بلينكن يزور بكين أملاً في انفراجة أميركية ـ صينية

حرب أوكرانيا ضمن الملفات... ومشرعون أميركيون يطالبون بزيادة الضغط

بلينكن قبل عقده مؤتمراً صحافياً في القدس في 31 يناير (أ.ف.ب)
بلينكن قبل عقده مؤتمراً صحافياً في القدس في 31 يناير (أ.ف.ب)
TT

بلينكن يزور بكين أملاً في انفراجة أميركية ـ صينية

بلينكن قبل عقده مؤتمراً صحافياً في القدس في 31 يناير (أ.ف.ب)
بلينكن قبل عقده مؤتمراً صحافياً في القدس في 31 يناير (أ.ف.ب)

يصل وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن إلى بكين، الأحد المقبل، في زيارة هي الأولى لكبير الدبلوماسيين في الولايات المتحدة منذ نحو خمس سنوات، والأولى لمسؤول أميركي كبير إلى الصين منذ تراجعها عن سياسات تصفير «كوفيد-19» في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، في توقيت حرج لرحلة تسعى إلى إعادة الدفء للعلاقات المتوترة، وتحقيق انفراجة بين أقوى بلدين في العالم.
وعلى رغم أهمية هذا المسعى الدبلوماسي المنسق مع زيارة ستقوم بها أيضاً وزيرة الخزانة الأميركية جانيت يلين لبكين قريباً، واصلت الولايات المتحدة ضغوطها على الصين، بما في ذلك عبر الكونغرس؛ إذ وجهت مجموعة من 14 سيناتوراً من الجمهوريين رسالة إلى وزيري الخارجية والخزانة؛ لحضهما على الضغط على الحزب الشيوعي الصيني في شأن انتهاكات حقوق الإنسان، والممارسات التجارية «الظالمة»، و«العدوان المتزايد» في منطقة المحيطين الهندي والهادئ وعبر العالم. وكتبوا أن «أي شيء أقل من ذلك سيكون تنازلاً للتهديد الأكبر الذي تواجهه» الولايات المتحدة. ولاحظوا أن إدارتي الرئيسين، السابق دونالد ترمب والحالي جو بايدن، خلصتا إلى أن أفعال الصين ضد أقلية «الأويغور» المسلمين في إقليم شينجيانغ، وغيرها من الأقليات الإثنية، تعد «عمليات إبادة وجرائم ضد الإنسانية». وطالب المشرعون أيضاً بمواجهة ما سموه «السجل الطويل» للصين في الممارسات التجارية غير العادلة والتجسس الصناعي، مما يؤذي الاقتصاد الأميركي.
- ضغوط متزايدة
ولم تتوان إدارة الرئيس بايدن في الآونة الأخيرة عن اتخاذ العديد من الإجراءات العقابية لقطع علاقات الموردين الأميركيين مع شركة «هواوي» الصينية العملاقة للاتصالات، وبناء علاقات دولية بديلة في شأن سياسة أشباه الموصلات، ولا سيما مع دول مثل اليابان وهولندا والإمارات العربية المتحدة وغيرها؛ لتخفيف الاعتماد على الشركات الصينية.
وعلى الرغم من أن واشنطن تبدو مستعدة لفكرة الصراع الاقتصادي الطويل الأمد مع بكين، فقد حرص بلينكن ونائبته ويندي شيرمان على إيجاد أرضية مستقرة للعلاقة، بما في ذلك استعادة الاتصال المنتظم الذي كان يوفر في السابق ثقلاً للعلاقات الثنائية، والذي كان انتهى في خضم جائحة «كورونا»، بالإضافة إلى وضع معايير عمل وحدود للنزاع، طبقاً لما اتفق عليه بايدن مع نظيره الصيني شي جينبينغ خلال قمتهما على هامش اجتماعات «مجموعة العشرين» لأغنى دول العالم نهاية العام الماضي في بالي، بما في ذلك تجنب حرب فعلية إذا قررت الصين غزو تايوان. ويستعد بلينكن لتوجيه ما يسمى في واشنطن «إشارات من الباب الخلفي»؛ لتحذير المسؤولين الصينيين من مغبة خطوة كهذه، علماً بأن المواقف في الكونغرس الأميركي الجديد لا تتطابق مع موقف إدارة بايدن.
- تشكيك صيني
في المقابل، يشكك القادة الصينيون في حقيقة الانقسامات داخل الحكومة الأميركية، ومسألة فصل السلطات في الولايات المتحدة، لاعتقادهم أن تخلي البيت الأبيض عن المسؤولية في شأن تصرفات الكونغرس «مخادع». لكن المسؤولين الأميركيين يأملون في أن يكون رد الفعل تجاه زيارة رئيسة مجلس النواب آنذاك نانسي بيلوسي إلى تايبيه خلال العام الماضي، بما في ذلك الاستعادة الهادئة لبعض مجموعات العمل الأميركية - الصينية التي علقت إثر الزيارة، إشارة إلى وجود بعض المستمعين اليقظين في بكين.
