الخطر القادم: جينات تقصف العمر

احذروا هندسة جينية مغرضة

TT

الخطر القادم: جينات تقصف العمر

يوظف الباحثون منذ عقد من الزمن هندسة الجينات الوراثية بقوة في التشخيص والعلاج بل حتى في الوقاية من الأمراض.
ومن ذلك استخدام نظام «‏أصابع الزنك ‏Zink finger» الذي ينظم عمل الجينات أو يثبط عملها، وغالباً ما يُستخدم في إصلاح الجينات كأنه مقصٌّ ذاتي يأمر بقطع الجزء المصاب بالخلل غير المرغوب فيه من الجين مثلاً لقتل الخلايا السرطانية، بتشجيع من نظام المناعة‏. وكذلك نظام تالين TALEN (Transcription Activator - Like Effector Nucleases). أما نظام كريسبر CRISPR -Cas9 system ‏ فقد بزغ نجمه بشكل واسع ويوجد ‏الآلاف من البشر من قدموا أنفسهم للتجربة على ‏هذه الأنظمة بهدف تحسين وضعهم الصحي والشفاء عن طريق هندسة الجينات من قطع ونقل وتصحيح. وكانت أول تجربة ناجحة قد أُجريت سنة 2000 عندما تم إصلاح النظام المناعي المعطوب لمولود، والآن ننعم بالعلاج الجيني لعدة أمراض. وبادئ ذي بدء كان العلماء يستخدمون فيروسات viral vectors لنقل الجين المراد تثبيته في موقعه في الجينوم أو في مكان الجين المعطوب أو حتى تعديل جين يعمل كمستقبل (receptor) لمنع أي إنسان من العدوى بفيروس الإيدز مثلاً. غير أن التكلفة في الوقت الحاضر تمنع من انتشار مثل هذا العلاج، ‏حيث يصل العلاج لجرعة واحدة مثلاً لتصحيح جين فقر الدم المنجلي من 500 ألف دولار إلى 3.5 مليون دولار.
ما إن جاء نظام كريسبر للهندسة الوراثية وبطريقة سهلة وخرافية ليقطع الفيروس من مخبئه بجرعة واحدة ‏من الكروموسوم الذي يحمل نظام المناعة، وتم الأمر في كل الحالات للأشخاص الذين يدفعون مبلغ العلاج. ولكن تصوّر أن لدينا 400 مليون من البشر بهم 7000 مرض تحوُّري في جيناتهم وبالإمكان شفاؤهم، ‏فما الحل لمثل هذا الوضع؟
وما إن أنجز الإنسان طرق علاج لجيناته حتى انتقل إلى طرق الوقاية من الأمراض المُعدية. مثلا تصور ‏أن لديك ناقلاً للأمراض مثل الملاريا عبر البعوض وتريد ألا تصاب به حتى وإن قرصك من حيث لا تشعر مثلاً إن كنت نائماً أو أن طفلك الصغير الذي لا يملك سبيلاً لمنع قرصة البعوض ‏وإذا به من النوع الذي ينقل طفيل الملاريا. فكيف استطاع العلم منع ذلك؟
في دراسة نشرها البروفسور ماثيو كوب Matthew cobb، المتخصص في مدرسة العلوم البيولوجية في جامعة «مانشستر» البريطانية ومؤلف كتاب «المعنوية التاريخية للعمل الجيني»، يقول إن البحث والتطبيق جارٍ على قدم وساق لتعقيم بعوض الأنوفيليس لكي لا يتكاثر. ومن ثم نحدّ من معدلات الإصابة بالملاريا وينقرض البعوض في نهاية الأمر. وبعد شرح موسع يضيف البروفسور أن الطريقة التي ستُتَّبَع هي استخدام الجينات القافزة jumping Genes، وهي كما سُميت بالحرف الواحد: genetic Atom Bomb، أي قنبلة ذرية جينية، كما تقول الأكاديمية الوطنية للعلوم والطب الأميركية.
وما فهمناه علمياً وما نعرفه من علم الوراثة أن هناك جينات غير ثابتة لها آلية في تغيّر مكانها في الجينوم وقتما دعت الضرورة، وهي غالباً ما تكون جينات مرتجعة من قديم الزمان، من آلاف السنين، وبعضها بقايا هياكل فيروسية نشطة ضاعت في «الطوشة»، أي تبحث عن مساعدة أو محرك لينقلها من جين آخر ويشغلها. وتأتي الصدفة أن تكون في عهدة محرك جيني عادةً ما يستخدمه جين مسرطن مثل BRCA1.2، الجين المسبِّب لسرطان الثدي، أو جين اللوكيميا الحادة FLT3, c - KIT, and RAS.
المهم، جهز الباحثون هذه الجينات القافزة ليس فقط لجعل البعوض عقيماً وإنما لتقصير عمره. والسؤال المحرج هو: هل تقبل أن تقرصك مثل هذه البعوضة، خصوصاً أن المخاوف كبيرة من تداخل جيناته مع جينات الإنسان؟ ولكن هذا إذا كان في جعبة البعوض الذي يبحث عن لقمة عيشه قطرة دم وفي المقابل ينفث لعابه المهندَس بالجينات القافزة قبل أن ينقصف عمره. وكم من ألوف من البعوض التي تمت إضافة هذا الجين القافز المقصِّر للعمر إليها ليتحكم في جيناتنا وعمرنا.
أعتقد أن الوقت حان لرفع الصوت ضد هذه الأبحاث التي تؤذي البشرية. ونقولها: لا ثم لا لهذا «المحرك الجيني Gene drive» في البعوض، فيجب أن نحمي البشرية. والإثبات، ما قاله السيد Keven Esvelt من معهد «of Technology Mssachuset institute»، أنه بحلول 2030 سيكون هناك تسريب مفتعَل لهذا الـGene drive
من المختبر، وقد احتجّت دول العالم على ما حدث في مدينة ووهان الصينية، ومن ثم انتشار جائحة «كورونا»، ونحن نعرف أن الموضوع سيتكرر، وهناك جهود حثيثة لمنع إطلاق هذا المشروع ضد البعوض في الغابات، ويجب علينا في المملكة العربية السعودية أن نقف يداً واحدة مع الشعوب والدول لمنع هذا المشروع.
* بروفسور باحث في العلوم الوراثية واستشاري علم الأمراض الإكلينيكية «مستشفى التداوي العام» بالدمام


