أي مُهمّة للشاعر العربي اليوم؟

كنيث وايت
كنيث وايت
TT

أي مُهمّة للشاعر العربي اليوم؟

كنيث وايت
كنيث وايت

في شهر مارس (آذار) من كل سنة، وبمناسبة اليوم العالمي للشعر تُقَام تظاهرات، وتنتظم ندوات في كل البلدان العربية احتفاء بالشعر والشعراء. وغالباً من تكتسب هذه التظاهرات، وهذه الندوات صبغة رسمية، أو شبه رسمية. لذا هي تنتهي من دون أن تترك أثراً هامّاً في الحياة الثقافية للبلاد، إذ تغفل عن طرح الأسئلة الحقيقية حول الشعر. وأما مُهمّة الشاعر اليوم في عالم عربي يعيش أسوأ الأوضاع، وأخطر التقلبات، وأشد الأزمات، فإنه يتمّ التطرّق إليها باحتشام، بل قد لا يحدث ذلك أبداً. فلكأن مُهمّة الشاعر تقتصر على قراءة قصائده في مناسبة كهذه أمام جمهور يتضاءل عدده يوماً بعد آخر.
والحقيقة أن تحديد مُهمة الشاعر العربي اليوم تبدو قضية أساسية، خصوصاً أن المجتمعات العربية تبدو رافضة للشعر بسبب هيمنة الخطاب الأصولي المتطرف والديماغوجي على العقول والنفوس بحيث أصبح المروّجون له يتمتعون بسلطة هائلة، بها يسيطرون على نسبة كبيرة من الناس. لذا يجد الشاعر صعوبة كبيرة في النفاذ إليهم، وفي أن يكون له تأثير عليهم بعد أن غزا هذا الخطاب الفضاءات كلها، وعليها أحكم قبضته فلا خلاص منه للمرتادين لها. وقد يكون الشاعر العربي اليوم أكثر يُتْماً من أيّ زمن مضى، إذ يبدو مُحاطاً من كل جانب بقوى معادية له، خصوصاً بعد أن غزت العالم وسائل الاتصال الحديثة التي سَطّحَت الحياة الفكرية والإبداعية، ناشرة الرداءة والابتذال والضحالة على أوسع نطاق.
وصحيح أن مسألة التراث طرحت أكثر من مرة خلال الفترات التي ظهرت فيها بوادر التجديد، سواء في النثر أم في الشعر. لكن يبدو أن طرحها مُجّدداً أصبح أمراً مُلحاً وضرورياً، إذ هذا التراث أصبح مغموراً ومجهولاً مرة أخرى، وعليه يتراكم تراث متخلف كان قد شهد انتشاراً لم يسبق له مثيل في عصور الانحطاط التي تمتد إلى 7 قرون لم تعرف خلالها الثقافة العربية صدور أيّ عمل فكري أو إبداعي جدير بالاهتمام. ونحن نعلم أن كبار الشعراء المجدّدين في القرن العشرين تعاملوا مع التراث الأدبي والشعري والفكري تعاملاً إيجابياً، مُزيحين عنه غبار النسيان والإهمال ليكون مصدراً من مصادر التجديد. لذلك تمكنوا من أن يبدعوا أعمالاً مهمة وأصيلة. أمّا أغلب الشعراء الجدد المنتسبين إلى قصيدة النثر فإنهم تعاملوا ويتعاملون مع هذا التراث بشيء من الاستخفاف، والتجاهل، معتقدين أن اطلاعهم المُتَعَجّل على مختلف تجارب الشعر الغربي الحديث وقراءة الترجمات التي غالباً ما تأتي مُشوّهة، تكفيهم ليكونوا مجددين. وهم هنا يقعون في خطأ جسيم. فالتجديد الحقيقي يتحقق من داخل روح الثقافة التي ينتمي إليها الشاعر فلا يكون التأثير الخارجي إيجابياً إلا حين يكون هذا الشاعر أو ذاك قد تغذى من تراثه، ومن ثقافته، ومنهما تزود بما يكفي ليحافظ على أصالته وتفرده. والتعامل مع التراث لا يعني فقط قراءته وتفحصه، وإنما هو يحتاج أيضاً إلى عملية «إنقاذ»، و«تطهير» تعيد له الإشراقة التي فقدها بعد أن أصبح التراث الظلامي هو المرجع الأساسي، باسمه يُشَرّعُ المتطرفون من جميع الملل والنحل القتل، والذبح، وحرق الكتاب، ورجم المرأة، وإعدام الشعراء والمفكرين. وكلّ هذا يتطلب جرأة، و«شجاعة كيانيّة» بحسب تعبير هرمان ملفيل لكي تستعيد «الحيوية الشعرية» قوتها، وتأثيرها على واقع موسوم بالتحجر، والبؤس، والفقر المعرفي.
