القلق داء عابر للأجيال... أي جيل هو الأكثر تأثّراً؟

الجيل إكس في صدارة القلقين وجيلا زد والألفيّة ليسا أفضل حالاً (رويترز)
الجيل إكس في صدارة القلقين وجيلا زد والألفيّة ليسا أفضل حالاً (رويترز)
TT

القلق داء عابر للأجيال... أي جيل هو الأكثر تأثّراً؟

الجيل إكس في صدارة القلقين وجيلا زد والألفيّة ليسا أفضل حالاً (رويترز)
الجيل إكس في صدارة القلقين وجيلا زد والألفيّة ليسا أفضل حالاً (رويترز)

يُسمّى القلق «مرض العصر»، لكن قد يكون من المنطقيّ أكثر، أن يُطلق عليه مرض كل العصور، إذ لم ينجُ منه أيُ جيل. وإذا كانت غالبية الدراسات تشير إلى أنّ الجيل «إكس» (1965 - 1980) هو الأكثر تأثّراً بالقلق، فهذا لا يعني أنّ الأجيال اللاحقة وحتى السابقة، هي بحالٍ أفضل.

تلحظ المتخصصة في علم النفس العيادي يارا بصيبص، أنّه مع تقدُّم الأجيال، يرتفع منسوب القلق. فبين «الجيل الصامت» (1928 - 1945) و«الجيل زد» (1997 - 2012) مسافة 84 عاماً، تبدّلت خلالها مسبّبات القلق وتجلّياته. واجه الجيل الصامت تحديات الحرب العالمية الثانية، لكنه تحصّنَ بالروابط الاجتماعية الوثيقة، وتعاملَ بصلابة مع التجارب الصعبة، ما ساعده في الحَدّ من الضغوط النفسية.

1965 - 1980... الجيل X في صدارة القلقين

الأثقال الماليّة

يُعرف الجيل إكس بـ«الجيل السندويتش»، لأنه يتوسّط جيلَين ينتمي إليهما كلٌ من أهله وأولاده، وتقع عليه بالتالي مسؤولية الاعتناء بالكبار والصغار في آنٍ معاً. هذا واقعٌ لم تسهّله التحديات المادّية التي كان على أبناء هذا الجيل أن يواجهوها، مثل موجة التضخّم العالمي وجائحة كورونا، اللتَين تزامنتا مع ذروة فترة إنتاجيّتهم المهنية، وهُم لم يدّخروا بالتالي ما يكفي من مال لتقاعد مريح.

توضح بصيبص في حديثها مع «الشرق الأوسط»، أنّ «الجيل زد عانى من أحداث محوريّة مثل الأزمات الاقتصادية والتغيّرات الاجتماعية والتوترات السياسية، وقد أسهمت تلك التجارب في ازدياد القلق لديه». وتضيف أنه كان على هذا الجيل التنقّل وسط عالمٍ يتغيّر بسرعة، ما ضاعف التوتّر.

اضطر الجيل إكس إلى التأقلم مع عالم سريع التغيّرات ما ضاعف القلق لديه (رويترز)

التحديات التكنولوجية

اضطرّ أبناء الجيل إكس إلى أن يتأقلموا مع النقلة الدراماتيكية التي شهدها العالم باتّجاه التكنولوجيا والإنترنت، ما زاد القلق لديهم على المستويَين الشخصي والمهني. ووجدوا أنفسهم مضطرّين للتمكّن من تقنياتٍ طارئة عليهم، ولا يستطيعون الاستمرار في حياتهم ووظائفهم من دونها. ولم يأتِ ذلك من دون ضريبةٍ نفسيّة.

الجيل إكس والصحة النفسية

في مختلف مراحل حياتهم، كان أبناء الجيل إكس الأكثر عرضةً لمسبّبات القلق والتوتر، إلا أنهم أكثر صموداً من سواهم. فهم يتميّزون بقدرة كبيرة على التأقلم مع الظروف، لأنهم كبروا وهم يخطّطون لمستقبلهم بشكلٍ مستقلّ. ومن بين سماتهم المرونة، والتجدّد، والقدرة على التحمّل، والتأقلم السريع.

غير أنّ موضوع الصحة النفسية لا يزال أقرب إلى المحرّمات في نظرهم. برأيهم، لا يستأهل العلاج سوى مَن تعرّض لصدمة كبيرة جرّاء الحروب أو الاعتداءات الجنسية. أما طلب المساعدة النفسية لمجرّد المعاناة ضمن العائلة، أو في العمل أو من التنمرّ، فمن شبه المستحيل بالنسبة إليهم.

