الأردن يخشى على أمنه المائي... ولبنان قلق من شح الأمطار

الجفاف خطر محدق بالمملكة... وبلاد الأرز متأثرة بالتغير المناخي

بحيرة قلَّ منسوبها بشكل كبير في الأردن (وزارة الري)
بحيرة قلَّ منسوبها بشكل كبير في الأردن (وزارة الري)
TT

الأردن يخشى على أمنه المائي... ولبنان قلق من شح الأمطار

بحيرة قلَّ منسوبها بشكل كبير في الأردن (وزارة الري)
بحيرة قلَّ منسوبها بشكل كبير في الأردن (وزارة الري)

يخشى الأردن على أمنه المائي، بينما يسود في لبنان قلق من شح الأمطار؛ حيث لم يبلغ سقوطها هذا الموسم المعدلات السنوية. ففي الأردن يعتبر «الجفاف» المفردة الأخطر في معالجة الاحتياجات المائية حاضراً ومستقبلاً، أو ما يعرف اليوم بـ«الأمن المائي»، أمام اعتماد المزارعين ومربي المواشي على الأمطار مصدراً رئيسياً للري وإدارة مشروعاتهم، فالمياه مدفوعة الثمن تشكل تقليصاً لهامش أرباح تلك الفئة من المزارعين الذين تراجعت مداخيلهم الشهرية، نتيجة ارتفاع أسعار تكاليف إنتاجهم.
وفي الأردن، ثمة دراسة حصلت عليها «الشرق الأوسط» تؤشر على أن الاستراتيجية الوطنية للمياه في الأردن 2016- 2025، وسياسة قطاع المياه لإدارة الجفاف لعام 2018، وضعتا خطة عمل في إطار اتخاذ قرارات مرتبطة بمؤشرات تصنيف الجفاف وبالتدخلات للتخفيف من تأثيرات الجفاف، وذلك حسب أولويات تدهور موارد المياه، وتدهور جودة خدمات مياه الشرب، وخسائر الإنتاج في الزراعة المروية والبعلية، وخسائر الإنتاج في الثروة الحيوانية، وتدهور المراعي، وتدهور الغابات، وزيادة الإصابة بأمراض الإسهال.
أما الدراسة التي أعدتها وزارة المياه والري الأردنية، فقد جاءت بهدف الاستجابة السريعة لمخاطر الجفاف راهناً ومستقبلاً، إذ وضعت من منطلقاتها ما تشهده مناطق في الأردن من تغيرات مناخية، وما سينتج عنها من عجز مائي قد يصل إلى مليار متر مُكعب مع نهاية عام 2100، في وقت تقارب احتياجات المملكة المائية 500 مليون متر مُكعب عام 2050.

مزارع أردني يعرض شتلة طماطم جفَّت من قلة المياه (أ.ف.ب)

