زلزال لشبونة يشعل معركة فلسفية كبرى بين فولتير وروسو

أسقط المدينة على عروشها وأوقع 100 ألف ضحية على الأقل

صورة متداولة لرسمة تجسد زلزال لشبونة عام 1755
صورة متداولة لرسمة تجسد زلزال لشبونة عام 1755
TT

زلزال لشبونة يشعل معركة فلسفية كبرى بين فولتير وروسو

صورة متداولة لرسمة تجسد زلزال لشبونة عام 1755
صورة متداولة لرسمة تجسد زلزال لشبونة عام 1755

في الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1755، ضرب زلزال هائل مدينة لشبونة البرتغالية أدى إلى إسقاط المدينة خائرة على عروشها، وإيقاع مائة ألف ضحية على الأقل. لقد هز هذا الزلزال كل العقول المثقفة في أوروبا آنذاك. لقد صدمهم، أذهلهم، دوخهم. ولكن نظراً لعدم وجود وسائل تواصل سريع في ذلك الزمان فإن فولتير، المقيم في جنيف، لم يسمع به إلا يوم 24 نوفمبر؛ أي بعد أكثر من 20 يوماً على حصوله. لم يكن هناك تليفون ولا راديو ولا تلفزيون ولا إنترنت، وإلا لسمع به على الفور في اللحظة التي حصل فيها. وهنا يكمن الفرق الأساسي بين عصر فولتير في القرن الثامن عشر، وعصرنا نحن في القرن الحادي والعشرين. كم نحن محظوظون! كم نحن سعداء! نحن أباطرة دون أن ندري! كل واحد منا فرعون صغير يتربع على عرشه ويتفلسف على البشرية من خلال شبكات التواصل الاجتماعي. ومع ذلك فإننا نتشاكى ونتباكى. هل كان فولتير يستطيع أن يتخيل حجم التقدم الهائل الذي سيحصل بعد موته، وهو الذي فعل كل شيء من أجل هذا التقدم؟ نعم إلى حد ما. كان يقول دائماً: نحن نزرع والأجيال المقبلة تحصد. نحن لن نرى بأم أعيننا ثمرات جهودنا وتعبنا وعرق جبيننا. نحن سنموت في ظل الظلامية الدينية والخرافات والشعوذات ولن نرى أول خيوط الفجر. ولكن ما هم! المهم أن ينتصر التنوير، وأن تستمتع به الأجيال المقبلة. التقدم سوف يحصل حتماً، وسوف يشع بأنواره على كل أوروبا، وربما على البشرية بأسرها. وهذا ما حصل بالفعل بعد موته وموت جيله التنويري العظيم كله.

