ليبيا تترقب نتائج «الخطة الأممية» الجديدة

وسط ضغوط دولية على الساسة لـ«تقديم تنازلات»

مجلس الأمن يصغي لإحاطة باتيلي
مجلس الأمن يصغي لإحاطة باتيلي
TT

ليبيا تترقب نتائج «الخطة الأممية» الجديدة

مجلس الأمن يصغي لإحاطة باتيلي
مجلس الأمن يصغي لإحاطة باتيلي

تحركت المياه الراكدة في بحر السياسة الليبية قليلاً، باتجاه «الخطة الأممية» الجديدة، التي تستهدف إجراء الانتخابات الرئاسية والنيابية قُبيل نهاية العام الجاري، إلا أن حالة من الخوف والترقب اتسعت حول طرح عبد الله باتيلي، رئيس بعثة الأمم المتحدة للدعم بالبلاد (أونسميل)، خصوصاً ما قد يُقدم عليه الدبلوماسي السنغالي، من إجراءات، ربما تهدد بقاء بعض الساسة في المشهد العام. الخطة الأممية، التي لم يُبدِ «المجلس الأعلى للدولة» في ليبيا رأيه فيها حتى الآن، ورفضتها غالبية أعضاء مجلس النواب (البرلمان)، تقضي بتشكيل لجنة توجيهية رفيعة المستوى تجمع كل أصحاب المصلحة، والمؤسسات، والشخصيات، وزعماء القبائل، وتكون مهمتها الوصول بالبلاد إلى الانتخابات العامة المنتظرة.
ينظر ساسة ليبيون إلى أهمية «الخطة الأممية» المنتظرة، كونها تأتي عقب عام ونيف، من فشل الاستحقاق السابق نهاية عام 2021. وهو ما أدى إلى جمود العملية السياسية، في ظل عجز «مجلس الدولة» والبرلمان عن تجاوز خلافاتهما، بإنجاز قوانين الانتخابات المنتظرة. ويرى عدد من هؤلاء أن أمام المبعوث الأممي عبد الله باتيلي، فرصة لاستغلال تزايد الزخم الدولي المتعاطي مع مبادرته، بالمسارعة في إعلان تشكيلها، رغم الانقسام والمخاوف الاستباقية بشأنها.

عبد الله باتيلي

فقدان شرعية المؤسسات
المبعوث الأممي، الذي تسلّم مهامه في طرابلس العاصمة منذ قرابة 5 أشهر، فضّل أن يُمهّد لمبادرته من زاوية أن «النخبة السياسية في ليبيا تعيش أزمة شرعية حقيقية». وأفاد في إحاطته الأخيرة أمام مجلس الأمن الدولي في 27 فبراير (شباط) الماضي، بأن «غالبية مؤسسات الدولة فقدت شرعيتها منذ سنوات. ولا بد أن يتصدر حل أزمة الشرعية هذه أولويات الفاعلين السياسيين الراغبين في تغيير الوضع القائم».
رؤية باتيلي تتمثل في أن أمد العملية السياسية طال أكثر من اللازم، ولم تعد تلبي تطلعات الليبيين الساعين إلى انتخاب مَن يقودهم، وإلى بث الروح في مؤسساتهم السياسية؛ لذا لخص الدبلوماسي المخضرم بالقول إن «صبر الليبيين قد نفد، وباتوا اليوم يشككون في إرادة ورغبة الفاعلين السياسيين الانتقاليين في إجراء انتخابات شاملة وشفافة في 2023».

عبد الحميد الدبيبة

غسان سلامة

برناردينو ليون

وفق متابعين، فإن باتيلي لم يأبه لمعاداة النخبة السياسية له - كما حصل مع أسلاف له - بعدما وصفها بأنها «تعيش أزمة شرعية»، بقدر ما سعى إلى وضع الجميع أمام مسؤولياته؛ لذا شدد على أن تنفيذ الانتخابات يتطلب «توافقاً وطنياً واسعاً؛ ينطوي على التأييد والمشاركة الفاعليْن لطيفٍ أوسع من الأطراف المعنية، بما في ذلك المؤسسات الوطنية، والشخصيات السياسية، والأطراف الأمنية، وزعماء القبائل (...)». كذلك رد المبعوث على مخاوف البعض بشأن ماهية اللجنة المرتقب الإعلان عنها، وقال: «إن الآلية المقترحة ستعمل على الجمع بين مختلف الأطراف الليبية المعنية؛ للدفع قدماً بالتوافق حول الأمور ذات الصلة، مثل تأمين الانتخابات، واعتماد ميثاق شرف للمرشحين جميعاً، بالإضافة إلى تيسير اعتماد إطار قانوني وجدول زمني ملزم لإجراء الانتخابات في 2023».
عصام الجهاني، عضو مجلس النواب، يرى أن مجلسه «هو المعني وحده بإصدار التشريعات بالاستشارة مع (المجلس الأعلى للدولة)، وأن الوضع الراهن يتطلب إرادة صلبة من أجل تعزيز التوافق الداخلي».

