روبوتات المحادثة... هل تحتلّ محاريب العلم؟

ثورة اجتماعية ومعرفية توازي ما حدث في عدة قرون

روبوتات المحادثة... هل تحتلّ محاريب العلم؟
TT

روبوتات المحادثة... هل تحتلّ محاريب العلم؟

روبوتات المحادثة... هل تحتلّ محاريب العلم؟

من أعظم الاختراعات التي أطلّت علينا مؤخراً بشكل مثير وخطير؛ روبوتات المحادثة القائمة على ثورة الذكاء الصناعي التخليقي (Generative artificial intelligence)، وحسب وصف بيل غيتس مؤسس «مايكروسوفت»، فإن تلك البرامج لها نفس أهمية اختراع الإنترنت، ويقصد برنامجاً جديداً شارك في إصداره مطلع نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، وهو «شات جي بي تي» (ChatGPT)، فبرنامج المحادثة الجديد يستطيع الإجابة عن أي سؤال، وكتابة وابتكار نصوص عادية وبحثية وقصائد ومقالات علمية وأدبية وإعلانات ورسائل بريد إلكتروني وترجمتها؛ بل وإعداد مذكرات أحكام قضائية، ويمكن أن يقوم بحلّ أعوص المسائل الرياضية، ويمكنه محاكاة طريقة وأسلوب أي مفكر وأديب عند الصياغة، باختصار يمكنه أن يفعل أي شيء بالحوار المباشر مع المستخدم.
هذا الاختراع المدهش الذي أنتجته شركة (OpenAI) استخدمت في إنتاجه كميات هائلة من المعلومات المتاحة على شبكة الإنترنت وغيرها من المصادر العامة، بما في ذلك حوارات ومحادثات بين البشر، بحيث يستطيع أن ينتج نصوصاً أشبه بالنصوص البشرية من خلال تعلم خوارزميات تحلل عدداً هائلاً من البيانات، ويعمل بصورة تشبه الدماغ البشري. هذا المنتج العجيب جذب إليه 100 مليون مستخدم بعد شهرين فقط من إطلاقه، ما يجعله التطبيق الأسرع نمواً في التاريخ، وإذا قارناه بأشهر مواقع التواصل الاجتماعي العالمية؛ فإن تطبيق «تيك توك» (TikTok) استغرق نحو 9 أشهر بعد إطلاقه العالمي ليصل إلى 100 مليون مستخدم، في حين احتاج «إنستغرام» (Instagram) إلى فترةٍ بين عامٍ وعامين للوصول إلى هذا العدد. (انظر: رويترز 1/2/2023).
لا أشك أبداً أن هذا النوع من روبوتات المحادثة سيصنع فارقاً كبيراً في خدمة قطاعات واسعة تعليمية وإدارية وتجارية وغيرها، وسيختصر كثيراً من الوقت في إعداد الردود والإجابات المتعلقة بقطاع الخدمات وخدمات العملاء، كما أنه سيطور الأدوات الكتابية كافةً على نحو مذهل، أما التخوفات المتوقعة من هذه البرامج التي يتنافس عدد من الشركات العالمية على توفيرها؛ فهو استحواذها على وظائف نحو مليار شخص على مستوى العالم خلال السنوات العشر المقبلة، وقد يؤدي إلى انتفاء الحاجة إلى نحو 375 مليون وظيفة، أما إيلون ماسك، الخبير والمستثمر في شركة برنامج «تشات جي بي تي» (ChatGPT)، فقد وصف هذا البرنامج في تغريدةٍ له بأنه «جيد بشكل مخيف. لسنا بعيدين عن ذكاء صناعي قوي بشكل خطير». (BBC بواسطة سمية نصر 4/2/2023).
أمام هذا الحدث المذهل من الابتكار العلمي، وتطور خوارزميات الذكاء الصناعي بشكل متسارع يحاكي الدماغ البشري؛ فإنني أضع بين يدي القارئ هذه التأملات الموجزة في موضوع محدد؛ والمتعلق بمستقبل المعرفة، أوردها على النحو الآتي:
أولاً: يحرص الكاتب في هذه الموضوعات - كما لاحظت في عدد من المقالات التي تحدثت عن ثورة روبوتات المحادثة - على الثغرات المهددّة للقوانين أو انتهاكات الحياة العامة، كما أن طبيعة مراكز التفكير في العالم حول أي قضية تركز على المخاطر المتوقعة؛ لبذل مزيد من الحماية والرقابة على معاش الناس وأمنهم، ومن ثمّ قد يشعر القارئ بأن توجه المقال نحو المهددات أكثر من المحفزات والإيجابيات الكبيرة لهذه التقنيات الجديدة، والسبب من وراء ذلك؛ محاولة تسليط الضوء على الثغرات وتكثيف أدوات الاستشعار المتوقعة من أي انحراف قد تنتجه تلك التقنيات الذكية، وإذا تابعنا تاريخ تطور البرامج الحاسوبية في الاتصالات والتواصل الاجتماعي، فإن ثورة اجتماعية ومعرفية حدثت بسببها خلال السنوات العشر الماضية، توازي ما حدث في عدة قرون خلال مسيرة التاريخ الإنساني، سواءً على مستوى طبيعة العلاقات الاجتماعية التي تحولت إلى افتراضية متداخلة وبلا حدود؛ يتم التعبير عنها بكلمات أو صورة أو رمز أو مقطع فيديو دون تعايش حقيقي أو تلاقٍ بدني، أو على مستوى معرفي أدى إلى خلط واسع بين الغث والسمين، والمقبول من المعاني والممارسات والمرفوض منها، وسيولة شديدة في الأفكار سمحت بتبادل كل تلك المنتجات الأخلاقية والمعرفية التي يصنعها الملايين من البشر يومياً في هذه المواقع، ليتمّ استهلاكها بشكل مكثّف وتلقائي ومتكرر؛ يساعد في تذويب كل القضايا الصلبة والمسلمات المعرفية؛ ويجعلها عرضة للتفكيك والتلاشي، ولا نزال في الموجات الأولى من تلك المتغيرات على مستوى الأفراد والمجتمعات.
ثانياً: المتأمل في سلوكيات جيل الأجهزة الكفية وبرامج التواصل الاجتماعي (سناب شات وتويتر وفيسبوك وإنستغرام والتيك توك وغيرها)، يلحظ أن القيمة العظمى للشيء في نظر هذا الجيل؛ تكمن في سرعته، وإيجازه، وانطباعه المثير في الذهن (صور أو فيديو)، وكثرة المعجبين به، وعلامات التقييم له، ومن ثمّ يمنح الفرد - على أساس تلك المعايير - القبول لهذا الشيء أو ردّه، وهذا في الغالب يدور في فلك المشتريات الاستهلاكية، واختيارات المطاعم والمقاهي، أو متابعة فنان أو لاعب أو مشهور، وقد تمتد تلك المعايير في تبني موقف قيمي أو معرفي من حدث أو ظاهرة أو جديد ثقافي، وهذه القرارات اليومية تختلف من شخص لآخر، لأن استعمال تلك الأجهزة والتطبيقات قائم على الحرية الفردية بشكل مطلق في الآراء والاختيارات، ولكن بنظرة أفقية واسعة لهؤلاء الجمع من ملايين المستخدمين لتلك البرامج، نجدهم أشبه بقطع متراصة من البازل، تتناغم كسرب من الطير أو قطيع من الغنم، الكل يعلم مكانه، والكل يجهل من رتّب موقعه في تلك الصورة الجامعة بينهم في مشهدها الأخّاذ من بعيد.
أما مع برامج الذكاء الصناعي لروبوتات المحادثة، فالشأن من وجهة نظري أكثر شغفاً وخطورة، خصوصاً إذا كان الاستخدام للمحادثة في البحث عن معلومات إزاء موقف معين، أو الإجابة لمشكلة معرفية، أو طلب بحث أو مقالة أو تقرير صحافي عن أي ظاهرة أو مشكلة حياتية أو عالمية، والداعي للتوجس هنا، أن البرنامج لا يزال في بدايته، بمعنى أننا أمام استخدام جوال (نوكيا القديم) بينما هناك الجوال الأكثر إثارة (الآيفون الحديث) في انتظارنا، فالنقلة المعرفية في تحليل الإجابات وحلّ المسائل ستقفز بنا بشكل كبير خلال فترة قصيرة؛ مثل أجهزة الاتصال عندما تم إطلاقها وكيف أصبحت بعد مدة وجيزة؟ الأمر الآخر أن مهام روبوتات المحادثة ليست فقط في الترفيه واللذات العابرة؛ بل في بناء العقل المفكِّر، وكيف يتبنى موقفاً صحيحاً لأمر ما، ونوع البراهين التي سيُقنع بها الروبوت مستخدميه، كل ذلك يأتي مع جيل متفرّد، لا ينفكّ جهازه الذكي عن يده، ويدير حياته عبر تلك التطبيقات، إضافةً إلى ذلك؛ هو يكره الانتظار أو الشرح أو التأجيل، وبذلك سوف نجد أنفسنا مع جيل مختلف في تفكيره ومطبوع بآرائه التي أسهم الذكاء الصناعي وعفاريت الإنس من المبرمجين في تطوير إجاباته بما يلبي تطلعات هذا الجيل وطبيعة تفكيره وقولبته في أوعية افتراضية لا يغادرها عقله.