ولا يعني التجديد أيضاً أن يكتفي هذا أو ذاك بـ«التفاخر» أنه شاعر يستهويه «اللعب بالكلمات»، وابتداع أشكال ومضامين جديدة، بل عليه أن يعمل على «إعادة تشكيل الحياة» بحسب تعبير نيتشه. ولا يتمّ ذلك إلا عندما يكتب الشاعر قصائد مناهضة لكل ما يشي بالتحجر، والجمود، وتجاوز كل الحواجز المناهضة للحرية لكي تكون هذه القصائد شبيهة بـ«ريح عاتية» بحسب تعبير الناقد والشاعر الإسكوتلندي كينيث وايت، إذ الشاعر ليس موظفاً مُقيّداً بقواعد عمله، ولا رب عائلة مُحَتّم عليه القيام بواجباته نحوها، وإنما هو «مغامر يواجه مخاطر بلا حدود وبلا نهاية»، كما يقول السريالي بناجمين بيريه.
وتتجاوز علاقة الشاعر باللغة ما يُسمّى بـ«اللعب بالكلمات». بل إن هذه العلاقة تتطلب منه أن يذهب إلى أبعد من ذلك، أي إلى الغوص في خفايا اللغة لاستخراج اللآلئ المَطْمُوسَة، وكل ما هو بديع، وكل ما هو مدفون تحت رماد نيرانها الملتهبة، إذ الشاعر ليس الفصيح المتحذلق، ولا الموظف السامي الذي «يتخيّر الكلمات المناسبة»، بل هو المتوحش المجنون الذي لا يخشى الغوص في أعماق اللغة لتقويض ما هو بائد وميت ومكرور.
وخلافاً لرجل الدين الذي يُحيل الناس إلى العالم الآخر، بأنه قد يكون أفضل وأرحم من عالم الحياة الدنيا، يجد الشاعر نفسه في مواجهة العالم الذي فيه يعيش. لكن خلافاً لرجل الدين الذي يهرب من العالم الأرضي إلى العالم الآخر، يسعى الشاعر إلى تجاوز الواقع الذي فيه يتحرك، والذي قد يكون بائساً وظالماً وقاسياً، اعتماداً على قوة المخيلة الشعرية، وعلى «الإرادة الخلاقة» التي يتحدث عنها نيتشه، إذ الحياة لا يكون لها معنى بالنسبة له إلا بعد أن يكون قد «ابتكر العالم الخاص به». ثم إن الشاعر يرفض الواقع لأن «الحياة الحقيقية مُغَيّبة فيه» بحسب رامبو، أو لأنه «عالم الأموات» كما يقول هيغل، أي عالم الخاملين، والجهلة، الذين يعيشون على هامش الواقع والحياة.
ولا يتعامل الشاعر مع الأفكار مثلما يتعامل رجل الدين الذي يعتبرها «مقدسة»، بحيث لا تحتاج إلى التأويل، ولا إلى النقد، بل هو يسعى إلى أن يعيد لها «فجرها الأول»، أي أن يجعلها سائلة ومتدفقة، ومُنتقلة بخفة الفراشة، ومنفتحة دائماً، لا على الحاضر فقط، بل على المستقبل أيضاً. ألم يقل رامبو إن الشاعر «راءٍ عظيم»؟
وقد يُتّهَمُ الشاعر بأنه «كائن لا اجتماعي»، أي أنه يميلُ إلى العزلة، وإلى العيش مُتَوَحّداً بنفسه. وقد يكون كذلك بالفعل. لكن عليه أن يثبت من خلال قصائده، ومواقفه الفكرية، أن ميله إلى العزلة لا يعني مطلقاً الانسحاب، وعدم الاكتراث بقضايا مجتمعه، بل إنه اختار أن يتوحّد بنفسه لكي يعيش في الآن نفسه حياة «مُباشرة وأكثر عمقاً وثراء من حياة الناس العاديين». ولعل كينيث وايت على حق عندما كتب يقول: «إذا ما كان العيش على الهامش نتيجة لعدم الانسجام مع الحياة الاجتماعية، أو بسبب إعاقة نفسية، فإنه قد يكون أيضاً برهاناً لقدرة على عيش حياة أكثر عمقاً وثراء وإبداعاً». والسويسري بليز ساندرار يوافق كينيث وايت على هذه الفكرة، قائلاً: «الفنانون يعيشون على هامش الحياة الإنسانية. لذلك هم إمّا عظماء جداً، أو صغار جداً».
وربما يُتهم الشاعر بأنه «رجعي»، أو «برجوازي صغير» من قبل أحزاب تدعي التقدمية والثورية. وفي مثل هذه الحالة، عليه أن يرد على هذه التهم بما وَرَدَ في رسالة فيتوريني الموجهة إلى تولياتي، زعيم الحزب الشيوعي الإيطالي، حيث كتب يقول: «نسمي السياسة تلك الثقافة التي تساير الجماهير، وتنسجم مع مستواها، ومعها تنفجر أيضاً. أما الثقافة الحقيقية فهي تلك التي لا تتجاوب مع أيّ فعل مباشر، وتعرف كيف تمضي إلى الأمام في طريق السؤال والبحث الدائم». وفي نفس الرسالة يضيف فيتوريني قائلاً: «أن يكون الكاتب ثورياً يعني أنه ينجح في أن يضع في مؤلفاته ضروريّات ثوريّة مختلفة عن تلك التي تتصل بالسياسة. ومثل هذه الضروريّات تكتسي صبغة داخلية، وسرية، مخبّأة داخل الإنسان. والكاتب وحده قادر على الكشف عنها، وإضاءتها بطريقته الخاصة». ويعني هذا أنه يتوجب على الشاعر أن يكون «ثورياً» لا «سياسياً».