مقالات ذات صلة

«أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

شمال افريقيا «أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

«أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

نقلت سفينة «أمانة» السعودية، اليوم (الخميس)، نحو 1765 شخصاً ينتمون لـ32 دولة، إلى جدة، ضمن عمليات الإجلاء التي تقوم بها المملكة لمواطنيها ورعايا الدول الشقيقة والصديقة من السودان، إنفاذاً لتوجيهات القيادة. ووصل على متن السفينة، مساء اليوم، مواطن سعودي و1765 شخصاً من رعايا «مصر، والعراق، وتونس، وسوريا، والأردن، واليمن، وإريتريا، والصومال، وأفغانستان، وباكستان، وأفغانستان، وجزر القمر، ونيجيريا، وبنغلاديش، وسيريلانكا، والفلبين، وأذربيجان، وماليزيا، وكينيا، وتنزانيا، والولايات المتحدة، وتشيك، والبرازيل، والمملكة المتحدة، وفرنسا، وهولندا، والسويد، وكندا، والكاميرون، وسويسرا، والدنمارك، وألمانيا». و

«الشرق الأوسط» (جدة)
الخليج السعودية تطلق خدمة التأشيرة الإلكترونية في 7 دول

السعودية تطلق خدمة التأشيرة الإلكترونية في 7 دول

أطلقت السعودية خدمة التأشيرة الإلكترونية كمرحلة أولى في 7 دول من خلال إلغاء لاصق التأشيرة على جواز سفر المستفيد والتحول إلى التأشيرة الإلكترونية وقراءة بياناتها عبر رمز الاستجابة السريعة «QR». وذكرت وزارة الخارجية السعودية أن المبادرة الجديدة تأتي في إطار استكمال إجراءات أتمتة ورفع جودة الخدمات القنصلية المقدمة من الوزارة بتطوير آلية منح تأشيرات «العمل والإقامة والزيارة». وأشارت الخارجية السعودية إلى تفعيل هذا الإجراء باعتباره مرحلة أولى في عددٍ من بعثات المملكة في الدول التالية: «الإمارات والأردن ومصر وبنغلاديش والهند وإندونيسيا والفلبين».

