ألمانيا اعتمدت سياسة إضعاف جيشها بعد أن أصبح «وصمة»

خبراء: ما زالت بعيدة جداً عن سيناريو تريد فيه أن تعود القوة المهيمنة في أوروبا

وزير الدفاع الألماني في زيارة لأحد مراكز تدريب القوات في شمال ألمانيا (أ.ف.ب)
وزير الدفاع الألماني في زيارة لأحد مراكز تدريب القوات في شمال ألمانيا (أ.ف.ب)
TT

ألمانيا اعتمدت سياسة إضعاف جيشها بعد أن أصبح «وصمة»

وزير الدفاع الألماني في زيارة لأحد مراكز تدريب القوات في شمال ألمانيا (أ.ف.ب)
وزير الدفاع الألماني في زيارة لأحد مراكز تدريب القوات في شمال ألمانيا (أ.ف.ب)

يحاول المستشار الألماني أولاف شولتز، طمأنة شعبه مراراً منذ بداية الحرب في أوكرانيا بأن لا حاجة للخوف من روسيا، أمام التحذيرات والتهديدات الروسية. وقد كرر شولتز ذلك في مقابلة أدلى بها لصحيفة «بيلد» الشعبية قبل يوم من الذكرى الأولى للحرب الأوكرانية، عندما قال: «لا يجب على أحد أن يخاف، نحن محميون بجيش ألماني قوي وحلفاء أقوياء».
من دون شك، فإن ألمانيا محمية بحلفاء أقوياء، تحديداً الولايات المتحدة التي تتمتع بقواعد عسكرية مهمة في ألمانيا وتنشر حتى رؤوساً نووية سرية في أراضيها. كان هذا الاتفاق جزءاً من اتفاق توصل إليه الحلفاء مع ألمانيا النازية بعد هزيمتها ومنعوها من حيازة أسلحة متطورة.
وفي السنوات التي تلت، خصوصاً منذ الستينات، اعتمدت ألمانيا سياسة عن قصد لإضعاف جيشها بعد أن أصبح الانتماء له «وصمة» يتجنبها الشباب. فالجيش الألماني أو «البوندسفير»، كما يسمى بالألمانية، لم يكن فقط سيئ التسليح، لكنه أيضاً لم يعد قادراً على جذب مجندين، رغم محاولته ذلك جاهداً على مدار السنوات الماضية عبر حملة إعلانات في أنحاء البلاد ركزت بشكل أساسي على مشاركة الجيش بأعمال إنسانية ومهمات حفظ السلام القليلة التي شارك فيها في دول العالم مثل مالي وكوسوفو ولبنان. والآن، منذ بدء الحرب في أوكرانيا تزايدت أعداد الجنود الذين يريدون ترك الجيش، رغم أن معظمهم من جنود الاحتياط.
وفي نهاية العام الماضي، تسرب تقرير من مصادر دفاعية توحي بأن لدى الجيش الألماني ذخيرة تكفيه ليومي قتال فقط. ما يعني أن ألمانيا ستسقط خلال يومين في حال تعرضت لأي هجوم. هذا بالطبع إذا لم تتلق مساعدة دفاعية من حلفائها. وهذا التقدير حول الذخائر هو أقل بكثير مما يوصي به حلف شمالي الأطلسي للدول الأعضاء، بأن يكون لديها ذخيرة تكفي لـ30 يوماً على الأقل. كما أن الاتفاق الدفاعي بشكل عام في ألمانيا يبلغ 1.2 في المائة من الإنتاج الإجمالي، وهو أيضاً أقل بكثير مما يوصي به الناتو الذي يدعو لإنفاق 2 في المائة من الإنتاج الإجمالي على الدفاع.
وأكثر من ذلك، فإن العتاد العسكري الذي يملكه الجيش هرم ولا يخضع لصيانة دورية. ودائماً تتسرب أخبار عن تعطل آليات أساسية يستخدمها الجيش. وفي الأشهر الماضية، نقلت مجلة «دير شبيغل» أن قائد فرقة الدبابات العاشرة أبلغ المسؤولين عنه، بأنه خلال تدريب للفرقة على 18 مدرعة مشاة من نوع «بوما»، تعطلت المدرعات جميعها. كان تطوراً مقلقاً كون المدرعات عنصراً أساسياً في مهمة الانتشار السريع التابعة للناتو. ونقلت المجلة عن الجنرال ألفونس مايس قوله إن «الخزائن فارغة تقريباً»، في إشارة إلى نقص العتاد والذخائر، الذي بات أسوأ منذ الحرب في أوكرانيا. وأكد على ذلك رئيس جمعية الجيش أندري فوستنير، بالقول إننا «مستمرون بالسقوط الحر».
كل هذا للقول إن الجيش الألماني، خلافاً لما أعلن شولتز قبل يومين، هو ليس جيشاً قوياً، وهو بكل تأكيد غير قادر على الدفاع عن البلاد. ويعي المستشار الألماني ذلك جيداً. فهو الذي كان أعلن في خطابه الشهير بعد أيام من الحرب في أوكرانيا «نقطة التحول» أنه سيشكل صندوقاً خاصاً للجيش بقيمة 100 مليار يورو، إضافة إلى الإنفاق السنوي الذي بلغ عام 2021، قرابة 56 مليار يورو، بهدف تأهليه وجعله قادراً على الدفاع عن البلاد.
كان هذا الخطاب قبل عام تقريباً. ومنذ ذلك الحين لم يتغير الكثير داخل الجيش الألماني. وهناك من يقول إنه أصبح أضعف بعد أن أرسل الكثير من مخزونه من الدبابات والذخائر إلى أوكرانيا، والآن هو بحاجة لسنوات لاستبدال هذه الذخائر. وحتى الصندوق الخاص الذي أعلن عنه شولتز غير واضح أين أصبح.
