المرض... نصاً أدبياً

كاتبتان تتحدثان عن تجاربهما وتجاوز محنتيهما

باتريسيا الحكيم  -  غادة صلاح جاد  -  يسري عبد الله
باتريسيا الحكيم - غادة صلاح جاد - يسري عبد الله
TT

المرض... نصاً أدبياً

باتريسيا الحكيم  -  غادة صلاح جاد  -  يسري عبد الله
باتريسيا الحكيم - غادة صلاح جاد - يسري عبد الله

حفظ تاريخ الأدب أعمالا لكتاب مشهورين عانوا من المرض على مدار سنوات عديدة، ووجدوا في الكتابة متنفسا للخروج من هذه المحنة، أو على الأقل معايشتها بسلام. وما بين كتابات اليوميات والمشاهد والرسائل دوّن الكتاب تلك الرحلة الذاتية مع المرض، ومكابداته، لعل أشهرها ما دوّنه فرانز كافكا حول معاناته مع مرض السُل، وعربياً جعل الروائي المغربي الراحل محمد خير الدين من تجربة إصابته بالسرطان موضوعا لكتابه «يوميات سرير الموت» الذي كان يدوّن به يوميات استفحال الداء الخبيث في جسده، وكذلك ترك السوري سعد الله ونوس يومياته مع المرض الخبيث في كتابه «عن الذاكرة والموت»، وأخيراً «أنا قادم أيها الضوء» للكاتب المصري محمد أبو الغيط الذي صدر عقب وفاته في عامه الرابع والثلاثين، وتحدث فيه عن تقاطعات المرض المُميت مع الأحلام والحب والعمر القصير.
في هذا التحقيق تروي كاتبتان رحلتهما القاسية مع المرض، مع رأي نقدي حول تجربة المرض معكوسة في النص الأدبي:

> الكاتبة اللبنانية باتريسيا الحكيم: بعد 25 سنة دوّنت تجربة فقدي لصوتي
أرى أن هذا النوع من الكتابة لا يحتاج إلى شجاعة من كاتبها، بقدر ما يحتاج إلى أن يكون قد تجاوز محنة المرض القاسي كي يستطيع الكتابة عنه دون أن تتسرب في الكتابة غُصة أو حسرة عند استرجاع كل عذاباته. البعض يعتبر الكتابة نوعا من التعافي أو جانبا من رحلته، قد يكون ذلك صحيحا، لكن بالنسبة لي أرى الكتابة مرحلة لاحقة على الألم وتجربته، كي يستطيع الكاتب الكتابة عنه وتأمله واستبصاره. فقد استغرق الأمر مني 25 سنة حتى أتمكن من كتابة كتاب «كلمات صوتي» الذي دوّنت فيه تجربة فقدي لصوتي بسبب خطأ جراحي، واستشرت أسرتي قبل الكتابة عن تلك المحنة، وقررت كتابة تجربتي كدرس حياة وأمثولة أكثر منها كتابة عن عذابات في غرف الجراحة، وجهته لقارئ قد يشعر أن تجربتي ملهمة له بصورة ما.
الجزء الأصعب في الكتابة بالنسبة لي كان التذكر والاستدعاء، لذلك فقد كتبته بسرعة كبيرة كما لو أنني كنت أخشى التألم من وقع الذكريات عليّ، تماما مثلما يكون المخاض في عملية الولادة هو الأصعب على الإطلاق، وفي الحقيقة لم أعد قراءة ما كتبت، وقلت للمحررة إنني سأقرأه بعد صدور الكتاب الذي صدر بالفرنسية أولاً قبل ترجمته للعربية بواسطة بارعة الأحمر.
جعلتني الكتابة أتأمل سلسلة الإحباطات التي رافقت تلك العملية الجراحية التي خسرت بسببها صوتي، وعندما أفقت منها وجدت أنه لم يكن هناك أي حل لاستعادته، كان الجميع من حولي ينتظرون عودة أنفاسي، فيما كنت أنا في انتظار عودة صوتي، والمفارقة القدرية كانت ارتباط صوتي بمهنتني بصفتي إذاعية، فكان غياب الصوت يعني كذلك فقدي لعملي الذي أحبه. لذلك فقد أخذت مني تلك الصدمة ما يتجاوز عشرين عاما حتى أستطيع التدوين والكتابة عنها.
وعندما فعلت ذلك شعرت بأنني شخص آخر يكتب، شخص غيري، كأنني خرجت من ذاتي وأنا أتأمل نفسي التي كانت، الكتابة جعلتني «هي» ولست «أنا»، وأستعير هنا هذا المقطع من الكتاب لتلك اللحظة التي تبدّل بعدها كل شيء: «أنا أتكلم وأنطق وأصرخ أيضاً، لكن ما من أحد يسمعني! تتبدّل تعابير الوجوه من حولي، تنمحي الابتسامات، ويبدو الحزن في العيون، ويستمر فشلي في إخراج صوتي! أحاول من جديدٍ ومن جديد، فأسمع بعد وقت خِلتُه دهراً، صوتاً غريباً يُشبه زمجرة حيوانٍ جريح... هذا أنا! هذا صوتي!».