وتتعامل وسائل الإعلام الأميركية مع الزيارة باعتبارها «اختباراً» للعلاقات بين البلدين؛ إذ إنها تهدف ليس فقط إلى إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة بينهما، بل أيضاً إلى معالجة العديد من القضايا الرئيسية، وفقاً لما قاله الناطق باسم مجلس الأمن القومي جون كيربي، الذي أكد أيضاً أن وزير الخارجية سيبحث مع المسؤولين الصينيين الحرب الروسية في أوكرانيا. ومن المرجح أيضاً أن يطالب بلينكن برفع تعليق الاتصالات الثنائية رفيعة المستوى، بما في ذلك التعاون في مكافحة المخدرات والمناقشات العسكرية. وأخيراً، أجرى وفد من كبار المسؤولين الأميركيين، بقيادة مساعد وزير الخارجية لشؤون شرق آسيا دانيال كريتنبرينك، ومديرة مجلس الأمن القومي للصين وتايوان لورا روزنبرغر، محادثات مع نائب وزير الخارجية الصيني شيه فينغ في مدينة لانغفانغ المجاورة لبكين، بهدف مناقشة زيارة بلينكن.
ومع أن بعض المحللين الصينيين غير راضين عن إخفاقات روسيا في الحرب، لكن وسائل الإعلام الحكومية تواصل نشر الدعاية المناهضة لحلف شمال الأطلسي، الناتو والموالية لموسكو. ورغم أنه من غير المحتمل أن تقدم الصين مساعدات عسكرية مباشرة لروسيا، فإن الشركات الصينية ستستفيد من غياب المنافسة في الصادرات إلى روسيا، التي يحتمل أن يزورها الرئيس شي جينبينغ هذا العام.
ويتصدر الاقتصاد زيارة بلينكن عوض المخاوف المتعلقة بتفشي «كوفيد-19»، في وقت تواصل فيه السلطات الصينية التأكيد على أن موجة «كورونا» التي بدأت أواخر العام الماضي بلغت ذروتها في أواخر ديسمبر، مع انخفاض الحالات بشكل كبير.
وتُظهر الوكالات الحكومية الأميركية حماساً متزايداً لتقييد توريد التكنولوجيا إلى الصين وعرقلة الاستثمارات الصينية في الولايات المتحدة. لكن داخل الولايات المتحدة، يصعب فرض هذه القيود أكثر مما هو عليه في الصين.
- جزر سليمان وفيجي
في غضون ذلك، أعادت الولايات المتحدة فتح سفارة في جزر سليمان، الخميس، في أحدث تحرك لها لمواجهة توغل الصين في المحيط الهادئ. وكانت الولايات المتحدة أغلقت سفارتها في العاصمة هونيارا عام 1993 بعد انتهاء الحرب الباردة، التي أفضت إلى إغلاق بعثات دبلوماسية كثيرة، وإعادة ترتيب أولويات واشنطن. وأتت إعادة فتحها بعدما وقّع رئيس وزراء جزر سليمان ماناسيه سوغافاري عام 2022 اتفاقية أمنية واسعة النطاق، ولكنها غير واضحة المعالم مع بكين.
وقال بلينكن، في بيان: «يعتمد افتتاح السفارة على جهودنا، ليس فقط لنشر المزيد من الموظفين الدبلوماسيين في كل أنحاء المنطقة، ولكن أيضاً لزيادة التواصل مع جيراننا في المحيط الهادئ، وربط برامج الولايات المتحدة ومواردها بالحاجات على الأرض، وبناء علاقات بين الأفراد». وتخشى الدول الغربية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وأستراليا، من أن تسمح هذه الاتفاقية بتعزيز وجود الصين في المحيط الهادئ. وفي مراسم الافتتاح، قال القائم بأعمال السفير الأميركي في هونيارا راسل كورنو، إن السفارة ستكون بمثابة «منصة رئيسية» بين الولايات المتحدة وجزر سليمان. وأكد وزير خارجية الأرخبيل كولين بيك أن إعادة فتح السفارة «حظيت بترحيب حكومة جزر سليمان وشعبها».
يأتي الافتتاح في الوقت الذي بدأ فيه رئيس الوزراء الفيجي سيتيفيني رابوكا إعادة تقييم بعض جوانب مشاركة بلاده مع الصين. وأعلن أنه يعتزم إنهاء اتفاق تدريب وتبادل للشرطة مع الصين.
وأبلغت وزارة الخارجية الأميركية المشرعين، في وقت مبكر من العام الماضي، أن نفوذ الصين المتزايد في المنطقة جعل إعادة فتح سفارة جزر سليمان أولوية. منذ ذلك الحين، وقّعت جزر سليمان اتفاقاً أمنياً مع الصين، مما أثار مخاوف من حشد عسكري في المنطقة، وردّت الولايات المتحدة بإرسال عدة وفود رفيعة المستوى.


