشنطن تحوّلت عملياً إلى المرجعية الفعلية بعد انتقالها من موقع الوسيط إلى موقع المشرف على آليات التنفيذ والضمان.

صبحي أمهز (بيروت)
بروفايل كيكو فوجيموري... «قافلة ترمب» اليمينية تحط رحالها في البيرو

بروفايل كيكو فوجيموري... «قافلة ترمب» اليمينية تحط رحالها في البيرو

كيكو فوجيموري، 51 عاماً، ستصبح الرئيسة التاسعة للبيرو في أقل من عشر سنوات، وستتولى مهامها يوم الاحتفال بالعيد الوطني، في 28 يوليو (تموز) الحالي. ويأتي توليها الحكم بعدما أعلنت الهيئة الانتخابية النتائج الرسمية النهائية للجولة الثانية من الاقتراع والتي أجريت في السابع يونيو (حزيران) الفائت بين فوجيموري والمرشح اليساري روبرتو سانشيز. وحصلت فوجيموري على 50.135 في المائة من أصوات الناخبين في جولة الإعادة، مقابل 49.865 في المائة لسانشيز، وهو فارق يقل عن 50 ألف صوت، وفق الأرقام التي صدّقت عليها المحكمة الانتخابية في البيرو.

شوقي الريّس (مدريد)
حصاد الأسبوع مؤيدون لكيكو فوجيموري رفعون صورتها وصورة والدها البرتو أمام منزلها في ليما يوم 3 يوليو (أ.ب)

فوجيموري... العائلة التي تضبط إيقاع المشهد السياسي

لا شيء يحصل في الخفاء عند عائلة فوجيموري؛ فقد تعوّد أهل البيرو على حروب هذه الأسرة، لا بل يبدو أحياناً أنهم يتابعون فصولها بما يشبه الشغف بالأفلام السينمائية.

حصاد الأسبوع آثار القصف في القطاع الشرقي من جبهات جنوب لبنان (أ.ب)

لبنان يدخل مرحلة «إدارة الصراع» بدل إنهائه

تثير المفاوضات الجارية حول تثبيت وقف إطلاق النار في جنوب لبنان، وما يرافقها من نقاشات بشأن مستقبل الجنوب ودور الجيش اللبناني والضمانات الدولية،

«الشرق الأوسط» (بيروت)
حصاد الأسبوع غرفة تبريد مجهزة بمكيف في باريس فتحت أمام العامة للتبرد خلال موجة الحر الشديد (رويترز)

موجات الحر الشديد تدفع أوروبا إلى حافة الهاوية

لم يستيقظ الأوروبيون بعد من وقع صدمة موجة الحر الشديد، التي لفت القارة، وتركت آثارها حتى بعد أن انجلت. فقد سجلت أوروبا أعلى درجات حرارة في تاريخها في شهر يونيو

راغدة بهنام (برلين)

مرجعية جنوب لبنان تنتقل تدريجياً من الأمم المتحدة إلى واشنطن

ممثلو لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة يوقّعون اتفاق الإطار في مقر وزارة الخارجية الأميركية الجمعة (رويترز)
ممثلو لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة يوقّعون اتفاق الإطار في مقر وزارة الخارجية الأميركية الجمعة (رويترز)
TT

مرجعية جنوب لبنان تنتقل تدريجياً من الأمم المتحدة إلى واشنطن

ممثلو لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة يوقّعون اتفاق الإطار في مقر وزارة الخارجية الأميركية الجمعة (رويترز)
ممثلو لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة يوقّعون اتفاق الإطار في مقر وزارة الخارجية الأميركية الجمعة (رويترز)

فتح تنامي الدور الأميركي في جنوب لبنان، بالتوازي مع الترتيبات التي أعقبت الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل، نقاشاً سياسياً وقانونياً حول الجهة التي تتولى إدارة هذا الملف في المرحلة المقبلة. وبينما تتمسك قراءات قانونية بأن الأمم المتحدة لا تزال المرجعية التي تستند إليها قرارات مجلس الأمن واتفاقية الهدنة، يرى آخرون أن واشنطن تحوّلت عملياً إلى المرجعية الفعلية بعد انتقالها من موقع الوسيط إلى موقع المشرف على آليات التنفيذ والضمان.

يكتسب هذا الجدل أهمية خاصة مع استمرار البحث في تطوير «الميكانيزم» الذي أُنشئ بعد حرب عام 2024، والحديث عن صيغ جديدة لتعزيز الحضور الدولي في الجنوب، سواء عبر توسيع الدور الأميركي أو إدخال شركاء دوليين إضافيين لدعم تنفيذ التفاهمات الأمنية ومواكبة انتشار الجيش اللبناني. ويعيد ذلك إلى الواجهة سؤالاً يتجاوز الترتيبات الأمنية إلى طبيعة المرجعية التي تدير الجنوب اللبناني، وما إذا كانت التطورات الأخيرة تمثل تحولاً في الأساس القانوني الذي يحكم النزاع، أم أنها تقتصر على تطوير أدوات تنفيذ القرارات الدولية.