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق «ملتقى النقد السينمائي» نظرة فاحصة على الأعمال السعودية

«ملتقى النقد السينمائي» نظرة فاحصة على الأعمال السعودية

تُنظم هيئة الأفلام السعودية، في مدينة الظهران، الجمعة، الجولة الثانية من ملتقى النقد السينمائي تحت شعار «السينما الوطنية»، بالشراكة مع مهرجان الأفلام السعودية ومركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي (إثراء). ويأتي الملتقى في فضاءٍ واسع من الحوارات والتبادلات السينمائية؛ ليحل منصة عالمية تُعزز مفهوم النقد السينمائي بجميع أشكاله المختلفة بين النقاد والأكاديميين المتخصصين بالدراسات السينمائية، وصُناع الأفلام، والكُتَّاب، والفنانين، ومحبي السينما. وشدد المهندس عبد الله آل عياف، الرئيس التنفيذي للهيئة، على أهمية الملتقى في تسليط الضوء على مفهوم السينما الوطنية، والمفاهيم المرتبطة بها، في وقت تأخذ في

«الشرق الأوسط» (الظهران)
الاقتصاد مطارات السعودية تستقبل 11.5 مليون مسافر خلال رمضان والعيد

مطارات السعودية تستقبل 11.5 مليون مسافر خلال رمضان والعيد

تجاوز عدد المسافرين من مطارات السعودية وإليها منذ بداية شهر رمضان وحتى التاسع من شوال لهذا العام، 11.5 مليون مسافر، بزيادة تجاوزت 25% عن العام الماضي في نفس الفترة، وسط انسيابية ملحوظة وتكامل تشغيلي بين الجهات الحكومية والخاصة. وذكرت «هيئة الطيران المدني» أن العدد توزع على جميع مطارات السعودية عبر أكثر من 80 ألف رحلة و55 ناقلاً جوياً، حيث خدم مطار الملك عبد العزيز الدولي بجدة النسبة الأعلى من المسافرين بـ4,4 مليون، تلاه مطار الملك خالد الدولي في الرياض بـ3 ملايين، فيما خدم مطار الأمير محمد بن عبد العزيز الدولي بالمدينة المنورة قرابة المليون، بينما تم تجاوز هذا الرقم في شركة مطارات الدمام، وتوز

«الشرق الأوسط» (الرياض)
شمال افريقيا فيصل بن فرحان وغوتيريش يبحثان وقف التصعيد في السودان

فيصل بن فرحان وغوتيريش يبحثان وقف التصعيد في السودان

بحث الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله وزير الخارجية السعودي والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، اليوم (الخميس)، الجهود المبذولة لوقف التصعيد العسكري بين الأطراف في السودان، وتوفير الحماية اللازمة للمدنيين السودانيين والمقيمين على أرضه. وأكد الأمير فيصل بن فرحان، خلال اتصال هاتفي أجراه بغوتيريش، على استمرار السعودية في مساعيها الحميدة بالعمل على إجلاء رعايا الدول التي تقدمت بطلب مساعدة بشأن ذلك. واستعرض الجانبان أوجه التعاون بين السعودية والأمم المتحدة، كما ناقشا آخر المستجدات والتطورات الدولية، والجهود الحثيثة لتعزيز الأمن والسلم الدوليين.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

«ليزانفاليد» في باريس... أيقونة الجيش الفرنسي ومثوى نابليون

جانب من مجمع «ليزانفاليد» خلال افتتاح «الألعاب الأولمبية» في باريس عام 2024 (رويترز)
جانب من مجمع «ليزانفاليد» خلال افتتاح «الألعاب الأولمبية» في باريس عام 2024 (رويترز)
TT

«ليزانفاليد» في باريس... أيقونة الجيش الفرنسي ومثوى نابليون

جانب من مجمع «ليزانفاليد» خلال افتتاح «الألعاب الأولمبية» في باريس عام 2024 (رويترز)
جانب من مجمع «ليزانفاليد» خلال افتتاح «الألعاب الأولمبية» في باريس عام 2024 (رويترز)

يستقبل رئيس الوزراء الفرنسي، سيباستيان لوكورنو، الاثنين، الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، في «ساحة الشرف» بمجمّع «ليزانفاليد» التاريخي في باريس، الذي يضم «متحف الجيش» وضريح نابليون بونابرت، وتعلو مبانيه «القبة الذهبية» الشهيرة، وفقاً لبيان صادر عن مكتب رئيس الوزراء الفرنسي.

بعمر 3 قرون ونصف

يعود تاريخ «ليزانفاليد»، واسمه الرسمي «الفندق الوطني للإنفاليد»، إلى أكثر من 3 قرون ونصف، وتحديداً إلى عام 1670، عندما أمر الملك لويس الرابع عشر بإنشائه وموّل أعمال بنائه؛ لإيواء العسكريين المرضى والجرحى والمتقدمين في السن. واختير له آنذاك موقع في سهل غرونيل قرب باريس وعلى ضفة نهر السين.