ولا تنكر الجهات الرسمية جسامة التحديات القائمة والمتمثلة في سوء إدارة مصادر المياه، ووصول نسبة الفاقد المائي إلـى أكثر من 40 في المائة، وأثر ذلك على انخفاض الإنتاج الزراعي مستقبلاً للأجيال، لما يُقارب 20 في المائة فقط عام 2100. فقد تحولت مناطق ومحافظات في شمال البلاد وجنوبها إلى أراضٍ جافة متصحرة، بعد ما تعرضت له المملكة من «محل» مطري خلال السنوات الثلاثة الماضية والموسم الحالي.
وفي لبنان، أضيفت أزمة جديدة إلى الأزمات التي يعيشها، تتمثل في شح المياه نتيجة تراجع نسبة تساقط الأمطار إلى ما دون المعدلات الموسمية بشكل ملحوظ، وهو ما بدأ يثير قلق اللبنانيين على اختلاف فئاتهم، قبل أيام من انتهاء فصل الشتاء، بحيث إن هذا الأمر سينعكس على حياة المواطنين اليومية في الفصول المقبلة، وعلى مختلف القطاعات التي تعتمد على المياه، وأبرزها الزراعة.
وفق وزارة المياه والري الأردنية، فإنه يتم رصد حدوث الجفاف وشدته لكل موسم مطري بين شهري أكتوبر (تشرين الأول) ومايو (أيار)، مع اعتبار أن الأردن يصنف بلداً «شبه قاحل»، لقلة هطول الأمطار الصيفية، وهطول الأمطار بشكل كبير خلال الفترة من ديسمبر (كانون الأول) إلى مايو. ولذلك، فإن اللجنة الفنية المعنية بالجفاف ترصد ظروف الجفاف طوال هذه الفترة، حسبما تحدث به الناطق الإعلامي باسم الوزارة عمر سلامة لـ«الشرق الأوسط».
وفي هذا الصدد، يشير سلامة إلى أن اللجنة الفنية المعنية بالجفاف في وزارة المياه والري، أقرت عام 2021 برنامج وخطة عمل، لتوفر منبراً لتعزيز أداء مؤسسات وأدوات إدارة مخاطر الجفاف في المستقبل، ما يمكّن الوزارة من إدارة مخاطر الجفاف على نحو فعال، للمساهمة في التخفيف من آثاره السلبية التي ستنسحب على تراجع الأمن الغذائي والمائي، وما يتصل بذلك من آثار على الرعاية الاجتماعية.
ويقول سلامة إن المعهد الدولي لإدارة المياه، بالشراكة مع وحدة إدارة الجفاف في وزارة المياه والري، يقوم اليوم بتطوير نظام للتنبؤ بالأمطار الموسمية، لمدة تتراوح بين شهرين وثلاثة أشهر، ما من شأنه أن يساعد في التنبؤ بالجفاف في وقت مبكر، بما يكفي لتوقع الآثار المحتملة، والاستجابة بطريقة فعالة في أكثر المناطق ضعفاً.
وتكشف الدراسة أيضاً عن رصد حالة الجفاف الراهنة في محافظة الطفيلة (200 كيلومتر جنوب المملكة) على سبيل المثال، والمناطق المحيطة بها؛ إذ تميز الموسم الزراعي المطري 2020/ 2021 بتفشي الجفاف في أواخر الربيع.
وحقق الجزء الغربي من محافظة الطفيلة والمناطق المحيطة بها، مثل محافظتي الكرك ومعان الجنوبيتين اللتين تعتبران من المناطق الرعوية، معايير مؤشر «الجفاف المركّب»، التي تشير إلى حدوث حالة الجفاف الشديد في كل من شهري أبريل (نيسان) ومايو 2021. وتنطبق معايير الجفاف على موسمي الشتاء والربيع إذا تحقق شهر على الأقل من الاعتدال وشهر من الشدة، أو تحقق شهران شديدان على التوالي.
ويشير توالي شهرين من الجفاف الشديد في أواخر الربيع على هذه المناطق -وهو حدث يتكرر سنة واحدة كل 20 سنة ويلبي معايير خطة عمل الجفاف- إلى ضرورة اتخاذ استجابة طارئة للجفاف، لمعالجة الآثار المحتملة على الأشخاص الذين يعيشون في مناطق الفقر، والقطاعات الحيوية التي تتأثر بالجفاف.
تبسيط مفهوم الجفاف وتوضيحه
في هذا السياق، يقول الدكتور عاكف الزعبي، وزير الزراعة الأردني الأسبق في أكثر من حكومة، إن تراجع كميات الهطول المطري باتت ملحوظة على مدى عدة مواسم، ولقد انخفضت من 11 مليار متر مكعب إلى 8 مليارات متر مكعب سنوياً تقريباً، مؤكداً أن هذا الانخفاض من شأنه أن ينعكس على حساب الاستخدامات المتنوعة لمياه الأمطار، سواء لجهة تغذية المياه الجوفية أو الاستخدامات في الزراعة ومياه الشرب؛ خصوصاً أن تلك الكميات ليس شرطاً أن تستغل بالشكل الذي يعظم الاستفادة منها خارج مواسم الشتاء.
ويطرح الزعبي -الخبير في مجالي الزراعة والمياه- فكرة أهمية العامل البيئي، في مساعدته على التخفيف من آثار الجفاف، نظراً لانعكاس الأثر البيئي على المراعي، ما يخدم فرص استدامة تلك المراعي بشكل يسمح بتأمين مصادر الثروتين الحيوانية والنباتية، ويشدد على أن هذا العامل يحتاج إلى العمل الجاد والهادف على هذا الصعيد.
في السياق ذاته، يطالب الزعبي بالالتفات لمسألة التحريج، فزيادة الرقعة الخضراء من شأنها التخفيف من تفاقم أزمة الجفاف وتداعياتها المقلقة على المستقبل، وهو ما يحتاج كذلك لجدية في التعامل مع السلطات المعنية، وربط ظواهر التصحر والجفاف والتحريج، كظواهر متصلة تقدم المشكلة والحل في المقام ذاته.
ويذهب الزعبي لتطبيقات مجدية للاستفادة من كميات الهطول المطري، ويطرح فكرة الحصاد المائي للتخفيف من فرص ضياع تلك الأمطار، أو تسربها فقط كمياه جوفية. ويضيف الزعبي أن الحصاد المائي نوعان: حصاد كبير يتمثل في بناء السدود وفق دراسات علمية تراعي جميع الجوانب، والحصاد المائي التكميلي المتمثل في الحفائر أو السدود الترابية أو البرك التجميعية، والتي قد نجدها في المناطق الجافة والبوادي، منوهاً إلى أن ميزة تلك المناطق تتمثل في أمطارها التي تأتي غزيرة في وقت قصير، وعلى عدة مراحل خلال المنخفض المطري الواحد.
لكن الزعبي يرى أيضاً أن مخاطر الجفاف رقمياً وإحصائياً، تنعكس على المساحات الزراعية، وهذا التهديد الحقيقي في ظل ما قامت به دائرة الإحصاءات العامة في الأردن من مسح، يؤكد انحسار الرقعة الزراعية بين عامي 1976 و2017، من 3.6 مليون دونم زراعي إلى 2.1 مليون دونم زراعي.
ويعتبر الزعبي هذا التحدي هو الأخطر على صعيد الأمن الغذائي في الأقاليم والمناطق الجافة، لذلك تكون رحلة البحث عن حلول إبداعية وممكنة التطبيق لأزمة الجفاف، هي حاجة ماسة ويجب عدم التراخي فيها.
ويفرق الزعبي بين تعريفين للجفاف: الأول يرتبط بمفهوم الجفاف الشعبي السائد في ظل مواسم متقلبة بين الماطرة والجافة، والثاني المرتبط بتعريف منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) في إعلان الجفاف، وهو الذي يرتبط كإعلان بمعايير محددة تقابلها حصص من المساعدات في الدول التي يتسبب فيها الجفاف في أزمة غذاء، مثل دول أفريقية. وطرحت حكومة رئيس الوزراء الدكتور بشر الخصاونة رؤية لقطاع المياه في خطة التحديث الاقتصادي لعام 2033، تهدف بشكل رئيسي إلى العمل على خفض الفاقد المائي إلى 2 في المائة سنوياً، في وقت تصل نسبة الفاقد المائي فيه إلى 47 في المائة وفق تقارير رسمية، وهو ما اعتبر من أولويات هذه المخرجات، وتحدث عنها العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني خلال حضور مناقشات رؤية التحديث الحكومية مراراً.
وحسب الأرقام الرسمية الأحدث أيضاً، تعد موارد المياه في الأردن الأضعف على مستوى العالم؛ حيث يبلغ معدل الهطول المطري السنوي 95 ملّيمتراً، وتشكل المياه الجوفية والسطحية ما نسبته 85 في المائة من المصادر المتاحة، ويستهلك قطاع الزراعة 50.17 في المائة من موارد المملكة المائية المتوفرة، بينما يستهلك 45.8 في المائة من الموارد المائية للأغراض المنزلية، أما مساهمة قطاع المياه في الناتج المحلي الإجمالي فقد بلغت -حسب تقديرات رسمية عام 2021- 0.5 في المائة، بقيمة 200 مليون دينار.
خبير يحذر ويقترح
بالإضافة إلى ذلك، يقول الخبير في الدراسات المائية والزراعية المهندس حاتم رشيد، إن الأزمة المائية في الأردن تتجسد بعدم التناسب بين كميات المياه المتاحة وعدد السكان المتزايد الذي وصل اليوم إلى ما يزيد على 11 مليون نسمة، مرجعاً السبب الجوهري في هذه الأزمة إلى وقوع مساحة الأردن ضمن مناطق شبه جافة، وجافة أحياناً؛ حيث إن معدل الهطول المطري في معظم مساحة المملكة ضئيل، ويصل إلى 50 ملّيمتراً سنوياً، ليبلغ حده الأقصى 700 ملّيمتر في مساحة محدودة. وتؤشر حصة الفرد المائية السنوية (لمختلف الاستعمالات) على مؤشرات العجز المائي عموماً، إذ تصل إلى 90 متراً مكعباً سنوياً، وهي أقل بكثير من المعدل العالمي للفقر المائي، وهو 500 متر مكعب سنوياً.
ومن هنا، يفرّق رشيد بين احتياجات البلاد لمياه الشرب والاستعمالات الحالية للمياه في حقل الزراعة أساساً، واحتياجات المياه لغرض التنمية الاقتصادية الشاملة والأمن الغذائي. فعلى مستوى الاحتياجات الحالية بمعزل عن التنمية الشاملة، فإن كميات المياه المتاحة تعتبر كافية نسبياً مع نقص نسبي محدود، يمكن توفيره باتخاذ تدابير مناسبة.
وفيما يخص العام الحالي 2023، فإن نسبة الهطول المطري تصل إلى 70 في المائة من المعدل السنوي، بينما بلغت كميات المياه المخزنة في السدود نحو 115 مليون متر مكعب، بما يعادل 40 في المائة من سعة التخزين الكلية، مع العلم بأن حاجة الأردن السنوية تقدر بمليار و200 مليون متر مكعب سنوياً.
وعلى الرغم من قول رشيد بأن الاستعانة بالمياه الجوفية قد تنفي التهديدات الجدية بنقص الكميات المطلوبة للاستهلاك التقليدي، ومن محدودية العجز النسبي، فإن عدم معالجة هذا العجز سيتسبب في مصاعب عديدة؛ خصوصاً إذا استمر انحباس الأمطار، وأبرزها نقص مياه الشرب والاستعمالات التقليدية في بعض المحافظات، وتأثر أسعار الأعلاف بما ينعكس سلباً على الثروة الحيوانية.
ويؤكد المهندس رشيد أهمية النظر لمشكلة المياه على أنها مشكلة قابلة للحل، وأنه من الخطورة بمكان البناء على «وهم مضلل بفرضية أنها غير قابلة للحل»، حسب تعبيره. ويضيف: «هو حل إذا أتيح فسيكون عامل إسناد نوعياً لتنمية اقتصادية شاملة، تشمل مختلف القطاعات النوعية، كالزراعة والأمن الغذائي والصناعة والسياحة».
ويقدّم رشيد سلة تدابير مقترحة، يمكن أن تقدم مساهمة فعالة في إثراء وتعزيز موارد المياه، ومنها الإصلاح الجذري على المستويين الإداري والفني في قطاع المياه، ليعطي هذا الإصلاح نتائج إيجابية. ويجب أن ينطلق من قابلية التعامل الإبداعي الخلاق مع مشكلة المياه ببعدها التنموي.
كما يقترح الشروع في دراسة الخطط العملية والإجراءات والتدابير على المديين القصير والبعيد، والتي من أهمها تقليل نسبة الفواقد المائية بحزم، لتصل إلى المعدل العالمي، وهذا سيوفر كميات مهمة جداً تعالج نقص مياه الشرب بشكل خاص، فمن المعروف أن الجهود بهذا المجال لم تحقق نتائج ذات قيمة، على الرغم من تواصل الحديث عنها لعقود من الزمن، وفقاً لرشيد.