وتعود المرجعية القانونية للنزاع اللبناني - الإسرائيلي إلى اتفاقية الهدنة الموقعة عام 1949، التي أرست الإطار القانوني للعلاقة بين الطرفين، قبل أن يتعزز الدور الأممي مع صدور القرار 425 عام 1978 الذي أنشأ قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل)، ثم القرار 1701 بعد حرب يوليو (تموز) 2006، الذي رسّخ دور الأمم المتحدة في مراقبة وقف الأعمال العدائية ودعم انتشار الجيش اللبناني جنوب نهر الليطاني، وإنشاء لجنة ثلاثية لمعالجة الخروقات. إلا أن محدودية تنفيذ هذه القرارات خلال السنوات الماضية، واستمرار الانتهاكات الإسرائيلية، دفعا إلى استحداث آليات تنفيذية جديدة، كان أبرزها «الميكانيزم»، لتسهيل تطبيق التفاهمات الأمنية، وهو ما أعاد طرح السؤال حول ما إذا كانت المرجعية الدولية بقيت على حالها أم أن إدارة الملف انتقلت عملياً إلى الولايات المتحدة.

المرجعية القانونية لا تزال أممية

في هذا السياق، يرفض الوزير السابق رشيد درباس اعتبار أن تنامي الدور الأميركي يعني انتقال المرجعية القانونية والسياسية من الأمم المتحدة إلى الولايات المتحدة، مؤكداً أن ما تغير هو أدوات التنفيذ، فيما بقي الأساس القانوني الذي يحكم النزاع على حاله.

وقال درباس لـ«الشرق الأوسط»: «من حيث المبدأ، المرجعية لا تزال واضحة، وهي قرارات مجلس الأمن الدولي. وإذا اضطلعت الولايات المتحدة بدور، سواء عبر آلية المراقبة (الميكانيزم) أو أي إطار آخر، فإن هذا الدور يستند إلى هذه المرجعية الدولية، لأن لبنان لا يملك مرجعية أخرى يستند إليها سوى القرارات الصادرة عن مجلس الأمن».

وأوضح أن وجود الأمم المتحدة لم يتغير من الناحية القانونية، مضيفاً: «قد يكون دور قوات الأمم المتحدة خلال المراحل السابقة محدود التأثير، لكن هذا لا يعني أن الأمم المتحدة خرجت من المشهد. فالمرجعية القانونية والسياسية لا تزال قائمة، وأي خلاف بين لبنان وإسرائيل حول تنفيذ الاتفاقات يبقى مرجعه قرارات الأمم المتحدة، بغض النظر عن الجهة التي تتولى التنفيذ أو المساعدة في تطبيقها».

ورأى أن الحديث عن إمكان مشاركة قوات من دول حلف شمال الأطلسي أو دول أوروبية يجب أن يُفهم في إطار تعزيز قدرة الجيش اللبناني على تنفيذ مهامه، وليس بوصفه بديلاً عن المرجعية الدولية، قائلاً: «إذا جاءت قوى إضافية لمساندة الجيش اللبناني، فإن ذلك يهدف إلى ضبط الوضع بصورة أفضل، لكنه لا يغيّر المرجعية التي تبقى أممية».

الدور الأميركي... تنفيذ وضغط لا استبدال

ويربط درباس اتساع الحضور الأميركي في الجنوب بالسياق الإقليمي الأوسع، معتبراً أن واشنطن تتولى اليوم أدواراً متشابكة في ملفات المنطقة، ما يجعل انخراطها في الملف اللبناني جزءاً من مقاربة أشمل لإعادة ترتيب المشهد الإقليمي.

وقال: «الولايات المتحدة منخرطة اليوم في ملفات المنطقة كلها، من غزة إلى إيران وصولاً إلى لبنان، وهي تعمل ضمن رؤية لإعادة رسم المشهد الإقليمي. لذلك من الطبيعي أن يكون لها حضور أكبر في الملف اللبناني أيضاً».

وأضاف: «النفوذ الأميركي في لبنان ليس جديداً، بل هو نفوذ متجذر منذ عقود، إلا أن ما نشهده اليوم يتميز بحضور أكثر وضوحاً، وبعلاقة مباشرة وصريحة مع الدولة اللبنانية».

واعتبر أن هذا النفوذ قد يصب في مصلحة لبنان، موضحاً: «قد يكون من مصلحة اللبنانيين أن يكون للولايات المتحدة هذا الدور، لأنها الجهة الوحيدة القادرة، إذا أرادت، على ممارسة ضغط فعلي على إسرائيل وكبح اندفاعها».