ما زالت غالبية الجيل إكس تتردّد في طلب المساعدة النفسية (أ.ف.ب)

1981 - 1996... جيل الألفيّة وهاجس النجاح

أبطال الاحتراق الوظيفي

أظهرت دراسة أجرتها شركة «ستاتيستا» العالمية عام 2024، أنّ 50 في المائة من جيل الألفيّة يعدون السبب الأساسي لشعورهم بالقلق والتوتّر، هو مستقبلهم المالي على المدى البعيد.

ومن الطبيعي أن يدور قلق جيل الألفيّة في فلك المال والعمل، وتشير بصيبص في هذا الإطار، إلى أن «أزمة 2008 والركود العالمي أثّرا كثيراً على هذا الجيل الذي واجه صعوبة في العثور على وظائف مستقرة ذات رواتب جيدة. كما كان عبء الديون والقروض الطالبيّة ثقيلاً على كاهلهم».

وأكثر ما يقلق جيل الألفيّة إذن هو النجاح المهني والاستقلال المادي ونَيل إعجاب الآخرين. وبما أنهم من أكثر الأجيال تعليماً، لا يصعب عليهم تحقيق ذلك. إلّا أنّ النجاح لا يأتي من دون ثمن، هو بمعظمه نفسيّ في حالة جيل الألفيّة الذي كان أكثر مَن عانى من الاحتراق الوظيفي، خصوصاً خلال جائحة كورونا.

أكثر ما يقلق جيل الألفيّة هو النجاح المهني (رويترز)

تحقيق الذات أوّلاً

لا يهجس أبناء جيل الألفيّة بالزواج وتأسيس عائلة بقَدر الأجيال السابقة، ويميلون إلى تأخير هذا المشروع، أو الاستغناء عنه كلياً. إذ تبقى الأولوية بالنسبة إليهم تحقيق ذواتهم، و«البحث عن الأمان المالي، وإعادة تقييم مبادئهم، والسعي إلى الموازنة بين العمل والحياة الخاصة»، وفق تعبير بصيبص. وهم متصالحون أكثر من الجيل إكس مع فكرة الاهتمام بصحّتهم النفسية.

1997 - 2012... الجيل زد قلق لكنه يحب ذاته

تنقل بصيبص عن «جمعية علم النفس الأميركية»، أنّ «الجيل زد يواجه مستويات أعلى من التوتر نتيجة عوامل عدة؛ منها التغيّر المناخي، وجائحة كورونا، وغياب المساواة الاجتماعية، وسطوة السوشيال ميديا والذكاء الاصطناعي». وقد أصدرت منظّمة الصحة العالمية تقارير أكدت أن الصحة النفسية للشباب أصبحت قضية مزدادة الأهمية.

كما اصطدم هذا الجيل بظروف وظيفية معقّدة تزامنت وجائحة كورونا. تعرّض الجيل زد لبيئة العمل السامة، حيث يتكدّس العمل، ويغيب الأمان، وتتضاءل الرواتب، وتزداد مخاطر الطرد. لكن في مقابل قلقهم الكبير الذي يتعارض وسنّهم الصغيرة، فإنّ أبناء الجيل زد يفكّرون بالعمل بطريقة مختلفة عن سواهم من أجيال، إذ يرون الوظيفة جزءاً من حياتهم، وليس معنى لحياتهم.

بالنسبة إلى الجيل زد... الوظيفة هي جزء من حياتهم وليست معنى وجودهم (رويترز)

بالتالي، غالباً ما يختارون وظائف لا تسلبهم فرصة الاستمتاع بالحياة، كقضاء الوقت مع العائلة والأصدقاء، واختبار تجارب جديدة كالسفر وممارسة الهوايات. لكن لا يجب الاعتقاد بأنهم غير طموحين في العمل، لا بل إنهم متطلّبون ويتوقّعون من مديريهم التشجيع والتوجيه والترقية.

وفق بصيبص، «يتمتّع الجيل زد بانفتاحه على الحديث عن الصحة النفسية، ما قد يعطي انطباعاً بأنه يعاني من ضغوط أكبر من سواه». لكن في هذا الأمر إيجابية، إذ بمجرّد البوح بالقلق والتوتّر والتعبير عن المخاوف، يكون الجيل زد قد حطّم المحرّمات المرتبطة بالصحة النفسية، وانخرط في حل المشكلة التي يواجهها.