روسو     -     فولتير

لكن لنعد إلى موضوعنا الأساسي. ماذا فعل زعيم الأنوار الفرنسية عندما سمع بالخبر الصاعق؟ يقال إنه دخل في حالة من الهم والغم لا توصف، وراح يتخيل آلام الضحايا وصرخات المفجوعين من تحت الأنقاض. وجن جنونه! راح يطلق صرخات الغضب في كل الاتجاهات حتى وصل إلى العناية الإلهية ذاتها. أستغفر الله! لماذا كل هذا العذاب يا رب؟ لماذا كل هذه الآلام والفواجع؟ لماذا كل هذا الشر في العالم؟ لماذا لم تمنعه بما أنك قادر على كل شيء؟ ثم تراجع قليلاً واعتذر لأنه مؤمن بالله ولا يمكن أن يكفر به مهما حصل. وعندئذ أصدر «قصيدة برشلونة» التي يطرح فيها كل هذه التساؤلات الفلسفية والميتافيزيقية. وراح يصب جام غضبه على الفيلسوف الألماني الكبير لايبنتز؛ لأنه قال إن الله خلق العالم على أحسن تقويم، وإنه أفضل العوالم الممكنة، وإنه مهما حصل ويحصل لا يحق لنا أن نشتكي على الإطلاق؛ لأنه ما كان بالإمكان أفضل مما كان. وهذه هي الفلسفة التفاؤلية التي أشاعها المفكر الألماني العظيم في الأوساط المثقفة الأوروبية، بدءاً من القرن السابع عشر. انظر كتابه الشهير الصادر عام 1710 بعنوان طويل هو: «مقالات عن علم الربوبية الخاصة بالطيبة الإلهية والحرية البشرية وأصل الشر». لقد سخر فولتير من هذا الكتاب وتصوراته عن العالم في قصيدة برشلونة هذه، واعتبر أن لايبنتز شخص «مغفل»، في حين أنه يوجد شبه إجماع على أنه آخر «العمالقة والعباقرة الكونيين». فهل يعقل أن يكون فيلسوف الألمان مغفلاً أو ساذجاً إلى مثل هذا الحد؟ السؤال الفلسفي الميتافيزيقي الذي طرحه لايبنتز هو التالي: كيف يمكن أن نوفق بين شيئين متناقضين ظاهرياً؟ المقصود: كيف يمكن أن نوفق بين وجود إله طيب ومهيمن وعادل وجبار من جهة، ووجود الشر والمصائب والكوارث الطبيعية من جهة أخرى؟ جواب لايبنتز هو أن العالم كما نعرفه هو أفضل العوالم الممكنة. ولا يمكن أن يوجد عالم آخر أفضل منه، رغم كل الشرور التي قد تحصل فيه؛ وذلك لأن هذه الشرور قد تكون مقدمة ضرورية لخير أعظم يعوض عنها لاحقاً ويغطي عليها. «وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم» صدق الله العظيم. ثم يقول لنا لايبنتز هذا الكلام الجوهري: الألم والقلق والمشاكل هي «ملح العالم» إذا جاز التعبير. ما معنى عالم من دون مشاكل وهموم وتحديات؟ على قدر أهل العزم تأتي العزائم! ما معنى حياة كلها سهولة وسعادة وسرور وحبور على طول الخط؟ كم هي مملة؟ لا تعرف طعم الحلو إن لم تذق طعم المر! ما أجمل لحظات السعادة عندما تجيء بعد لحظات التعاسة والقلق والهم. ما أجمل اللقاء بعد الفراق. وبالتالي فالشر والألم والقلق هي شروط إجبارية لتحقق الخير، إنها وسائل للتوصل إلى اكتمالٍ أعظم لاحقاً.
لقد سخر فولتير من أطروحة لايبنتز وتهكم بها، بل شوّهها قليلاً أو كثيراً عندما قال ما معناه: «كل شيء على ما يرام في أفضل العوالم يا جماعة! افرحوا يا ناس بزلزال لشبونة وموت الأطفال والأمهات! افرحوا بالأنقاض والحطام على مد النظر! فعلاً إنكم أغبياء يا بشر! لماذا لا تحمدون الله على كل هذه النعمة؟ إلخ». هل زادها فولتير «شوية» هنا؟ حتماً زادها. لايبنتز لم يقل ذلك. لايبنتز لم يقل بأن العالم «كامل»، وإنما قال إنه أفضل العوالم الممكنة، وإن الشر مقلّص فيه إلى أقصى حد ممكن. وإلا لكان زلزال لشبونة قد حصل كل يوم أو كل شهر. هذا هو شر العوالم الممكنة فعلاً. وبالتالي فزلزال لشبونة هو استثناء لا يتكرر، وبالفعل لم يتكرر في هذه المدينة منذ عام 1755 وحتى اليوم؛ أي منذ 267 سنة على الأقل.