ثالثاً: هل ستقوم روبوتات المحادثة بتقديم وجبات العلم والمعرفة السريعة، على طريقة الترفيه والدردشات الخفيفة؟ وهذا يبدو أنه مقبل وشبه يقيني، ولكن السؤال الأهم: ماذا ستحمل لنا خوارزميات الذكاء الصناعي بقدراتها الهائلة للجمع وتحليل المعلومات؛ من طرق ساحرة تستحوذ على أدمغتنا المفكرة؟ وهل تملك تلك الروبوتات القدرة على فهم طبيعتنا وقيمنا ومعتقداتنا ومجتمعاتنا لتؤثّر علينا باختيارات نوع الإجابة وطريقة الحل ووسيلة الإقناع؟! وسأجيب عن ذلك؛ بأن التقدم الحالي - رغم أنه في البدايات - يُوحي أن روبوتات المحادثة ستنجح في تنظيم اهتماماتنا وتحديد أولوياتنا وتغذيتنا بالأفكار الموجّهة.
وهذا الجواب قد يحمل هاجس المؤامرة التي يعيشها العرب والمسلمون من كل منتج غربي، ولكن الواقع يشير إلى أن منتجي تلك البرامج هم أيضاً أكثر المتوجسين تخوفاً من تلك التقنية والخوارزميات الذكية في حال تمردت عن الاستجابة أو انحرفت حيالها مقاصد المبرمجين، ففي العام الماضي، وجّهت فرنسيس هوغن، وهي موظفة سابقة في شركة «ميتا»، اتهاماً للشركة بتقديم الأرباح على السلامة عبر شبكة الإنترنت، كما تواجه «ميتا» انتقادات بأنها لا تفعل ما فيه الكفاية للحيلولة دون انتشار معلومات مضلِّلة وحديث الكراهية عبر منصاتها: فيسبوك وواتساب وإنستغرام، والشركة لديها برامج لتطوير روبوتات محادثة فائقة الذكاء والخطورة. (BBC. جيمس كلايتون 22/8/2022). وفي سياق آخر؛ أوقفت شركة «غوغل» مهندساً يعمل في البرمجة بعد تصريح له بشأن قدرات روبوت على المحادثة كطفل صغير، أدى هذا التصريح إلى مزيد من التدقيق في قدرات عالم الذكاء الصناعي وزيادة السرية المحيطة به، وفق ما كشفته صحيفة «الغارديان» (سكاي نيوز 22/6/2022).
الأهم في الموضوع؛ هل يمكن أن يصبح العلم ضحية لتلك البرمجيات، في ظل موجة عارمة من تهافت الشباب على تلك المنتجات السهلة والسريعة والمختصرة في تعلّمهم ودراساتهم وأبحاثهم؟
وهذا غير مستبعد من الوقوع، فقد تحمل تلك البرامج رغبات كامنة لإعادة السيطرة الناعمة على مجتمعات العالم من خلال المعرفة والعلوم، وسيزول استغرابنا من ذلك عندما نستدعي حوادث وممارسات أظهرت الشغف الأميركي - بشكل خاص - على حب الاستحواذ والسيطرة، ومن الشواهد على ذلك، بدايات المراكز البحثية لدراسة الشرق والإسلام، التي ظهرت في جامعات ستانفورد وميجيل وهارفارد وكانت مدعومة من عوائل تجارية مثل عائلة فورد وروكفيلر لضمان توجه معين وسياقات محددة تحقّق نتائج مقصودة لتلك المراكز. (انظر: العلمانية وصناعة الدين، لدرسلر ومانداير، طبعة الشبكة العربية، ص 230-238)، ثم محاولة الهيمنة من خلال العملات والبنوك الدولية ومنظمة التجارة العالمية على مفاصل الاقتصاد العالمي، ثم محاولات هيمنة شركات التقنية الكبرى (IBM، وغوغل، ومايكروسوفت، وميتا وغيرها) على سوق التقنية والاتصالات وحربها الضروس مع الشركات الصينية في هذا المجال إلى درجة تدخل الرئيس الأميركي ترمب في حظر التطبيقات الصينية وأجهزة الهواوي في أميركا (BBC في 5/12/2019).
هذه الشواهد وغيرها، بالإضافة إلى ما سبق ذكره في المقال؛ كل ذلك يُشعرنا بالخوف على مستقبل العلم؛ ومدى موثوقيته كمنهج محايد للوصول إلى الحقيقة، فالإخلال بطهورية المعرفة، والإيقاع بها ضحية للتلاعب والمنافسة والاستحواذ من شركات البرمجة والذكاء الصناعي؛ كل ذلك لا يقللّ من شأن العلم فحسب؛ بل يشعرنا باقتراب كوارث الفوضى، وانعدام الثقة في كل شيء.