ويقول الخبير العسكري جايمي شيا، الذي خدم في الناتو لسنوات طويلة، إن الحلفاء يدفعون بألمانيا لتعزيز جيشها منذ سنوات من دون تقدم. وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أنه «رغم إعلان المستشار الألماني في خطابه الشهير عن زيادة تمويل الجيش الألماني، لكن لم نر أن شيئاً تغير حقيقة منذ ذلك الحين». وأشار إلى أن «ألمانيا ما زالت لم تقترب حتى من إنفاق 2 في المائة على دفاعها، بسبب أساسي التضخم، ولكن هذا يعني أن ألمانيا تراجعت حتى إلى الوراء». ويشير شيا إلى أن الـ100 مليار التي تحدث عنها شولتز لم يتم إنفاق أي شيء منها بعد، وأن وزير الدفاع الجديد بوريس بيستوريوس، أكد أنه بحاجة إلى 10 مليارات يورو إضافية لشراء ذخائر «لأن هذا غير مسموح ضمن الـ100 مليار يورو الأولى». ويستنتج شيا بأننا «نرى أن الجيش الألماني ما زال بحاجة كبيرة لكي يتطور، ولم يحصل الكثير من الخطاب الشهير عن نقطة التحول».
وتشكك الخبيرة العسكرية في معهد «كارنغي جودي ديمبسي» في أن الكثير قد يتغير قريباً حتى مع زيادة الإنفاق العسكري، وتقول إن ألمانيا «تنفق أصلاً الكثير على جيشها ومع ذلك هو في حالة سيئة جداً، ووزارة الدفاع غارقة بشدة في البيروقراطية». وتضيف أن الكثير يعتمد على كيفية إنفاق هذه المخصصات.
والواقع أن الحلفاء لم يعودوا قلقين من «جيش ألماني قوي» مرة جديدة، رغم أن ألمانيا نفسها ما زالت قلقة من أن ينظر إليها على أنها تقود عسكرياً مرة جديدة. ما قد يفسر استمرار ترددها بالإنفاق عسكرياً، وبإرسال أسلحة إلى أوكرانيا، وهو أيضاً خطوة كبيرة لألمانيا التي امتنعت عن التدخل في صراعات إرسال أسلحة لمناطق نزاعات منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وقد ظهر هذا التردد واضحاً خلال أزمة دبابات «ليوبارد»، التي تمهلت ألمانيا طويلاً قبل اتخاذ قرار بإرسالها، ولم توافق إلا بعد حصولها على ضمانات من الولايات المتحدة بأنها سترسل دباباتها هي أيضاً.
ويقول المحلل أليكسي يوسوبوف، رئيس القسم الروسي في معهد «فريدريش إيبرت»، المقرب من الحزب الاشتراكي الديمقراطي الحاكم في ألمانيا، إن «الثقافة السياسية في برلين أن تتحرك ألمانيا دائماً مع حلفائها، فهي ليست معتادة على تطوير مبادرات عسكرية، لهذا من المهم بالنسبة إليها أن تتحرك سوياً مع واشنطن». ويرى يوسوبوف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن أي نقاش في المستقبل حول أسلحة جديدة لأوكرانيا سيمر بالمراحل نفسها كالتي مرت بها دبابات «ليوبارد». ويضيف: «ألمانيا لن تكون الدولة التي يمكنها اتخاذ قرارات عسكرية حاسمة». وحتى عن تسليح الجيش الألماني، يؤكد يوسوبوف أن ألمانيا ستطور جيشها دائماً بالتعاون مع الدول الحليفة.
وتؤكد على ذلك أيضاً الخبيرة في معهد «كارنيغي دمبسي»، وتقول: «الحكومات الألمانية المتعاقبة تتصرف انطلاقاً من إرث الحرب العالمية الثانية، وأيضاً هناك تقليد باتباع سياسات سلمية في ألمانيا ضمن الطبقة السياسية، خصوصاً منذ الستينات، ويمكنني فهم ذلك التردد في قيادة أي شيء عسكري». وتضيف: «تطوير ألمانيا لقواتها المسلحة لن يحصل بشكل معزول، وألمانيا حريصة جداً على ألا تظهر على أنها القوة العسكرية الكبيرة في وسط أوروبا». وتشير دمبسي إلى أن «ألمانيا دائماً تتعاون عسكرياً مع هولندا وبولندا وفرنسا»، وأن الجيش الألماني «ليس جيشاً أحادياً»، ولو كان هناك المزيد من الإنفاق العسكري، فإن «هذا سيكون من ضمن تعاون من الدول الأوروبية الأخرى». وتستنج بالقول إنه «لا يجب القلق من تطوير ألمانيا لقواتها العسكرية».
وبالفعل، مقارنة بسيطة تظهر الفرق الشاسع بين حالة القوات الألمانية المسلحة اليوم، وحالتها أيام الحرب العالمية الثانية. فهي اليوم لديها قرابة الـ180 ألف عسكري إضافة إلى 80 ألف مدني، بينما كان عدد قواتها في الثلاثينات وبداية الأربعينات أكثر من 13 مليون عسكري.
ويؤكد العسكري السابق جايمي تشاي، أن حلفاء ألمانيا «لم يعودوا قلقين من أن تصبح قوية منذ سنوات طويلة، بل على العكس هم كانوا قلقين لأنها ضعيفة جداً، وأرادوا المزيد من العسكرة الألمانية». ويضيف: «ما زلنا بعيدين جداً جداً جداً عن سيناريو تريد فيه ألمانيا أن تعود القوة المهيمنة في أوروبا». ورغم بطء تقدم الجيش الألماني، فإن تشاي يرى علامات إيجابية تشير إلى أن ألمانيا بدأت تتحمل «هذه المسؤوليات السياسية الإضافية». ويشير مثلاً إلى تعهدها بأن تكون لديها كتيبة مسلحة جاهزة للقتال داخل الناتو العام المقبل، ولكنه يضيف بأنها «بحاجة لبذل المزيد من الجهود». ويرى أن عقوداً «من إهمال الجيش لن يتم تصحيحه خلال أيام». وحتى يتم تصحيحه، فإن ألمانيا ستبقى معتمدة بشكل أساسي على حليفتها الولايات المتحدة لحمايتها.