لكن بعد كل هذه الديباجات والتعريجات والتخريجات، ما علاقة جان جاك روسو بالموضوع؟ لماذا حشرناه هنا، بل حتى في العنوان؟ علاقته أكثر من علاقة؛ وذلك لأن فيلسوف جنيف سوف يفحم فولتير ويقدم تفسيراً آخر لكارثة لشبونة، ولوجود الشر المستطير في العالم، وسوف يكون جوابه أقرب إلى فكر لايبنتز، ولكنه سيتجاوزه أيضاً. إنه تفسير فلسفي من أعمق ما يكون. وقد عبر عن ذلك أقوى تعبير عندما أصدر رسالته الشهيرة عن «العناية الإلهية». كل شيء يحصل كما لو أن جان جاك روسو أراد أن يقول لفولتير: عيبٌ عليك! كفّ عن هذه النزعات الصبيانية! في كل مرة يحدث فيها حادث ما تتهمون الله والقدرة الإلهية وتنسون أنفسكم. المسؤولية تقع على البشر لا على الله جل جلاله يا سيد فولتير. هذه اتهامات سهلة لا تليق بمفكر كبير مثلك. أحياناً نسمع الأمهات وهن يصرخن ثكلى مفجوعات رافعات رؤوسهن نحو السماء: يا رب لماذا مات طفلي؟ لماذا أخذته؟ وهن معذورات. ونحن ننحني أمام صرخات الأمهات. والجنة تحت أقدام الأمهات. ولكن فولتير كمفكر كبير غير معذور. المفكر الكبير يرى إلى أبعد من أنفه أو يفترض ذلك. ثم يضيف روسو: العناية الإلهية التي هي كلها خير وعدل وبركة وحكمة ليست مسؤولة إطلاقاً عما حصل. البشر هم وحدهم المسؤولون. لو أنهم بنوا بيوتهم بشكل متفرق ومتباعد على مساحات واسعة محيطة بالعاصمة البرتغالية بدلاً من بنائها متكدسة بعضها فوق بعض لكانت الخسائر أقل بكثير. وثانياً لو أن أهالي لشبونة غادروا منازلهم على الفور ما إن ابتدأت جدران منازلهم تهتز، بدلاً من أن يحاولوا حمل ثيابهم وحوائجهم والبحث عن فلوسهم وذهبهم... إلخ، لخفت الخسائر كثيراً أيضاً، ولربما انعدمت في نهاية المطاف.
نلاحظ أن محاجّة روسو قيّمة، ولكن كان يصعب تحقيقها في ذلك الزمان؛ لأن العلم التكنولوجي لم يكن قد تقدم كثيراً كما في عصرنا. فمثلاً اليابان المشهورة بالزلازل ما عادت تخشاها؛ لأنها بنت البنايات بطريقة معينة تجعلها قادرة على مقاومة الهزات الأرضية بكل فاعلية. ثم علّمت الشعب كيفية التصرف لحظة حصولها. واستبطن اليابانيون ذلك في سلوكهم اليومي. ويقال إنه في عام 2011 حصل زلزال هائل في اليابان بقوة 9 ريختر، ومع ذلك لم تتأثر البلاد به، ولم تتساقط ناطحات السحاب، بل لم يتوقف 27 قطاراً فائق السرعة، وسارت الأمور وكأن شيئاً لم يكن. من يصدق ذلك؟ هنا تكمن معجزة الحداثة. وهذا ما عناه جان جاك روسو ضمنياً. ولكن منطقتنا، بما فيها تركيا وسوريا، ليست متقدمة ولا غنية كبلد كبير وجبار كاليابان. ولا تستطيع أن تضخ مئات المليارات من الدولارات في بناء المساكن المضادة للزلازل.
أخيراً، اسمحوا لي أن أتحدث عن زلزال آخر لا أحد يتحدث عنه. عنيت به الزلزال الطائفي والمذهبي الذي يخترق المنطقة منذ عقود، والذي دمرها أكثر من هذا الزلزال الأرضي الجيولوجي الأخير. فهل ستكون هذه الظروف العصيبة فرصة سانحة لمحاسبة الضمائر، وللتوقف عن الأحقاد والصغائر؟ هل يمكن أن تدفع الجميع إلى التقارب والتضامن والتآخي لمواجهة المصاب المشترك بدلاً من التباعد والكراهية، وكأننا لسنا شعباً واحداً في نهاية المطاف؟ هذا هو السؤال الذي يخطر على بالي في هذه اللحظة بالذات. ولكن أخشى ما أخشاه أن يكون الزلزال الطائفي الذي يكتسح المنطقة أقوى بكثير من زلزال الطبيعة وهيجاناتها وانفجاراتها!