> الكتابة المصرية غادة صلاح جاد: مواجهة سؤال الأنوثة
مرّت ست سنوات منذ نشر كتابي «الأنثى التي أنقذتني» حول تجربتي مع مرض السرطان، وأتصور أن قراري كتابة هذا الكتاب لم يكن فقط يحتاج مني لشجاعة بسبب مكابدات المرض، بقدر ما كانت الزاوية والأسئلة التي ساعدتني الكتابة على تأملها من جديد حول علاقة المرض بالأنوثة.
كتبت: «إِن انتصار كل أنثى قدر لها أن تُصَاب بِسرطانِ الثدي، لا يكمن فقَط في مقاومة مراحل عِلاجه، وإِنما فِي التغلب على الشعورِ أنه قد ينتقص من أنوثتها». وشعرت أنني أمام ضمير آخر في الكتابة وهو ضمير «الأنثى التي أنقذتني»، وصار سؤال الأنوثة يتسلل خلال الكتابة وفي أثناء فصول مرض شئنا أم أبينا يُصيب الأنوثة في مقتل.
بدأ الكتاب باستئصال جزء من ثديي وخضوعي لأهوال الكيميائي والإشعاعي، ثم عبر إلى مرحلة العلاج بالأقراص لمدة سبع سنوات، الذي أطلقوا عليه العلاج الهرموني، وهو علاج للمفارقة يقتل كل خلية استروجين (هرمون الأنوثة) في الجسم.
عندما أتذكر كيف تحدثت بالتفصيل في هذا الكتاب عن الألم الجسدي في مراحل العلاج المختلفة، أتذكر بالضرورة جراحا نفسية عميقة لأنثى مكلومة شعرت أنني أستدعيها من خلال الكتابة.
كنت واثقة أن الوجع القديم سيفرض نفسه وسط زخم هذه المشاعر والذكريات، الوجع المزمن الذي طالما كبّلني وحبسني في دائرة مغلقة. وجع نتيجة شيء فقدته، أو بالأصح لم أمتلكه من الأساس، وظللت حائرة أسأل نفسي: هل الحديث عن ذكريات المرض سيزيد من ألم هذا الوجع؟ أو ربما يكون سرد الحكايات بمثابة علاج للوجع؟ أو ربما سيتشابكان وتتعقد الأمور أكثر؟ أو ربما تجربة الكتابة عنهما ستفض هذا الاشتباك؟
أتذكر هذا المقطع في الفصل الثاني للكتاب: «ها أنا ذا الآن أقف أمام مرآتي في ثوبي الجديد: حليقة الشعر، وبندبة كبيرة في ثديي، وما كان كرهي لهذا الجسد بحاجة إلى المزيد، خذلني من قبل وأشقاني، ووأد أنوثتي في مهد صباها، والآن يخونني في أبشع صورة».
بين ثنايا التغيرّات التي سادت كل مرحلة من مراحل المرض والتعافي مرت بالكتابة تنويعات الألم الذي عانيت منه، والذي أحاول جاهدة حتى اليوم التعافي منه. وهو ذلك الألم النفسي الشديد الذي قد يتحول إلى أمراض بدنية خطيرة. كانت الكتابة، والتي لم أكن مارستها من قبل قبل هذا الكتاب، بمثابة تحرير لصوت ومشاعر هذه الأنثى التي تصالحت معها واحتضنتها لكي تنقذني من السرطان ومن جراح نفسي.