* كاتب سعودي


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

سيارة جديدة بـ100 ألف دولار لن تصنع السعادة… لماذا لا تكفي؟

للاكتفاء أثر نفسي يعادل وربما يفوق أثر زيادة المال على الصحة النفسية (بيكسلز)
للاكتفاء أثر نفسي يعادل وربما يفوق أثر زيادة المال على الصحة النفسية (بيكسلز)
TT

سيارة جديدة بـ100 ألف دولار لن تصنع السعادة… لماذا لا تكفي؟

للاكتفاء أثر نفسي يعادل وربما يفوق أثر زيادة المال على الصحة النفسية (بيكسلز)
للاكتفاء أثر نفسي يعادل وربما يفوق أثر زيادة المال على الصحة النفسية (بيكسلز)

نميل غالباً إلى الاعتقاد بأن امتلاك شيء باهظ الثمن -كسيارة جديدة بقيمة 100 ألف دولار- سيمنحنا شعوراً دائماً بالسعادة والاكتمال. غير أن التجربة الإنسانية تقول غير ذلك. فالسعادة لا تتعلق بقيمة ما نملك، بل بطبيعة رغبتنا فيه، وبالآلية النفسية التي تدفعنا إلى السعي المستمر وراء المزيد. فما الذي نبحث عنه حقاً: الشيء ذاته، أم الشعور المصاحب للحصول عليه؟

في الواقع، لدى معظم الناس تسلسل هرمي غير معلن في طريقة تفكيرهم بالإنفاق والرغبة:

- إذا لم ترغب في شيء ولم يكن لديك، فلن يشغل بالك.

- إذا رغبت في شيء وحصلت عليه، فقد تشعر بالرضا.

- إذا رغبت في شيء ولم يكن لديك بعد، فقد تشعر بالحماس والترقّب.

- أما إذا رغبت في شيء ولم تستطع الحصول عليه، فقد تصاب بإحباط شديد.