مقالات ذات صلة

بايدن يستضيف رئيس الفلبين لمواجهة تصاعد التوترات مع الصين

الولايات المتحدة​ بايدن يستضيف رئيس الفلبين لمواجهة تصاعد التوترات مع الصين

بايدن يستضيف رئيس الفلبين لمواجهة تصاعد التوترات مع الصين

في تحول كبير نحو تعزيز العلاقات الأميركية - الفلبينية، يستضيف الرئيس الأميركي جو بايدن، الرئيس الفلبيني فرديناند ماركوس جونيور، في البيت الأبيض مساء الاثنين، في بداية أسبوع من اللقاءات رفيعة المستوى، تمثل تحولاً في العلاقة بين البلدين التي ظلت في حالة من الجمود لفترة طويلة. زيارة ماركوس لواشنطن التي تمتد 4 أيام، هي الأولى لرئيس فلبيني منذ أكثر من 10 سنوات.

هبة القدسي (واشنطن)
العالم الحرب الباردة بين أميركا والصين... هل تتغيّر حرارتها؟

الحرب الباردة بين أميركا والصين... هل تتغيّر حرارتها؟

من التداعيات المباشرة والأساسية للحرب في أوكرانيا عودة أجواء الحرب الباردة وبروز العقلية «التناحرية» التي تسود حالياً العلاقة بين الولايات المتحدة والصين. ومع كل ما يجري في العالم، نلمح الكثير من الشرارات المحتملة التي قد تؤدي إلى صدام بين القوتين الكبريين اللتين تتسابقان على احتلال المركز الأول وقيادة سفينة الكوكب في العقود المقبلة... كان لافتاً جداً ما قالته قبل أيام وزيرة الخزانة الأميركية جانيت يلين وشكّل انعطافة كبيرة في مقاربة علاقات واشنطن مع بكين، من حيّز المصالح الاقتصادية الأميركية إلى حيّز الأمن القومي.