وأضاف الجهاني، في تصريحات صحافية، أن بعض الأطراف الدولية والمحلية «تعمل على عدم التقدم نحو الانتخابات بعد التوافق الليبي بين المجلسين أخيراً»، وعزا ذلك لـ«الخلاف الدولي المنعكس بصورة كبيرة على الملف الليبي».
ما يذكر أن باتيلي، انتهز فرصة تقديم إحاطته لمجلس الأمن، للقول إن المجلسين لم ينجحا لتاريخه في التوافق على قاعدة دستورية للانتخابات. لكن البرلمان رد على كلام المبعوث، واصفاً إحاطته بأنها «تضمنت مغالطات». والواقع أن ما لمح إليه باتيلي، عن «فقدان شرعية أغلب المؤسسات الليبية منذ سنوات»، سبقته مطالبة لستيفاني وليامز، المستشارة الخاصة السابقة للأمين العام للأمم المتحدة بشأن ليبيا، بحثِّ النخبة السياسية الليبية على وقف «لعبة الكراسي الموسيقية للبقاء في السلطة»، مذكّرة حينذاك بـ«انتهاء مدة التفويض للمجلسين بموجب انتخابهما».
البرلمان و«المجلس الأعلى»
من جهة ثانية، وعلى الرغم مع أن الخطة الأممية، لم تثمر لليوم شيئاً ملموساً على أرض الواقع، فإنها نجحت في تحريك موقف «المجلس الأعلى للدولة» برئاسة خالد المشري، في التعاطي مع التعديل الـ13 للإعلان الدستوري، الذي من المرجح أن يُمهد لإجراء الانتخابات. وهذا أرجعه متابعون إلى «مخاوفه من سحب التحرك الأممي البساط من تحت أقدامه وأقدام مجلسه». غير أن المشري، قال إن مجلسه «لم يرفض مبادرة باتيلي، حتى الآن»، بل «يمكن المواءمة» بينها والتعديل الدستوري الـ13، الذي وافق عليه بغالبية الحضور.
وامتداداً لحالة الرفض للتعديل الدستوري، وخصوصاً في غرب البلاد، وجه الحبيب الأمين، وزير الثقافة الليبي الأسبق والقيادي في مصراتة، انتقادات للمشري؛ بسبب موافقته على «التعديل الدستوري». وغمز الأمين من قناة المشري بوصفه قيادياً إخوانياً قائلاً: «لو راجعنا قائمة الداعمين لك، ومن وافقوا على التعديل لعرفنا أن الإرادة الإخوانية تقف وراء كل ما تهرول نحوه؛ للتمترس بالسلطة باعتبارها جماعة مُعطلة للإرادة الوطنية».
من جانبه، وسع المشري - الذي حرص خلال الفترة الماضية على الاقتراب من عقيلة صالح، رئيس مجلس النواب - هوة التباعد مع رئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة، وتمسّك بموقفه الرافض أيضاً للمشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني الليبي». وتكلم عن إمكانية «وضع نص قانوني يمنع مَن تعهّدوا في ملتقى جنيف من الترشح للانتخابات المقبلة»، في إشارة إلى الدبيبة.
وأردف أن مجلسه «لن يقبل أي قوانين انتخابية إلا بالتوافق بين لجنتي مجلسي النواب و(الدولة) المنصوص عليهما في التعديل الدستوري». ولفت إلى أن باتيلي «يوافقه الرأي في فكرة عدم ترشح مزدوجي الجنسية للرئاسة، لكنه يقول إنهم يجب أن يُمنحوا فرصة للترشح».
بالمثل، انتقد مجلس النواب، إحاطة باتيلي بحجة تجاهلها تعطيل انعقاد جلسة مجلس الدولة من قبل القوى «التي أفشلت الانتخابات عام 2021»، وكونها لم تشر لـ«الفشل الذي لحق بباقي المؤسسات المنوط بها مهام جسام لإنجاح أي عملية انتخابية وسياسية». وبينما رحب بدعم المجتمع الدولي حق الشعب الليبي في إجراء انتخابات حرة ونزيهة، وثمّن دور البعثة الأممية، فإنه أكد الملكية الليبية للعملية السياسية.
الدبيبة والحكم العسكري
أما عن الدبيبة، الذي غالباً ما يردّد رغبته في إجراء انتخابات ليبية، فيتهمه معارضوه «بوضع العراقيل في طريقها». وكان الدبيبة قد استبق إحاطة باتيلي فوجه خطاباً رسمياً إلى أنطونيو غوتيريش، الأمين العام للأمم المتحدة، دعاه فيه لتقديم المساعدة التقنية والفنية إلى حكومته لتنفيذ الاستحقاق الانتخابي. وطالبه أيضاً بإرسال فريق لتقييم الاحتياجات الخاصة بالانتخابات، ومراقبين دوليين للعملية الانتخابية حتى الانتهاء منها واعتماد نتائجها النهائية، والتنسيق مع حكومته لإنجاح الاستحقاق المنتظر.
هذا، وعقب إعلان مبادرة باتيلي، سارع الدبيبة إلى إبداء تمسكه «بطرح أي قاعدة دستورية للاستفتاء الشعبي». وأبدى استعداده للتخلي عن منصبه إذا تم الاتفاق على قوانين الانتخابات. ولم ينسَ أن يشير إلى رفضه «عودة الحكم العسكري»، معتبراً أن «ليبيا ضيّعت سنوات في الأحكام العسكرية... وأي عسكري يريد الحكم يجب أن يخلع بدلته العسكرية قبل دخول الانتخابات»، في إشارة إلى حفتر.
مع هذا رأى بلقاسم قزيط، عضو المجلس الأعلى للدولة، في تصريحات لوسائل إعلام محلية، أن «قائمة الشروط واللاءات التي أعلنها الدبيبة تؤكد فقط استمرار تمسكه بالبقاء في السلطة. إنه يريد أن يبقى في السلطة أطول مدة ممكنة». وتابع أن مجلسه «يقبل بأي توافق يوصل إلى انتخابات... والمواطن سئم من الجميع سواء الحكومة أو البرلمان أو مجلس الدولة». واختتم بأن خطاب الدبيبة «ليس بجديد، لكنه حالياً لا يحمل أي قيمة سياسية أو قانونية له».
أما الجهاني، عضو البرلمان، فتطرق إلى أن «الجوانب التشريعية وإعداد خريطة الطريق هما من اختصاص البرلمان ومجلس الدولة الاستشاري»، وأن الأخير «أعلن موافقته على القاعدة، ما يعني أنها أصبحت جاهزة للتنفيذ».
حكومة «موحدة»... أم «مصغرة»؟
في أية حال، أمام المتغيرات الدولية الجديدة، بدا المشهد في ليبيا أكثر تسارعاً وارتباكاً عن ذي قبل، فالمبعوث الأممي عاد من جولته الخارجية ليطلع السلطة التنفيذية في طرابلس، على لقاءاته ومباحثاته الأخيرة بشأن ليبيا، بينما استبق ريتشارد نورلاند المبعوث الأميركي الخاص، وليزلي أوردمان القائم بالأعمال الأميركي في ليبيا، زيارتهما إلى طرابلس بلقاء رئيس مجلس النواب عقيلة صالح في بنغازي. وأظهر صالح تجاوباً إزاء المتغير الحاصل، وقال إن مجلسه «أوفى بالتشريعات اللازمة كافة لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية من خلال التعديل الدستوري الـ13»، لكنه أكد أيضاً «استعداد المجلس للتعديل اللازم لها إذا ما اقتضت الحاجة لذلك». واللافت أن صالح شدد على ضرورة وجود حكومة «موحدة» في أنحاء البلاد كافة لتنظيم الانتخابات.
وفي وقت سابق دعا المشري إلى تشكيل «حكومة وحدة مصغرة بمدة محددة»، لإجراء الانتخابات.
وعودة إلى باتيلي، فقد التقى أيضاً كلاً من عبد الحميد الدبيبة، ومحمد المنفّي رئيس المجلس الرئاسي، في لقاءين منفصلين أحاطهما خلالهما بما أسفرت عنه لقاءاته الخارجية، في أعقاب الجلسة الأخيرة لمجلس الأمن.
وانتهز الدبيبة الفرصة ليؤكد «جاهزية حكومته وأدواتها التنفيذية لإجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية، ودعمها الإجراءات المتخذة من طرف البعثة»، التي وصفها بأنها «تعمل بشكل جاد ومتواصل مع الأطراف الدولية للوصول إلى انتخابات، وتشكيل فريق يسهم في استكمال وتحديث القاعدة الدستورية لتكون جاهزة لاستكمال حلم الليبيين».
وقبل أن ينتهي أسبوع حافل بضغوط دولية على «الأطراف الفاعلة» بالبلاد لتحريك المياه الراكدة في بحر السياسة، حث السفراء والمبعوثون الخاصون إلى ليبيا لكل من أميركا وبريطانيا وألمانيا وإيطاليا وفرنسا القادة الليبيين، عقب لقائهم الدبيبة، بالعاصمة طرابلس، الأربعاء الماضي، على تقديم التنازلات اللازمة لإجراء الانتخابات وتمكين الشعب الليبي من اختيار قيادته.
وبجانب الضغط الدولي، تدفع أطراف ليبية باتجاه ضرورة إجراء الاستحقاق المرتقب وفقاً للتوجه الأممي، وفي هذا الإطار تمسك 51 حزباً ومكوناً سياسياً بحق مشاركتها في إيجاد حل سياسي يفضي إلى إجراء الانتخابات، وإقامة نظام تعددي وديمقراطي. ووجهت الأحزاب، رسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش وأعضاء مجلس الأمن الدولي، ضمنوها إفادات بأن الأجسام السياسية الحاكمة حالياً «فاقدة للشرعية»، وذهبت إلى أن «في ليبيا وخارجها مَن يسعى لبقاء الانسداد السياسي الحالي؛ لضمان بقاء مصالحهم ومكتسباتهم».