وربط مستقبل الوضع في الجنوب بعاملين أساسيين، هما «مدى جدية الولايات المتحدة في وضع حد للتجاوزات الإسرائيلية، ومدى قدرة الجيش اللبناني على تثبيت سيطرته الكاملة على المناطق التي ينتشر فيها ومنع أي خروق أو تسلل، بما يسقط أي ذرائع قد تستخدمها إسرائيل للاستمرار في عملياتها».

وأكد أن أي حضور أميركي مباشر يمكن أن يشكل ضمانة إضافية لتنفيذ التفاهمات، قائلاً: «وجود الولايات المتحدة يمنح لبنان جهة تستطيع أن تسأل إسرائيل: ماذا تفعلون؟ وما الذي تسمحون به أو تمنعونه؟ وهذا بحد ذاته عنصر ضغط».

بين المرجعية القانونية وآليات التنفيذ

ويجد هذا الطرح ما يدعمه لدى متخصصين في القانون الدولي، الذين يميزون بين المرجعية القانونية التي تحكم النزاع، والآليات التنفيذية التي تُستحدث لتسهيل تطبيقها. وبحسب هذه المقاربة، فإن اتساع الدور الأميركي لا يعني نسخ المرجعية الأممية، بل يعكس محاولة لتفعيل تنفيذ قرارات بقيت لعقود تصطدم بالاعتبارات السياسية والميدانية، سواء نتيجة ضعف الدولة اللبنانية أو استمرار الخروقات الإسرائيلية.

وفي هذا السياق، يقدم أستاذ القانون والسياسات الخارجية في باريس الدكتور محيي الدين الشحيمي قراءة قانونية تنطلق من اتفاقية الهدنة وقرارات مجلس الأمن، وتخلص إلى أن المرجعية الدولية ما زالت قائمة، وأن ما تغير هو أدوات التنفيذ والضمان، لا الإطار القانوني الذي يحكم النزاع.

وقال الشحيمي لـ«الشرق الأوسط»: إن «المرجعية القانونية للنزاع اللبناني - الإسرائيلي تبدأ باتفاقية الهدنة لعام 1949، مروراً بسلسلة القرارات الدولية التي صدرت تباعاً مع تطور طبيعة النزاع والاعتداءات الإسرائيلية، وصولاً إلى القرار 1701 وما أعقبه من تعزيز دور قوات (اليونيفيل)، فضلاً عن القرارات المرتبطة باستعادة لبنان سيادته الكاملة على أراضيه. وهذه المنظومة القانونية والدولية لا تزال هي المرجع الصالح والأساس الذي يحكم الوضع في الجنوب».

وأوضح أن «الوساطة الأميركية والمفاوضات الجارية اليوم ليست بديلاً عن هذه المرجعية، بل هي جزء من الآليات التنفيذية التي تساعد على استكمال أهداف القرارات الدولية والوصول إلى مرحلة الاستقرار التي نصّت عليها تلك القرارات»، مضيفاً أن «ما يجري اليوم هو (ميكانيزم) مستقل وجزئي لإدارة الأزمة اللبنانية، لكنه لا يبتلع القضية بكاملها ولا يلغي الإطار الأممي الذي يحكمها».

وأشار إلى أن «الورقة الحالية ليست اتفاقية دولية ولا معاهدة، بل هي أقرب إلى وثيقة نيات أو إطار لربط النزاع واستكمال مراحل الحل، وبالتالي فهي أدنى مرتبة من الاتفاقيات الدولية ولا ترتقي إلى مستوى المعاهدات الملزمة».

ورأى الشحيمي أن «لبنان لم يتمكن خلال العقود الماضية من تنفيذ أي من القرارات الدولية بصورة كاملة، بما فيها القرار 1701، سواء بسبب ضعف الدولة وأزماتها الداخلية أو بسبب رفض إسرائيل الالتزام الكامل بتلك القرارات»، معتبراً أن «هذا الواقع استدعى إنشاء آليات تنفيذية خاصة ووساطات دولية لدفع عملية التطبيق قدماً».

وكشف أن «النقاش الدائر حالياً لا يتعلق بإلغاء دور الأمم المتحدة، بل بإعادة صياغة نموذج جديد للشراكة الدولية في الجنوب اللبناني، قد يشمل تمديد مهمة (اليونيفيل) مع إدخال قوات أوروبية إضافية، وربما مشاركة عربية، مع تنسيق أكبر مع حلف شمال الأطلسي (الناتو)، في إطار دعم الاستقرار وتنفيذ القرارات الدولية».