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

«منزال» يحتفي بالإرث الطبيعي للدرعية التاريخية

«منزال» يحتفي بالإرث الطبيعي للدرعية التاريخية
«منزال» يحتفي بالإرث الطبيعي للدرعية التاريخية
TT

«منزال» يحتفي بالإرث الطبيعي للدرعية التاريخية

«منزال» يحتفي بالإرث الطبيعي للدرعية التاريخية
«منزال» يحتفي بالإرث الطبيعي للدرعية التاريخية

ضمن برامج موسم الدرعية 25 - 26 بالرياض انطلقت، الخميس، تجربة سياحية ترفيهية مستوحاة من جمال الحياة التقليدية وروح الضيافة السعودية العريقة ضمن برنامج «منزال» الذي يجمع بين السياحة البيئية والترفيه الثقافي بموقع يطل على وادي صفار على ضفاف وادي حنيفة. ويستعرض البرنامج، الذي يستقبل زواره يومياً من الساعة الخامسة مساءً وحتى الواحدة بعد منتصف الليل، ملامح الحياة في الدرعية من خلال تجربة متكاملة تعزز الجذب السياحي، وتشمل: سرد القصص التراثية، والاستمتاع بالأجواء الطبيعية، والأمسيات الشعرية، والمأكولات الشعبية، إلى جانب مجموعة من الأنشطة الترفيهية المتنوعة، كالفروسية، والصقارة، ورمي السهام، وتجارب الفلك.

ويضم البرنامج 4 مناطق رئيسية تبرز المكانة التاريخية والحضارية للدرعية بوصفها مهداً للثقافة السعودية، ويقدّم من خلالها تجارب نوعية، من أبرزها تجربة «العلوم» التي تتيح للزوار التعرّف على صناعة الجلود، والسجاد، والأخشاب، إلى جانب تجربة «سلوم» التي تعزز الوعي بالقهوة السعودية، ونباتات الصحراء، وأساليب إشعال الحطب، وحلب الإبل، وصناعة الخيام، في إطار يعكس التراث بأسلوب تفاعلي ترفيهي.

ويقدّم البرنامج تجربة «فارس البادية» التي تمنح الزوار فرصة ركوب الخيل وممارسة الرماية، إضافةً إلى تجربة «الصقارة» التي يتعرّف الزائر من خلالها على فنون الصيد بالصقر العربي، وتجربة «المشرف» التي تتيح تأمل النجوم في سماء الدرعية الصافية؛ ما يعزز السياحة الفلكية، ويوفر أجواءً هادئة في أحضان البيئة الطبيعية.

ويُعد وادي صفار معلماً جيولوجياً وتاريخياً بارزاً، يتميّز بتكويناته الصخرية وأراضيه الزراعية التي شكّلت عبر العصور مصدراً للخير وملاذاً للسكان، وداعماً للزراعة والاستقرار على ضفاف وادي حنيفة، الذي عُرف بوصفه وجهة للتنزّه والاستجمام، لا سيما في فصل الشتاء، كما تبرز أهمية الموقع الاستراتيجية جنوب غربي الدرعية، حيث مثّل منطقة دفاع رئيسية في عهد الدولة السعودية الأولى، وشاهداً حياً على تاريخ راسخ في الوجدان الوطني.

ويأتي موسم الدرعية 25 - 26 بوصفه محطة عالمية تجمع بين السياحة والترفيه والثقافة، إذ يتيح للزوار من داخل المملكة وخارجها خوض رحلة عبر الزمن، لاكتشاف المواقع التراثية العريقة التي شكّلت مركز الثقل السياسي والثقافي للمنطقة، من خلال تجارب متنوعة وعروض مبتكرة بمعايير عالمية، تعكس هوية الدرعية التاريخية، وتمزج بين العراقة النجدية والتطور الذي تشهده المملكة في مختلف المجالات.