يختار الجيل زد وظائف لا تحرمه الاستمتاع بالحياة وممارسة الهوايات والسفر (رويترز)

قلق الـBaby Boomers

جيل ما بعد الحرب العالمية الثانية المولود ما بين 1946 و1964، والمعروف بـBaby Boomers، هو أسطَع دليل على أنّ القلق متوارث عبر الأجيال. ينتمي آباؤهم إلى الجيل الصامت الذي عاصر الحرب، والذي ربّى أبناءه على قواعد صارمة، ومع توقعات عالية منهم، كل ذلك بعيداً عن مظاهر العاطفة والحنان.

هذا الجيل الذي يواجه حالياً هواجس التقدّم في السنّ والتقاعد الوظيفيّ، لطالما ركّز على النجاح المهني وجمع المال وسط ثقافة التنافس في أماكن العمل. وقد انعكس ذلك سلباً على صحته النفسية، في وقتٍ كان فيه علاج تلك الأزمات يُعدُّ وصمة عار.


مقالات ذات صلة

دراسة: استخدام الأطفال المكثف لمواقع التواصل يزيد مخاطر المشاكل النفسية

صحتك يؤثر استخدام الأطفال للهواتف على النوم وصحتهم العقلية (أرشيفية-أ.ف.ب)

دراسة: استخدام الأطفال المكثف لمواقع التواصل يزيد مخاطر المشاكل النفسية

أظهرت دراسة حديثة أن الأطفال الذين يقضون أكثر من ثلاث ساعات يومياً على مواقع التواصل أكثر عرضة للإصابة بمشاكل الصحة النفسية، بما في ذلك الاكتئاب والقلق.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك استهلاك القهوة بكميات معتدلة قد يقلل مخاطر الإصابة بالاكتئاب (أ.ف.ب)

ما الكمية المثالية من القهوة لتقليل التوتر؟

كشفت دراسة جديدة أن استهلاك القهوة بكميات معتدلة قد يقلل مخاطر الإصابة بالتوتر والاكتئاب، مع تحديد «الكمية المثالية» بما يتراوح بين كوبين وثلاثة يومياً.

«الشرق الأوسط» (بكين)
صحتك الكتابة تساعد الإنسان على تعزيز الصمود النفسي وإعادة تنظيم أفكاره ومشاعره (رويترز)

عادة يومية تساعدك على تجاوز الألم والصدمات... تعرف عليها

كشفت دراسات حديثة أن هناك عادة يومية بسيطة يمكن أن تساعد الأشخاص بشكل فعال على تجاوز الألم والصدمات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك علب من «أوزمبيك» و«ويغوفي» (رويترز)

دراسة تؤكد: حقن إنقاص الوزن قد تُحسن الصحة النفسية

كشفت دراسة حديثة أن بعض حقن إنقاص الوزن الشهيرة، مثل أوزمبيك وويغوفي، قد تساعد في تخفيف أعراض القلق والاكتئاب.

«الشرق الأوسط» (هلسنكي)
يوميات الشرق اضطراب القلق الاجتماعي عبارة عن حالة نفسية تتسم بالخوف أو القلق الشديد في المواقف الاجتماعية (بيكسلز)

«تدريب الفضول»: طريقة بسيطة لإدارة القلق الاجتماعي

يبرز «تدريب الفضول» بوصفه إحدى تقنيات اليقظة الذهنية التي تُستخدم ضمن العلاج السلوكي المعرفي، بهدف التخفيف من القلق الاجتماعي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

السعودية تتقدم 10 مراتب في تقرير السعادة العالمي

تحولات إيجابية شاملة شهدتها قطاعات السياحة والثقافة والترفيه والرياضة في السعودية (واس)
تحولات إيجابية شاملة شهدتها قطاعات السياحة والثقافة والترفيه والرياضة في السعودية (واس)
TT

السعودية تتقدم 10 مراتب في تقرير السعادة العالمي

تحولات إيجابية شاملة شهدتها قطاعات السياحة والثقافة والترفيه والرياضة في السعودية (واس)
تحولات إيجابية شاملة شهدتها قطاعات السياحة والثقافة والترفيه والرياضة في السعودية (واس)

حقَّقت السعودية تقدماً لافتاً في تقرير السعادة العالمي لعام 2026، إذ جاءت في المرتبة الـ22 عالمياً من بين 147 دولة، بتقدم 10 مراتب عن ترتيبها العام الماضي، وبدرجة تقييم بلغت 6.817 من 10 على مقياس تقييم الحياة.