أنطوان الحاج
الاقتصاد الشركات الأميركية في الصين  تخشى مزيداً من تدهور علاقات البلدين

الشركات الأميركية في الصين تخشى مزيداً من تدهور علاقات البلدين

تخشى الشركات الأميركية في الصين بشكل متزايد من مزيد من التدهور في العلاقات بين البلدين، وفقاً لدراسة استقصائية أجرتها غرفة التجارة الأميركية في الصين. وأعرب 87 في المائة من المشاركين في الدراسة عن تشاؤمهم بشأن توقعات العلاقة بين أكبر الاقتصادات في العالم، مقارنة بنسبة 73 في المائة في استطلاع ثقة الأعمال الأخير. ويفكر ما يقرب من ربع هؤلاء الأشخاص، أو بدأوا بالفعل، في نقل سلاسل التوريد الخاصة بهم إلى دول أخرى.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد دعوات أميركية للحد من اعتماد الدول الغنية على السلع الصينية

دعوات أميركية للحد من اعتماد الدول الغنية على السلع الصينية

من المتوقع أن يبحث قادة مجموعة الدول السبع الصناعية الكبرى في قمتهم المقررة باليابان الشهر المقبل، الاتفاق على تحديد رد على التنمر الاقتصادي من جانب الصين.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد الصين تنتقد «الإكراه الاقتصادي» الأميركي

الصين تنتقد «الإكراه الاقتصادي» الأميركي

انتقدت بكين الجمعة، عزم واشنطن فرض قيود جديدة على استثمارات الشركات الأميركية في نظيرتها الصينية، معتبرة أن خطوة كهذه هي أقرب ما يكون إلى «إكراه اقتصادي فاضح وتنمّر تكنولوجي». وتدرس إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن، برنامجاً لتقييد استثمارات خارجية أميركية، بما يشمل بعض التقنيات الحسّاسة التي قد تكون لها آثار على الأمن القومي. وتعاني طموحات الصين التكنولوجية أساساً من قيود تفرضها الولايات المتحدة ودول حليفة لها، ما دفع السلطات الصينية إلى إيلاء أهمية للجهود الرامية للاستغناء عن الاستيراد في قطاعات محورية مثل أشباه الموصلات. وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية وانغ ونبين، إن «الولايات المتحد

«الشرق الأوسط» (بكين)

مقتل غواص بهجوم قرش قبالة سواحل غرب أستراليا

رجل يمارس رياضة ركوب الأمواج في مياه شاطئ بوندي بسيدني (أ.ف.ب)
رجل يمارس رياضة ركوب الأمواج في مياه شاطئ بوندي بسيدني (أ.ف.ب)
TT

مقتل غواص بهجوم قرش قبالة سواحل غرب أستراليا

رجل يمارس رياضة ركوب الأمواج في مياه شاطئ بوندي بسيدني (أ.ف.ب)
رجل يمارس رياضة ركوب الأمواج في مياه شاطئ بوندي بسيدني (أ.ف.ب)

قُتل غواص إثر تعرضه لهجوم من سمكة قرش قبالة سواحل غرب أستراليا السبت، وفق ما أعلنته الشرطة المحلية، في رابع حادث من نوعه يسفر عن قتلى في البلاد هذا العام.

وأفادت أجهزة الإسعاف وحكومة غرب أستراليا بأنّ الرجل الثلاثيني تعرّض لهجوم من سمكة قرش طولها 4 أمتار ونصف متر قبالة جزيرة مايكلماس جنوب شرقي مدينة بيرث.

وأوضحت الجهتان أنّ الهجوم وقع نحو الساعة 11:25 بالتوقيت المحلي (03:25 بتوقيت غرينيتش).

وقالت الشرطة إن الرجل كان يمارس صيد الأسماك بالرمح عندما هاجمه القرش. ونُقل إلى الشاطئ حيث «لم يتمكن المسعفون من إنقاذ حياته».