ويواجه الأردن صعوبات في تأمين موارد إضافية للمياه، عبر الاتفاقية العربية المشتركة لإدارة مياه حوض اليرموك، بين الأردن وسوريا، المبرمة عام 1953، والتي تم تعديلها لاحقاً، إضافة إلى معاهدة وادي عربة الموقعة مع إسرائيل عام 1994.
وفي هذا السياق، يدعو الخبير رشيد إلى المطالبة الجادة والمستندة إلى القوانين والأعراف الدولية، بالحقوق المائية للأردن مع الأطراف الشريكة في حوض نهر الأردن والأحواض الجوفية، ليستطيع الأردن تعزيز حصيلته المائية؛ خصوصاً في المناطق الأكثر احتياجاً لمياه الري.
ويقترح رشيد توسيع وتعزيز خطط الحصاد المائية التي من الممكن أن ترفع المخزون إلى أكثر من 400 مليون متر مكعب سنوياً؛ خصوصاً أن مشروعات الحصاد غير مكلفة مالياً، وتتوزع على مساحات واسعة في المملكة.
ويدعو رشيد إلى تنظيم استغلال المياه الجوفية، بما يسمح لها بالتجدد، وهذا يتطلب أيضاً التحكم في الاستغلال العابث وغير القانوني للمياه، من طرف أشخاص وجهات تستقوي على الدولة. فالاستغلال غير القانوني للمياه بيعاً أو اللجوء لزراعات تهدر المياه، هو ضرر فادح يُلحق بثروة المياه المحدودة. وعندما تكون المياه المسروقة فعلياً مجانية فإن استغلالها سيكون مجرد هدر لثروة شحيحة.
ويجد رشيد أن التعاون مع الجوار العربي مساهمة نوعية كبرى؛ إذ من المعروف أن الدول العربية المجاورة تضم كميات هائلة من المياه غير المستغلة؛ خصوصاً المياه الجوفية، الأمر الذي يمكن معه التعاون المشترك، ليوفر للأردن عشرات أضعاف ما يوفره مشروع الناقل الوطني المقترح مرتفع الكلفة الرأسمالية والتشغيلية، وبما يجعل قطاع المياه بخدمة تنمية وطنية شاملة، وليس مجرد تلبية لاحتياجات مياه الشرب والاستعمالات المحدودة القائمة حتى الآن.
الحلول السياسية للأزمة المائية
سياسياً، يطرح الأردن مشروع الناقل الوطني عبر تحلية مياه البحر الأحمر، على واجهة المنفذ البحري الوحيد للملكة في مدينة العقبة (400 كيلومتر من عمان) جنوب البلاد، وجرها إلى العاصمة عمان، بمشروع أخذ موقعه على خريطة الحلول الاستراتيجية للمستقبل. والمشروع بعناصره الرئيسية يتكون من محطة الشاطئ الجنوبي لخليج العقبة، ومحطة تحلية وضخ في العقبة، وخط ناقل بطول نحو 450 كيلومتراً، بهدف توفير مصدر مستدام لمياه الشرب بواقع 300 مليون متر مكعب، ويسد العجز الحالي المتحقق بفعل الزيادة الطبيعية للسكان، وزيادة الطلب على المياه بفعل استمرار أزمة اللجوء السوري.
الحكومة الأردنية على لسان الناطق باسمها فيصل الشبول، أكد في تصريحات سابقة لـ«الشرق الأوسط»، أن بلاده ماضية في تنفيذ مشروع الناقل الوطني، لتأمين مياه الشرب لنحو 11 مليون نسمة، بين مواطن ومقيم على الأراضي الأردنية، وسط استمرار أزمة اللجوء السوري وارتفاع عجز الموازنة المائية. والمشروع الذي تتجاوز كلفته 2.5 مليار دولار، سيتم تمويله من خلال المنح والالتزام بقروض من الجانب الأردني. وعلى الرغم من توفر جانب من تمويل الناقل الوطني فإنه ما زال العمل جارياً على توفير بقية التزامات المشروع الذي يحقق الأمن المائي على المدى البعيد.
وتتوقع الحكومة البدء في تنفيذ المشروع نهاية العام القادم، بعد تسلم أوراق إحالة العطاء خلال الشهور الستة الأولى من عام 2023، بعد تسلم التقارير الفنية من منفذي العطاءات، ما يساعد على إنجاز المشروع في عام 2028؛ حسب التقديرات الرسمية.
ويبلغ الاستهلاك اليومي للمياه في الأردن 3 ملايين متر مكعب للاستخدامات كافة، ليتجاوز إجمالي الاحتياجات المائية ملياراً و200 مليون متر مكعب سنوياً، في وقت يساهم فيه جر مياه حوض الديسة من جنوب البلاد، على الحدود مع المملكة العربية السعودية، بـ110 ملايين متر مكعب من الموازنة. وتشتري عمان من إسرائيل 50 مليون متر مكعب، ضمن اتفاق أُبرم العام الماضي، لتغذي بقية المصادر المحلية متطلبات الاحتياجات من المياه.
والمشروع الذي تضعه الحكومة من أولوياتها، من أجل تأمين مياه الشرب لسكان المملكة المقدر عددهم حالياً بحدود 11 مليون نسمة، يتيح للوزارة تنفيذ خططها الاستراتيجية المتعلقة بتحسين واقع المياه الجوفية، ومشكلات الضخ الجائر من الآبار الجوفية، لاستعادة قدرتها على التخزين المائي عبر السنوات القادمة، وتخفيض فاقد المياه بشقيه الفيزيائي والتجاري، من خلال رفع كفاءة الشبكات وتحسين التزويد المائي، إضافة إلى تحسين انتظام وصول المياه للمواطنين على مدار الساعة في معظم المناطق، من خلال التزويد المستمر على مدار الساعة، وتحقيق التنمية المستدامة لكافة القطاعات الحيوية، مثل القطاع الزراعي والاستثماري والتجاري والصناعي والسياحي، إضافة إلى تحقيق الأهداف الرامية لمواجهة آثار التغير المناخي، وإيجاد حلول لنقص مياه الشرب؛ حيث سيوفر خيارات إضافية حال الحاجة للاستفادة من المياه الجوفية بعد استعادة عافيتها خلال الأعوام القادمة.
ويؤمّن الأردن مياه الشرب لمواطنيه من الآبار الجوفية في شمال ووسط البلاد، ومياه حوض الديسة، وكذلك المياه التي ترد من بحيرة طبريا، فيما يخصص تجميع مياه الأمطار في السدود للاستخدامات الزراعية والصناعية، وتغطية الاحتياجات الأخرى.
استجابة مطلوبة لتخفيف واقع ومستقبل الجفاف
وعن الاستجابة المطلوبة والتداعيات المقلقة لاستمرار حالة الجفاف؛ وفقاً للدراسة الحكومية، فقد أوصت اللجنة الفنية المعنية بالجفاف بخيارات الاستجابة لمعالجة مخاطر آثار الجفاف المحددة في المناطق المتضررة، من محافظة الطفيلة والمناطق المحيطة بها مثل الكرك ومعان. ففي مجال تدهور الموارد المائية، أوصت اللجنة بضرورة تنفيذ التشريعات والأنظمة المتعلقة بكميات ضخ المياه الجوفية في المناطق المتضررة، وإبقاء العملاء والسكان المتصلين بالشبكة العامة على علم بالنقص المتوقع، وفترات انقطاع المياه وعدم وجود خدمة.
أما في مجال خسائر الإنتاج في الزراعة البعلية، فقد أوصت اللجنة بإجراء دراسات استقصائية لآثار الجفاف على الإنتاج البعلي، وتراجع الأمن الغذائي في المناطق المتضررة، وتزويد وزارة الإدارة المحلية ووزارة التنمية الاجتماعية بمعلومات عن مواقع الجفاف والآثار المحتملة، وتنبيه المانحين الدوليين ووكالات الإغاثة إلى ازدياد مخاطر الفقر، وانعدام الأمن الغذائي بين صغار المزارعين، ودعم مدخلات الإنتاج لتعزيز الموسم المقبل.
وفي مجال الأثر على خسائر الإنتاج في تربية الماشية، أوصت اللجنة بإجراء دراسات استقصائية لآثار الجفاف على الإنتاج الحيواني، وتراجع الأمن الغذائي في المناطق المتضررة، وإعطاء الأولوية لدعم الأعلاف للمناطق المتضررة، وزيادة المخصصات الغذائية، والتدخل لتنظيم الأسعار في سوق الأعلاف.
متساقطات لبنان
أما في لبنان، فيلفت رئيس مصلحة الأرصاد الجوية في مطار بيروت، مارك وهيبة، إلى أن معدل المتساقطات في بيروت حتى الآن هو 510 ملّيمترات، بعدما كان في العام الماضي 583، بينما المعدل المطلوب هو 704 ملّيمترات، أي أن نسبة هذا العام لا تزال بعيدة عن المعدل 194 ملّيمتراً. وهذا الرقم وإن تدنى قليلاً في منطقتي: طرابلس (شمال لبنان)، وزحلة (البقاع)، فإنه أيضاً لا يزال دون المعدل، بحيث سجل في طرابلس حتى الآن 580 ملّيمتراً، وكان العام الماضي 746، بينما المعدل هو 708 ملّيمترات. أما في زحلة فوصل فقط إلى 407 بعدما كان العام الماضي 554، بينما المعدل هو 523 ملّيمترات.
من هنا، يعتبر وهيبة في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن هناك خطراً جدياً لعدم تعويض هذا النقص قبل نهاية فصل الشتاء، ما يعني أننا سنكون أمام خطر العجز المائي في كل القطاعات التي تحتاج إلى المياه، كما في حياتنا اليومية، بحيث سيضطر اللبنانيون إلى شراء المياه باكراً هذا العام، علماً بأنهم ظلوا يشترونها حتى شهر يناير (كانون الثاني) من هذا العام، قبل أن تتساقط الأمطار بشكل مقبول. ويوضح أن «المشكلة لا تكمن فقط في الأمطار، إنما الأهم في كمية الثلوج المتساقطة التي تعتبر بدورها دون المعدل العام، بحيث إنه لن يكون هناك مخزون ولا كميات لتغذية المياه الجوفية، للاستفادة منها في الزراعة وغيرها من القطاعات التي تعتمد على الثلوج في الفصول الأخرى».
ويربط وهيبة ما يحصل بالتغير المناخي؛ لكنه يعتبر أن الحديث عن التصحر في لبنان أمر مبالغ فيه؛ مشيراً إلى أن التغيرات لا تسجل حتى الآن أرقاماً قياسية، إن لجهة الفيضانات والعواصف أو لجهة ارتفاع درجات الحرارة، ويعطي مثالاً على ذلك أنه قد تصل درجة الحرارة إلى 38 درجة من دون أن تتعداها إلى الأربعين وما فوقها؛ لكن التغير قد يكون في الفترة التي تمتد إلى أيام وتؤثر سلباً على حياة المواطنين اليومية.
وبينما بدأ المزارعون يقلقون على إنتاجهم في لبنان، ويخشون من خسارة مادية كبيرة، يتحدث رئيس تجمع مزارعي وفلاحي البقاع إبراهيم ترشيشي، عن مشكلة حقيقية قد تؤثر على الموسم الزراعي بشكل عام. ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «لا شك في أن لبنان يتعرض للتقلبات المناخية التي تظهر من خلال ارتفاع بدرجات الحرارة في غير وقتها، وتساقط للأمطار بكثافة في وقت قصير، بحيث يسجل كميات كبيرة لا قدرة لقنوات ومجاري المياه على استيعابها، مقابل انحباس للأمطار لفترة طويلة». ويلفت إلى أنه منذ الأسبوع الثاني من شهر فبراير (شباط) حتى اليوم، لم يسجَّل تساقط للأمطار، وهذا ما لم يحصل سابقاً، ما سيؤدي إلى عجز مؤكد في معدلات الأمطار.
ويشرح ترشيشي تأثير هذا الأمر على القطاع الزراعي؛ مؤكداً أن ذلك سينعكس على كلفة الإنتاج، وبالتالي على أسعار المنتوجات. ويقول: «عادة في مثل هذه الفترة من العام، يفترض أن تكون التربة مشبّعة بشكل كافٍ من الأمطار؛ لكن للأسف كل المزروعات اليوم لم ترتوِ من المياه، وباتت الأرض صفراء اللون نتيجة العطش كما لو أنها في شهر يونيو (حزيران)، بينما الأشجار المثمرة تفتّحت في غير وقتها، وبالتالي عندما تعود الحرارة وتنخفض ستتساقط أزهارها، ولن يكون هناك موسم زراعي كما يجب، عبر تراجع جودة الإنتاج وتقلص المساحات المزروعة».
وبينما يأمل ترشيشي أن يحمل النصف الثاني من شهر مارس (آذار) الخير، عبر سقوط الأمطار على غرار ما حصل العام الماضي، يلفت إلى أن هذا الشح أدى إلى بدء المزارعين -في ظاهرة غير طبيعية- في الاستعانة بالآبار الارتوازية التي عادة ما يعتمدون عليها في فصل الصيف، وهو ما سينعكس على كلفة الإنتاج وأسعار المنتوجات التي تصل إلى المواطنين، وعلى الكمية التي يفترض أن يصدرها المزارعون إلى الخارج.