> د. يسري عبد الله: التعبير الجمالي عن الألم
ربما كانت الكتابة مصاحبة للألم باستمرار، تستحضره في أحايين كثيرة، لكن من المبالغة واللغط الفكري أن نقول إن الكتابة هي الألم، وذلك على الرغم من أن الرومانسيين الفرنسيين مثلا كانوا يعلنون دائما أنه ( لا يسعنا سوى أن نغني لهذا العالم ألما).
وهناك نصوص عديدة تستحضر الألم في بنيتها الإبداعية بوصفه إحدى تيمات الكتابة، وإذا كانت الآلام الظاهرية قد شهدت زخما هائلا في التعبير الجمالي عنها داخل النص الأدبي، فإن الآلام النفسية أيضا شهدت حضورا مماثلا وبصيغ مختلفة.
وقد حظيت تجربة المرض بحضور متجدد داخل النص الأدبي، ولعل من أبرز النصوص في هذا المسار رواية (يوميات امرأة مشعة) للروائية المصرية نعمات البحيري، وهي رواية تنتمي إلى سرود السيرة الذاتية بامتياز، وتعاين من خلالها تجربتها مع ذلك المرض العضال، عبر أسلوب اليوميات، الذي يصبح بمثابة الصيغة السردية المنفتحة على الذات في جدلها المستمر مع العالم، ولا يمكن أن ننسى في هذه الرواية الفصل الذي دونت فيه محنة الذات الساردة في دخول جهاز الرنين المغناطيسي الذي وصفته بالوحش المعدني، لتبدأ بعدها سلسلة من اجترارات الذاكرة في محاولة منها لمجابهة قسوة الحاضر عبر حكايا الماضي المحمل هو الآخر بالمأساة، لكنه يبدو حميما بدرجة أو بأخرى من وجهة نظر الساردة البطلة. فكانت يوميات امرأة مشعة هي يوميات للألم والمرض والمقاومة أيضا.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

الممثلة الأميركية كاثرين أوهارا توفيت جراء انسداد رئوي

الممثلة الكوميدية كاثرين أوهارا (أ.ب)
الممثلة الكوميدية كاثرين أوهارا (أ.ب)
TT

الممثلة الأميركية كاثرين أوهارا توفيت جراء انسداد رئوي

الممثلة الكوميدية كاثرين أوهارا (أ.ب)
الممثلة الكوميدية كاثرين أوهارا (أ.ب)

توفيت الممثلة الكوميدية كاثرين أوهارا، المعروفة بأدوارها في مسلسل «شيتس كريك»، وفيلم «وحدي في المنزل»، نتيجة انسداد رئوي، وفقاً لشهادة الوفاة الصادرة عن إدارة الصحة العامة في مقاطعة لوس أنجليس، والتي نشرها موقع «TMZ» أمس الاثنين.

وذكرت شهادة الوفاة أن سرطان المستقيم كان من الأسباب الكامنة للوفاة، وأن جثمانها أُحرق. وتوفيت أوهارا عن عمر 71 عاماً في 30 يناير (كانون الثاني) في منزلها بلوس أنجليس «بعد مرض لفترة قصيرة».

وفي عام 2020 فازت بجائزة «إيمي» لأفضل ممثلة كوميدية عن دورها «مويرا روز» في «شيتس كريك». كما أدّت دور والدة شخصية كولكين في فيلم «وحدي في المنزل» عام 1990، وشخصية «ديليا ديتز» في جزأين من فيلم «بيتل جوس».

وانضمت أوهارا إلى طاقم مسلسل السخرية الهوليوودي «ذا ستوديو» الذي أطلقه عام 2025 الممثل سيث روغن، مجسّدة شخصية «باتي لي»، المديرة المقالة لاستوديو أفلام في هوليوود.


مصر: تطوير تشريعات لحماية الأطفال من مخاطر الإنترنت والألعاب الإلكترونية

اجتماع لجنة الاتصالات في مجلس النواب المصري (رئاسة مجلس الوزراء)
اجتماع لجنة الاتصالات في مجلس النواب المصري (رئاسة مجلس الوزراء)
TT

مصر: تطوير تشريعات لحماية الأطفال من مخاطر الإنترنت والألعاب الإلكترونية

اجتماع لجنة الاتصالات في مجلس النواب المصري (رئاسة مجلس الوزراء)
اجتماع لجنة الاتصالات في مجلس النواب المصري (رئاسة مجلس الوزراء)

بدأت لجنة الاتصالات في مجلس النواب (البرلمان المصري) جلسات استماع لتطوير تشريعات تهدف إلى حماية الأطفال والنشء من مخاطر الإنترنت والألعاب الرقمية، بحضور وزراء الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، والتربية والتعليم والتعليم الفني، والتضامن الاجتماعي.