وشدد على أن «أي وجود أميركي لن يكون وجوداً عسكرياً قتالياً على غرار قوات (المارينز) في الثمانينات، وإنما سيقتصر على التدريب والدعم اللوجستي وتعزيز قدرات الجيش اللبناني، وهو أمر يندرج أساساً ضمن اتفاقيات التعاون العسكري القائمة بين بيروت وواشنطن». مؤكداً أنّ «المرجعية الأممية ستبقى المرجعية القانونية الصالحة والصريحة والمستدامة لإدارة النزاع اللبناني، أما المرجعية الأميركية فهي مرجعية سياسية وتنفيذية وجزئية، هدفها ضمان حسن تنفيذ الآليات المتفق عليها وتوفير الضمانات اللازمة لإنجاحها».

وأضاف أن «الوساطة الأميركية تخلق ضغطاً عملياً على الأرض وتوفر الضمانات التي لا تستطيع الدول الأوروبية أو غيرها توفيرها، خصوصاً أن إسرائيل تستجيب عملياً للضغط الأميركي أكثر من استجابتها لأي وسيط آخر».

وأكد أن «الولايات المتحدة تؤدي اليوم دور الضامن لتنفيذ القرارات الدولية، لأن التحدي الحقيقي لم يعد في الوصول إلى تفاهمات، بل في ضمان تنفيذها. ومن هنا تأتي أهمية الدور الأميركي في تعزيز إجراءات بناء الثقة وحسن النيات بين الأطراف، وصولاً إلى تثبيت الاستقرار».

انتقال تدريجي للمرجعية

وفي مقابل هذه القراءة القانونية، يطرح اللواء الركن المتقاعد الدكتور عبد الرحمن شحيتلي مقاربة مختلفة تنطلق من الوقائع السياسية والميدانية أكثر مما تنطلق من النصوص القانونية، معتبراً أن الجهة التي تدير الملف عملياً هي التي تحدد المرجعية الفعلية، بصرف النظر عن استمرار قرارات مجلس الأمن كإطار قانوني للنزاع.

ويستند شحيتلي في قراءته إلى التطور الذي شهدته آليات إدارة الجنوب خلال السنوات الماضية، معتبراً أن الانتقال من اللجنة الثلاثية برئاسة «اليونيفيل» إلى «الميكانيزم»، ثم الحديث عن ترتيبات جديدة بقيادة أميركية، يعكس تحولاً تدريجياً في مركز إدارة الملف.

وقال شحيتلي لـ«الشرق الأوسط» إن ما يجري اليوم في جنوب لبنان يتجاوز مجرد ترتيبات أمنية أو اتفاقات ميدانية، معتبراً أن لبنان يشهد «تحولاً في المرجعية التي تدير ملفه، ولا سيما في الجنوب».

وقال إن لبنان، «منذ عام 1860، كان يُدار دائماً ضمن توازنات إقليمية تحظى بغطاء دولي، موضحاً أن النفوذ على لبنان تعاقبت عليه قوى مختلفة وفق مراحل تاريخية، بدءاً من الدولة العثمانية، ثم فرنسا، مروراً بمصر وسوريا وإسرائيل، وصولاً إلى تفاهمات دولية وإقليمية شاركت فيها الولايات المتحدة وفرنسا وغيرها». وأضاف: «كان هناك دائماً توافق إقليمي يمتلك امتداداً دولياً لإدارة هذا البلد، فيما بقيت فرنسا، بعد عام 1920، محوراً أساسياً في هذه التفاهمات، مع تبدل القوى الإقليمية الشريكة بحسب موازين القوى في المنطقة».

واعتبر أن التحول الأخطر يتمثل في انتقال الولايات المتحدة إلى موقع المرجعية المباشرة، قائلاً: «منذ صدور القرار 425 عام 1978 أصبحت الأمم المتحدة، عبر قوات اليونيفيل وهيئة مراقبة الهدنة، المرجعية الأساسية في جنوب لبنان. أما اليوم، فإن الولايات المتحدة ألغت عملياً دور الأمم المتحدة، كما همّشت الأدوار الفرنسية والعربية والمصرية، وانفردت بإدارة هذا الملف».

وأضاف أن واشنطن «لم تعد تؤدي دور الوسيط بين لبنان وإسرائيل، بل باتت تفرض بنفسها آليات العمل على الطرفين، ما يعني عملياً انتقال المرجعية من الأمم المتحدة إلى الولايات المتحدة». معتبراً أن هذا التطور لا يقتصر على إنهاء النفوذ الإيراني في جنوب لبنان، بل يشمل أيضاً تقليص أدوار جميع القوى التي كانت تاريخياً شريكة في إدارة الملف اللبناني، سواء فرنسا أو الدول العربية أو الأمم المتحدة.