القاهرة... ومرجعية «الصخيرات»

> وسط تباين المواقف الدولية حيال «الخطة الأممية» لليبيا، بين مؤيد ومتحفظ ورافض، جاء الموقف المصري، الذي عبر عنه سامح شكري وزير الخارجية، ليؤكد دعم القاهرة الكامل لمسار الحل الليبي - الليبي، ورفضها «أي إملاءات خارجية تتجاوز دور المؤسسات الليبية».
شكري، الذي تكلم لدى تسلمه رئاسة الدورة الـ159 لمجلس وزراء الخارجية للجامعة العربية، أعاد تأكيد مرجعية «اتفاق الصخيرات»، ودعوة الأطراف المنخرطة في الأزمة الليبية جميعاً إلى الالتزام بهذه الأسس والمحددات، التي قال إنه «لا بديل عنها». وهو التوجه الذي يُنظر إليه على أنه يدعم مجلس النواب و«المجلس الأعلى للدولة» في مواجهة أي تغير قد ينتج عن الخطة الأممية.
ودلل شكري على هذا التوجه بأن «محاولات اختلاق آليات مستحدثة تهدف إلى إرباك المشهد من أجل تكريس الوضع القائم». ووصف إصدار مجلس النواب التعديل الدستوري الثالث عشر للإعلان الدستوري، وموافقة المجلس الأعلى للدولة عليه، بـ«التطور المهم والجوهري».
ورأى الوزير المصري، أن «التعديل يسهم في استيفاء الإطار الدستوري والقانوني اللازم لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية بالتزامن، في أقرب وقت تحت إشراف (حكومة محايدة) تُعلى المصالح العليا لدولة ليبيا».