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

عادتان «مزعجتان» تدلان في الواقع على الذكاء

بعض السلوكيات قد تكون علامة على عقل نشط (رويترز)
بعض السلوكيات قد تكون علامة على عقل نشط (رويترز)
TT

عادتان «مزعجتان» تدلان في الواقع على الذكاء

بعض السلوكيات قد تكون علامة على عقل نشط (رويترز)
بعض السلوكيات قد تكون علامة على عقل نشط (رويترز)

كثيراً ما نعدّ عادات مثل شرود الذهن أو لحظات «الذهول التلقائي» عيوباً. ويرى معظم الناس أنها علامات على ضعف التركيز، أو قلة الانضباط، أو حتى تراجع القدرات الإدراكية، لكن ما نغفل عنه غالباً هو أن تصوراتنا تتأثر بثقافة الإنتاج المتواصل والمكافآت المادية التي تحيط بنا.

ومن هذا المنظور، تبدو هذه العادات الذهنية وكأنها عوامل تشتيت تحتاج إلى تصحيح، بدلاً من كونها عمليات إدراكية تحتاج فقط إلى فهم، وفق ما ذكره موقع «سيكولوجي توداي» المعني بالصحة النفسية والعقلية.

وتُشير الأبحاث النفسية إلى أنه في ظل الظروف المناسبة قد تعكس هذه السلوكيات التي تبدو غير مُنتجة، مرونة معرفية وقدرة على حل المشكلات بطرق إبداعية ومهارة دماغية في التكيف مع أنماط التفكير المختلفة.

بعبارة أخرى، بدلاً من كونها خللاً ذهنياً، قد تكون هذه السلوكيات علامات على الذكاء وعلى عقل نشط يقوم بمهام أساسية مهمة. وفيما يلي سلوكان شائعان يتجاهلهما الكثيرون أو يحاولون كبتهما، رغم أنهما قد يكونان مفيدين، وكيفية التعامل معهما بفهم أعمق للفروق النفسية الدقيقة.

عادة شرود الذهن

لطالما عُدّ شرود الذهن، أو انصراف الانتباه عن المهمة الحالية نحو أفكار ذاتية، علامة واضحة على قلة التركيز، إلا أن الدراسات الحديثة تُظهر أنه قد يُسهم أيضاً في تعزيز التفكير الإبداعي والمرونة المعرفية.

فعلى سبيل المثال، وجدت دراسة، أُجريت عام 2025 وشملت أكثر من 1300 بالغ، أن شرود الذهن المتعمد (أي سماح الشخص لنفسه عمداً بالتفكير في أحلام اليقظة) يُنبئ بأداء إبداعي أعلى. وأشارت بيانات التصوير العصبي إلى أن هذا التأثير مدعوم بزيادة الترابط بين شبكات الدماغ واسعة النطاق المسؤولة عن التحكم التنفيذي وشبكة الوضع الافتراضي، وهي نظام مرتبط بالتفكير الذاتي والخيال.