ورداً على سؤال عما إذا كانت الولايات المتحدة أصبحت المرجعية بدلاً من المرجعية الدولية، قال شحيتلي: «الولايات المتحدة أصبحت المرجعية الفعلية، حتى وإن لم يكن هذا الأمر يحظى بموافقة فرنسا أو الدول العربية أو لبنان، إلا أنه الواقع الذي يجري تكريسه».

ورأى أن هذا المسار لم يبدأ مع تشكيل «الميكانيزم» بعد حرب 2024، بل جاء نتيجة تطور تدريجي، موضحاً أن القرار 1701 نصّ على لجنة برئاسة قائد قوات «اليونيفيل» لمعالجة الخروقات بصورة دائمة، «ثم جرى استبدال هذه اللجنة وجاءت بدلاً منها آلية الميكانيزم، واليوم يجري استبدال الميكانيزم لتحل محلها لجنة ثلاثية برئاسة أميركية تضم لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة، بما يؤكد انتقال إدارة الملف تدريجياً من الأمم المتحدة إلى الولايات المتحدة».


كيكو فوجيموري... «قافلة ترمب» اليمينية تحط رحالها في البيرو

كيكو فوجيموري... «قافلة ترمب» اليمينية تحط رحالها في البيرو
TT

كيكو فوجيموري... «قافلة ترمب» اليمينية تحط رحالها في البيرو

كيكو فوجيموري... «قافلة ترمب» اليمينية تحط رحالها في البيرو

كيكو فوجيموري، 51 عاماً، ستصبح الرئيسة التاسعة للبيرو في أقل من عشر سنوات، وستتولى مهامها يوم الاحتفال بالعيد الوطني، في 28 يوليو (تموز) الحالي. ويأتي توليها الحكم بعدما أعلنت الهيئة الانتخابية النتائج الرسمية النهائية للجولة الثانية من الاقتراع والتي أجريت في السابع يونيو (حزيران) الفائت بين فوجيموري والمرشح اليساري روبرتو سانشيز. وحصلت فوجيموري على 50.135 في المائة من أصوات الناخبين في جولة الإعادة، مقابل 49.865 في المائة لسانشيز، وهو فارق يقل عن 50 ألف صوت، وفق الأرقام التي صدّقت عليها المحكمة الانتخابية في البيرو.

كانت هذه المرة الرابعة التي تترشح فيها فوجيموري للرئاسة تحت راية إرث والدها الرئيس الأسبق ألبرتو فوجيموري، الشخصية التي دمغت المشهد السياسي في البيرو بالاستقطاب الحاد والعنف وفضائح الفساد خلال العقود الأربعة المنصرمة. وهي سترأس بلداً مشطوراً بشكل حاد إلى معسكرين متناحرين سياسياً واجتماعياً واقتصادياً، ويعاني من ضعف في المؤسسات، ومن انعدام الاستقرار بعد الاضطرابات والصدمات السياسية التي مر بها. لكن في رصيدها صمودها الطويل في وجه التيّار المناهض لتركة والدها الثقيلة التي رفضت النأي عنها.

وقد لعبت أصوات المهاجرين في الخارج دوراً حاسماً في فوزها، خاصة أولئك الذين يعيشون في الولايات المتحدة حيث توجد أكبر جالية من البيروفيين. ولم تنفع الطعون التي تقدم بها منافسها روبرتو سانشيز في نتائج فرز أقلام المهجر، علماً بأنه هدد برفض الاعتراف بها والدعوة إلى تحركات شعبية. لكن المحكمة الانتخابية رفضت طعونه، وارتفعت أصوات كثيرة منددة بموقفه الذي يشبه الموقف الذي اتخذته فوجيموري عندما انهزمت في انتخابات عام 2021 ضد اليساري بيدرو كاستيّو الموجود حالياً في السجن بعد إدانته بالقيام بمحاولة انقلاب ذاتي قال إن بعض مساعديه نصبوها فخاً له.

شخصية مثيرة للجدل... كوالدها

وعلى غرار والدها الرئيس الأسبق ألبرتو فوجيموري، تتمتع كيكو بشخصية مثيرة للجدل في الأوساط السياسية والاجتماعية، علماً بأنها قامت خلال سنوات حكمه مقام السيدة الأولى بعد خلافات عميقة بين رئيس البلاد وزوجته انتهت بالطلاق.