مقالات ذات صلة

الأردن يوسّع مشاورات «عودة سوريا»

المشرق العربي الأردن يوسّع مشاورات «عودة سوريا»

الأردن يوسّع مشاورات «عودة سوريا»

أطلق الأردن سلسلة اتصالات مع دول عربية غداة استضافته اجتماعاً لبحث مسألة احتمالات عودة سوريا إلى الجامعة العربية، ومشاركتها في القمة المقبلة المقرر عقدها في المملكة العربية السعودية هذا الشهر. وقالت مصادر أردنية لـ«الشرق الأوسط»، إن اجتماع عمّان التشاوري الذي عُقد (الاثنين) بحضور وزراء خارجية مصر والسعودية والعراق والأردن وسوريا، ناقش احتمالات التصويت على قرار عودة سوريا إلى الجامعة العربية ضمن أنظمة الجامعة وآليات اعتماد القرارات فيها. وفي حين أن قرار عودة سوريا إلى الجامعة ليس مقتصراً على الاجتماعات التشاورية التي يعقدها وزراء خارجية مصر والسعودية والعراق والأردن، فإن المصادر لا تستبعد اتفاق

المشرق العربي اليمين الإسرائيلي يطالب بتدفيع الأردن ثمناً سياسياً مقابل تحرير العدوان