يوضح الخبير في علم نفس المال، مورغان هاوسل، مؤلف كتاب «فن إنفاق المال»، أن طبيعة «الشيء» ليست هي العامل الحاسم. فكوب ماء لشخص عطشان قد يكون أثمن من طائرة خاصة لملياردير يمتلك اثنتين أخريين. القيمة هنا نفسية وسياقية، لا مادية بحتة.

وقال في حديث ضمن شبكة «سي إن بي سي» إن الأمر يصبح منطقياً عندما نفهم ما الذي يريده الدماغ فعلاً، وهو ما يتضح أكثر خلال فترات العطلات والمواسم الاستهلاكية. فعقولنا -في العموم- لا ترغب في السيارات الفاخرة أو المنازل الكبيرة بحد ذاتها، بل تبحث عن «الدوبامين». فالدوبامين مادة كيميائية تُحفّز الرغبة، وتدفع الإنسان إلى طلب المزيد باستمرار: المزيد من الأشياء، المزيد من التحفيز، المزيد من المفاجآت.

ويتابع هاوسل أن السعي وراء هذا الشعور لا تعوقه العاطفة ولا الخوف ولا حتى الأخلاق. فمن منظور الدوبامين، لا تكمن الأهمية في امتلاك الشيء، بل في الحصول على شيء جديد؛ أي شيء جديد.

بمعنى آخر، لا يرغب دماغك في الأشياء المادية لذاتها، ولا حتى في حداثتها بوصفها صفة مستقلة، بل في عملية السعي والترقّب المصاحبة للحصول عليها. يُشبه ذلك ما عبّر عنه الممثل ويل سميث في وصفه للشهرة: «أن تصبح مشهوراً أمر رائع. أن تكون مشهوراً أمر مختلط. فقدان الشهرة أمر بائس. التغيير، لا الكمية، هو المهم». فالمتعة تكمن في التحوّل والانتقال، لا في الثبات عند مستوى معيّن.

هل تحتاج فعلاً إلى ذلك... أم أنك تُطارد ما لا تملك؟

يظهر هذا النمط بوضوح في علاقتنا بالمال. يقول هاوسل: «عندما تكون شاباً، تحلم بامتلاك سيارة؛ أي سيارة. فإذا امتلكت سيارة بقيمة 10 آلاف دولار، بدأت تحلم بسيارة بقيمة 20 ألف دولار، وإذا حصلت على سيارة بـ20 ألفاً، تطلعت إلى أخرى بـ50 ألفاً. وإذا امتلكت سيارة بـ50 ألفاً، أصبح حلمك سيارة بـ100 ألف دولار. وإذا حققت ذلك، بدأت تفكر في امتلاك عدة سيارات بالقيمة نفسها».

ويضيف هاوسل: «أصحاب الملايين ينظرون إلى مَن يملكون مئات الملايين، وهؤلاء ينظرون إلى أصحاب المليارات، ثم إلى أصحاب العشرات من المليارات. أما أصحاب الملايين، فماذا يريدون في نهاية المطاف؟ الخلود».

السؤال الذي لا يفارق أذهانهم هو: «ماذا بعد؟ ما الذي ينقصني؟ كيف أصل إلى المستوى التالي؟». هذا الصوت الداخلي لا يصمت، لأنه انعكاس مباشر لما يطلبه الدماغ: المزيد، دائماً المزيد.

الاكتفاء بالقليل لا يعني الاستسلام

أوضح هاوسل أنه في المقابل، قد يكون للاكتفاء أثر نفسي يعادل -وربما يفوق- أثر زيادة المال على الصحة النفسية. فالقناعة ليست خياراً سلبياً أو علامة على ضعف الطموح، بل موقف واعٍ يمكن التحكم فيه وتحقيقه. وهي، بخلاف سباق الزيادة المستمر، معركة يمكن الفوز بها فعلاً.

وقال: «الرضا بما تملك يمنحك قدرة أعمق على الاستمتاع بالمنزل الذي اشتريته، والملابس التي ترتديها، والإجازات التي تقضيها، فهو يحوّل ما لديك من أشياء عادية إلى مصادر امتنان حقيقي».