وحضت وزارة الصناعات الأولية والتنمية الإقليمية في الولاية، السكان، على توخي الحذر الشديد في المنطقة ومتابعة بلاغات رصد أسماك القرش.

ويأتي هذا الهجوم بعد أسبوعين فقط من مقتل رجل آخر بهجوم من سمكة قرش في شمال ولاية كوينزلاند.

ويرى علماء أستراليون أن ازدياد الأنشطة في المياه وارتفاع درجة حرارة المحيطات يُغيّران أنماط هجرة أسماك القرش، مما قد يُسهم في ارتفاع عدد الهجمات، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».


العالم يبحث عن «نظامه» الجديد في ظل الثورة الصناعية الرابعة

من سيحرّك قطع الأحجية في «اللعبة» العاليمة الجديدة؟ (أرشيفية - أ.ف.ب)
من سيحرّك قطع الأحجية في «اللعبة» العاليمة الجديدة؟ (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العالم يبحث عن «نظامه» الجديد في ظل الثورة الصناعية الرابعة

من سيحرّك قطع الأحجية في «اللعبة» العاليمة الجديدة؟ (أرشيفية - أ.ف.ب)
من سيحرّك قطع الأحجية في «اللعبة» العاليمة الجديدة؟ (أرشيفية - أ.ف.ب)

لا يبدو أن العالم منشغل اليوم بمسألة أكثر إلحاحاً من مسألة النظام العالمي الجديد. وهذا ما تعكسه عناوين المؤتمرات الدولية المتخصصة؛ ومنها المؤتمر السنوي للجغرافيا السياسية والشؤون الدولية الذي يُعقد في كيوتو اليابانية تحت عنوان «عصر القلق: التبعية والاستقلال الذاتي والغموض الاستراتيجي» من 18 سبتمبر (أيلول) المقبل إلى 20 منه.

وانطلق المؤتمر عام 2020، وحملت دورة العام الماضي عنوان «إعادة التفكير في النظام العالمي». ويبدو المؤتمر المقبل الذي يُعقد في حرم جامعة ريوكوكو استكمالاً لسابقه، وسيكون بين محاور البحث: الغموض الاستراتيجي، والتحالفات المتغيرة، والتعددية القطبية، إلى جانب الأعراف السياسية، والقانون الدولي، وديناميكيات الدبلوماسية.

* النظام العالمي

يندرج كل ما سبق تحت «قبة» ما يُصطلح على تسميته النظام العالمي الذي قد يختلف تعريفه بين جهة وأخرى، وفقاً للرؤى والمصالح. إلا أنه يحضر كلما تحدثنا عن طبيعة العلاقات بين الدول وغيرها من الفاعلين الدوليين (منظمات، وشركات، ومؤسسات...) في الساحة العالمية.

ويجب، هنا، أن نفرق بين النظام العالمي والنظام الدولي؛ فالثاني يعني العلاقات بين الدول والحكومات حصراً. لذا يمكن وصف المصطلح الأول بأنه مفهوم فضفاض، يتناول توزيع القوة بين الأمم في كل زمن ومحطة. ومن يدرك ديناميكيات هذا المفهوم يستطيع أن يفهم أسباب هيمنة بعض الدول على القرارات العالمية، وأسباب تشكل التحالفات وتفككها، ولماذا لا تتوقف خريطة العالم عن التبدل.

الذكاء الاصطناعي في صلب النظام العالمي الجديد (رويترز)

الواضح أن النظام العالمي يعرف تحوّلات كبيرة منذ العقد الأخير من القرن العشرين، فما كان قائماً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية هو انقسام رأسمالي - اشتراكي، أو غربي - شرقي، سبّب حرباً باردة انتهت مع تفكك الاتحاد السوفياتي وانهيار الأنظمة الدائرة في فلكه. وأدّت الأمم المتحدة في ظل ذلك النظام العالمي دور الإطفائي، وإن بفاعلية محدودة. أما اليوم فنرى أن النظام العالمي يتبدّل بسرعة، ويمكن رصد ملامحه مما يقال في المنتديات الكبرى وعلى ألسنة بعض القادة والمسؤولين.