وكيكو فوجيموري متخرجة بتفوق من أرقى الجامعات الأميركية، وانتُخبت عضواً في البرلمان للمرة الأولى عام 2006 حيث حصدت أعلى عدد من الأصوات في تاريخ الانتخابات الاشتراعية في البيرو، قبل أن تترشح للانتخابات الرئاسية عام 2011، ثم في عامي 2016 و2021 حيث كانت تُهزم دائماً في الدورة الثانية. إلى جانب ذلك، تعرضت فوجيموري لملاحقات قانونية ومحاكمات قضائية بتهم الفساد وغسل الأموال، وخضعت للسجن الاحتياطي لفترة سبعة أشهر. ورغم ذلك، يعتبرها أنصارها ضمانة للاستقرار الاقتصادي والأمني في البلاد، بينما يرى فيها خصومها استمراراً لإرث والدها الذي حكم البيرو عشر سنوات حافلة بالفساد المالي والتجاوزات.

في تصريحاتها الأولى بعد ضمان فوزها، قالت فوجيموري: «أدرك جيداً أن البلاد في حال من الانقسام العميق، لذلك سأحرص على نيل ثقة الذين لم يصوتوا لي في هذه الانتخابات، وستكون حكومتي ممثلة لجميع مكونات المشهد السياسي، تعتمد على الكفاءة والنزاهة».

وبفوزها تنضمّ كيكو فوجيموري إلى قافلة الزعماء اليمينيين الذين يجاهرون بولائهم لخط الرئيس الأميركي دونالد ترمب في أميركا اللاتينية. وكان من أوائل مهنئيها البرازيلي فلافيو بولسونارو، نجل الرئيس السابق جاير بولسونارو الذي يقضي عقوبة بالسجن حالياً بعد إدانته بمحاولة انقلاب عسكري ضد الرئيس الحالي إيغناسيو لولا. وقال فلافيو بولسونارو الذي سينافس لولا في الانتخابات الرئاسية مطلع الخريف المقبل، إن فوز فوجيموري يؤكد صعود القوى اليمينية «القادرة وحدها على مكافحة الإرهاب العابر للوطن الذي يتغذّى من أموال الاتجار بالمخدرات». كما سارع إلى تهنئتها أيضاً الرئيس الكولومبي الجديد اليميني المتطرف آبيلاردو دي لا أسبريلّا الذي عرض عليها إقامة تحالف إقليمي ضد القوى والأحزاب اليسارية.

الشعار الذي رفعته فوجيموري عنواناً لحملتها الانتخابية الرئاسية «عادت كيكو ليعود النظام»، أرادت من خلاله تسليط الضوء على الشاغل الأكبر للمواطنين ومصدر قلقهم الأساسي منذ سنوات، حيث ازدادت أعمال الاغتيال بشكل ملحوظ، وتفشّى العنف والابتزاز الذي يتعرّض له صغار التجار في المدن الكبرى.

وتعهدت فوجيموري في برنامجها بتنظيم دوريات تشارك فيها القوات المسلحة لمكافحة العنف، وبطرد المهاجرين الذين يرتكبون جرائم، وإجبار المسجونين على العمل مقابل حصولهم على الطعام، بعد الاضطرابات العنيفة التي شهدتها السجون في الفترة الأخيرة على يد أفراد عصابات الاتجار بالمخدرات. وقد حرصت خلال حملتها الانتخابية على تشبيه الحملة الواسعة التي قام بها والدها لمكافحة الإرهاب في تسعينات القرن الماضي، بخطتها التي تهدف من خلالها إلى مكافحة الجريمة. لكنها رفضت دائماً انتقاد التجاوزات التي قام بها والدها، والانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان التي وصلت إلى حد وضع خطة، بالتنسيق والتعاون مع القوات المسلحة وأجهزة المخابرات، لتعقيم السكان الأصليين منعاً لتناسلهم.

ويقول محللون إن الخطاب المتشدد الذي تميزت به حملة فوجيموري الانتخابية، كان له كبير الأثر في حشد التأييد الذي أوصلها إلى الرئاسة، وساعد على اجتذاب أصوات كثيرة بين الناخبين المترددين أو الذين لا يشاركون عادة في الانتخابات، ويعانون من تردي الأوضاع الأمنية.

لكن فوز فوجيموري وعودة سلالة والدها إلى السلطة، من شأنه أن يزيد الشرخ الاجتماعي والسياسي حدة، ليس فحسب بسبب عدم تمكن الرؤساء من إكمال ولاياتهم خلال السنوات الأخيرة، بل أيضاً بسبب الاستقطاب العميق الذي تثيره الرئيسة الجديدة التي كانت تتمتع بسلطة واسعة في البرلمان خلال السنوات الماضية، حيث كانت المحرّض الرئيسي على الأزمات التي زعزعت الاستقرار السياسي في البيرو بعد فشلها ثلاث مرات متتالية في الوصول إلى الرئاسة، وسيطرتها على أكبر كتلة نيابية في البرلمان. لكن رغم أن الحزب الذي تقوده، حزب «القوة الشعبية»، ما زال يشكّل الكتلة الأكبر في مجلس النواب، فإنها ستجد نفسها مضطرة للتوصل إلى اتفاقات مع الكتل الأخرى للموافقة على الإصلاحات التي وعدت بها في برنامجها، ولن يكون ذلك سهلاً في الأجواء المتوترة السائدة، خاصة في الأرياف الفقيرة التي تشكّل معقل اليساريين ومركز الثقل للتيار المعارض الذي كان مناهضاً لوالدها، ويهدد اليوم بالتمرد إذا أصرّت على السير في خطاه.