وأشار الخبير إلى أنه في نهاية المطاف، يبقى السؤال الجوهري: هل تفضّل أن تكون مليارديراً تستيقظ كل صباح قلقاً بشأن ما ينقصك، وحاسداً مَن يملكون أكثر، أم إنساناً عادياً يستيقظ راضياً، ممتلئاً بالسكينة، قادراً على تقدير ما لديه - مهما كان مقداره؟

قد لا تجعلك سيارة بـ100 ألف دولار سعيداً، لكن فهمك لما يدفعك إلى الرغبة، وقدرتك على تهذيب هذا الدافع، قد يقرّبانك من سعادة أكثر ثباتاً وعمقاً.


حلويات رمضان المصرية... من المنافسة على المذاق إلى «الاستعراض»

كنافة بالتوت أحد اختراعات حلوى رمضان (إنستغرام)
كنافة بالتوت أحد اختراعات حلوى رمضان (إنستغرام)
TT

حلويات رمضان المصرية... من المنافسة على المذاق إلى «الاستعراض»

كنافة بالتوت أحد اختراعات حلوى رمضان (إنستغرام)
كنافة بالتوت أحد اختراعات حلوى رمضان (إنستغرام)

بالتوازي مع منافسات الدراما التلفزيونية، تشتعل منافسة بين أصناف الحلويات الرمضانية في مصر، التي يبدو أنها باتت تؤثر المغامرة على حساب المزاج التقليدي، فلم تعد الكنافة صينية محشوة بالقشطة أو بالمكسرات كما ارتبطت عبر تاريخها، بل باتت رهينة لإضافات «الكريم بروليه» و«الكراميل كرانش» وسواهما من توليفات تندرج تحت «اختراعات» حلويات رمضان.

وتجد هذه «التوليفات» الجديدة لنفسها سوقاً رائجة تغذيها منصات التواصل الاجتماعي، لا سيما مع تبادل الترشيحات للأصناف المستحدثة، سواء لاختيارها هدية لعزائم الشهر، أو بدافع الفضول وتجربة حلوى جديدة بعد الإفطار، ويعزز ذلك حضور صناع المحتوى المتخصصين في الطعام وتجربة التذوق، الذين يخوضون سباقاً يومياً لتجريب أكثر من صنف خلال أيام رمضان، لترجيح كفة صنف على آخر، بل وربما ترتيبها تصاعدياً من الأقل تفضيلاً إلى «الأفضل»، حسب ذائقتهم.

تُبدي الشيف فاطمة سراج، صاحبة صفحة «فوديز» على «فيسبوك»، حماساً واضحاً لما تصفه بـ«اختراعات» الموسم، وتقول: «هذه السنة هناك تجديد كبير في طريقة عرض أطباق الحلوى، مثل تقديم طبق الكنافة بغطاء مصنوع من الشوكولاته التي يمكن إذابتها في الميكروويف، أو الدمج بين الآيس كريم والشوكولاته الساخنة مع قمر الدين، أو حتى تقديم المكسرات والحليب المكثف في عبوات منفصلة، بحيث يقوم المشتري بدمجها في البيت بنفسه مع طبقات الكنافة، بما يجعل الترند الأكثر رواجاً هذا العام هو تقديم الحلوى باعتبارها تجربة متكاملة لا مجرد مذاق».

تقديم الحلوى الرمضانية في علب فخمة ترفع من تكلفة شرائها (إنستغرام)

وتشير إلى أصناف لفتت نظرها في قوائم هذا العام مثل «بقلاوة بالتراميسو»، و«بروفيترول بالكنافة»، و«الكنافة بالتوت» وغيرها من التركيبات التي تمزج بين الشرقي والغربي في طبق واحد، وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «منذ سنوات وهناك ترقب للجديد والغريب في حلوى رمضان، وكثيراً ما تكون تلك الإضافات مبالغاً فيها، بغرض الوصول إلى الترند فقط، حتى لو جاء ذلك أحياناً على حساب المذاق».