كما يُظهر الأشخاص الذين لديهم ميل أكبر لشرود الذهن التلقائي أداءً أفضل في نماذج تبديل المهام، مما يعني قدرتهم على تغيير أنماط تفكيرهم بسرعة أكبر، وهو دليل واضح على مرونة التفكير. أيضاً يرتبط الأشخاص الذين لديهم ميل أكبر لشرود الذهن بقدرة أكبر على التفكير التلقائي.

مع ذلك، من المهم ملاحظة أن شرود الذهن ليس حلاً سحرياً، ولن تظهر فوائده إلا عند موازنته مع التحكم في الانتباه. وإذا وجدت ذهنك شارداً في كثير من الأحيان، وكنت تتمتع أيضاً بتركيز جيد ووعي ذاتي، فقد تكون بذلك تستخدم نمطاً ذهنياً يدعم الإبداع والتفكير المرن وحل المشكلات.

عادة التحدث مع النفس

قد يبدو التحدث مع النفس، سواءً كان صامتاً أو بصوت خافت، غريباً من وجهة نظر الآخرين. مع ذلك تشير الأبحاث النفسية الحديثة إلى أن الحديث الداخلي مع الذات يُمكن استخدامه لدعم التنظيم الذاتي والتخطيط والتفكير التأملي (أي التفكير في أفكارك).

ووفقاً لدراسة أُجريت عام 2023 على طلاب جامعيين، توجد علاقة وثيقة بين استخدام الحديث الداخلي ومقاييس التنظيم الذاتي ووضوح مفهوم الذات. بعبارة أخرى، يُظهر الأفراد الذين يتحدثون مع أنفسهم أكثر من غيرهم وضوحاً أكبر في هويتهم الذاتية، فضلاً عن تنظيم ذاتي أفضل.

وهذا لا يعني بالضرورة أن الحديث مع النفس يدل على ذكاء أعلى، بل يُشير إلى أن الحديث الداخلي قد يعمل بوصفه دعامة معرفية، أو وسيلة لتنظيم الأفكار المعقدة، وتسلسل الأفعال، ومتابعة الأهداف.

هذا يعني أنه من خلال التعبير عن الأفكار داخلياً أو بصوتٍ خافت، قد يجد الدماغ سهولةً أكبر في تقليل التشويش الذهني، ونتيجةً لذلك قد يُرتب أيضاً المشكلات بكفاءة وفاعلية أكبر.

مع ذلك، وكما هو الحال مع شرود الذهن، فإن الحديث مع الذات لا يُفيد إلا باعتدال، فالحديث المفرط أو السلبي مع الذات، خصوصاً في صورة اجترار الأفكار أو النقد الذاتي القاسي، يُمكن أن يُضعف التركيز والصحة النفسية. أما عند استخدامه بشكل بنّاء فإن هذا الحوار الداخلي نفسه يُمكن أن يُحوّل الأفكار غير المكتملة إلى خطط قابلة للتنفيذ.


أصبحوا مليونيرات لدقائق... شركة كورية تدفع 40 مليار دولار بـ«البيتكوين» لعملائها بالخطأ

مجسمات لعملات البيتكوين المشفرة (أرشيفية - رويترز)
مجسمات لعملات البيتكوين المشفرة (أرشيفية - رويترز)
TT

أصبحوا مليونيرات لدقائق... شركة كورية تدفع 40 مليار دولار بـ«البيتكوين» لعملائها بالخطأ

مجسمات لعملات البيتكوين المشفرة (أرشيفية - رويترز)
مجسمات لعملات البيتكوين المشفرة (أرشيفية - رويترز)

دفعت منصة تداول عملات رقمية كورية جنوبية بالخطأ ما قيمته أكثر من 40 مليار دولار من عملة البيتكوين لعملائها، مما جعلهم لفترة وجيزة من أصحاب الملايين.

ووفقاً لـ«هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)»، فقد كانت المنصة تخطط لمنح العملاء مكافأة نقدية صغيرة قدرها 2000 وون (1.37 دولار أميركي)، لكنها منحتهم بدلاً من ذلك 2000 بيتكوين، يوم الجمعة.

واعتذرت المنصة، "بيثامب"، عن الخطأ، مؤكدةً أنها تداركت الأمر سريعاً واستعادت معظم العملات المفقودة، وأوضحت أنها قيّدت عمليات التداول والسحب لـ695 عميلاً متضرراً خلال 35 دقيقة من حدوث الخلل.