وتولى المعماري ليبرال بروان تنفيذ المشروع بين عامي 1671 و1675، وفق مخطط رباعي تنتظم مبانيه خلف واجهة ضخمة تقود إلى ساحة مركزية. واستقبل المجمع أول نزلائه عام 1674، قبل اكتمال أعماله، وكان يؤوي في مرحلة لاحقة أكثر من 4 آلاف من قدامى الجنود. وهو يضم مستشفى، ودار رعاية، وثكنة، وديراً، ومركزاً للصناعات، كما عمل بعض المقيمين فيه بصناعة الأحذية والمنسوجات والملابس والكتب المزخرفة، ضمن نظام يجمع بين الانضباط العسكري والحياة الدينية.

وفي ربيع عام 1676، حل المعماري جول أردوان مانسار محل بروان، وتولى تشييد الكنائس، قبل أن تكتمل «كنيسة الجنود» عام 1679، بينما افتتح لويس الرابع عشر «الكنيسة الملكية» ذات القبة عام 1706. ووفقاً للمصادر الرسمية الفرنسية، فإن المخططات الأصلية تشير إلى تصور كنيسة بمذبح مزدوج، لكن الموقع يضم اليوم مبنيين منفصلين؛ هما «كاتدرائية سان لويس» و«كنيسة القبة».

ويصل ارتفاع القبة إلى 107 أمتار، وظلت أعلى مبنى في العاصمة الفرنسية باريس حتى تشييد برج «إيفل»، وتغطّيها، وفق البيانات التعريفية من «متحف الجيش»، نحو 550 ألف ورقة ذهب، بوزن إجمالي يبلغ 12.6 كيلوغرام.

«ساحة الشرف» واستقبال محمد بن سلمان

المجمع الذي يقع في الدائرة الـ7 من باريس، تبلغ واجهته الشمالية نحو 195 متراً، وتتوزع مبانيه حول 19 ساحة داخلية، وتعدّ «ساحة الشرف»؛ حيث يُعقد لقاء ولي العهد السعودي ورئيس الوزراء الفرنسي، كبراها؛ إذ يبلغ طولها 102 متر وعرضها 64 متراً، وتحيط بها 4 مبانٍ تضم طابقين من الأروقة المقنطرة.

وتستخدم الساحة في الفعاليات والمراسم العسكرية والوطنية، وتعرض فيها مجموعة من 60 مدفعاً برونزياً توثق 200 عام من تاريخ المدفعية البرية الفرنسية، بينما يتوسط الرواق الجنوبي تمثال لنابليون بزي عقيد في سلاح «فرسان الحرس الإمبراطوري»، نُقل إلى «ليزانفاليد» عام 1911 بعدما كان منصوباً فوق عمود «ساحة فاندوم».

وكان للمجمع حضور في الثورة الفرنسية، ففي يوليو (تموز) 1789، استولى الثوار على بنادق ومدافع منه، واستخدموها فوراً في اقتحام سجن «الباستيل»، وكادت المؤسسة تُلغى في ذلك الحين، فيما أُغلقت «كنيسة سان لويس» أمام الشعائر الدينية، ووُضعت فيها الرايات المنتزعة من الخصوم، وخلال الثورة، تحولت «كنيسة القبة» إلى «معبد الإله مارس»، وفي عام 1800، قرر نابليون نقل رفات القائد العسكري تورين إليها، ومنح المبنى وظيفة مقبرة لأمجاد فرنسا العسكرية.

مثوى نابليون بونابرت

وبعد وفاة نابليون في جزيرة سانت هيلينا عام 1821، قرر الملك لويس فيليب عام 1840 إعادة رفاته إلى باريس، وأجرى المعماري لويس فيسكونتي أعمال حفر واسعة لإنشاء الضريح تحت القبة، قبل أن يوضع جثمان الإمبراطور فيه خلال أبريل (نيسان) 1861.

ويتوسط الضريح تابوت من الكوارتزيت الأحمر فوق قاعدة من الغرانيت الأخضر، ويضم المكان أيضاً ضريح المهندس والقائد العسكري سيباستيان فوبان، وقبور نابليون الثاني وجوزيف وجيروم بونابرت، والجنرالين برتران ودوروك، والمارشالين فوش وليوتي.