مقالات ذات صلة

بريطانيا تختبر أسلحة بعيدة المدى لإرسالها إلى أوكرانيا

أوروبا أرشيفية لجندي بريطاني يمر أمام صاروخ «ستورم شادو» في معرض فارنبورو للطيران بلندن (أ.ف.ب)

بريطانيا تختبر أسلحة بعيدة المدى لإرسالها إلى أوكرانيا

اختبرت بريطانيا أسلحة هجومية جديدة بعيدة المدى تأمل الحكومة أن يتم تسليمها إلى أوكرانيا في غضون شهور في إطار الجهود المبذولة لإنتاج ذخائر أسرع وأرخص من غيرها.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا جندي أوكراني يحمل مسيّرة (رويترز) p-circle

ماكرون يطالب بدور أوروبي تفاوضي... ولافروف لا يرى في بروكسل شريكاً مناسباً

ماكرون يطالب بدور أوروبي تفاوضي ولافروف لا يرى في بروكسل شريكاً مناسباً و«الاتحاد» يمدد عقوبات روسيا لمدة 12 شهراً بالإجماع منذ خسارة المجَري أوربان

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أثناء قمة الاتحاد الأوروبي في بروكسل أمس الخميس (د.ب.أ)

زيلينسكي: أوكرانيا ستحتاج إلى وقود و300 صاروخ إذا استمرت الحرب للشتاء

قال الرئيس الأوكراني ​فولوديمير زيلينسكي عبر منصة «تيليغرام»، إن أوكرانيا تتطلع إلى ‌إنهاء الحرب ‌مع روسيا ​قبل ‌حلول ⁠فصل ​الشتاء من ⁠خلال…

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
أوروبا قادة الاتحاد الأوروبي خلال اجتماع اليوم الخميس في قمة الاتحاد الأوروبي في بروكسل (ا.ب)

قادة الاتحاد الأوروبي يتفقون على تمديد عقوبات ضد روسيا لمدة 12 شهراً

اتفق ​قادة الاتحاد الأوروبي، اليوم (الخميس)، على تمديد عقوبات مفروضة ‌على ‌روسيا ​بسبب ‌حربها ⁠ضد أوكرانيا ​لمدة 12 ⁠شهراً.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
أوروبا بناية تعرضت للهجوم الأوكراني بالمسيرات (رويترز) p-circle

أوكرانيا تستهدف مصفاة نفط كبرى في أكبر هجوم على موسكو منذ أعوام

أوكرانيا تستهدف مصفاة نفط كبرى في أكبر هجوم على موسكو منذ أعوام، وزيلينسكي يهدد بحرق العاصمة الروسية إذا استمرت الهجمات.

«الشرق الأوسط» (لندن)

كأن الخطر النووي لا يكفي... العالم على أعتاب «حرب الخوارزميات»

هل يكون الفضاء الخارجي مسرحاً لحرب (متداولة على الإنترنت)
هل يكون الفضاء الخارجي مسرحاً لحرب (متداولة على الإنترنت)
TT

كأن الخطر النووي لا يكفي... العالم على أعتاب «حرب الخوارزميات»

هل يكون الفضاء الخارجي مسرحاً لحرب (متداولة على الإنترنت)
هل يكون الفضاء الخارجي مسرحاً لحرب (متداولة على الإنترنت)

عندما انهار الاتحاد السوفياتي عام 1991 ساد اقتناع بأن العالم يدخل مرحلة جديدة من الاستقرار، وأن حقبة المواجهة -سواء «الباردة» أو العسكرية- بين القوى الكبرى انتهت. وتحدث السياسيون والباحثون آنذاك عن «عائد السلام» الذي سيتيح للدول توجيه الموارد المالية نحو التنمية الاقتصادية، والاجتماعية، ومكافحة الفقر، والجهل، والأمراض، بدلاً من الإنفاق العسكري. غير أن هذه الآمال لم تعمّر طويلاً، إذ سرعان ما ظهرت تحديات جيوسياسية جديدة، وصراعات إقليمية متزايدة، ليعود التنافس العسكري إلى الواجهة على نحو أشد تعقيداً مما كان عليه خلال الحرب الباردة.