اليمين الإسرائيلي يطالب بتدفيع الأردن ثمناً سياسياً مقابل تحرير العدوان

خلال المفاوضات الجارية بين الحكومتين حول اعتقال النائب الأردني عماد العدوان، المشتبه به في محاولة تهريب كمية كبيرة من الأسلحة والذهب إلى الضفة الغربية، أبدت السلطات الإسرائيلية موقفاً متشدداً أوضحت فيه أنها لن تطلق سراحه قبل الانتهاء من محاكمته، فيما طالبت أوساط في اليمين الحاكم بأن يدفع الأردن ثمناً سياسياً ذا وزن ثقيل مقابل تحريره، مثل تخليه عن الوصاية الهاشمية على الحرم القدسي الشريف وبقية المقدسات الإسلامية والمسيحية في المدينة. وقالت مصادر في اليمين إن «تهمة النائب الأردني خطيرة للغاية على الصعيدين الدبلوماسي والأمني على السواء، وكان يمكن له أن يتسبب في قتل إسرائيليين كثيرين لو نجحت خطته

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي الأردن يؤكد أن ظروف توقيف العدوان في إسرائيل تحترم حقوقه القانونية والإنسانية

الأردن يؤكد أن ظروف توقيف العدوان في إسرائيل تحترم حقوقه القانونية والإنسانية

أكدت وزارة الخارجية وشؤون المغتربين الأردنية، أن النائب عماد العدوان الذي أوقفته السلطات الإسرائيلية قبل أيام على خلفية قضية تهريب مزعومة لكميات من الأسلحة والذهب، بـ«صحة جيدة ولا يتعرض لأي ممارسات مسيئة جسدياً أو نفسياً»، لافتة إلى أنه «طلب طمأنة أسرته أنه بصحة جيدة». وقال الناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية وشؤون المغتربين السفير سنان المجالي، في بيان صحافي (الثلاثاء)، إن السفير الأردني في تل أبيب غسان المجالي، تحدث بشكل مفصل مع النائب العدوان حول ظروف توقيفه وإجراءات التحقيق معه، وتأكد منه أن ظروف توقيفه تحترم حقوقه القانونية والإنسانية.

المشرق العربي إسرائيل تحقق في وجهة أسلحة النائب الأردني

إسرائيل تحقق في وجهة أسلحة النائب الأردني

يحقق جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك) في وجهة الأسلحة التي كان ينقلها النائب الأردني، عماد العدوان، في سيارته إلى الضفة الغربية، فيما ستحدد المسألة إلى حد كبير كيف ستتعامل إسرائيل مع القضية التي زادت من حدة التوترات مع عمان. وفيما فرض «الشاباك» تعتيماً إعلامياً على القضية، فإنَّ التحقيق مع العدوان استمر أمس، لليوم الثاني، حول الأسلحة، وما إذا كانت متعلقة بالتجارة أم بدعم المقاومة الفلسطينية، وهل كانت المرة الأولى، ومن هم المتورطون في القضية. وكان العدوان اعتُقل الأحد على جسر «اللنبي» الإسرائيلي، بين الأردن والضفة الغربية، بعد معلومات قال وزير الخارجية الإسرائيلية إيلي كوهين، إنَّها استخبا

كفاح زبون (رام الله)
يوميات الشرق بيانات تعزية متواصلة لمصر في وفاة مساعد ملحقها الإداري بالخرطوم

بيانات تعزية متواصلة لمصر في وفاة مساعد ملحقها الإداري بالخرطوم

مع إعلان مصر، مساء الاثنين، «استشهاد» مساعد الملحق الإداري بسفارتها في الخرطو، توالت اليوم (الثلاثاء) بيانات عدد من الدول، في مقدمتها المملكة العربية السعودية، والأردن، وروسيا، للإعراب عن مواساتها للقاهرة في الحادث. في حين أكدت وزارة الخارجية المصرية أن «السفارة المصرية في الخرطوم وقنصليتي الخرطوم وبور سودان والمكتب القنصلي في وادي حلفا تواصل التنسيق مع المواطنين المصريين لإجلائهم». ونعت وزارة الخارجية المصرية وأعضاؤها ببالغ الحزن والأسى «شهيد الواجب» مساعد الملحق الإداري بسفارة مصر في الخرطوم.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

تغييرات بنيوية في هيكل «حزب الله» التنظيمي تعطي قاسم سيطرة إدارية

مسؤول وحدة الارتباط والتنسيق في الحزب وفيق صفا متحدثاً إلى الإعلام من موقع اغتيال أمين عام «حزب الله» حسن نصر الله في الضاحية الجنوبية لبيروت العام الماضي (وسائل التواصل الاجتماعي)
مسؤول وحدة الارتباط والتنسيق في الحزب وفيق صفا متحدثاً إلى الإعلام من موقع اغتيال أمين عام «حزب الله» حسن نصر الله في الضاحية الجنوبية لبيروت العام الماضي (وسائل التواصل الاجتماعي)
TT

تغييرات بنيوية في هيكل «حزب الله» التنظيمي تعطي قاسم سيطرة إدارية

مسؤول وحدة الارتباط والتنسيق في الحزب وفيق صفا متحدثاً إلى الإعلام من موقع اغتيال أمين عام «حزب الله» حسن نصر الله في الضاحية الجنوبية لبيروت العام الماضي (وسائل التواصل الاجتماعي)
مسؤول وحدة الارتباط والتنسيق في الحزب وفيق صفا متحدثاً إلى الإعلام من موقع اغتيال أمين عام «حزب الله» حسن نصر الله في الضاحية الجنوبية لبيروت العام الماضي (وسائل التواصل الاجتماعي)

تكشف استقالة رئيس «وحدة الارتباط والتنسيق في (حزب الله)»، وفيق صفا، التي أتت بنكهة الإقالة عن رأس قمة جبل الجليد في عملية إعادة هيكلة الجسم التنظيمي للحزب الذي تلقى ضربات غير مسبوقة في حربه الأخيرة مع إسرائيل التي أودت بأمينه العام التاريخيّ حسن نصر الله وخليفته الشيخ هاشم صفي الدين وخليفته الثالث المحتمل نبيل قاووق ومعظم قيادته العسكرية.

وتكشف مصادر لبنانية واسعة الاطلاع لـ«الشرق الأوسط» عن ملامح هذه التغييرات في الجسم التنظيمي والسياسي للحزب، رغم التكتم الكبير، لتخلص إلى أن الأمين عام الجديد للحزب الشيخ نعيم قاسم يحاول أن يمسك بمفاصل الحزب بربط كل المؤسسات الحزبية بالأمانة العامة للحزب، بعد أن كان هذا الموقع سابقاً يتولى القيادة من دون الخوض في التفاصيل التي كانت من مسؤولية الهيئة التنفيذية التي تشبه «الحكومة» داخل الحزب.

أما العلامة الفارقة الثانية في هذه التغييرات فهي دخول العديد من السياسيين إلى مركز القرار بدلاً من رجال الدين الذين سيطروا في المرحلة السابقة على المشهد القيادي في الحزب، مع دخول شخصيات جديدة إلى مركز القرار من الذين رافقوا قاسم في حزب الدعوة واللجان الإسلامية قبل دخولهم الحزب بعد تأسيسه.

رعد... نائباً للأمين العام

وتتضح الصورة هذه مع دخول رئيس كتلة الحزب النيابية «الوفاء للمقاومة» إلى مركز القرار، مع الاتجاه الواضح لتعيينه نائباً للأمين العام، وهو من الذين رافقوا قاسم في حزب الدعوة. غير أن قرار التعيين لن يصدر على الأرجح قبل الانتخابات البرلمانية، ومن المقرر أن يتولى النائب حسن فضل الله رئاسة الكتلة بعد الانتخابات الأخيرة.

رئيس كتلة «حزب الله» النائب محمد رعد مجتمعاً مع الرئيس جوزيف عون الأسبوع الماضي (الرئاسة اللبنانية)

فنيش...يقود «حكومة» الحزب

وتتكشف الصورة أكثر مع المعلومات التي توفرت لـ«الشرق الأوسط» عن تسلم الوزير والنائب السابق محمد فنيش مسؤولية الهيئة التنفيذية للحزب، حيث يخوض في مهمة إعادة تنظيم الجسم الإداري والمؤسساتي للحزب، فيما يتولى الشيخ علي دعموش مسؤوليات تنظيمية عملانية في الهيئة.