ويصدر هذا التقرير السنوي عن مركز أبحاث الرفاهية في جامعة أكسفورد بالتعاون مع مؤسسة «غالوب» الدولية بالتزامن مع اليوم العالمي للسعادة في 20 مارس (آذار).

ويعتمد التقرير على استطلاعات رأي تشمل أكثر من 140 دولة، تقيس مستوى رضا الأفراد عن حياتهم وفق عدة عوامل رئيسية، أبرزها: الناتج المحلي الإجمالي للفرد، والدعم الاجتماعي، ومتوسط العمر الصحي المتوقع، والحرية في اتخاذ القرارات، والكرم، ومستوى مكافحة الفساد.

وتؤكد النتيجة نجاح الجهود المبذولة ضمن «رؤية السعودية 2030»، لا سيما عبر «برنامج جودة الحياة» الذي يعتمد هذا التقرير كأحد المؤشرات المرجعية له.

وتجاوزت مساهمة قطاعات جودة الحياة في الناتج المحلي الإجمالي للبلاد 20.5 مليار دولار، وجذبت ما يزيد عن 5.8 مليارات دولار في الاستثمارات غير الحكومية، كما عزَّزت الصادرات غير النفطية بأكثر من 5.6 مليارات دولار.

ويعكس التقدم المطرد في ترتيب السعودية الأثر الإيجابي للتحولات الشاملة التي شهدتها قطاعات السياحة والثقافة والترفيه والرياضة، حيث أسهمت في تعزيز أنماط الحياة الصحية بالمجتمع، وبناء منظومة متكاملة ترتكز على الإنسان وتُعزِّز رفاهيته.

وجاء ترتيب السعودية في التقرير متقدماً على عدة دول كبرى، إذ حلّت في مرتبة أعلى من الولايات المتحدة التي جاءت في المركز الـ23، وكندا الـ25، والمملكة المتحدة الـ29، فيما تصدرت فنلندا القائمة للعام التاسع على التوالي، تلتها آيسلندا والدنمارك.


«مصر للطيران» تتهم صناع «السلم والثعبان 2» بـ«الإساءة»

شركة «مصر للطيران» انتقدت أحد مشاهد فيلم «السلم والثعبان 2» (الشرق الأوسط)
شركة «مصر للطيران» انتقدت أحد مشاهد فيلم «السلم والثعبان 2» (الشرق الأوسط)
TT

«مصر للطيران» تتهم صناع «السلم والثعبان 2» بـ«الإساءة»

شركة «مصر للطيران» انتقدت أحد مشاهد فيلم «السلم والثعبان 2» (الشرق الأوسط)
شركة «مصر للطيران» انتقدت أحد مشاهد فيلم «السلم والثعبان 2» (الشرق الأوسط)

انتقدت شركة «مصر للطيران»، الناقل الوطني بمصر، مشهداً بفيلم «السلم والثعبان 2»، الذي انطلق عرضه مؤخراً عبر إحدى المنصات الإلكترونية، على خلفية ظهور بطلي العمل عمرو يوسف وأسماء جلال بملابس الشركة، في مشهد اعتبرته الشركة «غير لائق» ويمس «الصورة المشرفة المتأصلة لأطقم الركب الطائر في ذهن الجمهور»؛ بحسب بيان صدر (الاثنين).

واتهمت الشركة صناع الفيلم بـ«الإساءة لصورتها الذهنية وقيمتها المعنوية والانتقاص من مكانتها في مصر والعالم تحت دعوى الإبداع»، مؤكدة وقوفها بقوة «لحماية الحقوق المعنوية والأدبية للعاملين بالشركة ضد أي تشويه متعمد أو غير متعمد لصورتهم».

وتدور أحداث الفيلم - الذي حمل اسم «السلم والثعبان... لعب عيال» - ما بين الحب وطموحات الواقع، فيعيد طرح أسئلة الهوية والعاطفة من خلال قصة «أحمد»، الذي يقوم بدوره عمرو يوسف، المعماري المُبدع الذي يسعى لإعادة اكتشاف ذاته، و«ملك» التي تقوم بدورها أسماء جلال، رائدة الأعمال الطموحة التي تحاول الموازنة بين نجاحها المهني وحنينها العاطفي.