صعود الأحزاب اليمينية

الأضواء الإقليمية مسلّطة على فوز فوجيموري، ليس من باب قراءة هذا الفوز ضمن إطار المعادلات والتطورات الداخلية، بل في سياق التحول العميق والواسع الذي تشهده المنطقة لصعود نسخة جديدة من الأحزاب اليمينية التي لا ترى في الرئيس الأميركي دونالد ترمب مجرد حليفاً سياسياً فحسب، بل تنظر إليه باعتباره مرجعية فكرية يقتدى بها، وأسلوباً يحتذى. فالبيرو، على غرار العديد من الدول الأخرى في المنطقة، تجرّ منذ سنوات أذيال أوضاع أمنية متردية، وركود اقتصادي مديد، واستقطاب سياسي عقيم عطّل المؤسسات وأبعد المواطنين عن السياسة.

والأخطر في هذا التماهي مع الموجة الترمبية، أنه فيما تبقى المؤسسات حصناً منيعاً أمام تجاوزات الحكومة في الولايات المتحدة، تعاني معظم بلدان أميركا اللاتينية من ضعف مؤسساتها، خاصة الرقابية منها، وانعدام ثقة المواطنين بفاعليتها. ولذلك لجأت القوى اليمينية والشعبوية المتطرفة إلى شعارات تعد باستعادة النظام وفرض هيبة الدولة عن طريق تعزيز صلاحيات الحكومة، وعدم الاكتراث بالضوابط المؤسسية أو التباهي بتجاوزها. كما تلجأ هذه الأحزاب إلى استخدام المعارك الثقافية كأدوات للعمل السياسي، وإعادة النظر في الحقوق الاجتماعية والمدنية التي اكتسبتها الأقليات والطبقات الفقيرة في العقود المنصرمة، أو إلغاء بعضها، وبناء خطاب سياسي يقوم على اعتبار أي معارضة حاجزاً أمام تنفيذ الإرادة الشعبية. والأنظار، كل الأنظار، تتجه الآن إلى البرازيل حيث سيحاول فلافيو بولسونارو في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل استعادة السلطة لعائلته ولليمين المتطرف.

ولا شك أن هذا الانعطاف الواسع نحو اليمين ليس مجرد تحوّل آيديولوجي، بقدر ما هو نمط جديد لممارسة السلطة. فالديمقراطية لم تعد توازناً بين القوى السياسية الفائزة في الانتخابات، والمؤسسات، والحقوق المكرّسة في الدساتير، بل أصبحت مصدراً لشرعية بلا حدود لمن يصل إلى الحكم. وهذه الشرعية المفترضة تعتبر القضاء والصحافة المستقلة وأجهزة الرقابة ومنظمات المجتمع المدني مجرد خصوم أو أعداء، عوض أن تكون ركائز أساسية في النظام الديمقراطي، بحسب ما يقول منتقدون لليمين المتطرف أو الشعبوي. ويتساءل هؤلاء: كيف أن زعماء اليمين المتطرف والأحزاب القومية الذين يرفعون شعارات السيادة الوطنية فوق أي اعتبار، يذهبون إلى بناء شرعيتهم على التماهي مع أولويات الإدارة الأميركية وتبنيها، بل المزايدة في الدفاع عنها؟ تعرضت فوجيموري لملاحقات قانونية ومحاكمات قضائية بتهم الفساد

وغسل الأموال وخضعت للسجن الاحتياطي لفترة سبعة أشهر


فوجيموري... العائلة التي تضبط إيقاع المشهد السياسي

مؤيدون لكيكو فوجيموري رفعون صورتها وصورة والدها البرتو أمام منزلها في ليما يوم 3 يوليو (أ.ب)
مؤيدون لكيكو فوجيموري رفعون صورتها وصورة والدها البرتو أمام منزلها في ليما يوم 3 يوليو (أ.ب)
TT

فوجيموري... العائلة التي تضبط إيقاع المشهد السياسي

مؤيدون لكيكو فوجيموري رفعون صورتها وصورة والدها البرتو أمام منزلها في ليما يوم 3 يوليو (أ.ب)
مؤيدون لكيكو فوجيموري رفعون صورتها وصورة والدها البرتو أمام منزلها في ليما يوم 3 يوليو (أ.ب)

لا شيء يحصل في الخفاء عند عائلة فوجيموري؛ فقد تعوّد أهل البيرو على حروب هذه الأسرة، لا بل يبدو أحياناً أنهم يتابعون فصولها بما يشبه الشغف بالأفلام السينمائية أو المسلسلات التلفزيونية.