الوزير السابق محمد فنيش (الوكالة الوطنية للإعلام)

معطيات تنظيمية داخلية

وتفيد مصادر معارضة مطّلعة على الشؤون الداخلية في «حزب الله»، لـ«الشرق الأوسط»، بأنّ صفا «كان من أوائل المسؤولين الذين شملتهم قرارات تنظيمية داخلية قلّصت هامش تحرّكهم الإعلامي؛ إذ صدر قرار عن الأمانة العامة يقضي بمنعه من الإدلاء بأي تصريح من دون موافقة مسبقة من دائرة العلاقات الإعلامية في الحزب».

وتضيف المصادر نفسها أن هذه الإجراءات «لم تقتصر على الجانب الإعلامي، بل ترافقت مع تقلّص ملحوظ في الدور السياسي الذي كان يؤدّيه صفا في مراحل سابقة، سواء في التواصل مع القوى السياسية أو في ملفات الانتخابات والترشيحات». ووفق هذه الرواية، «لم يُسجَّل له خلال الفترة الماضية أي حضور علني بصفته موفداً سياسياً للحزب، لا إلى الحلفاء ولا إلى الخصوم».

إعادة توزيع المهام

ويشرح المصدر أن «هذه الوحدة، التي كانت تُعرف عملياً في مراحل سابقة بـ(اللجنة الأمنية)، تولّت إدارة الإشكالات الأمنية والميدانية داخل بيئة الحزب أو في حالات التوتر مع أطراف أخرى، عبر التدخل المباشر، ثم التنسيق مع القوى المعنية، ولاحقاً مع مؤسسات الدولة اللبنانية، بما يشمل الأجهزة الأمنية والقضائية، إضافة إلى متابعة ملفات موقوفين، وإنجاز مصالحات»، مضيفاً: «استفاد المسؤول عن هذه الوحدة من نفوذ متنامٍ داخل الحزب، خصوصاً في مراحل لاحقة، حين جرى دفعه إلى الواجهة في ملفات حساسة، أبرزها التفاوض غير المباشر وتبادل الأسرى، ما أتاح له بناء شبكة علاقات سياسية ودولية، شملت قنوات خارجية».

حصر الصلاحيات السياسية

وتشير مصادر متابعة للملف التنظيمي إلى «أن توسّع هذا الدور أدّى، في مرحلة معينة، إلى تجاوز الوحدة لوظيفتها الأمنية البحتة، بحيث بدأت، وفق توصيف هذه المصادر، بأداء أدوار سياسية لم تكن ضمن صلاحياتها الأصلية، عبر استقبال وفود وتمرير رسائل».

وبحسب هذه المصادر، «صدرت مع تولّي القيادة الحالية زمام القرار توجيهات واضحة بإعادة حصر دور )لجنة الارتباط والتنسيق( بالارتباط الأمني والتقني حصراً، ومنعها من أي دور سياسي أو تفاوضي أو إعلامي».

وتؤكد المصادر «أن أي قرار سياسي أو تواصل سياسي بات محصوراً بالقيادة السياسية للحزب، وتحديداً بالأمين العام نعيم قاسم، أو برئيس (كتلة الوفاء للمقاومة) النيابية، النائب محمد رعد، أو بالمعاون السياسي للأمين العام حسين خليل، فيما يقتصر دور الوحدة الأمنية على التنسيق التقني مع الأجهزة الأمنية اللبنانية».

تحوّلات بنيوية أوسع

تربط مصادر متابعة هذه التغييرات بتحوّلات أوسع داخل «حزب الله» منذ تولّي نعيم قاسم الأمانة العامة، مشيرةً إلى أن «المرحلة السابقة شهدت حضوراً وازناً لشخصيات دينية في الصفين الثاني والثالث، كهاشم صفي الدين ونبيل قاووق اللذين اغتالتهما إسرائيل في الحرب الأخيرة، فيما تبدّل المشهد راهناً مع تصدّر شخصيات سياسية غير دينية المشهد، أبرزها محمد رعد ومحمود قماطي وإبراهيم الموسوي، في مؤشر إلى تحوّل تدريجي نحو تعزيز الطابع السياسي للحزب».

وتكشف عن أن «الشق الإعلامي بات مُركّزاً ضمن إدارة مركزية واحدة، تخضع لإشراف النائب إبراهيم الموسوي، وبتكليف وتنسيق مباشر مع القيادة، في إطار سياسة تهدف إلى توحيد الخطاب وضبط الظهور الإعلامي وحصر التصريحات بالمراجع المخوّلة».

ترددات الحرب أطاحت بصفا

ويقول المحلل السياسي علي الأمين، لـ«الشرق الأوسط»، إن استبعاد صفا «يأتي في سياق تردّدات الحرب وتداعياتها المباشرة على (حزب الله)، إلى جانب تأثيرات الانكفاء الإيراني ومسار التفاوض القائم بين الولايات المتحدة وإيران»، معتبراً أن الحزب بات يدرك أن ما كان ممكناً في السابق لم يعد قابلاً للاستمرار».

وفيق صفا (أ.ب)

وأوضح الأمين أن القرار «يطال جهازاً يحمل بعدين، شخصياً وموضوعياً، ولا سيما أنه مدرج على لوائح العقوبات الأميركية، وهو بذلك رسالة واضحة مفادها أن الحزب لم يعد يمتلك السيطرة ذاتها على الأجهزة الأمنية في ظل مطلب أميركي وضغط من الدولة باتجاه تفكيك هذا الجهاز».

ورأى أن «الحزب يحاول التأقلم مع معطيات جديدة تفرض نفسها». وأشار إلى أن «قبول هذا المسار من عدمه يبقى مرتبطاً بكيفية تعاطي الحزب لاحقاً مع تنفيذ مبدأ حصرية السلاح».

واعتبر أن مواقف رئيس كتلة «الوفاء للمقاومة» النائب محمد رعد عكست نبرة قد تبدو إيجابية حيال حصرية السلاح، لكنها لم تصل إلى مستوى الوضوح الكامل، معتبراً أن الخطوة الحالية «تشكّل إجراءً عملياً أولياً، على أن يُقاس صداها لاحقاً، سواء على المستوى الرسمي اللبناني أو على المستوى الأميركي المعني مباشرة بمتابعة الملف اللبناني».

ولفت أن الحزب سيواصل، كلما أُتيحت الفرصة، «السعي إلى الظهور بمظهر الحزب السياسي، ولو شكلياً، في إطار محاولة لإبراز طابعه السلمي والمدني وإظهار تناغمه مع مؤسسات الدولة». وأوضح أن أي تقدّم أو حتى اضطراب في مسار المفاوضات الإيرانية - الأميركية سيعكس ليونة أكبر في السلوك الداخلي للحزب»، مشيراً إلى أن «هذا المسار يبقى مرجّحاً ما لم يصدر قرار دولي حاسم بإنهاء وضع الحزب القائم».

وفي الإطار، يمكن أن يوضع ما تردد عن تكليف حسين العبد الله بمهام مسؤول «وحدة الارتباط والتنسيق» داخل الحزب، وهو الذي شغل سابقاً منصب المسؤول الأمني في جنوب لبنان، ويُعد من المقرّبين من الشيخ نعيم قاسم، فيما أُسندت مهمة التواصل مع الدولة والخارج إلى نائبه أحمد مهنا.