اليوم لا يشهد العالم مجرد عودة إلى منطق الردع النووي، بل يواجه سباق تسلح يمتد إلى مجالات متعددة تشمل -إضافة إلى الأسلحة النووية- الصواريخ فرط الصوتية، والذكاء الاصطناعي العسكري، والحروب السيبرانية، والفضاء الخارجي. ويصف بعض الباحثين هذا التحول بأنه بداية «حرب الخوارزميات» التي تصبح فيها البرمجيات وأنظمة الذكاء الاصطناعي جزءاً أساسياً من موازين القوة الدولية.

الذكاء الاصطناعي يطوّر القدرات العسكرية (رويترز)

وتؤكد الأرقام حجم هذا التحول، فقد بلغ الإنفاق العسكري العالمي نحو 2.887 تريليون دولار عام 2025، بزيادة 2.9 في المائة عن العام 2024، وفق بيانات معهد استوكهولم الدولي لأبحاث السلام (سيبري). واستحوذت الولايات المتحدة والصين وروسيا وحدها على أكثر من نصف الإنفاق العسكري العالمي، الأمر الذي يعكس استمرار تركّز القوة العسكرية في أيدي القوى الكبرى.

*سباقات تسلّح

ورغم تراجع الإنفاق العسكري الأميركي إلى 954 مليار دولار عام 2025 نتيجة توقف إدارة الرئيس دونالد ترمب عن ضخ المساعدات العسكرية الجديدة لأوكرانيا، فإن هذا الانخفاض يبدو مؤقتاً. فقد واصلت واشنطن استثماراتها الضخمة في تحديث قواتها التقليدية، والنووية، بهدف الحفاظ على تفوقها العسكري، ومواجهة النفوذ الصيني المتصاعد في منطقة المحيطين الهندي، والهادئ. وتشير التوقعات إلى ارتفاع الإنفاق الدفاعي الأميركي مجدداً خلال السنوات المقبلة ليتجاوز 1.5 تريليون دولار سنوياً.

في المقابل، شهدت أوروبا أكبر زيادة في إنفاقها العسكري منذ انتهاء الحرب الباردة، مدفوعة بالحرب المستمرة في أوكرانيا، ومخاوف الدول الأوروبية من التهديدات الأمنية الروسية. وارتفع الإنفاق العسكري الأوروبي بنسبة 14 في المائة ليصل إلى 864 مليار دولار في 2026، فيما رفعت روسيا إنفاقها إلى 203 مليارات دولار في 2026 وفق «سيبري»، بينما خصصت أوكرانيا نحو 40 في المائة من ناتجها المحلي الإجمالي للإنفاق العسكري، أي نحو 85 مليار دولار، في مؤشر واضح لحجم الاستنزاف الذي تفرضه الحرب.

مركز عسكري أميركي للرقابة السيبرانية في كولورادو (رويترز)

أما الصين، فقد واصلت برنامجها العسكري الطموح للعام الحادي والثلاثين على التوالي، لترفع إنفاقها الدفاعي إلى 336 مليار دولار. ويعكس هذا المسار استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى تعزيز القدرات العسكرية الصينية، وتحديثها، بما يمكن بكين من فرض حضورها كقوة عالمية منافسة للولايات المتحدة.

ومن أبرز مظاهر سباق التسلح الجديد «التهافت» على تطوير الصواريخ فرط الصوتية. وتمثل هذه الأسلحة نقلة نوعية في موازين القوى العسكرية، إذ تستطيع التحليق بسرعات تفوق خمسة أضعاف سرعة الصوت، مع القدرة على المناورة أثناء الطيران، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة مقارنة بالصواريخ التقليدية. وتتصدر روسيا والصين والولايات المتحدة هذا السباق. فروسيا نشرت أنظمة مثل «أفانغارد»، و«كينجال» (الخنجر)، بينما طورت الصين منظومات مثل «دي إف-17» المصممة لاستهداف القطع البحرية والقواعد العسكرية بسرعة ودقة كبيرتين. أما الولايات المتحدة فتسعى إلى سد الفجوة التقنية مع غريميها من خلال برامج متقدمة لتطوير أسلحة فرط صوتية، وقدرات دفاعية جديدة قادرة على اكتشاف هذه التهديدات، والتعامل معها.

*الخوارزميات والذكاء الاصطناعي

لكن التحدي الأكبر قد لا يكون في سرعة الصواريخ، بل في سرعة الخوارزميات. فقد صار الذكاء الاصطناعي جزءاً أساسياً من التطور العسكري، مع دخول أنظمة قتالية قادرة على تحديد الأهداف، ومهاجمتها بدرجات متفاوتة من الاستقلال عن القرار البشري. وتشمل هذه الأنظمة أسراب الطائرات المسيّرة، والذخائر الجوالة (أسلحة تجول في الجو إلى أن تعثر على هدفها، وتنقضّ عليه)، وأنظمة المراقبة والقتال الذاتية. ويثير هذا التطور أسئلة أخلاقية وقانونية عميقة تتعلق بالمسؤولية عن القرارات القاتلة، واحتمالات وقوع أخطاء تؤدي إلى خسائر بشرية كبيرة تبلغ أحياناً حد الفاجعة.

جندي أوكراني يحمل مسيّرة (رويترز)

ويحذر خبراء من أن انتشار الأسلحة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي قد يجعل اللجوء إلى الحرب أكثر سهولة من الناحية السياسية. فكلما تراجع الاعتماد على الجنود في ساحات القتال، انخفضت الكلفة البشرية المباشرة للحروب، وبالتالي الضغط الشعبي على المنظومات الحاكمة، وهذا ما قد يضعف أحد أهم عوامل الردع التقليدية. كما أن تحويل أبحاث الذكاء الاصطناعي المدنية إلى مشاريع عسكرية قد يؤدي إلى تقييد التعاون العلمي الدولي، وفرض قيود على الباحثين، والمؤسسات الأكاديمية، على غرار ما حدث في مجالات الفيزياء النووية والصواريخ خلال الحرب الباردة.