وأفادت بأنها استعادت 99.7 في المائة من الـ620 ألف بيتكوين التي أُرسلت بالخطأ.

وأكدت شركة "بيثومب"، في بيان لها، يوم الجمعة: «نريد أن نوضح أن هذه المسألة لا علاقة لها بأي اختراق خارجي أو خروقات أمنية، ولا توجد أي مشكلة في أمن النظام أو إدارة أصول العملاء».

شعار «البيتكوين» على الباب في صورة توضيحية تم التقاطها بباريس (رويترز)

وفي اجتماع طارئ، عُقد يوم السبت، أعلنت هيئة الرقابة المالية في كوريا الجنوبية أنها ستُجري تحقيقاً في الحادث، وأكدت أن أي مؤشر على نشاط غير قانوني سيستدعي إجراء تحقيقات رسمية.

وتعهَّدت «بيثومب» بالتعاون مع الجهات الرقابية، وقال رئيسها التنفيذي، لي جاي وون: «سنعدّ هذا الحادث درساً، وسنُعطي الأولوية لثقة عملائنا وراحة بالهم على حساب النمو الخارجي».

وتعتزم الشركة دفع تعويضات بقيمة 20.000 وون (13.66 دولار أميركي) لجميع العملاء الذين كانوا يستخدمون المنصة وقت وقوع الحادث، بالإضافة إلى إعفاء العملاء من رسوم التداول، ضمن إجراءات أخرى.

وأعلنت أنها ستُحسّن أنظمة التحقق وتُدخل تقنيات الذكاء الاصطناعي لكشف المعاملات غير الطبيعية.

ومن المرجَّح أن يُثير هذا الحادث نقاشاً حول تشديد الرقابة التنظيمية على القطاع المالي.

في 2024، قام بنك سيتي غروب الأميركي، عن طريق الخطأ، بإيداع 81 تريليون دولار في حساب أحد عملائه بدلاً من 280 تريليون دولار.

وذكرت صحيفة «فاينانشيال تايمز» أن اثنين من الموظفين لم يكتشفا الخطأ قبل تنفيذه، لكن البنك ألغى العملية في غضون ساعات، بعد أن اكتشفها موظف ثالث.


مصر: أزمات تحاصر مسلسل «منّاعة» لهند صبري

الملصق الترويجي لمسلسل «منّاعة» بعد تعديله (الشركة المنتجة)
الملصق الترويجي لمسلسل «منّاعة» بعد تعديله (الشركة المنتجة)
TT

مصر: أزمات تحاصر مسلسل «منّاعة» لهند صبري

الملصق الترويجي لمسلسل «منّاعة» بعد تعديله (الشركة المنتجة)
الملصق الترويجي لمسلسل «منّاعة» بعد تعديله (الشركة المنتجة)

يتعرض المسلسل المصري «منّاعة»، بطولة الفنانة هند صبري، لأزمات عدة قبيل انطلاق ماراثون دراما رمضان؛ إذ شهد مشادات بين بطلاته في الكواليس، كما تداولت وسائل إعلام مصرية أخباراً تُفيد بانفصال مخرج العمل حسين المنباوي، عن زوجته الفنانة مها نصار إحدى بطلات المسلسل، بجانب أزمة «الملصق الدعائي»، الذي نشرته الشركة المنتجة وخلا من أي عنصر نسائي باستثناء هند صبري.

وأكد منشور منسوب لمها نصار على حسابها الشخصي عبر «فيسبوك» وجود أزمة بالعمل، حيث اتهمت بطلة العمل هند صبري بـ«التطاول عليها وشن حملات ضدها، هي وبطلة أخرى بالعمل»، إلا أنها قامت بحذف منشورها، وتجاهلت الدعاية لمسلسل «منّاعة»، بينما نشرت منشورات لمسلسل «على قد الحب»، الذي تشارك به مع نيللي كريم.

وفور انتشار أزمة «الملصق الدعائي» قامت الشركة المنتجة بإضافة الفنانتين مها نصار، وهدى الإتربي، ونشره على حساباتها مجدداً، إلا أن الأمر زادت حدته بعد دخول الفنانة ميمي جمال على خط الأزمة؛ إذ أكدت في تصريحات إعلامية استنكارها لعدم وجودها ضمن نجوم الملصق برغم مساحة دورها الكبيرة.