رواية مقرّبة من الحزب

في المقابل، ينقل مصدر مقرّب من «حزب الله» لـ«الشرق الأوسط» رواية مغايرة لما يُتداول، مؤكداً أن الإجراءات المتخذة بحق وفيق صفا «لا تتعدّى حدود إعادة الهيكلة التنظيمية التي انتهجها الحزب منذ نهاية الحرب وحتى اليوم، في إطار مراجعة داخلية شاملة طالت أكثر من موقع ومسؤول».

ويشدّد المصدر على أن صفا «لا يزال ضمن الجسم التنظيمي للحزب».

في المقابل، أفادت قناة «الجديد» بأن صفا قدّم استقالته من رئاسة «وحدة الارتباط والتنسيق» في «حزب الله» بموافقة داخلية، على خلفية خلافات عميقة مع الأمين العام للحزب نعيم قاسم وعضو مجلس الشورى ورئيس كتلة «الوفاء للمقاومة» محمد رعد، إضافة إلى تقليص صلاحياته.


محافظ الحسكة السورية يباشر مهامه متعهداً حماية «التنوع»

محافظ الحسكة نور الدين عيسى أحمد يباشر مهامه السبت ا(المكتب الصحافي لمحافظة الحسكة)
محافظ الحسكة نور الدين عيسى أحمد يباشر مهامه السبت ا(المكتب الصحافي لمحافظة الحسكة)
TT

محافظ الحسكة السورية يباشر مهامه متعهداً حماية «التنوع»

محافظ الحسكة نور الدين عيسى أحمد يباشر مهامه السبت ا(المكتب الصحافي لمحافظة الحسكة)
محافظ الحسكة نور الدين عيسى أحمد يباشر مهامه السبت ا(المكتب الصحافي لمحافظة الحسكة)

في اليوم الأول لمباشرة مهامه محافظاً للحسكة، شمال شرقي سوريا، تعهد نور الدين عيسى أحمد، بحماية «التنوع الذي يميز المحافظة» محذراً من «الفتنة»، وذلك بالتزامن مع زيارة وفد حكومي برئاسة قائد الأمن الداخلي، مروان العلي، لمبنى المحافظة في اطار تنفيذ دمج المؤسسات الرسمية.

ووجَّه المحافظ الجديد خطاباً إلى أهالي المحافظة قال فيه إنه سيكون «لكل مكونات أبناء المحافظة، ولكل امرأة وطفل وعامل وفلاح على هذه الأرض»، مؤكداً على أن الأولوية هي فرض «الأمن والأمان والاستقرار»، وأضاف مشدداً على أن «الخدمات وكرامة المواطن فوق أي اعتبار، لن نسمح بالفتنة، وسنحمي التنوع الذي يميز محافظتنا»، داعياً الجميع للتعاون. مضيفاً: «بدعمكم ستحول الأيام القادمة إلى بداية استقرار حقيقي يلمسه كل بيت» وفق نص الخطاب الذي نشره المكتب الصحافي في المحافظة.

وفد حكومي بقيادة العميد مروان العلي في مبنى محافظة الحسكة السبت (فيسبوك)

ونور الدين عيسى أحمد، الملقب بـ«أحمد خانيكا» كان مسؤول العلاقات في قوات «قسد» وأحد القياديين البارزين في الإدارة الذاتية منذ نشأتها عام 2014، وأدى دوراً بارزاً في إدارة العلاقات مع العشائر العربية، في شمال وشرق سوريا. وقد تم ترشيحه من قبل «قسد» لتولي منصب محافظ الحسكة في إطار الاتفاق المبرم مع دمشق.

وبدأ الحافظ عمله، السبت، بعد استكمال التجهيزات اللازمة لمبنى المحافظة، ورفع العلم السوري، في إشارة إلى بدء مرحلة إدارية جديدة وإنهاء حالة «المربعات الأمنية»، وتقاسم السيطرة بين مناطق تتبع للحكومة وأخرى تبع للإدارة الذاتية.

وشهد مبنى المحافظة بحضور وسائل الإعلام أول اجتماع مع وفد حكومي برئاسة قائد الأمن الداخلي في الحسكة، مروان العلي، حيث جرى بحث آليات التنسيق الإداري وتنظيم الشؤون المدنية والأمنية في المحافظة.

وقال العلي إن عملية الدمج تسير بشكل إيجابي، وإن جميع المعابر ستعود لإدارة الدولة السورية، وقريباً ستدخل قوى الأمن إلى عين العربي «كوباني». وذلك بينما تواصل القوات الأميركية إخلاء قاعدة الشدادي العسكرية.

العميد مروان العلي مع محافظ الحسكة الجديد (صفحة مرصد الحسكة)

وقال العميد العلي في تصريح لوسائل الإعلام عقب الاجتماع إن «عملية الدمج تجري على قدم وساق والأجواء إيجابية جداً» نافياً فرض حصار على مدينة عين العرب (كوباني). وأكد أن موضوع عين العرب (كوباني) مرتبط بموضوع القامشلي والحسكة، وقوى الأمن السوري دخلت إلى منطقة الشيوخ وقريباً ستدخل إلى عين العرب (كوباني)، حيث ستقوم قوات «قسد» بالانسحاب من الحسكة ومن عين العرب، مضيفاً أن النازحين من جميع الأطراف سيعودون إلى مناطقهم والتأخيرات التي تحصل تتعلق بأمور لوجيستية وتقنية، وسيعود الأمر إلى ما كان عليه، داعياً إلى «تخفيف حدة اللهجة».

وفيما يخص المعابر، أكد العميد مروان العلي أنها ستعود إلى سلطة الدولة بما فيها معبر سيمالكا على نهر دجلة، في أقصى شمال شرقي الحسكة على الحدود مع العراق.

وكانت وسائل إعلام كردية أفادت بمحاصرة القوات الحكومية لمدينة عين العرب، وتدهور الأوضاع الإنسانية. نتيجة النقص الحاد في المستلزمات الأساسية.

وكان وفد من وزارة الدفاع السورية، ترأسه رئيس هيئة العمليات في الجيش العربي السوري، العميد حمزة الحميدي، زار محافظة الحسكة، الجمعة، وقام بجولة ميدانية على عدد من المواقع العسكرية يرافقه ممثلون عن «قسد»، من أجل تثبيت نقاط الانتشار للوحدات ومتابعة تطبيق الاتفاق. وقالت «قسد» في بيان لها الجمعة إن «المناقشات لا تزال مستمرة» بخصوص استكمال تنفيذ بنود اتفاقية (29 كانون الثاني)، وعملية الاندماج.

وفد عسكري من وزارة الدفاع يزور الحسكة الجمعة (مديرية إعلام الحسكة التابعة لوزارة الإعلام)

انسحاب أم إعادة تموضع أميركي؟

يأتي ذلك فيما تم رصد تحركات في قاعدة الشدادي العسكرية التابعة، لقوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة. وأفادت تقارير إعلامية بإخلاء هذه القاعدة التي تعد ثاني أكبر قاعدة بعد قاعدة التنف في البادية الشامية، فيما عده مراقبون إعادة تموضع لقوات التحالف بعد التغييرات التي تشهدها مناطق الجزيرة السورية، وانضمام سوريا للتحالف الدولي لمحاربة الإرهاب.

وبحسب الباحث المختص بالشؤون العسكرية، رشيد حوراني، فإن انسحاب القوات الأميركية من سوريا له عدة دلالات، بينها «الوثوق بالحكومة السورية والتعاون معها فيما يتعلق بتنظيم (داعش) وانضمام سوريا إلى التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب».

وقال حوراني لـ«الشرق الأوسط» إن الانسحاب يدل أيضاً من جانب آخر على «أن أميركا تقدم الدعم للحكومة السورية من خلال حلفائها في المنطقة، من خلال دعم تركيا مثلاً وتقديمها التدريب أو التسليح للجيش السوري»، وأيضاً يدل على التخلي عن «التعاون مع تنظيمات ما دون الدولة، خاصة أن القاعدة كان يوجد فيها عناصر تقدم الاستشارة والتدريب لـ(قسد)»، إضافة إلى دلالة معنوية تتمثل في أن «الحكومة السورية وأجهزتها المعنية تطورت بشكل ملحوظ، خاصة بعد عملية السيطرة على مناطق سيطرة (قسد) دون انتهاكات، وهو ما شجع أميركا للانسحاب».