وفي عام 1905، أُنشئ «متحف الجيش» بدمج «متحف المدفعية»، الذي استقر في المجمع عام 1871، و«المتحف التاريخي للجيش» الذي أُسس عام 1896، ويحتفظ المتحف بنحو 500 ألف قطعة، تشمل الأسلحة والدروع والأزياء واللوحات والوثائق، وتغطي التاريخ العسكري من عصور ما قبل التاريخ إلى القرن الـ11، وإلى جانب ذلك كله يضم «ليزانفاليد» أيضاً «متحف الخرائط المجسمة» و«متحف وسام التحرير»، إلى جانب مرافق «المؤسسة الوطنية لـ(ليزانفاليد)»، التي تواصل المهمة الأصلية للمجمع بتقديم الرعاية للعسكريين والمحاربين القدامى من الجرحى وذوي الإعاقة.


9 زيارات على خط الرياض - باريس… من التنسيق إلى شراكة استراتيجية

محمد بن سلمان وماكرون خلال زيارة الأخير إلى الرياض - ديسمبر 2024 (أ ب)
محمد بن سلمان وماكرون خلال زيارة الأخير إلى الرياض - ديسمبر 2024 (أ ب)
TT

9 زيارات على خط الرياض - باريس… من التنسيق إلى شراكة استراتيجية

محمد بن سلمان وماكرون خلال زيارة الأخير إلى الرياض - ديسمبر 2024 (أ ب)
محمد بن سلمان وماكرون خلال زيارة الأخير إلى الرياض - ديسمبر 2024 (أ ب)

تسجّل زيارة الدولة التي يقوم بها الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، إلى فرنسا، المحطة التاسعة في مجموع زياراته الرسمية إلى فرنسا، وزيارات الرئيس إيمانويل ماكرون الرسمية إلى السعودية، وفق رصد أجرته «الشرق الأوسط» بالاعتماد على المصادر الرسمية.

وأظهر الرصد أن الأمير محمد بن سلمان أجرى 6 زيارات رسمية إلى فرنسا منذ عام 2015، بما فيها الزيارة الحالية، بينما زار ماكرون السعودية 3 مرات منذ توليه الرئاسة في فرنسا عام 2017.

2015... أولى المحطات

بدأت زيارات الأمير محمد بن سلمان الرسمية إلى فرنسا في يونيو (حزيران) 2015، واجتمع خلال الزيارة بالرئيس الفرنسي آنذاك فرنسوا هولاند في قصر الإليزيه، كما ترأس الجانب السعودي في الاجتماع الأول للجنة التنسيقية الدائمة السعودية ـ الفرنسية، وشهدت الزيارة توقيع 10 اتفاقيات بين البلدين بقيمة بلغت 12 مليار دولار.

2016... «رؤية 2030» تدخل أجندة العلاقة

عاد الأمير محمد بن سلمان إلى باريس في يونيو (حزيران) 2016، في زيارة رسمية ثانية، التقى خلالها الرئيس هولاند وعدداً من المسؤولين الفرنسيين.

وتمحورت المباحثات حول تطوير الشراكة القائمة بين البلدين، ومواصلة التعاون في إطار «رؤية السعودية 2030» التي كانت المملكة قد أعلنتها قبل الزيارة بشهرين، إلى جانب بحث تطورات الشرق الأوسط والجهود المبذولة لتحقيق أمن المنطقة واستقرارها.

ومثّلت الزيارة انتقالاً في مضمون التعاون الاقتصادي؛ إذ أصبحت خطط التحول والتنويع الاقتصادي في السعودية جزءاً رئيسياً من الحوار مع فرنسا، بالتوازي مع استمرار التنسيق السياسي والدفاعي، حيث شهدت الزيارة توقيع عدد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم البينيّة، كما عقد منتدى «فرص الأعمال السعودي - الفرنسي» في نسخته الثالثة، الذي جمع عدداً من الشركات ونخبة من رجال الأعمال لمناقشة فرص الاستثمار بين البلدين.

2017... ماكرون يبدأ سلسلة الزيارات إلى السعودية

بدأت زيارات إيمانويل ماكرون إلى السعودية في 9 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، بعد أشهر من وصوله إلى قصر الإليزيه، ووصل الرئيس الفرنسي إلى الرياض، وعقد اجتماعاً مع الأمير محمد بن سلمان تناول، وفق بيان الرئاسة الفرنسية، أهمية المحافظة على استقرار المنطقة، ومكافحة الإرهاب، والعمل من أجل السلام.