وشددت «مصر للطيران» على الاحتفاظ بحقها في «اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة حيال استخدام الزي الرسمي المعتمد لأطقم الضيافة الجوية الخاص بالشركة وعلامتها التجارية المسجلة ضمن أحداث العمل دون الحصول على موافقة مسبقة من الجهات المختصة بالشركة، بالإضافة إلى الضرر الواقع بسبب استخدامها في (مشهد مسيء وغير لائق)»، بحسب البيان.

في السياق، أعلن طيار مصري يدعى أحمد فتح الله عبر حسابه على «فيسبوك» عن تقديم بلاغ للنائب العام ضد صناع الفيلم بتهمة «الإساءة للطيران»، مؤكداً أن تحركه جاء بدافع احترامه لمهنة الطيران ولكل من يعمل بها باعتبارها «من المهن التي لا يمكن السخرية منها».

المخرج طارق العريان خلال تحضيرات التصوير (الشركة المنتجة)

وعرض الجزء الثاني من «السلم والثعبان – لعب عيال» بعد 25 عاماً من عرض الجزء الأول، وهو من بطولة عمرو يوسف وأسماء جلال وظافر العابدين، ومن إخراج طارق العريان، وحقق إيرادات كبيرة مع عرضه بالصالات في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.

وعلق الناقد الفني طارق الشناوي على الأزمة قائلاً إن «هناك حالة من التربص تجاه الأعمال الفنية خلال الفترة الأخيرة، وهذا المناخ يؤثر سلباً على حرية الإبداع»، مضيفاً أن «فقدان روح الدعاية والتفاعل الطبيعي مع الفن يعني خسارة جزء مهم من مقومات الحياة الثقافية».

وأضاف أن المشهد محل الجدل لا يتجاوز كونه «إيفيه» أو نكتة درامية قد تعجب البعض وقد لا تلقى قبولاً لدى آخرين، لكنه لا يحمل أي إساءة حقيقية أو تجاوز يستدعي هذا التصعيد، مشيراً إلى أن «الأزمة الحالية تعكس مشكلة أكبر بكثير من مجرد الاعتراض على مشهد داخل فيلم».

وأكد أن الأصوات المعترضة غالباً ما تكون الأعلى، لكنها لا تعبر بالضرورة عن الرأي العام، فتضخيم ردود الفعل أصبح ظاهرة متكررة، لافتاً إلى أن «بعض المهن، ومن بينها الطيارون وأطقم الضيافة، من المفترض أن يكون لديهم قدر من تقبل روح الدعابة، خاصة في إطار الأعمال الفنية التي تقوم بالأساس على الخيال والمعالجة الدرامية».

عمرو يوسف وأسماء جلال في مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)

واعتبر الناقد الفني أحمد سعد الدين أن تحركات «مصر للطيران» وغضب الطيارين «أمر غير مبرر»، مؤكداً أن «الفيلم لا يحمل أي إساءة، سواء للشركة أو للطيارين على حد سواء، لأنه يقدم مشهداً في إطار كوميدي، ومُوظف درامياً داخل الأحداث».

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «ما يحدث من تصعيد يعكس حالة الاحتقان التي أصبحت موجودة لدى العديد من أصحاب المهن المختلفة الذين يعترضوا على ظهور نماذج سلبية أو أي مشاهد قد تكون محل تعليق على مواقع التواصل الاجتماعي»، مشيراً إلى أن «هذا الأمر يحمّل الأفلام السينمائية أكثر مما ينبغي ويجب عدم التعامل معها بهذا المنظور».

صناع الفيلم خلال العرض الخاص (الشركة المنتجة)

وأوضح أنه بالمنطق نفسه فإن العاملين بمجال الطيران كان يتوجب عليهم المطالبة بوقف عرض فيلم «مطاردة غرامية» الذي جمع بين فؤاد المهندس وشويكار في ستينات القرن الماضي وظهر خلاله البطل في وظيفة «مراقب جوي» متعدد العلاقات النسائية وتؤثر علاقته النسائية على عمله بشكل واضح يكاد يؤدي لحدوث كوارث في الحركة الجوية، لكن الواقع يشير إلى أن «الفيلم الذي قدمت أحداثه في معالجة مسرحية أيضاً يعد من كلاسيكيات السينما المصرية ومن الأفلام الكوميدية الناجحة، وصور بالفعل داخل مطار القاهرة آنذاك».