تفادياً للسخرية... فنانون مصريون يقاطعون «السوشيال ميديا»

الفنان أحمد السقا قدم العديد من الأفلام والأعمال الدرامية (حسابه على موقع «فيسبوك»)
الفنان أحمد السقا قدم العديد من الأفلام والأعمال الدرامية (حسابه على موقع «فيسبوك»)
TT

تفادياً للسخرية... فنانون مصريون يقاطعون «السوشيال ميديا»

الفنان أحمد السقا قدم العديد من الأفلام والأعمال الدرامية (حسابه على موقع «فيسبوك»)
الفنان أحمد السقا قدم العديد من الأفلام والأعمال الدرامية (حسابه على موقع «فيسبوك»)

أعلن الفنان المصري، أحمد السقا، اعتزاله مواقع التواصل الاجتماعي بعدما وصفه بالسخرية من كلامه والتقليل من شأنه، عقب ظهوره المتلفز في برنامج «واحد من الناس» الذي يقدمه الإعلامي عمرو الليثي، وذلك احتفالاً ببدء العام الميلادي الجديد، خلال حلقة بعنوان «سهرة رأس السنة».

وكتب السقا، عبر حسابه الرسمي على موقع «فيسبوك»، الجمعة: «حسبي الله ونعم الوكيل في كل من سخر وقلل من شأني، وكذبني في كل كلمة وردت على لساني، أنتم خصومي أمام الله»، واختتم منشوره بإعلانه وداع السوشيال ميديا.

وتناول السقا، خلال حديثه في «سهرة رأس السنة»، موضوعات عدة من بينها كواليس علاقته بأولاده، وبزوجته السابقة الإعلامية مها الصغير، وكواليس تصوير بعض أعماله، وكيف تلقى خبر وفاة صديقه الفنان سليمان عيد، حيث أكد السقا أن الفنان الراحل «سيدخل الجنة على مسؤوليتي الشخصية»، والتصريح الأخير عرضه لانتقادات بالغة، عقب تداوله على نطاق واسع بـ«السوشيال ميديا».

وتباينت التعليقات على حساب أحمد السقا بموقع «فيسبوك»، بين مؤيد ومعارض لاعتزاله مواقع التواصل، حيث أكدت تعليقات أن قراره سليم، وأن البعد سيعود عليه بالراحة والهدوء، بينما أشار البعض إلى أن تصريحاته كانت عادية ولا تحتمل كل هذه الانتقادات التي تعرض لها بعالم السوشيال ميديا الذي يضم فئات عدة، وبه الصالح والطالح، إذ طالبه البعض بالحذر فقط، مع اعتراضهم على اعتزاله بشكل نهائي.

ونال ظهور أحمد السقا في «سهرة رأس السنة»، ترحيباً «سوشيالياً» كبيراً، وتصدر هاشتاج «أحلى سهرة مع عمرو الليثي»، «الترند»، على موقع «إكس» بمصر، الجمعة، وأشاد باللقاء والتصريحات عدد كبير من المتابعين، مؤكدين بساطته وإنسانيته، بينما وصف البعض الحلقة بأنها كانت بطعم الفرحة.

الفنان أحمد السقا (حسابه على موقع «فيسبوك»)

وعن رأيه في انتقاد الناس للمشاهير، والسخرية من تصريحاتهم، لدرجة إعلان البعض اعتزال مواقع التواصل لعدم تحملهم ما يجري، وهل الهروب من ساحة السوشيال ميديا أصبح هو الحل أو المواجهة أفضل؟ أكد الناقد الفني المصري عماد يسري أن «كل شخص عادي في حياته اليومية مسؤول عما يحدث له بالمقام الأول، وفيما يخص المشاهير، فإن الفنان شخصية عامة، وعادة ما يكون في مرمى الانتقادات والهجوم بشكل أو بآخر»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «لذلك البعد والاكتفاء بالظهور الفني هما الصواب في كثير من الأحيان»، لافتاً إلى أهمية «الهروب من ساحة (السوشيال ميديا) بالنسبة للمشاهير الذين لا يجيدون فن التعامل مع الجمهور، أو أن يلتزموا الحذر في تصريحاتهم».

ونوه يسري بأن العلاقة بين المشاهير والناس على مواقع التواصل، خرجت عن سياقها، وأصبحت التصريحات الجدلية سبباً رئيسياً في حالة الصدام والصراع التي انتشرت بشكل مكثف أخيراً.