*الميدان السيبراني

إلى جانب ذلك، أصبحت الحروب السيبرانية ساحة مواجهة رئيسة بين الدول. فبدلاً من استخدام الدبابات والطائرات فقط، باتت الدول تعتمد على البرمجيات الخبيثة، والهجمات الإلكترونية لتعطيل البنى التحتية الحيوية، وشبكات الاتصالات، وأنظمة الطاقة. وأظهر هجوم «ستاكسنت» Stuxnet (استهدفت البرمجية أجهزة الطرد المركزي المستخدمة في تخصيب اليورانيوم داخل منشأة نطنز النووية الإيرانية) في العام 2009 أن الشيفرات البرمجية يمكن أن تتسبب في أضرار مادية مباشرة في المنشآت الصناعية. كما أصبحت سرقة البيانات والمعلومات الاستراتيجية من المؤسسات الحكومية والعسكرية والشركات الكبرى جزءاً أساسياً من الصراع الدولي الحديث.

وفي الوقت نفسه، تحوّل الفضاء الخارجي إلى مجال تنافس عسكري متزايد الأهمية. فالجيوش الحديثة تعتمد بشكل كبير على الأقمار الاصطناعية في الملاحة، والاتصالات، والاستطلاع، والإنذار المبكر من الهجمات الصاروخية. ومن دون هذه الأنظمة ستتأثر بشكل كبير قدرة القوات المسلحة على تنفيذ العمليات الدقيقة، وإدارة المعارك. ولهذا السبب تعمل عدة دول على تطوير قدرات هجومية ودفاعية في الفضاء، تشمل أسلحة مضادة للأقمار الاصطناعية، وهجمات إلكترونية، وأنظمة تشويش متقدمة. كما أنشأت بعض القوى الكبرى فروعاً عسكرية متخصصة لإدارة العمليات الفضائية، وحماية الأصول الاستراتيجية الموجودة في المدار.

«ميغ 31» روسية تحمل صاروخ «كينجال» (رويترز)

*لماذا قرقعة السلاح؟

تعود أسباب سباق التسلح الحالي إلى مجموعة من العوامل المتشابكة، أبرزها التنافس الاستراتيجي بين الولايات المتحدة والصين، والحرب الروسية-الأوكرانية، والتوترات المتزايدة في منطقة المحيطين الهندي، والهادئ، ومنطقة الشرق الأوسط، إضافة إلى تراجع فعالية اتفاقات الحد من التسلح التي أدت دوراً مهماً في ضبط التنافس العسكري خلال العقود الماضية.

ويرى كثير من الخبراء أن الوضع الراهن قد يكون أكثر خطورة من مرحلة الحرب الباردة نفسها. ففي تلك الحقبة كان التنافس يدور بشكل أساسي بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، ما جعل قواعد الردع أكثر وضوحاً وقابلية للتوقع. أما اليوم، فإن العالم يشهد تنافساً متعدد الأقطاب بين الولايات المتحدة، وروسيا، والصين، إلى جانب أدوار متنامية لقوى إقليمية، وجهات غير حكومية تمتلك قدرات تكنولوجية متقدمة.

كما أن انهيار عدد من اتفاقات الحد من الأسلحة، وتآكل منظومة الرقابة الدولية يزيدان أخطار سوء التقدير. ويضاف إلى ذلك دخول تقنيات جديدة -مثل الذكاء الاصطناعي، والأسلحة السيبرانية، والصواريخ فرط الصوتية- إلى المعادلة العسكرية، ما يقلص الوقت المتاح لاتخاذ القرارات في الأزمات، ويزيد احتمالات التصعيد المتسرّع.

في ظل هذا المشهد، يبدو أن العالم يتجه نحو مرحلة جديدة يمكن وصفها بـ«الحرب الخوارزمية»، حيث لن يكون الردع قائماً على التوازن النووي التقليدي فحسب، بل أيضاً على السيطرة المعلوماتية، والقدرة على إدارة الأخطار الناتجة عن الأنظمة الذكية، والشبكات الرقمية. فالصراع المستقبلي لن يُحسم بعدد الرؤوس النووية، أو الدبابات، والطائرات وحدها، بل بقدرة الدول على التحكم بالخوارزميات، والبيانات، والفضاء الإلكتروني، والفضاء الخارجي القريب. وهكذا يعود سباق التسلح إلى الواجهة، لكن بأدوات أكثر تعقيداً، وأسرع تطوراً مقابل قدرة أضعف على الضبط، والاحتواء.


استخدام المُسيرات خارج ساحات المعارك يعزز سوق تكنولوجيا التصدي لها

رادار لكشف المسيّرات في مدينة كاسل الألمانية وتبدو في السماء طائرة مسيّرة (رويترز)
رادار لكشف المسيّرات في مدينة كاسل الألمانية وتبدو في السماء طائرة مسيّرة (رويترز)
TT

استخدام المُسيرات خارج ساحات المعارك يعزز سوق تكنولوجيا التصدي لها

رادار لكشف المسيّرات في مدينة كاسل الألمانية وتبدو في السماء طائرة مسيّرة (رويترز)
رادار لكشف المسيّرات في مدينة كاسل الألمانية وتبدو في السماء طائرة مسيّرة (رويترز)

تسببت وقائع اختراق من طائرات مسيرة بتعطيل مطارات في أوروبا ونفذت مسيّرات أخرى هجمات على حقول نفط في الشرق الأوسط، مما حفز نمواً سريعاً لسوق أجهزة الرادار والتشويش والمركبات الدفاعية لحماية المطارات والبنية التحتية من أي تهديدات جوية جديدة.