المبادرات الأممية... محاولات متكررة لتفكيك الأزمة الليبية
> منذ تفشي الفوضى الأمنية في ليبيا عقب «الثورة» التي أسقطت نظام الرئيس الراحل معمر القذافي عام 2011، تسعى الأمم المتحدة عبر مبادرات عدة، لإيجاد مخرج ينهي الصراع ويعيد أفرقاء السياسة إلى طاولة الحوار بدلاً من الاحتكام للاقتتال.
منذ ذلك التاريخ تقريباً، والأمم المتحدة تدفع بمبعوثيها، بداية من عبد الإله الخطيب وزير الخارجية الأردني الأسبق، وحتى عبد الله باتيلي، المبعوث الحالي، إلى ليبيا أملاً في تفكيك المعضلة السياسية. وفيما يلي أهم المبادرات والتحركات الأممية:
- تلخصت فترة عبد الإله الخطيب، الذي عينه الأمين العام للأمم المتحدة (آنذاك)، بان كي مون في السادس من أبريل (نيسان) عام 2011، في إجراء مشاورات عاجلة، بينما كانت الدماء لا تزال ساخنة في ليبيا، لكن الخطيب لم يبق في مهمته أكثر من 4 أشهر.
- أيضاً فترتا المبعوثين التاليين إيان مارتن (بريطاني) وطارق متري (لبناني)، لم تشهدا خوضاً عميقاً في عمليات التسوية السياسية لأسباب عدة، منها أن المجتمع الدولي لم يكن قد أبدى اهتماماً بالأوضاع المتردية بالبلاد.
- الدبلوماسي الإسباني برناردينو ليون تسلّم مهامه في أغسطس (آب) 2014، وأسهم في جمع غالبية الأطراف المعنية بالأزمة لتوقيع الاتفاق السياسي بمنتجع الصخيرات في المغرب خلال نوفمبر (تشرين الثاني) 2015. ووُصفت فترة عمل ليون بأنها «الأصعب»، إذ كان الاقتتال وتسلّط الميليشيات المسلحة على أشده، لكنه غادر منصبه تاركاً وراءه حالة من الغضب بسبب ما وُصف بـ«التقسيمات» التي أحدثها «اتفاق الصخيرات».
- في منتصف مايو (أيار) 2017 أعلن المبعوث الأممي إلى ليبيا مارتن كوبلر (ألماني)، أن الأمم المتحدة بصدد التحضير «خريطة طريق» لجمع الأفرقاء كافة على طاولة الحوار للتوصل إلى حل. ووُصفت مهمة كوبلر، بأنها «محددة»، وتتمثل في تطبيق «اتفاق الصخيرات» الذي أسفر عن تعيين المجلس الرئاسي لـ«حكومة الوفاق الوطني» برئاسة فائز السراج، التي أنيطت بها قيادة مرحلة انتقالية من سنتين، تنتهي بإجراء انتخابات تشريعية، إلا أن التجاذبات السياسية لم تمكّن كوبلر من العمل على تطبيق «اتفاق الصخيرات»، على الرغم من تجاربه السابقة في العراق وأفغانستان والكونغو الديمقراطية.
- يعتبر ساسة ليبيون أن الأزمة الليبية شهدت بعض الحلحلة بعد تعيين اللبناني غسان سلامة مبعوثاً في يونيو (حزيران) 2017. وبعد قرابة 3 أشهر من اللقاءات والمشاورات وجلسات الاستماع مع الأطراف السياسية والمؤسسات المجتمعية في معظم المدن الليبية، طرح سلامة «خريطة طريق» لحل الأزمة في ليبيا. وتكوّنت تلك الخريطة من 3 مراحل، تبدأ بتعديل «اتفاق الصخيرات»، ثم عقد «مؤتمر وطني جامع» تحت رعاية أممية لفتح الباب أمام الذين استُبعدوا أو همّشوا أنفسهم، والأطراف التي تحجم عن الانضمام إلى العملية السياسية. وفي الرابع من أبريل 2019 شنّ المشير خليفة حفتر عملية عسكرية على العاصمة طرابلس، وأُفشلت مبادرة سلامة، التي لم تسلم من الاعتراض والانقسام حولها.
- نجح «ملتقى الحوار السياسي» الذي رعته البعثة الأممية في جنيف في انتخاب سلطة تنفيذية مؤقتة في فبراير 2022 مكونة من «المجلس الرئاسي» بقيادة محمد المنفّي، و«حكومة الوحدة» برئاسة عبد الحميد الدبيبة، مهمتها تجهيز البلاد لإجراء انتخابات عامة. وتعطلت العملية السياسية الرامية لحل الصراع منذ انهيار الاستحقاق الذي كان مقرراً إجراؤه قبل نهاية عام 2021، بسبب خلافات قواعدية وتنظيمية.
- يوم 7 مارس (آذار) 2022، اقترحت المستشارة الأممية حينها ستيفاني وليامز (أميركية)، تشكيل لجنة من 6 أعضاء من مجلس النواب ومثلهم من «المجلس الأعلى للدولة»، على أن تجتمع في أي مكان يتم التوافق عليه، للعمل لمدة أسبوعين على وضع «قاعدة دستورية» تفتح الطريق نحو إجراء الانتخابات. بعد اجتماعات عدة فشلت اللجنة، فدخلت البلاد، ولا تزال، حالة جمود سياسي.


مقالات ذات صلة

المنقوش تناقش في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة المعابر

شمال افريقيا المنقوش تناقش في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة المعابر

المنقوش تناقش في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة المعابر

بحثت نجلاء المنقوش مع نظيرها وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف، خلال زيارة لها أمس إلى الجزائر، فتح المعابر البرية والنقل البحري والجوي أمام حركة التجارة وتنقل الأشخاص، بعد سنين طويلة من الإغلاق، بسبب الأزمة السياسية والأمنية في ليبيا. وذكرت الخارجية الجزائرية في بيان أن الوزيرين بحثا قضايا جارية في الساحتين المغاربية والعربية، منها تطورات ملف الصحراء، والمساعي العربية والدولية لوقف الاقتتال وحقن الدماء في السودان. وأكد البيان أن عطاف تلقى من المنقوش «عرضا حول آخر مستجدات العملية السياسية التي تقودها الأمم المتحدة، لإنهاء الأزمة في ليبيا».

شمال افريقيا وفدان أميركي وفرنسي يبحثان في ليبيا تطوير الجيش

وفدان أميركي وفرنسي يبحثان في ليبيا تطوير الجيش

بحث وفدان عسكريان، أميركي وفرنسي، في ليبيا سبل إعادة بناء وتطوير المؤسسة العسكرية المُنقسمة، بين شرق البلاد وغربها، منذ إسقاط النظام السابق، في وقت زار فيه المشير خليفة حفتر، القائد العام لـ«الجيش الوطني» روما، والتقى برئيسة الوزراء بالحكومة الإيطالية جورجا ميلوني، وعدد من وزراء حكومتها. وفي لقاءين منفصلين في طرابلس (غرباً) وبنغازي (شرقاً)، التقى الوفدان الأميركي والفرنسي قيادات عسكرية للتأكيد على ضرورة توحيد الجيش الليبي.

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا المنقوش تبحث في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة الحركة على المعابر

المنقوش تبحث في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة الحركة على المعابر

بحثت وزيرة الخارجية الليبية نجلاء المنقوش مع نظيرها الجزائري أحمد عطاف، خلال زيارة لها اليوم الخميس إلى الجزائر، في فتح المعابر البرية والنقل البحري والجوي أمام حركة التجارة وتنقل الاشخاص، بعد سنوات طويلة من الإغلاق، بسبب الأزمة السياسية والامنية في ليبيا.