ويبدو أن الاهتمام بتقديم الأصناف الجديدة في عروض بصرية «استعراضية» يُعد من أبرز ملامح «ترند» هذا العام، إذ يتكوّن أحد الأصناف من قبة مجسدة مصنوعة من كريمة الفستق، تذوب سرعان ما يُسكب فوقها صوص الشوكولاته الساخنة، لتنساب فوق طبقة الكنافة أسفلها، بما يعزز فكرة الطبقات المتداخلة بين الأطعمة والمذاقات، في صياغة تقوم على الإبهار قبل الاكتفاء بالمذاق.

فوازير شريهان تشارك في «ترند» الحلويات الرمضانية (إنستغرام)

كما يستلهم أحد محلات الحلوى، طابع الفوازير الرمضانية للنجمة شريهان، حيث يقدمون الحلوى داخل علب معدنية تحمل عنوان الفوازير الشهيرة «حاجات ومحتاجات»، لتحمل كل علبة صورة واسم واحدة من شخصيات الفوازير وعلى رأسهن «كريمة» و«فاطيما» و«حليمة»، وتحت غطاء كل علبة «فزورة»، في محاولة لدمج الحلوى بجرعة من الحنين لذكريات رمضان، وواحدة من أشهر فوازيره.

ويعلّق الدكتور أيمن السعيد، استشاري التغذية العلاجية بجامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، بأن «تباري المحلات في تعقيد صناعة الحلويات صار لافتاً منذ فترة، بعدما كانت الحلويات تميل سابقاً إلى البساطة وتعتمد على مكونات محدودة وبسيطة»، ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن «إضافة طبقات من صوصات الشوكولاته والفستق والكراميل وغيرها من الإضافات التي تُغرق الطبق الحلو تكسبه مزيداً من السعرات الحرارية والسكريات والدهون، وهو ما يضاعف العبء الصحي، خصوصاً لدى الأطفال».

كنافة تعلوها قبة من كريمة الفستق (إنستغرام)

ويضيف أن «فكرة تضخيم الكميات وتكثيف المكونات تحوّل الحلوى من متعة إلى حمل غذائي ثقيل، في شهر يُفترض أن يعزز مفهوم الاعتدال لا الإفراط».

ويبدو أن الإضافات التي تُكسب الحلويات الرمضانية مزيداً من السعرات، تُكسبها كذلك ارتفاعاً في الأسعار، إذ باتت بعض الأصناف الرائجة ضمن «ترندات» الحلوى الرمضانية تتراوح بين 600 و1400 جنيه مصري (الدولار يساوي 49.2 جنيه مصري)، غير أن كثيرين يرون أن هذه الأسعار المبالغ فيها لا تستحق تلك المغامرة.

في المقابل، لا تزال الشوادر التقليدية لبيع الكنافة والقطايف بالكيلو تحتفظ بحضورها في الشوارع، حيث تُباع عجائنها طازجة، لتُعد في المنازل وفق الوصفات المعتادة، بعيداً عن صخب الصوصات والتغليف الباذخ.

وتقول آية محمود، موظفة في شركة مبيعات وأم لطفلين: «لا أزال أعد القطايف المقلية، وصينية الكنافة المحشوة بالكريمة كما كنا نأكلها في بيوتنا وبوصفتها التقليدية»، مضيفة لـ«الشرق الأوسط»: «قد أُدخل عليها بعض التغييرات، كإضافة صوص النوتيلا مثلاً للتزيين، لكن في النهاية تظل تكلفة إعدادها منزلياً أقل بمراحل من شرائها جاهزة».


ذكريات الإفطار الرمضاني في القصور الأثرية بمنطقة عسير

 إحياء عادات الإفطار الجماعي في الساحات والأحياء القديمة في منطقة عسير (واس)
إحياء عادات الإفطار الجماعي في الساحات والأحياء القديمة في منطقة عسير (واس)
TT

ذكريات الإفطار الرمضاني في القصور الأثرية بمنطقة عسير

 إحياء عادات الإفطار الجماعي في الساحات والأحياء القديمة في منطقة عسير (واس)
إحياء عادات الإفطار الجماعي في الساحات والأحياء القديمة في منطقة عسير (واس)