وصارت تكنولوجيا الطائرات المسيرة مصدراً للاضطراب في المطارات منذ سنوات. واضطر ​مطار غاتويك في لندن إلى تعليق الرحلات بسبب تحذيرات من الطائرات المسيرة قبل عام 2020. لكن موجة جديدة من وقائع الاختراق المرتبطة بالحروب في أوكرانيا والشرق الأوسط زادت حدة هذه المخاوف بشكل كبير.

ومن ضمن التطورات التكنولوجية التي برزت في الآونة الأخيرة أداة على شكل مسدس من شركة «ديدرون» الأميركية قادرة على التشويش على هذه المُسيرات، وطائرة «وينغمان» ذاتية القيادة من شركة «بوينغ» تحلق برفقة طائرات مقاتلة وهي تحمل أجهزة تشويش مضادة للطائرات المسيرة وأسلحة في مقدمة قابلة للتبديل.

ويجذب هذا المجال استثمارات بمليارات الدولارات، ويتجاوز الاستخدام العسكري إلى قطاعات مثل الطاقة والشحن ومراكز البيانات والفنادق والمطارات.

مسيّرات عسكرية في معرض دفاعي قرب باريس (رويترز)

وتعد شركة «أفينور»، التي تمتلك وتدير 43 مطاراً في النرويج، إحدى الشركات التي ركبت نظاماً للكشف عن ‌الطائرات المسيرة في عملياتها ‌لمعالجة «الاضطرابات والتأخيرات» التي تسببها توغلات الطائرات المسيرة لحركة الطيران. وتحدثت «رويترز» إلى ستة ​مديرين ‌تنفيذيين ⁠لشركات في ​مجال ⁠التصدي للطائرات المسيرة، وقالوا إن هناك زيادة حادة في الطلب من الحكومات والمطارات وشركات تشغيل البنية التحتية المدنية.

وقال سيتي هامينغا، الرئيس التنفيذي لشركة «روبن رادار» للتصدي للطائرات المسيرة، ومقرها هولندا: «هناك تأثير مباشر؛ إذ يتصل بنا الكثيرون». وطورت الشركة هذه التكنولوجيا مستفيدة من أبحاث حول تعرض الطائرات للاصطدام بالطيور.

سوق تنمو 20 في المائة سنوياً

وسلّطت أساليب الحرب الهجينة في أوروبا والشرق الأوسط الضوء على الحاجة إلى حماية المنشآت الاقتصادية والمدنية، مثل الموانئ وحقول النفط والمطارات. وعلى مدار عام حتى الآن حدثت اضطرابات بسبب هجمات بطائرات مسيرة على مطار دبي وتوغلات في دول البلطيق، وحرائق ناجمة عن حطام مسيرات تم اعتراضها ⁠في منطقة الفجيرة للصناعة البترولية (فوز) وإنذارات للاشتباه في وجود طائرات مسيرة بمطاري ميونيخ ‌وكوبنهاغن. وصرحت سلطات بعض المطارات الأوروبية لـ«رويترز» بأنها تتطلع إلى زيادة استخدام التقنيات ‌المضادة للطائرات المسيرة.

مسيّرة للبحرية الكورية الجنوبية (رويترز)

وقال آش ألكسندر كوبر، الذي كان يشغل منصباً تنفيذياً ​في شركة «ديدرون» حتى يونيو (حزيران) الحالي وتحدث إلى ‌«رويترز» قبل ترك المنصب، إن الاتصالات لطلب حلول يمكن تركيبها «في أسرع وقت ممكن» بدأت فور اندلاع الحرب على إيران ‌في 28 فبراير (شباط). وأضاف: «أعتقد أننا واحدة من شركات كثيرة تتلقى هذه الطلبات، بعد أن أدرك الآن عدد أكبر كثيراً من الدول ليس فقط في الشرق الأوسط، مدى الخطر الذي يواجهها مع تطور نطاق وطبيعة التهديد الفوري للطائرات المسيرة».

وتشير تقديرات المحللين إلى أن حجم سوق التصدي للطائرات المسيرة عالمياً يتراوح بين ثلاثة وسبعة مليارات دولار، وتنمو السوق بنسبة 20 في المائة تقريباً كل عام. ‌وذكرت شركة «ماركتس آند ماركتس» في تقرير أن هذه القيمة ستصل إلى 14.5 مليار دولار بحلول عام 2030 من 4.5 مليار دولار حالياً.

وقال إيبين فرانكنبرغ، الرئيس التنفيذي ⁠لشركة «إيكوداين» المصنعة لأجهزة رادار تكتشف ⁠الطائرات المسيرة، إن الاستثمار في مصنع جديد ستفتتحه الشركة هذا العام سيضاعف طاقتها الإنتاجية السنوية إلى ما يزيد على 30 ألف وحدة.

وأضاف: «من حيث الطلب على أجهزة الرادار التي ننتجها، شهدنا نمواً تجاوز 100 في المائة بكثير على مدار عام حتى الآن، وهذا النمو لا يتباطأ».