ونادراً ما تخلو وسائل الإعلام في البيرو من أخبار الصراعات التي تدور بين أفراد هذه العائلة التي تُعتبر من بين الأغنى والأوسع نفوذاً في البلاد. كانت البداية مع «الأب المؤسس» ألبرتو، المولود من أبوين يابانيين هاجرا إلى البيرو سعياً وراء الرزق إبان سنوات الفقر التي كانت تعيشها اليابان بعد هزيمتها القاسية في الحرب العالمية الثانية. كان ألبرتو تلميذاً ناجحاً أنهى دراسته الجامعية متخرجاً بتفوق مهندساً زراعياً من جامعة ليما، ثم أصبح عميداً لكلية العلوم، ورئيساً للجامعة، ومقدماً لبرنامج تلفزيوني علمي شهير.

أواخر ثمانينات القرن الفائت، وضعت القوات المسلحة في البيرو برنامجاً سرياً بعنوان «الخطة الخضراء» يهدف إلى تعقيم الفقراء والسكان الأصليين، ومراقبة الصحافة الوطنية، وإقامة منظومة اقتصادية نيوليبرالية موازية تحت سيطرة الزمرة العسكرية الحاكمة. عندما أسس ألبرتو فوجيموري حزب «التغيير» في عام 1989 كان سياسياً مغموراً، لكنه عندما ترشّح للانتخابات الرئاسية في العام التالي، نال تأييداً واسعاً في أوساط رجال الأعمال وبعض الكنائس الإنجيلية، وأيضاً الدعم من حكومة آلن غارسيا الذي كان يتمتع بشعبية واسعة ونفوذ كبير. وتجاوز فوجيموري الدورة الأولى ليتنافس في الدورة الثانية مع الكاتب المعروف ماريو فارغاس يوسا. وكان للدعم الذي قدمته الحكومة وأجهزة المخابرات التابعة لها، كبير الأثر في الفوز الذي حققه بنسبة تجاوزت 62 في المائة من الأصوات.

لكن ألبرتو فوجيموري سارع بُعيد فوزه إلى التخلي عن برنامجه الانتخابي ونهج سياسة اقتصادية تجاوزت بليبراليتها تلك التي كان منافسه يدعو إليها، وراح يتقرّب من القوات المسلحة التي كان يخشى انقلابها عليه، ويتبنّى بنود «الخطة الخضراء» مخصصاً لبعض كبار الضباط مناصب عليا في الدولة.

وخلال ولايته الرئاسية الأولى شهدت البيرو ما كان يعرف بالمعجزة الاقتصادية التي فتحت أبواب الاستثمارات الخارجية، وتدفقت القروض من المؤسسات المالية الدولية بعد خصخصة معظم المؤسسات العامة وتقييد النشاط النقابي، وتراجعت نسبة التضخم إلى أن حققت البيرو نمواً اقتصادياً بلغ 13 في المائة في عام 1994.

في ولايته الثانية، جنح فوجيموري نحو ممارسة أسلوب استبدادي فيما كانت تحوم حوله شبهات بفضائح فساد مالي ضخمة، وكانت بدأت تحاصره ملاحقات الأجهزة القضائية والبرلمان الذي لم يعد يسيطر على أغلبية أعضائه. في تلك الفترة ظهر إلى العلن خلاف عميق مع زوجته التي اتهمته بالمشاركة في أعمال الفساد وتغطيتها وهددت بمقاضاته، فانفصل عنها بعد أن دبّر تهمة ضدها بمساعدة أجهزة المخابرات. وفيما وقف معظم أبنائه بجانب والدتهم، كانت كيكو الوحيدة التي دعمت والدها وبقيت إلى جانبه حتى النهاية.

في عام 1992 قامت مجموعة من الضباط بمحاولة انقلابية ضد فوجيموري الذي كان بدوره يحاول حل البرلمان وتعطيل السلطة القضائية، فلجأ إلى السفارة اليابانية في ليما إلى أن فشل الانقلاب واستعاد مقاليد السلطة، قبل أن يُحال لاحقاً أمام القضاء بتهم الفساد المالي وارتكاب جرائم ضد الإنسانية. وعند صدور الحكم بسجنه، فرّ إلى اليابان التي رفضت التجاوب مع طلب سلطات البيرو بتسليمه. وبعد أن انتقل سراً إلى سانتياغو (تشيلي)، تم القبض عليه هناك واقتيد إلى البيرو حيث أودع السجن حتى وفاته في عام 2024.