وعبر الرئيس الفرنسي عن استنكار فرنسا لاستهداف ميليشيات الحوثي مدينة الرياض بصاروخ باليستي، مؤكداً وقوف بلاده وتضامنها مع المملكة، لتؤسس تلك المحطة لأول زيارة للرئيس الفرنسي، الذي سيواصل زياراته إلى المملكة خلال السنوات التسع اللاحقة.

2018... زيارة الثلاثة أيام و«تطوير العُلا»

في أبريل (نيسان) 2018، أجرى الأمير محمد بن سلمان أول زيارة رسمية إلى فرنسا بعد توليه ولاية العهد، وهي الثالثة له إلى فرنسا منذ عام 2015، واستمرت الزيارة 3 أيام، وعقد خلالها مباحثات موسعة مع ماكرون تناولت العلاقات السياسية والاقتصادية والدفاعية والثقافية، إلى جانب الملفات الإقليمية.

وشهدت الزيارة توقيع اتفاق حكومي للتعاون في تطوير محافظة العُلا، كما شهدت توقيع 19 بروتوكول اتفاق بين شركات سعودية وفرنسية، بقيمة إجمالية تجاوزت 18 مليار دولار.

2021... ماكرون في جدة

عاود الرئيس الفرنسي في ديسمبر (كانون الأول) 2021، زيارة المملكة من جديد، وعقد جلسة مباحثات مع الأمير محمد بن سلمان في جدة، ركزت على أمن المنطقة واستقرارها، والشراكة الثنائية وفرص تطويرها في إطار «رؤية السعودية 2030»، إلى جانب ملفات لبنان واليمن وإيران ومكافحة الإرهاب.

وأكد البلدان رغبتهما في توسيع التعاون الاقتصادي والاستثماري، خصوصاً في التقنيات الجديدة والصناعات المستقبلية والطاقة المتجددة والثقافة والسياحة.

2022... الطاقة وأزمات العالم

في يوليو (تموز) 2022، أجرى ولي العهد السعودي زيارته الرسمية الرابعة إلى فرنسا، والتقى ماكرون في قصر الإليزيه، وسط تداعيات الحرب الروسية - الأوكرانية، على أسواق الطاقة والأمن الغذائي. وتناولت المباحثات تنويع إمدادات الطاقة إلى أوروبا، والحد من آثار الأزمة الغذائية، إلى جانب الأوضاع في لبنان واليمن والملف النووي الإيراني.

واتفق الجانبان على تعميق الشراكة في الدفاع والطاقة والتحول الرقمي والنقل والمدن المستدامة والثقافة، وجددت فرنسا دعمها ترشح الرياض لاستضافة معرض «إكسبو الرياض 2030».

2023... زيارة متعددة المسارات

جاءت الزيارة الخامسة للأمير محمد بن سلمان إلى فرنسا صيف عام 2023، وعقد خلالها اجتماعاً ثنائياً وآخر موسعاً مع الرئيس ماكرون في قصر الإليزيه.

وبحث الجانبان العلاقات الثنائية والقضايا الإقليمية والدولية، كما ترأس ولي العهد السعودي وفد بلاده في قمة «من أجل ميثاق مالي عالمي جديد»، وشارك في حفل الاستقبال الرسمي لترشح الرياض لاستضافة «إكسبو 2030»، لتعكس الزيارة اتساع أجندة العلاقات، من السياسة والدفاع، إلى العمل المناخي والاقتصاد الدولي والاستثمار والثقافة.

2024... شراكة استراتيجية وقمة للمياه

أواخر عام 2024، أجرى الرئيس الفرنسي زيارته الثالثة إلى السعودية بين الثاني والرابع من ديسمبر 2024، وهي زيارة دولة شملت الرياض والعُلا.

وشهدت الزيارة توقيع الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، ومذكرة تفاهم لتشكيل «مجلس الشراكة الاستراتيجي السعودي - الفرنسي»، بوصفه إطاراً جامعاً للتعاون في المجالات السياسية والدفاعية والاقتصادية والثقافية والطاقة والتقنية، كما شارك ماكرون في منتدى استثماري ضم أكثر من 200 شركة سعودية وفرنسية، وفي «قمة المياه الواحدة» بالرياض، قبل زيارته منطقة العُلا شمال السعودية.