الملصق الترويجي لمسلسل «منّاعة» (الشركة المنتجة)

ولم تتوقف الأزمة على كواليس «منّاعة»، بل طالت هند صبري بشكل خاص كونها البطلة؛ حيث استعادت تعليقات ومشاركات «سوشيالية»، موقف هند الداعم لـ«قافلة الصمود»، والذي أعلنته في يونيو (حزيران) الماضي عبر «ستوري»، حسابها على موقع «إنستغرام»، إلا أنها قامت بحذفه بعد الهجوم عليها، الذي وصل حد «المطالبة بترحيلها، وسحب الجنسية المصرية منها».

وبجانب ذلك طالبت تعليقات أخرى بمقاطعة «منّاعة»، بسبب تصريحات إعلامية منسوبة لمؤلفه عباس أبو الحسن، اعتبرها البعض مسيئة، خصوصاً بعد مقارنته بشكل ساخر بين العامل المصري، وآخر من إحدى الجنسيات.

وعن رأيه في مدى تأثير الخلافات على العمل الفني، أكد الكاتب والناقد الفني المصري سمير الجمل، أن الخلافات تقلل من شأن أي عمل بالتأكيد، وأن ما يدور ربما يفسد المشروع بكامله؛ لأن فريق العمل تربطهم علاقات مختلفة أمام الكاميرا، بينما تطغى خلافاتهم بالواقع، وهذا الفصل في عقلية المشاهد ليس في صالح العمل، ويقلل من مصداقيته، ويتسبب في المقارنة بين الشخصية التمثيلية والحقيقية.

الفنانة هند صبري (حسابها على موقع فيسبوك)

وصرّح سمير الجمل، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، بأن دعوات المقاطعة التي تخص هند صبري وبعيداً عن كونها فنانة جيدة، موجودة بالمواقع، وليست بالواقع، موضحاً أن المشكلة الكبرى تكمن في قصة العمل، وحضور حي الباطنية مجدداً في دراما تلفزيونية، مستنكراً ذلك، ومتسائلاً: «هل نحن بحاجة لمثل هذه الموضوعات؟».

ويعيد «منّاعة» هند صبري للمنافسة ضمن سباق الدراما الرمضانية بعد غياب دام نحو 5 سنوات منذ مشاركاتها في مسلسل «هجمة مرتدة»، بطولة أحمد عز، برغم تقديمها أعمالاً فنية أخرى خارج الموسم، من بينها «البحث عن علا».

وعلى هامش حضورها لحفل «رمضان بريمير»، الذي أقامته «الشركة المتحدة» في مصر للإعلان عن أعمالها الفنية المشاركة في موسم رمضان 2026، وهو الحفل نفسه الذي شهد على حضور مخرج «مناعة» وزوجته حينها، أكدت هند صبري أن المسلسل تدور أحداثه في حقبة الثمانينيات بمنطقة الباطنية المجاورة للجامع الأزهر، وكيف انتهت تجارة المخدرات بها، والسيطرة على الوضع بها، مؤكدة في تصريحات أخرى «أن مقارناتها بالفنانة نادية الجندي بطلة فيلم (الباطنية) واردة»، لكنها أوضحت أن ما يجمع العملين هو حي «الباطنية» فقط.

وتجاهلت هند صبري أزمات «منّاعة»، بحساباتها على «السوشيال ميديا»، ولم تعلق على الأخبار المتداولة بأي شكل.

ويؤكد الكاتب والناقد الفني المصري طارق الشناوي أن هند صبري لا تحب الدخول في معارك جانبية خارج رقعة الفن.

وأوضح الشناوي، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن هند صبري فنانة مثقفة وتتعامل بإنسانية، ولا يمكن أن ترى أن نجاح من حولها يشكّل خطورة عليها، بعد تألقها الفني الطاغي على مدار سنوات، كما وصف الشناوي ما يحدث بأنه «دخول في معارك خارج النص»، وأن هند صبري لن تتورط بها.

وفنياً بدأت هند صبري مشوارها في منتصف التسعينات، عبر الفيلم التونسي «صمت القصور»، بينما بدأت رحلتها الفنية بمصر مطلع الألفية الجديدة، وشاركت بأفلام عدة من بينها: «مذكرات مراهقة»، و«عايز حقي»، و«حالة حب»، و«ويجا»، و«ملك وكتابة»، و«الجزيرة»، و«إبراهيم الأبيض»، وقدمت مسلسلات مثل «عايزة أتجوز»، و«إمبراطورية مين»، «حلاوة الدنيا».