وقبل أحمد السقا قاطع بعض الفنانين مواقع التواصل مؤقتاً، تفادياً للانتقاد أو السخرية، أو التدخل في حياتهم الشخصية، وكذلك لتجنب التعليقات المسيئة، أو لعدم رغبتهم بالتعامل من خلالها سوى لترويج أعمالهم الفنية، من بينهم شيرين عبد الوهاب، وكريم عبد العزيز، وماجد الكدواني، وغادة عبد الرازق، وغيرهم.

وتعرض أحمد السقا لانتقادات أخرى قبل تصريحات «سهرة رأس السنة»، مثل السخرية من حديثه بالإنجليزية في مقطع فيديو نشره على حساباته بمواقع التواصل، أعلن فيه دعمه لكابتن منتخب مصر، محمد صلاح، في أزمته التي أثيرت حينها مع نادي ليفربول الإنجليزي، إلى جانب الجدل حول منشوراته ومداخلاته الإعلامية خلال أزمته الأخيرة مع طليقته المذيعة مها الصغير.


جورج أبو مهيا: «جيم 1983» امتداد لسيرة جيل كامل في لبنان

المخرج اللبناني أبو مهيا (الشرق الأوسط)
المخرج اللبناني أبو مهيا (الشرق الأوسط)
TT

جورج أبو مهيا: «جيم 1983» امتداد لسيرة جيل كامل في لبنان

المخرج اللبناني أبو مهيا (الشرق الأوسط)
المخرج اللبناني أبو مهيا (الشرق الأوسط)

في فيلمه القصير «جيم 1983»، يعود المخرج اللبناني جورج أبو مهيا إلى بيروت لا بوصفها مدينة حرب فقط، بل بوصفها ذاكرة طفولة، وفضاء للخيال، ومكاناً هشاً يستطيع طفل في السابعة أن يفرض عليه، ولو للحظة، وقفاً لإطلاق النار. الفيلم، وهو عمل رسوم متحركة ثنائية الأبعاد مستوحى من أحداث حقيقية؛ إذ يتتبع رحلة صبي يتجول في شوارع بيروت خلال الحرب الأهلية اللبنانية عام 1983، مستعيناً ببطل خارق تستحضره مخيلته ليهرب من واقع قاسٍ، قبل أن تعيده نهاية الهدنة إلى خوف من نوع آخر ينتظره داخل البيت.

أبو مهيا، المعروف بأعماله التي تمزج الفن البصري بالتعليق السياسي والاجتماعي، لم يتعامل مع «جيم 1983» بوصفه مشروعاً تقنياً بقدر ما رآه امتداداً لسيرة جيل كامل في لبنان؛ ففكرة الفيلم كما يقول لـ«الشرق الأوسط»، قد «جاءت من المنتج المنفذ جورج مكتبي، الذي حمل في ذهنه قصة شخصية تعود إلى طفولته، حين فقد والده وكان في السابعة من عمره، وكان يلجأ إلى الرسم كوسيلة للنجاة. هذا التقاطع في التجربة خلق رابطاً فورياً بيني وبين المشروع، خصوصاً أننا ننتمي للجيل نفسه، وعشنا في الفترة ذاتها في بيروت».

يشرح المخرج الذي حصل فيلمه على تنويه خاص في مسابقة الأفلام القصيرة بالدورة الماضية من «مهرجان البحر الأحمر»، أن تبنّيه للفيلم جاء أيضاً من علاقته الخاصة بالأفلام القصيرة، مستعيداً تأثير فيلم الرسوم المتحركة الشهير «Father and Daughter»، الذي شاهده بعد سنوات قليلة من وفاة والده؛ ذلك الفيلم، الذي يتناول فقدان الأب من منظور طفولي، ترك أثراً عميقاً فيه، وجعله يرى في «جيم 1983» فرصة لصناعة عمل شخصي، يعبر حدود السيرة الفردية إلى الذاكرة الجماعية.