فيلم «إيجي بست» يستعيد حكاية أشهر مواقع القرصنة المصرية

أبطال الفيلم مع المخرج والمؤلف والمنتج خلال العرض الخاص (الشرق الأوسط)
أبطال الفيلم مع المخرج والمؤلف والمنتج خلال العرض الخاص (الشرق الأوسط)
TT

فيلم «إيجي بست» يستعيد حكاية أشهر مواقع القرصنة المصرية

أبطال الفيلم مع المخرج والمؤلف والمنتج خلال العرض الخاص (الشرق الأوسط)
أبطال الفيلم مع المخرج والمؤلف والمنتج خلال العرض الخاص (الشرق الأوسط)

يستعيد فيلم «إيجي بست» قصة أحد أشهر مواقع القرصنة على الأفلام -عنوان الفيلم نفسه- الذي مثّل نافذة مهمة لأجيال من الشباب لمشاهدة أحدث الأفلام والمسلسلات العربية والأجنبية مجاناً عبر الإنترنت، وقد حقق الموقع انتشاراً عربياً واسعاً، ونجح في استقطاب نحو 13.5 مليار زائر، محققاً أرباحاً تخطت 100 مليون دولار، وقد عرض نحو 2500 فيلم عربي وأجنبي، منذ تأسيسه عام 2009، وحتى إغلاقه في 2019، حسب أرقام أوردها صناع الفيلم في نهاية أحداثه.

الفيلم الذي بدأ عرضه ضمن أفلام موسم عيد الفطر يتسم بروح شبابية ويجمع اثنين من نجوم السينما الشباب، وهما: أحمد مالك وسلمى أبو ضيف، بمشاركة مطرب الراب مروان بابلو في أول أعماله ممثلاً، إلى جانب كل من ميشال ميلاد، وأحمد عبد الحميد، وأحمد الرافعي، وحنان يوسف.

وأخرج الفيلم مروان عبد المنعم في أول أعماله الطويلة، وإنتاج طارق نصر الذي عَدّ الفيلم عملاً شبابياً يعبّر عن طموحات جيل بأكمله ويناقش مرحلة محورية في تطور العصر الرقمي في مصر، مسلطاً الضوء على الصراع بين الشغف والمسؤولية في إطار إنساني يناقش الصداقة والحب، مثلما ذكر في تصريحات صحافية. وحقّق «إيجي بست» خلال أيام عيد الفطر إيرادات لافتة بلغت نحو 21 مليون جنيه (الدولار الأميركي يعادل 52.5 جنيه مصري) ليحتل المركز الثاني بعد فيلم «برشامة».

مروان بابلو وأحمد مالك وسلمى أبو ضيف على ملصق الفيلم (الشركة المنتجة)

وعبر دراما مستوحاة من وقائع حقيقية تنطلق أحداث الفيلم من زقاق صغير بحي المرج (شرق القاهرة)، حيث يجمع الشغف بالأفلام بين الصديقين «محمد شوقي» الذي يؤدي دوره أحمد مالك، وصديقه «صابر» الذي يؤديه مروان بابلو، لا يستطيع شوقي شراء تذكرتَي سينما لمشاهدة فيلم مع «أنوار» بائعة محل الملابس التي يحبها ويتطلّع إلى الزواج منها وتؤديها سلمى أبو ضيف، ويكتفي بتذكرة واحدة لها، لكنها تلقي له بالتذكرة ويحصل عليها «صابر» الذي يضع كاميرا خلسة لنسخ الفيلم.

ومن هنا تبدأ رحلتهما في عمل موقع لمشاهدة الأفلام مجاناً، معتمداً على ما يحققه من إيرادات الإعلانات، ليحقق الموقع صدى واسعاً بين الجمهور، ويبدو مثل المصباح السحري الذي يجد فيه محبو الأفلام كل ما يحلمون به، وتنهال عليهم الأموال ويتغير حالهم. وحَلّ الفنان أحمد فهمي ضيف شرف في الفيلم مؤدياً دور المنتج الذي يسعى للتعاون مع مؤسسي الموقع، في حين ترددت موسيقى شارة برنامج «نادي السينما» بما تمثله من «نوستالجيا» على خلفية بعض المشاهد لتعبّر عن تعلق كبير بالفن السابع.