خلال شهر رمضان، تتجدد في أحياء منطقة عسير جنوب غربي السعودية مشاهد الألفة التي عُرفت بها المجالس الشعبية قديماً، إذ يعود المجتمع إلى إحياء عادات الإفطار الجماعي في الساحات والأحياء القديمة، في صورة تعكس عمق الترابط الاجتماعي ودفء العلاقات بين الجيران. وتأتي هذه العودة المتنامية في ظل إطلاق مبادرة «أجاويد» التي أطلقها أمير منطقة عسير وأسهمت في تحفيز المجتمعات المحلية على استعادة روح التكافل والتراحم، وإحياء الموروث الرمضاني الذي كان يجمع الصغير والكبير حول مائدة واحدة في مشهد يستحضر بساطة الماضي.

فعاليات رمضان تجمع كبار السن والشباب في موقع تاريخي (واس)

واحتضن حصن آل ثابت الأثري بمركز «الماوين» - شمال مدينة أبها بنحو 50 كيلومتراً - أول من أمس، مبادرة رمضانية نظمها أهالي المركز ضمن فعاليات «أجاويد 4»، جمعت كبار السن والشباب في موقع تاريخي يستحضر ملامح رمضان في الماضي. وشهدت المبادرة عرضاً لأنواع المأكولات الشعبية التي كانت تُقدَّم قديماً خلال الشهر الفضيل، مثل: التمر، والبر، والسمن، والزبدة المستخرجة من الأغنام والأبقار، إلى جانب استعراض طرق إعدادها وأهميتها بوصفها مصدراً رئيساً للغذاء آنذاك، في مشهد أعاد للأذهان بساطة الحياة وتكاتف المجتمع في توفير احتياجاته. وتضمّن المتحف التراثي المصاحب للمبادرة عرضاً لمكونات الحياة اليومية في الماضي، شملت أدوات الحرث والسقيا، والملبوسات القديمة للرجال والنساء، وأدوات الزينة؛ بما يمثل مرجعاً بصرياً حياً يعرّف الأجيال الناشئة بما كان عليه الآباء والأجداد.

وبالنسبة لمسفر بن سعد آل حامد من سكان المنطقة فالمحافظة على العادات والتقاليد وإحياؤها من خلال مثل هذه المبادرات يعدان واجباً مجتمعياً يسهم في ترسيخ الهوية الوطنية، وتحفيز الشباب على الحضور والمشاركة والتعرف على تاريخ آبائهم وأجدادهم. واستعاد آل حامد خلال حديثه مع «واس» الذكريات في بناء البيوت التاريخية، مشيراً إلى ما كان يشهده ذلك من تعاون بين أهالي القرية في تشييد البيوت قديماً، داعياً إلى المحافظة على ما تبقى من البيوت القديمة وإعادة إعمارها، والعناية بالمزارع والإنتاج المحلي الذي كان يمثل مصدر قوت الآباء والأجداد.

مبادرات تستعيد ذكريات الإفطار الرمضاني في منطقة عسير (واس)

من جانبه، عبّر صاحب المبادرة مشبب آل ثابت عن سعادته بإقامة هذه الفعالية ضمن المبادرة المجتمعية «أجاويد 4»، مؤكداً أثرها البالغ في نفوس الحاضرين، لما وفرته من فرصة لاستضافة مختلف شرائح المجتمع، وتفعيل دور التكافل الاجتماعي، وتعريف الأجيال بما كان عليه الآباء والأجداد من عناء ومشقة.

وتُجسِّد المبادرة في مجملها نموذجاً حياً لتعزيز حضور الثقافة والتراث في الفعاليات الرمضانية، وربط الماضي بالحاضر؛ بما يسهم في صون الموروث الشعبي. وأكَّد قائد المبادرة بالمركز عبد الله أحمد شفلوت أن إطلاق المبادرات الرمضانية لم يقتصر على الجوانب الثقافية والاجتماعية والتراثية فحسب، بل شمل حزمة من المبادرات الطبية والبيئية والتوعوية التي جمعت نخبة من أبناء المركز، كلٌّ في مجال تخصصه؛ لتقديم خدمات مجتمعية نوعية لمنسوبي المركز والقرى المجاورة.