المنجي السعيداني (تونس)
شمال افريقيا «حبوب الهلوسة»... «سلاح قاتل» يستهدف عقول الليبيين

«حبوب الهلوسة»... «سلاح قاتل» يستهدف عقول الليبيين

لم يكن من قبيل الصدفة أن تقذف أمواج البحر المتوسط كميات متنوعة من المخدرات إلى السواحل الليبية، أو أن تتلقف شِباك الصيادين قرب الشاطئ «حزماً» من «الحشيش والكوكايين وحبوب الهلوسة»، فالبلاد تحوّلت -وفق تقرير أممي- إلى «معبر مهم» لهذه التجارة المجرّمة. وتعلن السلطات الأمنية في عموم ليبيا من وقت لآخر عن ضبط «كميات كبيرة» من المخدرات قبل دخولها البلاد عبر الموانئ البحري والبرية، أو القبض على مواطنين ووافدين وهو يروّجون هذه الأصناف التي يُنظر إليها على أنها تستهدف «عقول الشباب الليبي». غير أنه بات لافتاً من واقع عمليات الضبط التي تعلن عنها السلطات المحلية تزايُد تهريب المخدرات وتعاطيها، خصوصاً «حبوب

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا «النواب» و«الدولة» يقران آلية عمل لجنة قوانين الانتخابات الليبية

«النواب» و«الدولة» يقران آلية عمل لجنة قوانين الانتخابات الليبية

استهلّت اللجنة المُشتركة لممثلي مجلسي «النواب» و«الدولة» (6+6) المكلفة بإعداد قوانين الانتخابات الليبية، اجتماعاتها في العاصمة طرابلس بـ«الاتفاق على آلية عملها». وطبقاً لما أعلنه عبد الله بليحق، المتحدث الرسمي باسم مجلس النواب، فقد شهد الاجتماع ما وصفه بتقارب في وجهات النظر بين أعضاء اللجنة حول القوانين الانتخابية، مشيراً، في بيان مقتضب مساء أول من أمس، إلى أنه «تم أيضاً الاتفاق على التواصل مع الجهات والمؤسسات ذات العلاقة بالعملية الانتخابية».

خالد محمود (القاهرة)

غياب التوافق الليبي يثير تكهنات حول اللجوء لمجلس الأمن بشأن الانتخابات

تيتيه خلال اجتماع مع أعضاء في المجلس الأعلى للدولة الجمعة (البعثة الأممية)
تيتيه خلال اجتماع مع أعضاء في المجلس الأعلى للدولة الجمعة (البعثة الأممية)
TT

غياب التوافق الليبي يثير تكهنات حول اللجوء لمجلس الأمن بشأن الانتخابات

تيتيه خلال اجتماع مع أعضاء في المجلس الأعلى للدولة الجمعة (البعثة الأممية)
تيتيه خلال اجتماع مع أعضاء في المجلس الأعلى للدولة الجمعة (البعثة الأممية)

لم تلُح في الأفق حتى الآن ملامح على وجود توافق في المواقف بين مجلسي النواب و«الأعلى للدولة» بشأن تمرير اتفاق لممثلي طرفي الصراع في ليبيا، الذي يتضمن تعديلات تشريعية ودستورية تمهد لإجراء الانتخابات، ما يثير تساؤلات حول مصير الاتفاق مع اقتراب انتهاء المهلة الممنوحة للمجلسين، ومدى إمكانية اللجوء إلى مجلس الأمن لتجاوز التعثر.

مسعد بولس وخليفة حفتر خلال لقاء سابق في بنغازي (إعلام القيادة العامة)

ويأتي ذلك مع انقضاء أكثر من ثلثي المهلة المحددة للمجلسين، والبالغة شهراً واحداً، لاعتماد الاتفاق الموقع في 30 أغسطس (آب) الماضي، وسط استمرار التحفظات داخل «الأعلى للدولة»، في مقابل إعلان مجلس النواب موافقته عليه، الأمر الذي يضع البعثة الأممية أمام اختبار بشأن الخطوة التالية إذا انتهت المهلة، من دون توافق بين المجلسين.

وفتح هذا التعثر الباب أمام تكهنات بشأن تفعيل البند الخامس من الاتفاق، الذي ينص على أنه في حال عدم تمكن مجلسي النواب و«الأعلى للدولة» من الموافقة على الاتفاق، بصيغته الموقعة خلال شهر، يمكن اعتماده وطنياً عبر آلية واسعة التمثيل تكفي لإضفاء صفة الوثيقة الدستورية عليه، ودولياً من خلال مجلس الأمن.

وحسب خبراء فإن اللجوء إلى لجنة موسعة، على غرار الآلية التي أفضت إلى اتفاق جنيف قبل نحو خمسة أعوام، يظل أحد الخيارات المطروحة في حال استمرار الخلاف بين المجلسين. وفي هذا السياق يقول الباحث السياسي حسام الدين العبدلي إن هذا الخيار «وارد جداً» إذا استمر المجلس الأعلى للدولة في المماطلة، في ظل غياب توافق داخلي بشأن الاتفاق.

ويضيف العبدلي لـ«الشرق الأوسط» أن مجلس النواب أقر الاتفاق، رغم الخلافات التي أثيرت بشأن النصاب والإجراءات، وهو ما اعتبره مؤشراً يمكن للبعثة الأممية البناء عليه، خصوصاً مع وجود ترحيب دولي بالاتفاق، مشيراً إلى أن استمرار التعثر قد يدفع نحو البحث عن آلية بديلة لتجاوز الخلاف بين المجلسين.

ويرى العبدلي أن من بين الخيارات المطروحة تشكيل مجلس تأسيسي أو لجنة موسعة بموافقة مجلس الأمن، استناداً إلى مخرجات اللجنة الاستشارية، التي شكلتها الأمم المتحدة العام الماضي، وذلك بهدف توفير غطاء سياسي وقانوني لمسار الانتخابات، في حال تعذر الوصول إلى توافق بين المؤسسات القائمة.

من جلسة سابقة للمجلس الأعلى للدولة (المجلس)

وتقود البعثة الأممية برئاسة هانا تيتيه، اتصالات مكثفة مع الأطراف الليبية في محاولة لإقناع «الأعلى للدولة» بالتعامل مع الاتفاق، في وقت كان فيه رئيس المجلس محمد تكالة قد أرسل رسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، تضمنت تحفظات على الاتفاق وآلية إقراره.

وكان أحدث تحركات تيتيه، الجمعة، مع الإعلان عن عقد لقاء مع أعضاء في «الأعلى للدولة»، مع تأكيد التزامها مواصلة العمل مع الأطراف الليبية المعنية بالعملية السياسية، والأخذ في الاعتبار توصيات «الحوار المهيكل»، والمشاورات الأخرى التي أجرتها البعثة بهدف تهيئة الظروف الملائمة لإجراء انتخابات وطنية.