2026... المحطة التاسعة

تأتي زيارة الدولة الحالية للأمير محمد بن سلمان إلى فرنسا باعتبارها السادسة لولي العهد السعودي منذ عام 2015، والتاسعة في مجموع الزيارات الرسمية المتبادلة بين قيادتي البلدين، بينما أجرى الرئيس الفرنسي 3 زيارات سابقة إلى المملكة.


السفير الفرنسي لـ«الشرق الأوسط»: زيارة الأمير محمد بن سلمان تؤسس لمرحلة جديدة من الشراكة الاستراتيجية

باتريك ميزوناف السفير الفرنسي لدى السعودية (الشرق الأوسط)
باتريك ميزوناف السفير الفرنسي لدى السعودية (الشرق الأوسط)
TT

السفير الفرنسي لـ«الشرق الأوسط»: زيارة الأمير محمد بن سلمان تؤسس لمرحلة جديدة من الشراكة الاستراتيجية

باتريك ميزوناف السفير الفرنسي لدى السعودية (الشرق الأوسط)
باتريك ميزوناف السفير الفرنسي لدى السعودية (الشرق الأوسط)

شدد مسؤول فرنسي رفيع المستوى على أن زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى بلاده، الأحد، تعني باختصار أن الرياض وباريس تدخلان مرحلة جديدة من الشراكة الاستراتيجية الحقيقية، مبيناً أن الزيارة تبحث مجالات الدبلوماسية والأمن والدفاع والاستثمار والطاقة والثقافة والتكنولوجيا والتعليم.

وقال باتريك ميزوناف، السفير الفرنسي لدى السعودية، لـ«الشرق الأوسط»: «يجري الآن تعزيز هذا الزخم بشكل أكبر من خلال زيارة الأمير محمد بن سلمان وليّ العهد رئيس مجلس الوزراء، إلى فرنسا، ومن خلال الاجتماع الأول لمجلس الشراكة الاستراتيجي الفرنسي السعودي».

ووفق ميزوناف، فإن المجلس يكتسب أهمية خاصة، إذ يوفر إطاراً مؤسسياً دائماً لهذا الطموح السياسي، ويتيح لكلا البلدين تحديد الأولويات، وقياس التقدم المحرز، وتطوير التعاون طويل الأمد عبر الركائز الرئيسية للعلاقة.

وأضاف: «في وقت يسعى فيه البلدان إلى مواكبة التحولات الجيوسياسية والاقتصادية والتكنولوجية العميقة، تؤكد زيارة الأمير محمد بن سلمان عزماً مشتركاً على الانتقال من شراكة ثنائية قوية للغاية إلى شراكة استراتيجية شاملة».

وتابع: «إن استعداد قيادتينا للعمل معاً لا يقتصر على القضايا الثنائية فحسب، بل يمتد أيضاً إلى الاستقرار الإقليمي والتحديات العالمية والتحولات الكبرى التي تُشكل مجتمعاتنا، في وقت تدخل فيه الشراكة مرحلة جديدة مع هذه الزيارة».

وأوضح أن التحول الذي تشهده السعودية في إطار «رؤية 2030»، إلى جانب نقاط القوة التي تتمتع بها فرنسا في قطاعات مثل الطاقة والبنية التحتية والثقافة والابتكار والذكاء الاصطناعي والتعليم والصناعات الإبداعية، تخلق مجالات جديدة للتقارب.

وشدد على أن البُعد الاستراتيجي للشراكة يكمن بالضبط في هذا التطور، من علاقة قائمة على تعاون قوي إلى علاقة تستند بشكل متزايد إلى أهداف مشتركة، وتخطيط طويل الأمد، ومبادرات مشتركة.

تقارب عصي على التحديات

وأكد ميزوناف أن الرياض وباريس تتمتعان بشراكة راسخة وثقة متبادلة، بما يمكّنهما من تجاوز التحديات الجيوسياسية التي تواجه المنطقة، مشيراً إلى أن التقارب الثنائي يترجم إلى تنسيق وثيق بشأن أبرز الأزمات الإقليمية.

وأضاف: «إن باريس والرياض تعملان معاً لدعم حل الدولتين الإسرائيلية والفلسطينية، وتهيئة الظروف السياسية اللازمة لتحقيق سلام دائم، كما يشترك البلدان في الاهتمام باستقرار اليمن، وحماية حرية الملاحة وأمن الممرات البحرية الاستراتيجية».