لكن على الرغم من الاهتمام الكبير بهذه التقنيات، لا تزال التحديات التنظيمية والتساؤلات حول السلامة تحد من نشر تكنولوجيا التصدي للطائرات المسيرة خارج المجال العسكري.

وتطبق المطارات المدنية قواعد صارمة بشأن اختيار التكنولوجيا التي يمكن أن تستخدمها ضد الطائرات المسيرة، ولا تزال تركز بشكل كبير على أدوات الكشف.

فقد تؤدي مشكلات، مثل التشويش والتداخل مع نظام تحديد المواقع العالمي «جي بي إس»، إلى تعطيل الاتصالات والملاحة مما يجعل هذه الأنظمة غير مناسبة في مناطق المطارات. ولا يمكن أيضاً استخدام الأسلحة لإسقاط طائرات مسيرة في بيئة مدنية.

وقال متحدث باسم شركة «هينسولدت» الألمانية المصنعة لأجهزة الرادار: «لا يمكنك ببساطة استخدام ما يسمى الوسائل الحركية الفعالة، مثل المدافع الرشاشة أو ما شابه، بالقرب من بنية تحتية مدنية».

ويعود ​الكثير من الأمور إلى السلطات الوطنية فيما ​يتعلق بتحديد سبل استخدام الأنظمة التي تعمل في ساحات المعركة بشكل قانوني وآمن في السيناريوهات المدنية.

وقالت ستيفاني لينجيمان، رئيسة القسم الجوي في شركة «هيلسينغ» الألمانية للطائرات المسيرة والذكاء الاصطناعي: «المسموح به هو مسألة تنظيمية بأيدي الحكومات... لا يمكننا اتخاذ القرار».


لماذا يتقارب الحوثيون و«حركة الشباب»؟

التعاون بين الحوثيين و«حركة الشباب» الصومالية يضاعف من المخاطر على الأمن الإقليمي وأمن الملاحة (أ.ف.ب)
التعاون بين الحوثيين و«حركة الشباب» الصومالية يضاعف من المخاطر على الأمن الإقليمي وأمن الملاحة (أ.ف.ب)
TT

لماذا يتقارب الحوثيون و«حركة الشباب»؟

التعاون بين الحوثيين و«حركة الشباب» الصومالية يضاعف من المخاطر على الأمن الإقليمي وأمن الملاحة (أ.ف.ب)
التعاون بين الحوثيين و«حركة الشباب» الصومالية يضاعف من المخاطر على الأمن الإقليمي وأمن الملاحة (أ.ف.ب)

مع تراجع الدعم الإيراني للحوثيين في اليمن، تتطلع الجماعة عبر البحر الأحمر إلى الجماعة الإرهابية الأوسع شهرة في الصومال «حركة الشباب»، وذلك وفقاً للمحللة السياسية إميلي ميليكين، نائبة مدير مؤسسة «إن7» الفكرية والكاتبة المختصة في شؤون الخليج العربي واليمن وليبيا.

وقالت ميليكين، في تحليل نشرته مجلة «ناشيونال إنتريست» الأميركية، إنه على مدى سنوات كانت العلاقة المتنامية بين الحوثيين في اليمن و«حركة الشباب» الصومالية تعدّ أمراً ثانوياً، حيث طغت عليها الحروب في قطاع غزة ولبنان والبحر الأحمر. ولكن مع ازدياد الضغوط على إيران وشبكتها الإقليمية، يبرز هذا التحالف بوصفه علامة تحذيرية من أمر أكبر؛ هو أن الجماعات المسلحة في الشرق الأوسط والقرن الأفريقي قد تتكيف إذا لم تعد طهران قادرة على دعم وكلائها كما كانت تفعل سابقاً.

مقاتلون من «حركة الشباب» (أرشيفية - أ.ب)

وأشارت إلى أن الحوثيين المدعومين من إيران في اليمن «يعملون على تعميق علاقاتهم بـ(حركة الشباب)؛ فرع تنظيم (القاعدة) في الصومال، بطرق قد تزعزع استقرار منطقة القرن الأفريقي بشكل دائم، وتعرض للخطر أحد أهم الممرات البحرية في العالم. وربما الأمر الأهم من ذلك، هو أن هذه الشراكة المتنامية قد تعكس تحولاً أوسع نطاقاً داخل ما يسمى (محور المقاومة الإيراني)».

ورسمت التقارير الأخيرة صورة مثيرة للقلق، فقد قالت مصادر للجنة خبراء الأمم المتحدة بشأن اليمن إن «عشرات من مقاتلي (حركة الشباب)، بينهم قادة بارزون، سافروا إلى اليمن، وتحديداً إلى محافظتي شبوة ومأرب، ويسهّلون عمل شبكات تهريب الأسلحة والمخدرات إلى الصومال. وربما تكون هناك عناصر من الحوثيين داخل الصومال، حيث يدربون مقاتلي (حركة الشباب) على حرب الطائرات المسيّرة والمتفجرات، وغيرها من أساليب القتال التي أتقنوها على مدى سنوات من التدرّب على أيدي مستشارين من إيران و(حزب الله)» اللبناني.