وفي خضم النقاش الواسع حول شكل النظام العالمي المقبل، تبرز مقاربتان متعارضتان إلى حد بعيد.

* الثورة الصناعية الرابعة

يرسم الألماني كلاوس شواب، مؤسس «منتدى دافوس» الاقتصادي، صورة طموحة ومثيرة للجدل للعالم، ولكن يجب التوقف عندها نظراً إلى مكانة الرجل وعلاقاته المتشعبة وتأثيره في دوائر صانعي القرار العالمي. ويمكن تلخيص هذه الرؤية على النحو الآتي:

تقوم رؤية كلاوس شواب للنظام العالمي الجديد على إعادة هيكلة شاملة للاقتصاد والسياسة والمجتمع، والانتقال إلى ما يسميه «العصر الذكي». وهو يرى أن العالم يمر بمنعطف تاريخي يتطلب تجاوز الرأسمالية التقليدية القائمة على الربح المحض، وتبني «رأسمالية أصحاب المصلحة»، حيث تلتزم الشركات بخدمة المجتمع، والموظفين، وحماية البيئة...، بالتوازي مع تحقيق الأرباح.

وتعتمد هذه الرؤية بشكل جذري على تقنيات الثورة الصناعية الرابعة؛ مثل الذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمية، وإنترنت الأشياء. ولا ينظر شواب إلى هذه التكنولوجيات بوصفها أدوات تكميلية؛ بل «شركاء أساسيون» يعيدون تشكيل ملامح الحضارة الإنسانية. ومن خلال دعوته الشهيرة «لإعادة الضبط الكبرى»، يطالب بتعزيز التعاون الوثيق بين القطاعين العام والخاص والمجتمع المدني، بوصف ذلك آلية وحيدة لمواجهة الأزمات العابرة للحدود كالتغير المناخي والأوبئة.

كلاوس شواب في منتدى دافوس... نظام الثورة الصناعية الرابعة (رويترز)

في المقابل، يواجه هذا المنظور انتقادات حادة وهواجس واسعة. ويرى معارضوه أن التركيز المفرط على دمج التكنولوجيا بحوكمة البيانات يمهد الطريق لنظام رقابة عالمي صارم تقوده النخب الاقتصادية. وتثير أفكاره حول الهويات الرقمية والتحكم في البيانات مخاوف حقيقية تتعلق بانتهاك الخصوصية وتقويض الحريات الفردية، مما جعل رؤيته محوراً لجدل عميق بين من يراها خطة لإنقاذ المستقبل، ومن يعتقد أنها محاولة لفرض وصاية عالمية.

*دونالد ترمب وعالمه

يقول باحثون في «معهد بروكينغز» (واشنطن) إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، يرى أن فكرة «النظام العالمي» بحد ذاتها ليست سوى «تجريد مثالي منفصل عن الواقع». ولا يتمثل مشروعه في السياسة الخارجية في إعادة تشكيل البنية العالمية؛ بل في تثبيت واقع أن الولايات المتحدة يجب ألا تكون مقيّدة في ممارستها لقوتها الاقتصادية والعسكرية، انطلاقاً من أن هذا هو ما تقتضيه النظرة «الواقعية والصريحة» إلى السياسة الدولية.

أما النظام العالمي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية، والذي تعدّه إدارة ترمب وهماً نظرياً فارغاً، فقد وُلد عقب حربين عالميتين أودتا بعشرات الملايين. وكان الهدف من هذا النظام منع تكرار المآسي والدمار.