ووفق ميزوناف، فإن البلدين يدعمان الجهود الرامية إلى إنهاء الحرب المدمرة في السودان، والحفاظ على وحدة البلاد ومؤسساتها، كما يدعمان سيادة سوريا ووحدتها وتعافيها، وقيام دولة لبنانية أقوى قادرة على ممارسة سلطتها، مع الحد من التدخل الخارجي وتأثير الجهات المسلحة غير الحكومية.

وتابع: «بطبيعة الحال، لكل من فرنسا والسعودية مصالحها ووجهات نظرها الخاصة، غير أنهما طوّرتا القدرة على التحاور بصراحة، ولا سيما خلال فترات التوتر الإقليمي والتحولات الدولية العميقة، وهو ما أتاح لهذه العلاقة ليس فقط الاستمرار، بل أيضاً إعادة ابتكار نفسها باستمرار».

وقال السفير ميزوناف، إن الطابع الخاص للعلاقة السعودية - الفرنسية يتميّز في مزيجه النادر من العمق التاريخي والثقة السياسية والقدرة المشتركة على التطلع إلى المستقبل، مبيناً أنه على مدار القرن الماضي بنى البلدان علاقة ترتكز على الاحترام المتبادل والحوار المستمر، والأهم من ذلك، الاستقلالية الاستراتيجية على حدّ تعبيره.

وأضاف: «لم تعد هذه العلاقة تُحدَّد فقط بتاريخها أو بمجالات التعاون التقليدية؛ بل أصبحت تتركز بشكل متزايد على ما يمكن لبلدينا أن يبنياه معاً خلال العقود المقبلة؛ حيث شكّلت زيارة الرئيس إيمانويل ماكرون إلى السعودية في ديسمبر (كانون الأول) 2024 محطّة بارزة، وأعطت زخماً سياسياً جديداً للعلاقة الثنائية».

وفسّر صمود العلاقات الثنائية منذ تأسيسها عام 1926 حتى الوقت الراهن، على الرغم من بعض المنعطفات، ذلك لأنها تكمن قوتها في قرن من الثقة المتراكمة، والمشاركة السياسية المستمرة على أعلى المستويات، والعزم على تكييف الشراكة مع كل فترة تاريخية جديدة.

وأضاف ميزوناف: «منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية في عام 1926، عملت فرنسا والمملكة العربية السعودية على توسيع نطاق تعاونهما بشكل مطرد؛ حيث رافقت هذه العلاقة التحول الذي شهدته المملكة نفسها، مع الاستجابة في الوقت نفسه للتحديات الإقليمية والدولية المتتالية. وبعد مرور مائة عام أصبحت هذه العلاقة أوسع نطاقاً وأكثر عمقاً مما كانت عليه في أي مرحلة سابقة من تاريخها».

وتابع: «تتجلى هذه الاستمرارية بشكل خاص اليوم في تعاوننا الدبلوماسي. ففي وقت يمر فيه الشرق الأوسط بواحدة من أكثر فترات التحول أهمية، تتشارك فرنسا والسعودية هدفاً أساسياً، وهو الحيلولة دون أن يصبح عدم الاستقرار دائماً، وإعادة ترسيخ أولوية الدبلوماسية وسيادة الدول والقانون الدولي».

وما يكتسي أهمية خاصة، وفق ميزوناف، هو أن هذا التنسيق الدبلوماسي يتطور جنباً إلى جنب مع شراكة اقتصادية ومجتمعية لا تقل عمقاً؛ إذ تواكب فرنسا التحول الذي تشهده المملكة العربية السعودية في إطار «رؤية 2030»، في مجالات تمتد من الاستثمار والطاقة إلى الثقافة والسياحة والتكنولوجيا والتعليم وتنمية رأس المال البشري.

وبرأيه، يضفي ذلك على العلاقة نطاقاً غير مسبوق، مشيراً إلى أن الحوار الاستراتيجي على أعلى المستويات السياسية يعززه تنامي الروابط بين اقتصادي البلدين ومؤسساتهما ومجتمعيهما.

كما لفت إلى أن الذكرى المئوية لإقامة العلاقات الدبلوماسية تمثل أكثر من مجرد استذكار للماضي، إذ ترمز إلى الانتقال من فصل إلى آخر في مسيرة هذه العلاقة.

وأوضح ميزوناف أن المائة عام الأولى أرست وأسست علاقة قائمة على الثقة، مشدداً على ضرورة أن تستند المائة عام المقبلة إلى هذا الإرث، بما يجعل من فرنسا والسعودية ليس مجرد شريكين في عالم متغير، بل شريكين في صياغة المستقبل.