محمد تكالة (إ.ب.أ)

ويقول مصدر مطلع على اتصالات البعثة الأممية مع الأطراف السياسية في العاصمة طرابلس لـ«الشرق الأوسط» إن تيتيه تبذل جهوداً لتفادي اللجوء إلى مجلس الأمن، قبل استنفاد فرص التفاهم بين المجلسين، مشيراً إلى أن الانتقال إلى آلية دولية قد يفرض شروطاً أكثر تعقيداً بشأن تشكيل اللجنة الموسعة، التي يمكن أن تتولى اعتماد اتفاق «4+4».

في المقابل، يرى رئيس المجلس الوطني للعلاقات الأميركية - الليبية، هاني شنيب، أن استمرار عجز الليبيين عن التوصل إلى توافق، في ظل ما وصفه بـ«غياب أدنى حد من الثقة»، قد يفتح الباب أمام تدخل أوسع من مجلس الأمن، وفرض ترتيبات أو إجراءات جديدة على الأطراف الليبية.

وتساءل شنيب في منشور عبر صفحته على «فيسبوك»، عما إذا كان كبير مستشاري الرئيس الأميركي دونالد ترمب للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، والبعثة الأممية سيتجهان بالملف الليبي إلى مجلس الأمن خلال الشهر المقبل «لحزم الأمور»، في إشارة إلى احتمال انتقال الملف إلى مستوى دولي أكثر مباشرة.

وسبق أن أشار بولس، خلال مشاركته في «منتدى الإعلام العربي» في دبي، الأسبوع الماضي، إلى أن قراراً من مجلس الأمن بشأن ليبيا من المنتظر صدوره خلال أسابيع، من دون أن يوضح طبيعة القرار، أو ما إذا كان مرتبطاً مباشرة باتفاق «4+4»، أو بالمسار السياسي الأوسع الذي تقوده الأمم المتحدة.

جلسة سابقة لمجلس الأمن بشأن ليبيا في نيويورك (لقطة من تسجيل مصور)

وكان مجلس الأمن قد رحب في وقت سابق باتفاق «4+4»، واعتبره خطوة مهمة نحو إجراء انتخابات وطنية حرة ونزيهة وشفافة وجامعة، وتعزيز توحيد المؤسسات الليبية بما يلبي تطلعات الشعب الليبي، في وقت دعا فيه الأطراف إلى دعم المسار السياسي، وتجاوز الخلافات التي تعرقل الانتخابات.

ويضع الاتفاق هدف إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية خلال مدة لا تتجاوز 24 شهراً، إلى جانب تعديلات تتعلق بقواعد الترشح، من بينها السماح للعسكريين بالترشح، وإلزام مزدوجي الجنسية بالتخلي عن جنسيتهم الأخرى في حال الفوز.

لكن الاتفاق يواجه تحديات على مستوى التنفيذ، في ظل استمرار تحفظات «الأعلى للدولة» على المسار، الذي قادت إليه البعثة الأممية.


قلق ليبي من تأثيرات سلبية للمياه الجوفية على مشروعات الإعمار

مياه جوفية مرتفعة المنسوب في أحد شوارع مدينة زليتن غرب ليبيا (اللجنة الفنية العليا لمتابعة ظاهرة طفح المياه الجوفية)
مياه جوفية مرتفعة المنسوب في أحد شوارع مدينة زليتن غرب ليبيا (اللجنة الفنية العليا لمتابعة ظاهرة طفح المياه الجوفية)
TT

قلق ليبي من تأثيرات سلبية للمياه الجوفية على مشروعات الإعمار

مياه جوفية مرتفعة المنسوب في أحد شوارع مدينة زليتن غرب ليبيا (اللجنة الفنية العليا لمتابعة ظاهرة طفح المياه الجوفية)
مياه جوفية مرتفعة المنسوب في أحد شوارع مدينة زليتن غرب ليبيا (اللجنة الفنية العليا لمتابعة ظاهرة طفح المياه الجوفية)

يزداد القلق في ليبيا من تأثيرات ارتفاع منسوب المياه الجوفية على مشروعات الإعمار، وسط شكاوى من غرق منازل وشوارع، وتضرر أراضٍ زراعية، ما يطرح تحديات هندسية وبيئية أمام خطط تطوير البنية التحتية والمساكن والمرافق العامة.

وتعاني مدن عدة من هذه الظاهرة منذ سنوات، خصوصاً أجدابيا (شرق) وزليتن (غرب)، وإن اختلفت طبيعة المشكلة وأسبابها من منطقة إلى أخرى. وتشير دراسات ليبية إلى ارتباط ارتفاع المنسوب في بعض المناطق بزيادة الإمدادات والاستهلاك، وتسربات شبكات المياه والصرف الصحي.

* خطر جيولوجي

في أجدابيا، تبدو المشكلة أكثر ارتباطاً بتأثيراتها المحتملة على التربة والمنشآت والبنية التحتية، في وقت تشهد فيه المدينة تنفيذ مشروعات تنمية وإعمار، كما تواجه مدن أخرى، بينها سلوق وسوكنة وبئر الغنم تحديات مرتبطة بظاهرة طفح المياه الجوفية.

هبوط أرضي في أحد شوارع أجدابيا شرق ليبيا (الصفحة الرسمية لبلدية المدينة)

ويحذر الدكتور صالح مهني، رئيس اللجنة الفنية لمتابعة ارتفاع منسوب المياه الجوفية في أجدابيا، من أن المشكلة تبدو أكثر خطورة في المدينة، واصفاً إياها بأنها «خطر جيولوجي يهدد التربة والمنشآت والبنية التحتية».

وأشار مهني في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى «زيادة المخاطر على المنشآت القائمة والمشروعات المستقبلية في المدينة، خصوصاً مشروعات الإعمار»، مشيراً إلى تأثيراتها السلبية المتوقعة من «ظهور تشققات، وهبوط في بعض المباني والطرق، وأضرار في شبكات المياه والصرف الصحي، إلى جانب انخفاض مناسيب بعض الطرق والساحات، وظهور فجوات أو هبوطات موضعية».

وتدعم دراسات هندسية سابقة هذا القلق؛ حيث خلصت دراسة لمهني والباحث حسن علي دواس إلى أن ارتفاع المياه الجوفية في بعض أحياء أجدابيا ومدن أخرى أدى إلى ظهور المياه في أقبية بعض المنازل، مع تأثيرات على الأساسات والهياكل الخرسانية.