رئيس الحكومة اللبنانية يتفقد المناطق الحدودية: سيادة الدولة مسؤولية تجاه الناس ومشاكلهم

أهالي بلدة يارين يستقبلون رئيس الحكومة نواف سلام ويلبسونه العباء التقليدية (الشرق الأوسط)
أهالي بلدة يارين يستقبلون رئيس الحكومة نواف سلام ويلبسونه العباء التقليدية (الشرق الأوسط)
TT

رئيس الحكومة اللبنانية يتفقد المناطق الحدودية: سيادة الدولة مسؤولية تجاه الناس ومشاكلهم

أهالي بلدة يارين يستقبلون رئيس الحكومة نواف سلام ويلبسونه العباء التقليدية (الشرق الأوسط)
أهالي بلدة يارين يستقبلون رئيس الحكومة نواف سلام ويلبسونه العباء التقليدية (الشرق الأوسط)

بدأ رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام زيارة إلى الجنوب اللبناني تمتد يومين، وتحمل أبعاداً سياسية وإنمائية، كونها شملت مناطق حدودية لا يزال أهلها عاجزين عن العيش فيها حياة طبيعية جراء الدمار الكبير والاعتداءات الإسرائيلية المتكررة، كما لجهة طريقة استقبال الأهالي لرئيس الحكومة، والتي اتسمت بالترحيب في كل القرى، بعد أن شن «حزب الله» عليه سابقا حملات تخوين كبيرة.

وأكّد سلام خلال أن حضور الدولة في هذه المرحلة «هو رسالة واضحة في مواجهة الاعتداءات والدمار، وأن المسؤولية لا تقتصر على الجانب الأمني، بل تمتد إلى حماية كرامة الناس، وتأمين مقومات الحياة الكريمة، معلناً عن مشاريع لإعادة الإعمار بعد الحرب الإسرائيلية الأخيرة».

وكانت محطة سلام الأولى في ثكنة الجيش اللبناني بمدينة صور، قبل أن يتوجّه على متن مصفحة مدرعة، إلى الناقورة، ومنها إلى بلدتي يارين وطيرحرفا وبنت جبيل على أن ينهي زيارته الجنوبية، الأحد، بجولة في منطقة مرجعيون والعرقوب، وصولاً إلى شبعا وكفرشوبا.

وجاءت زيارة رئيس الحكومة وسط ترحيب شعبي لافت في البلدات الجنوبية التي شملتها الجولة، حيث رفع الأهالي لافتات مرحِّبة وتجمّعوا لاستقباله في مشهد لم يكن مألوفاً في هذه المناطق، حيث ينتظر الأهالي ترجمة هذا الحضور إلى خطوات عملية تعيد الحياة إلى القرى المتضررة.

حق وطني لا يتجزأ

ترحيب شعبي برئيس الحكومة نواف سلام خلال زيارته جنوب لبنان (أ.ف.ب)

وفي مستهل جولته، كتب سلام عبر منصة «إكس» بعد محطته الأولى في صور، قائلاً: «أنا اليوم آتٍ إلى الجنوب باسم الحكومة اللبنانية لنقول كلمة واحدة واضحة: إن حق أهل الجنوب في الأمان، وفي البيت، وفي الأرض، وفي العيش الكريم، هو حق وطني لا يتجزأ». وأشار إلى خطورة الاعتداءات المستمرة، مؤكداً «أنها تشكل اعتداءً على سيادتنا، وعلى حياة المدنيين، وعلى حق الناس في أن يعيشوا بأمان».

ولفت إلى دلالة الحضور الرسمي في الجنوب، مشدداً «على أن وجود الدولة اليوم هنا هو رسالة في وجه هذا الواقع، ورسالتها أن بسط سلطة الدولة لا يكتمل بمجرد انتشار الجيش وسيطرته على الأرض، وهو الذي نوجه إليه كل التحية والتقدير، بل إن سيادة الدولة هي أيضاً مسؤولية تجاه الناس ومشاكلهم؛ فهي مدرسة مفتوحة، ومركز صحي يعمل، ومياه وكهرباء واتصالات، وطرقات ممهدة، وحياة كريمة».

مشاريع إعادة الإعمار

وتحدث سلام عن خطة الحكومة في المرحلة المقبلة، قائلاً: «إننا نعمل على 3 محاور. همنا الأول اليوم هو صون كرامة الذين ما زالوا نازحين، ودعم العائدين، وتأمين حياة أفضل للجميع، ونتحرك على 3 مسارات متكاملة: هي استمرار الإغاثة، وإعادة الإعمار، وتوفير شروط التعافي والانماء الاقتصادي والاجتماعي».

استقبال بالأرز والورود لرئيس الحكومة نواف سلام خلال جولته في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

وكشف رئيس الحكومة عن تأمين التمويل اللازم لإطلاق عدد من المشاريع، قائلاً: «جئت لأعلن عن عدد من المشاريع المتعلقة بإعادة الإعمار، بعد توفر التمويل، سواء من الموازنة العامة أو من خلال تأمين 250 مليون دولار كقروض ميسرة من البنك الدولي، إضافة إلى 75 مليون يورو من الوكالة الفرنسية للتنمية، وكذلك تم تأمين 35 مليون يورو منح من الاتحاد الأوروبي وفرنسا والدنمارك لدعم التعافي الاقتصادي، مع تركيز خاص على الزراعة والتعاونيات الزراعية.»، واعداً بالعودة قريباً في زيارة ثانية إلى الجنوب لمتابعة تنفيذ هذه المشاريع.

وفي كلمته من بلدة يارين الحدودية، شدد سلام على البعد الإنساني والوطني للزيارة، وقال: «إن زيارتي اليوم إلى يارين هي رسالة واضحة بأن الدولة لا تنسى أحداً». وأكد مقاربة الدولة لأبنائها، قائلاً: «إن دولتنا لا تنظر إلى أبناء هذه المنطقة كأطراف، بل كأهلها وأبنائها. والدولة الحديثة التي نطمح إليها لا تميّز بين ابن يارين وابن طير حرفا، ولا بين ابن مروحين وابن بيروت؛ فالمواطنة واحدة، والحقوق واحدة، والكرامة لا تتجزأ».

ترحيب شعبي برئيس الحكومة نواف سلام خلال زيارته جنوب لبنان (أ.ف.ب)

وأشار إلى واقع القلق اليومي الذي يعيشه الأهالي، مضيفاً: «وأعلم أيضاً أن الاعتداءات ما زالت مستمرة، وأن كثيراً من الناس يعيشون قلقاً يومياً، لكنني أعرف أمراً أكبر: أعرف الجنوبيين بكل انتماءاتهم، وأعرف تمسكهم بأرضهم.» وتوجه لهم بالقول «صمودكم هو الأولوية، والدولة ستكون إلى جانبكم لتبقوا في أرضكم وتستمروا فيها».

 

رئيس الحكومة نواف سلام في بنت جبيل متوسطاً عدداً من النواب والمسؤولين المحليين في المنطقة (الشرق الأوسط)

 

ومن طير حرفا، شدد سلام على معنى الحضور الرسمي في مواجهة حجم الدمار، قائلاً: «إن وجود الدولة اليوم هنا هو رسالة في مواجهة هذا الدمار الهائل الذي لن نستسلم له أبداً»، مؤكداً: «الرسالة واضحة: الدولة موجودة لتبقى، لا لتزور وترحل».