عُرض الفيلم للمرة الأولى عربياً في «مهرجان البحر الأحمر» (الشركة المنتجة)

العمل على الفيلم تمّ بروح جماعية؛ إذ شارك أبو مهيا في الكتابة مع جورج مكتبي وفرح شقير. ورغم وجود كتابات أولية قبل انضمامه، فإن القصة، بحسب قوله، قد «بدأت تتشكّل فعلياً خلال النقاشات المشتركة، حيث جرى بناء الهيكل السردي تدريجياً». واعتمد أبو مهيا بشكل أساسي على «ستوري بورد»، معتبراً أن الفيلم يُكتب بالصورة أكثر مما يُكتب بالكلمات، وسعى لتقديم تجربة بصرية يمكن أن يتفاعل معها المشاهد حتى في غياب الحوار.

أصعب ما واجه المخرج اللبناني في التجربة، كما يروي، كان التعبير عن المشاعر المرتبطة بالحرب من دون اللجوء إلى اللغة، فـ«الخوف، والقلق، والترقّب... لا يمكن شرحها مباشرة، بل يجب تحويلها إلى صور وإيقاعات»، على حد تعبيره؛ لذلك لجأ إلى تفاصيل محفورة في الذاكرة ما بين الجدران، والأطفال في الشوارع، ورجال الميليشيات، والرموز البصرية التي شكّلت وجدان تلك المرحلة، كما شكّلت صور المصور رمزي حيدر مرجعاً أساسياً، بوصفها من أكثر الصور رسوخاً في توثيق الحرب الأهلية اللبنانية.

التحدي الآخر الذي يرصده أبو مهيا تمثّل في عامل الزمن، فـ«خلال عشر دقائق فقط، كان علينا أن نقدّم قصة مكتملة، قادرة على ملامسة جمهور لا يشترك بالضرورة في الخلفية الثقافية نفسها؛ لذلك خضت عملية طويلة من الحذف وإعادة البناء، أنجزت خلالها عدداً كبيراً من الرسومات الأولية، بحثاً عن أبسط شكل ممكن يحمل أكبر قدر من المعنى».

يعود الفيلم بقصته إلى ثمانينات القرن الماضي في لبنان (الشركة المنتجة)

استغرق تنفيذ الفيلم نحو عام وشهرين، وكانت مرحلة التحريك الأكثر تعقيداً. يصف أبو مهيا هذه المرحلة بأنها شبه مستحيلة أحياناً؛ إذ تتطلب التفكير في كل حركة على مستوى أجزاء الثانية، حيث تحتوي الثانية الواحدة على أربعة وعشرين إطاراً. ورغم أنه كتب السيناريو، فإن الصورة ظلت الأساس، وكان يختبر المشاهد باستمرار عبر مراقبة فريق العمل، مسجلاً تفاعلهم معها قبل اتخاذ القرار النهائي.

مشاركة «جيم 1983» في مهرجان البحر الأحمر السينمائي شكّلت محطة مهمة في مسار الفيلم. ورغم أن أبو مهيا لم يتمكن من حضور المهرجان لظروف عائلية، فإنه تابع كل التفاصيل عن بُعد، معتبراً أن التقدير الذي حصل عليه الفيلم علامة إيجابية على وصوله إلى جمهوره المستهدف.

ويرى المخرج أن أفلام الرسوم المتحركة القصيرة باتت تحظى اليوم بمكانة متقدمة في المهرجانات السينمائية، مؤكداً أن «الفيلم القصير أصعب من الطويل، خصوصاً في مجال التحريك؛ إذ يجب اختصار قصة كاملة في دقائق معدودة». في هذا السياق، يولي أبو مهيا أهمية خاصة للموسيقى، التي اعتبرها صوت الفيلم الداخلي.

وفي موازاة هذا الفيلم، يواصل جورج أبو مهيا العمل على مشاريع جديدة في مجال الرسوم المتحركة؛ فبعد إنجازه فيلم «أليفيا 2053»، وهو أول فيلم رسوم متحركة طويل باللغة العربية من إخراجه، يعمل حالياً على تطوير مشروع سينمائي طويل، بالتعاون مع المخرجة نادين لبكي، والملحن خالد مزنّر.