وأوصت جهات ليبية بإجراء دراسات هيدروجيولوجية وجيوتقنية شاملة، وإعداد خرائط حديثة لاستخدامها في التخطيط العمراني.

وتكتسب هذه المخاطر أهمية إضافية مع تنفيذ مشروعات تنمية وإعمار في أجدابيا، تشرف عليها جهات حكومية وصندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا، الذي يقوده بلقاسم حفتر، وتشمل تطوير الجسور والتقاطعات، وصيانة الإسكان العام، وتأهيل مرافق صحية، إلى جانب رصف الطرق وإنارتها.

ووفق دراسة أكاديمية لمهني منشورة في 2024، فإن ارتفاع استهلاك المياه في المناطق السكنية ذات الكثافة المرتفعة يمكن أن يزيد كميات التسرب إلى التربة، بينما تسهم شبكات المياه والصرف الصحي المتهالكة، وضعف الصيانة والتوصيلات غير النظامية في تغذية المشكلة بمزيد من المياه.

وترتبط هذه العوامل أيضاً بتراجع البنية الأساسية في ليبيا خلال العقود الأخيرة من عهد الرئيس السابق معمر القذافي، وسط ضعف الصيانة وتآكل شبكات المياه والصرف والطرق. وقد تفاقمت الأوضاع أكثر بعد أحداث فبراير (شباط) 2011، مع الانقسام السياسي والصراعات المسلحة؛ ما أضعف قدرة المؤسسات على تنفيذ مشروعات الصيانة والتطوير.

* شكاوى من غرق الشوارع

يأتي ارتفاع منسوب المياه الجوفية كأحدث فصول الأزمات المعيشية التي تواجه مدناً ليبية، مع استمرار شكاوى السكان من غرق الشوارع والمنازل وتضرر الأراضي الزراعية، في ظل صعوبة معالجة الظاهرة من دون تحديد أسبابها، ومصادر تغذية الخزانات الجوفية.

شارع في أجدابيا شهد ارتفاعاً في منسوب المياه بشرق ليبيا (صفحة صالح مهني)

وفي زليتن (غرب)، ظهرت المياه فوق سطح الأرض منذ نهاية 2023، بعد ارتفاع تدريجي في منسوب الخزان الجوفي خلال السنوات السابقة. وأدت الظاهرة إلى حدوث أضرار في الممتلكات، وتهجير سكان من بعض المناطق المتضررة، بينما تحولت أجزاء من المدينة إلى بؤر تتطلب أعمال نزح ومعالجة مستمرة.

وعملت السلطات في غرب ليبيا خلال المدة الماضية على حفر آبار ومراقبة منسوب المياه، وتنفيذ خط لنزح المياه، بالتوازي مع دراسات جيوتقنية وهيدروجيولوجية لتحديد أسباب الظاهرة ومناطق انتشارها، كما شملت الأعمال إعداد قاعدة بيانات للآبار، وإجراء قياسات للمناسيب وأخذ عينات من المياه، إلى جانب متابعة خط النزح.

ومع اقتراب موسم الأمطار، تتجه لجنة فنية لمتابعة ظاهرة طفح المياه الجوفية، بالتنسيق مع وزارة الحكم المحلي في طرابلس، إلى تنفيذ حل جزئي يخفف معاناة السكان، عبر مشروع لحفر وربط آبار سطحية في المناطق المتضررة.

لكن استمرار الظاهرة يطرح سؤالاً أوسع حول مستقبل مشروعات الإعمار الجاري تنفيذها، وكذلك أي مخططات مستقبلية في المدن التي تعاني ارتفاع منسوب المياه الجوفية، خصوصاً إذا لم تسبق أعمال البناء دراسات تحدد طبيعة التربة، وحركة المياه ومصادر تغذيتها.

ويرى رئيس اللجنة الفنية لمتابعة ارتفاع منسوب المياه الجوفية في أجدابيا أن معالجة الظاهرة «ليست عقدة بلا حل»، لكنه يشير إلى أن «إقامة مشروعات للطرق والبنية التحتية، والمساكن في المناطق المتأثرة، تستلزم إجراءات هندسية احترازية مسبقة، تشمل عزل الأساسات، ونزح المياه، واتخاذ تدابير لحماية المباني والمنشآت من تأثيراتها».

وخلص المسؤول إلى أن التعامل مع «المشكلة على المدى الطويل يحتاج إلى دمج المعلومات الجيولوجية والهيدروجيولوجية والطبوغرافية في التخطيط العمراني»، مشيراً إلى أنه قدم مؤخراً مشروعاً للمدن الذكية خلال مؤتمر نظمته المبادرة العالمية التنافسية للتخطيط الحضري في بنغازي، هذا الشهر، يقوم على إنشاء نموذج رقمي، يساعد على إدماج هذه البيانات عند التخطيط للمشروعات.


تشديد مصري متكرر على وحدة السودان وسط تعقيدات الحرب

وزير الخارجية المصري خلال لقاء مسعد بولس في القاهرة يونيو الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري خلال لقاء مسعد بولس في القاهرة يونيو الماضي (الخارجية المصرية)
TT

تشديد مصري متكرر على وحدة السودان وسط تعقيدات الحرب

وزير الخارجية المصري خلال لقاء مسعد بولس في القاهرة يونيو الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري خلال لقاء مسعد بولس في القاهرة يونيو الماضي (الخارجية المصرية)

تشديد مصري جديد على أهمية وحدة السودان في محادثات جديدة مع واشنطن، تأتي وسط تعقيدات الحرب التي يواجه فيها الجيش الوطني ميليشيات «الدعم السريع» منذ نحو 3 سنوات.

ويرى خبراء تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط»، أن الموقف المصري يأتي في إطار «الحفاظ على استقرار السودان الواقع على حدود مصر الجنوبية، ورفض أي مساواة بين الميليشيات والجيش الوطني، وتأكيد صون المؤسسات الوطنية ليكون الحل شاملاً في النهاية وقابلاً للتحقق».

وأفادت وزارة الخارجية المصرية في بيان، السبت، بأن الوزير بدر عبد العاطي ناقش مع كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، التحركات والاتصالات الجارية بهدف وقف التصعيد في السودان.