عناصر من «حركة الشباب» الإرهابية الصومالية (أ.ب)

تدريبات

وترى ميليكين أن هذا التطور يأتي في لحظة حاسمة بالنسبة إلى الحوثيين؛ «حيث تعرضت شبكة حلفاء إيران ووكلائها إلى نكسات متتالية منذ عام 2024، وتراجعت قوة (حزب الله) بشكل كبير، وأطيح نظام بشار الأسد في سوريا، وتواجه الميليشيات العراقية قيوداً داخلية وسياسية متصاعدة، وأصبحت حركة (حماس) شبه مدمرة. وفي الوقت نفسه، تواجه طهران ضغوطاً عسكرية واقتصادية متنامية من الولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين».

ومع ذلك، فقد خرج الحوثيون من هذه الفترة أجرأ. ورغم الضربات الأميركية والبريطانية والإسرائيلية المتواصلة، فإن الجماعة واصلت إظهار قدرتها على تعطيل الملاحة الدولية، وضرب إسرائيل، وترسيخ مكانتها لاعباً رئيسياً في انعدام الأمن بالبحر الأحمر. علاوة على ذلك، وعلى عكس كثير من حلفائهم، لا تزال القيادة العليا للحوثيين سليمة.

بالنسبة إلى الحوثيين، «توفر العلاقات بشبكات التهريب والمسلحين الصومالية الفرصةَ والنفوذ في خليج عدن. ويتيح التعاون مع (حركة الشباب) والجهات الإجرامية المرتبطة بها الوصولَ إلى طرق الملاحة البحرية غير المشروعة وشبكات الاستخبارات، وممرات تهريب الأسلحة، والبنية التحتية اللوجستية، على الجانب الأفريقي من مضيق باب المندب». وفي الوقت الذي يتعرض فيه داعموهم الرئيسيون لضغط دولي مكثف، فإن تنويع الشراكات يسمح للحوثيين بتقليل اعتمادهم على طهران مع توسيع نطاق عملياتهم في عمق المحيط الهندي الغربي.

أنظمة صاروخية حديثة لدى الحوثيين (وسائل إعلام)

وبالنسبة إلى «حركة الشباب»، تعني الشراكة مع الحوثيين الوصولَ إلى أنظمة أسلحة أعلى تطوراً، وخبرات في مجال الطائرات المسيرة، وقدرات بحرية، وأهمية إقليمية أكبر. ويُعتقد أن الحوثيين قد نقلوا بالفعل طائرات مسيّرة مسلحة، كما يتردد أن «حركة الشباب» طلبت في يوم ما إضافة صواريخ موجهة. ويمكن أن يكون عدم الاستقرار البحري المرتبط بهذا التحالف مربحاً لها من حيث ممارسة القرصنة والتهريب، فضلاً عن فرض الضرائب على الموانئ وابتزاز التجار وشركات الشحن.

وقالت ميليكين إن عواقب هذه العلاقة تتجاوز حدود اليمن والصومال. وأشارت إلى أن «هذا التعاون المتنامي بين الحوثيين و(حركة الشباب) يهدد بازدياد هشاشة الاقتصاد العالمي الهش بالفعل»... فقد أجبرت هجمات الحوثيين، التي بدأت أواخر عام 2023، كثيراً من شركات الشحن الكبرى على تغيير مسارها إلى «رأس الرجاء الصالح» لتجنب عبور البحر الأحمر. ويعني هذا القرار حدوث تأخيرات طويلة في سلاسل التوريد العالمية، وارتفاع تكاليف الوقود، وتضخم أقساط التأمين... والنتيجة هي ارتفاع الأسعار على المستهلكين في كل مكان، إلا إن أسواق الطاقة تظل الأكبر اضطراباً. لكن هذه العلاقة تشير أيضاً إلى تحول أوسع في علاقة إيران بالمتمردين.

ومع ضعف شبكة إيران الإقليمية، انتهز الحوثيون الفرصة لتأكيد أنهم كيان مستقل. كما أن تواصلهم مع جهات فاعلة، مثل روسيا والصين، إضافة إلى فروع تنظيم «القاعدة»، مثل «حركة الشباب»، و«تنظيم القاعدة في جزيرة العرب»، وحتى مع قراصنة الصومال، يعكس جهداً لتنويع العلاقات، وتقليل الاعتماد على طهران، وبناء نفوذ يتجاوز حدود اليمن. وقد يكون تحالفهم مع «حركة الشباب» مؤشراً مبكراً على كيفية تطور شبكة وكلاء إيران تحت الضغط.

الحوثيون رفعوا صوراً عملاقة للمرشد الإيراني علي خامنئي في شوارع صنعاء عقب مقتله بضربة إسرائيلية (إ.ب.أ)

ومع استمرار إيران في مواجهة ضغوط عسكرية واقتصادية وداخلية، فقد يضطر بعض شركائها - خصوصاً أولئك الذين يتعافون من فقدان القيادة ومخازن الأسلحة - إلى البحث عن مصادر تمويل وأسلحة ونفوذ إقليمي بديلة، بدلاً من الاعتماد فقط على طهران. ولهذا الغرض؛ فقد تبدأ هذه الجماعات تبني استراتيجيات أكبرَ عملية وواقعية والعمل خارج الخطوط الآيديولوجية التقليدية، مثلما يفعل الحوثيون.

واختتمت ميليكين تحليلها بالقول إن «هذه نتيجة ينبغي أن تُقلق صانعي السياسات أكثر بكثير مما كانت عليه الحال مع نموذج الوكالة التقليدي. فالضغط المطول على إيران وشبكتها الإقليمية قد يؤدي إلى أنظمة مسلحة أوسعَ تشرذماً، وأكبرَ استقلالية، ولا يمكن التنبؤ بها، في جميع أنحاء الشرق الأوسط».