ولتحقيق ذلك، جرى الاتفاق على الحدّ من استخدام الأدوات الاقتصادية؛ مثل الرسوم الجمركية، التي تحقق مكاسب لدولة ما عبر الإضرار بدول أخرى. كما ثُبّت مبدأ عدم السماح للدول القوية عسكرياً بالاعتقاد بأنها تستطيع مهاجمة الدول الأضعف من دون خوف أو تردد. وتُرجمت هذه المبادئ عملياً من خلال ترتيبات التجارة الحرة، والعضوية الواسعة في الأمم المتحدة، والتحالفات الدفاعية العسكرية مثل حلف شمال الأطلسي (الناتو).

وخلال الفترة الممتدة بين عامي 1945 و2024، كانت الولايات المتحدة من أبرز المدافعين عن هذه المبادئ، وإن بدرجات متفاوتة وبصورة لم تخلُ من النواقص والتناقضات. أما اليوم، فإن ترمب يهاجم هذه الأسس عبر العقوبات التجارية، وتقليل أهمية تحالفات الولايات المتحدة، وتكرار التهديد باللجوء إلى العمل العسكري.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ذو رؤية لا تؤمن بنظام ما بعد الحرب العالمية الثانية (إ.ب.أ)

وتنطلق رؤيته للنظام العالمي من مبدأ «أميركا أولاً»، وتعارض بشكل مباشر العولمة والمؤسسات متعددة الأطراف، مفضلة العلاقات الثنائية والسيادة الوطنية الكاملة.

*التعارض والبحث عن الطريق

يمثل التعارض بين دونالد ترمب وكلاوس شواب صراعاً فكرياً بين القومية الحمائية والعولمة المؤسسية. وتنطلق رؤية ترمب من السيادة الوطنية والحدود، وعقد الصفقات الثنائية المباشرة من دولة لدولة بدلاً من الانصياع للمنظمات الدولية. واقتصادياً، يتبنى الرئيس الجمهوري نهجاً يعتمد على الحمائية والتنافس الجيوسياسي الشرس، مؤمناً بأن التكنولوجيا أداة لفرض النفوذ والتفوق.

في المقابل، يمثل شواب الوجه الآخر لـ«العملة» بدعوته إلى «إعادة الضبط الكبرى». ويرى أن التحديات الراهنة تتطلب حوكمة عالمية عابرة للحدود، تذوب فيها السيادات الفردية لمصلحة تعاون وثيق بين الحكومات والشركات العملاقة والمجتمع المدني. ويسعى من خلال «رأسمالية أصحاب المصلحة»، إلى بناء اقتصاد عالمي مترابط ومفتوح، تقوده النخب الذكية عبر دمج تقنيات الثورة الصناعية الرابعة في عمق المجتمعات البشرية.

وبتعبير آخر، يرى ترمب العالم ساحة صراع وتنافس تجاري بين دول مستقلة تبحث عن مصالحها الذاتية، فيما يراه شواب شبكة موحدة لا بدّ من إدارتها مركزياً بالاعتماد على أنظمة ذكية متكاملة.

ولا شك في أن هذا التناقض الجذري، الذي يتجاوز الرجلين إلى رؤيتين متعارضتين للعالم، يضع صانعي القرار أمام خيارين: إما الانكفاء نحو الهوية والقومية الاقتصادية، أو الانخراط في عولمة رقمية شاملة.

النفط الفنزويلي كان هدفاً للسياسة الأميركية المستجدة (رويترز)

وليس عصياً على الاستنتاج أن الخيار الأول قد يؤدي إلى زيادة التوترات والصراعات، فيما يثير الخيار الثاني مخاوف تتعلق بخصوصية الإنسان وفرادة المجتمعات.

وغنيُّ عن القول أن هناك مقاربات أخرى لهذه المسألة؛ فالاتحاد الأوروبي متمسك بدور المنظمة الأممية بكل فروعها، ويلتقي في الدعوة إلى تعدد الأقطاب مع الصين التي ترى أن العدالة الاقتصادية غائبة، وأن دول الجنوب تحتاج إلى تنمية شاملة.