وعلى الرغم من جماهيريته الواسعة لأنه أحد أهم مطربي الراب، فإن الفيلم يخلو من غناء مروان بابلو ويعتمد على غناء مطربي الراب أبيوسف، والفنان شوقي، والفنان موند، بالإضافة إلى أغنية «2 في 1» لهادي معمر وطارق الشيخ. وقد أصدر صناع الفيلم «ميني ألبوم» الذي طُرح تزامناً مع عرض العمل.

عرض مجاني

وأقام فريق العمل عرضاً مجانياً للجمهور ليلة أول أيام عيد الفطر في سينما «ميامي» بالقاهرة، حضره طاقم الفيلم، وقال المؤلف أحمد حسني لـ«الشرق الأوسط» إنهم أقاموا مسابقة عبر مواقع «السوشيال ميديا»، وقد شهد العرض نحو 800 شاب وفتاة، مؤكداً أن «مستوى تقييمات الجمهور للفيلم جيدة جداً، وأنها تجتذب جمهوراً جديداً كل يوم».

وكشف أحمد حسني عن أن فكرة الفيلم نبعت من رغبته هو والمخرج مروان عبد المنعم في تقديم فيلم عن شباب نجحوا في الإقدام على تجربة كبيرة بإمكانات محدودة، وأنهم وجدوا في «إيجي بست» تجربة مهمة، لأنهم أنفسهم تأثروا بها وشاهدوا أفلاماً كثيرة من خلالها زادت من تعلقهم بالسينما.

وأشار إلى أن الفيلم لا يروي سيرة هذا المشروع من البداية إلى النهاية، بل يختار منه ما يؤكد فكرته. وأضاف: «كان هدفي يتركز على مخاطبة من يشاهدون الأفلام بشكل غير قانوني وما يمثله ذلك من حرمانية وخسائر لصناعة السينما من خلال عمل درامي يتعرض للقرصنة، لكن بشكل غير مباشر»، مرجعاً التعاطف مع أبطاله إلى «أنهم لم يشعروا أنهم كانوا يقومون بعمل غير قانوني».

وحول تقديم مروان بابلو ممثلاً بالفيلم دون غناء، يقول حسني: «أردنا أن تكون التجربة تمثيلاً فقط، حتى لا نكسر إيهام المتفرج».

صورة جماعية لطاقم الفيلم بحضور الفنان عصام عمر الذي شارك منتجاً تنفيذياً به (الشرق الأوسط)

وعدّ الناقد طارق الشناوي فيلم «إيجي بست» عملاً عصرياً مأخوذاً من حالة عاشها شباب هذا الزمن، وقال في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «لقد راهنت عليه قبل أن أشاهده من خلال أبطاله وفكرته المأخوذة من حياة دافعي التذكرة؛ إذ إن 80 في المائة من جمهور السينما هم هذا الجيل الذي كان يشاهد (إيجي بست)، وأنه تأكد بعد مشاهدة الفيلم من صحة رهانه»، لافتاً إلى أنه «من الأفلام التي تحقق تراكماً نوعياً في الإيرادات».

وتابع قائلاً: «براعة الفيلم في أنه لا يُشعر المشاهد أن هناك سيناريو مكتوباً، ولا أن هناك حبكة درامية، وإنما حالة مأخوذة من الحياة دون تدخل درامي، وقد عاش صناعه الحالة، كما عاش أبطاله هذا الإحساس في أدائهم، في فيلم لا يتورع عن تقديم لحظات ضعفهم، فلم يقدم شخصيات مثالية، بل قدم بشراً لديهم لحظات ضعف قد تكون هي مصدر قوتهم».

ولفت الشناوي إلى أن «مروان بابلو لديه تلقائية وحضور أمام الكاميرا، وهو اختيار ذكي»، مشيراً إلى أن «مالك وسلمى من أكثر الفنانين عصرية في فن (الأداء الهامس) الذي يعتمد على أقل قدر من الانفعال، وأن المخرج مروان عبد المنعم قدم تجربة ناضجة في أول أفلامه، وقد حافظ على تلقائية ممثليه»، مشيداً بـ«مشاهد المواجهة بين بابلو ومالك وسلمى».