وأكد عبد العاطي، «أهمية البناء على الجهود الحالية الرامية إلى إنهاء النزاع، وضمان تهيئة الأجواء لإيجاد حلول سياسية، وإعلاء قيم الحوار والتفاوض»، مجدداً «تمسك مصر بالحفاظ على وحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه، وصون مؤسساته الوطنية».

وفي 10 سبتمبر (أيلول) الحالي، أوضح عبد العاطي، في مؤتمر صحافي، أن «وحدة السودان، الذي يشهد مواجهات مع ميليشيات الدعم السريع، خط أحمر لمصر»، مشيراً حينها، إلى أنه تواصل مع مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب للشؤون العربية والأفريقية، ودول الجوار مرات عدة لوقف التصعيد.

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير محمد حجازي، أن اتصال بدر عبد العاطي ومسعد بولس جاء في لحظة تزداد فيها الاتصالات الدولية والإقليمية حول وقف الحرب، «ومن المهم أن تؤكد القاهرة مجدداً أن أي تسوية لا ينبغي أن تقود إلى تقسيم السودان أو إلى نشوء كيانات ومؤسسات متوازية».

وشدَّد على «أن التحرك المصري لدفع الأطراف السودانية نحو الحوار والتفاوض يكتسب أهمية متزايدة، إلا أن الأولوية التي ينبغي أن تحكم أي مسار سياسي، هي الحفاظ على وحدة السودان أرضاً وشعباً ودولةً ومؤسسات، بوصفه خطاً أحمر لا ينبغي أن تسمح التسوية السياسية أو الترتيبات العسكرية بتجاوزه».

بدوره، أكد نائب رئيس «المجلس المصري للشؤون الأفريقية»، مساعد وزير الخارجية الأسبق السفير صلاح حليمة «أن الموقف المصري تجاه الأزمة السودانية ثابت ولا يتغير، حيث يتأسس على ضرورة الحفاظ الكامل على وحدة السودان وسلامته الإقليمية، ودعم مؤسساته الوطنية ومقدرات شعبه الشقيق».

اجتماع سابق بنيويورك حول التطورات في السودان بمشاركة سعودية - مصرية خلال فبراير الماضي (الخارجية المصرية)

وعلى مدار الأشهر الأخيرة، واصلت مصر تشديدها على وحدة السودان، بحسب بيانات لـ«الخارجية»، وأواخر أغسطس (آب) تناول اتصال عبد العاطي وبولس «الجهود الإقليمية والدولية المبذولة لدعم الأمن والاستقرار في السودان، وتأكيد أهمية مواصلة الجهود لدعم سيادته، والتوصل إلى حل سياسي يضمن إنهاء معاناة المدنيين ويصون للسودان وحدته وسلامة أراضيه».

وفي يوليو( تموز) الماضي، استعرض عبد العاطي مع مسعد بولس، بالقاهرة، الجهود المصرية الرامية إلى دعم الأمن والاستقرار في السودان، والحفاظ على وحدته وسيادته ومؤسساته الوطنية. وفي يونيو (حزيران) الماضي، أكد وزير الخارجية المصري خلال اتصال هاتفي مع بولس موقف مصر الداعم للسودان، مشدداً على ضرورة الحفاظ على وحدة واستقرار السودان ومؤسساته الوطنية وسيادته وسلامة أراضيه.

ويقود بولس جهود واشنطن للوساطة في الملف السوداني، إلى جانب ملفات إقليمية أخرى. وأكد عقب انعقاد «مؤتمر برلين»، الخاص بحشد الدعم الإنساني في السودان، منتصف أبريل (نيسان) الماضي أنه «لا يوجد حل عسكري للحرب السودانية».

وتعمل مصر ضمن «الآلية الرباعية» التي تضم السعودية والإمارات والولايات المتحدة، من أجل وقف إطلاق النار في السودان.

وتحركات مصر تأتي وفق حجازي «في ظل نقطة أكثر حساسية تتعلق بتصريحات سابقة لمسعد بولس، والتي ساوى فيها الجيش الوطني وميليشيا الدعم السريع»، مؤكداً «أن هناك فارقاً ينبغي لواشنطن التوقف عنده، ومصر توضح ذلك مراراً».

وشدَّد على أن مصر «تستطيع أن تؤيد انتقالاً سياسياً مدنياً، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن يكون الانتقال على حساب مؤسسات الدولة، أو أن تتم معاملتها بوصفها مجرد طرف مساوٍ لقوة مسلحة موازية لها، ولذلك فإن العبارة المصرية عن صون المؤسسات الوطنية في اتصال عبد العاطي ببولس، تبدو ذات دلالة سياسية مهمة، لأنها تربط الحل السياسي بالحفاظ على بنية الدولة ووحدتها والجيش الوطني، وليس فقط باختزال المشهد بإبعاد الأشخاص المتصارعين».

وفي هذا الصدد، أقرَّ حليمة بأن «هناك نقطة خلافية جوهرية بين القاهرة وواشنطن تتمثل في التوجه نحو المساواة بين القوات المسلحة السودانية وميليشيات الدعم السريع، خصوصاً في مقترح حظر السلاح الشامل»، واصفاً هذا التوجه بـ«الخطأ الاستراتيجي الذي يتجاهل قواعد القانون الدولي والأعراف المستقرة».

وشدَّد على «أن الجيش السوداني يمثل المؤسسة الشرعية المعترف بها إقليمياً ودولياً، بينما تُعدُّ الميليشيا طرفاً متمرداً ارتكب جرائم حرب وانتهاكات واسعة ضد الإنسانية والبنية التحتية».

وأشار إلى أن القاهرة «ترفض بوضوح أي محاولات للتدخل في الشأن الداخلي السوداني عبر تشكيل حكومات أو كيانات موازية قد تؤدي إلى تفتيت الدولة».

وتقف مصر في ملف السودان، بحسب حليمة، «مع إطلاق حوار سياسي شامل يجمع القوى والأحزاب الوطنية السودانية للتوافق على تشكيل حكومة انتقالية من الكفاءات المستقلة لإدارة الفترة الانتقالية، والتمهيد لإجراء انتخابات صياغة دستور دائم، والوصول إلى اتفاق لوقف إطلاق النار».