وفي النهاية ينبغي القول إن العالم يحتاج إلى نظام عالمي يوازن بين التعاون الدولي وسيادة الدول. وفي ظل الضغوط غير المسبوقة التي يواجهها النظام التقليدي القائم على القواعد والأعراف بقيادة الولايات المتحدة، فإن بناء مستقبل مستدام يتطلب نموذجاً تعددياً يرتكز على التعاون ومساندة القويّ للضعيف والغنيّ للفقير، في عالم يزداد ترابطاً وتعقيداً.


ألمانيا ليست من ضمنها... انتخاب 5 دول لعضوية مجلس الأمن

اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة لانتخاب الأعضاء غير الدائمين في مجلس الأمن (أ.ف.ب)
اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة لانتخاب الأعضاء غير الدائمين في مجلس الأمن (أ.ف.ب)
TT

ألمانيا ليست من ضمنها... انتخاب 5 دول لعضوية مجلس الأمن

اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة لانتخاب الأعضاء غير الدائمين في مجلس الأمن (أ.ف.ب)
اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة لانتخاب الأعضاء غير الدائمين في مجلس الأمن (أ.ف.ب)

انتخبت الجمعية العامة للأمم المتحدة، الأربعاء، كلاً من النمسا وقيرغيزستان والبرتغال وترينيداد وتوباغو وزيمبابوي لعضوية مجلس الأمن الدولي المكون من 15 عضواً لفترة مدتها سنتان تبدأ في أول يناير (كانون الثاني) 2027.

وجاءت ألمانيا، التي بذلت جهوداً حثيثة للحصول على مقعد، في المرتبة الثالثة في المنافسة على المقعدين المخصصين لمجموعة أوروبا الغربية ودول أخرى، إذ حصلت على 104 أصوات، مقابل 134 صوتاً للبرتغال و131 صوتاً للنمسا.

الوفد النمساوي يحتفل بانتخاب بلاده عضواً في مجلس الأمن (د.ب.أ)

وامتدت المنافسة بين الفلبين وقيرغيزستان على مقعد مجموعة آسيا والمحيط الهادئ إلى أربع جولات من التصويت، إذ ضمنت قيرغيزستان في النهاية الأغلبية المطلوبة البالغة الثلثين، لتفوز بأول مقعد لها على الإطلاق في مجلس الأمن بحصولها على 142 صوتاً مقابل 49، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

ومجلس الأمن هو الهيئة الوحيدة في الأمم المتحدة التي يمكنها اتخاذ قرارات ملزمة قانوناً مثل فرض العقوبات والإذن باستخدام القوة. ويضم المجلس خمسة أعضاء دائمين يتمتعون بحق النقض (الفيتو) وهم بريطانيا والصين وفرنسا وروسيا والولايات المتحدة.

وفد قيرغيزستان يحتفل بانتخاب بلاده عضواً في مجلس الأمن (رويترز)

أما الأعضاء العشرة الباقون فيتم انتخابهم، إذ ينضم خمسة أعضاء جدد كل عام. وهذا العام، يأتي عضو واحد من مجموعة أفريقيا، وعضو واحد من مجموعة أميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، وعضو واحد من مجموعة آسيا والمحيط الهادئ، وعضوان من مجموعة غرب أوروبا ودول أخرى.

وستحل زيمبابوي محل الصومال، وترينيداد وتوباغو محل بنما، بينما ستحل البرتغال والنمسا محل الدنمارك واليونان. وستحل قيرغيزستان محل باكستان.

وستستمر البحرين وكولومبيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية ولاتفيا وليبيريا في شغل مناصب الأعضاء غير الدائمين في مجلس الأمن حتى نهاية عام 2027.

وانتخبت الجمعية العامة للأمم المتحدة، الثلاثاء، وزير خارجية بنغلاديش خليل الرحمن رئيساً للجمعية المكونة من 193 عضواً لدورتها الحادية والثمانين، التي تبدأ في سبتمبر (أيلول).