وكان النائب أحمد بدوي، رئيس لجنة الاتصالات في مجلس النواب، قد أعلن عقد أولى جلسات الاستماع بشأن هذه التشريعات، بحضور عدد من الوزراء، وممثلي المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، والمجلس القومي للأمومة والطفولة، والأزهر الشريف، والكنيسة المصرية، إضافة إلى الفنان أحمد زاهر، بطل مسلسل «لعبة وقلبت بجد»، وممثلين عن المنصات الدولية.

وفي بداية الاجتماع، ثمَّنت اللجنة مقترح الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، بشأن التنسيق بين الحكومة والبرلمان لإعداد هذا التشريع المهم لحماية النشء من سلبيات مواقع التواصل الاجتماعي.

وأكدت الدكتورة سحر السنباطي، رئيسة المجلس القومي للطفولة والأمومة، أن المجلس يعمل وفق نهج يجمع بين التوعية المجتمعية، والدعم النفسي، والتعاون المؤسسي، والتدخل التشريعي، بما يضمن حماية الطفل في البيئة الرقمية المتطورة.

واستعرضت الجهود التي يبذلها المجلس لدعم حماية الأطفال وأسرهم، والتي تشمل رفع الوعي المجتمعي عبر حملات ومبادرات توعوية لحماية الأطفال من العنف والتنمر الإلكتروني، والتوعية بمخاطر الألعاب الإلكترونية غير الآمنة.

وأوضحت أن المجلس، في إطار تعزيز التعاون المؤسسي، تعاون مع وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات و«اليونيسف» لإعداد أدلة تدريبية متكاملة حول دور الأسرة والمؤسسات التعليمية في حماية الأطفال من مخاطر سوء استخدام الإنترنت والألعاب الإلكترونية.

وأكدت أن المجلس أعدّ رؤية استراتيجية لحظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للأطفال دون سن 16 عاماً، بهدف حمايتهم من مخاطر الابتزاز والتنمر والتحرش الإلكتروني، ومخاطر بعض الألعاب الإلكترونية. وأشارت إلى أن هذه الرؤية استندت إلى نماذج تشريعية دولية؛ من بينها التجربة الأسترالية، وقد قُدِّمت إلى وزارة العدل لدراسة إمكانية اعتمادها إطاراً تشريعياً وطنياً.

وكان الرئيس المصري قد طالب، في خطاب قبل أيام، بإصدار تشريعات تحدّ من استخدام الهواتف الجوالة حتى سنّ معينة، مستشهداً بتجارب دولية سابقة.

وأكدت رئيسة المجلس القومي للطفولة والأمومة ضرورة نقل عبء الحماية من المستخدم إلى مقدّم الخدمة، من خلال الالتزام بمبدأ الحد الأدنى من البيانات، وعدم جمع معلومات الأطفال إلا للضرورة، وتوفير إعدادات خصوصية وأمان افتراضية عالية للفئة العمرية (16 - 18 عاماً)، وإلزام المنصات بإنشاء فرق عمل محلية لمراقبة المحتوى باللغة العربية واللهجة المصرية، واستخدام خوارزميات ذكاء اصطناعي مخصّصة لاكتشاف التنمر والتحرش باللهجات المحلية.

وقبل أيام، أعلن المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام حجب لعبة «روبليكس» الإلكترونية، بالتنسيق مع الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، عقب مناقشات مجتمعية وإعلامية حول خطورة التطبيق على الشباب.

ويتيح التطبيق بيئة افتراضية تفاعلية تجمع ملايين المستخدمين، مع وجود أقسام مخصّصة للبالغين تتضمن مشاهد عنف وقتل، وقد صُنِّف في دول عدّة تطبيقاً غير آمن.

كما أعلن رئيس لجنة الاتصالات في مجلس النواب، في تصريحات متلفزة، حجب تطبيق مراهنات وصفه بـ«الخطير» يُدعى «إكس بيت»، مؤكداً أن الحجب سيمتد ليشمل مواقع المراهنات المخالفة التي تمارس ما وصفه بـ«القمار الإلكتروني».

ويرى خبير وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام الرقمي، محمد فتحي، أن الجهود التشريعية لحماية الأطفال من مخاطر بعض الألعاب والتطبيقات الرقمية، على الرغم من أهميتها، لن تكون كافية وحدها لحل المشكلة. وأضاف لـ«الشرق الأوسط»، أنه لا بدَّ من تنفيذ برامج تثقيف رقمي في المدارس، وتدريب أولياء الأمور على التعامل مع الأجهزة والتطبيقات، إلى جانب إطلاق حملات إعلامية عبر منصات التواصل لجذب انتباه الشباب والأسر إلى مخاطر الاستخدام غير الآمن.

وأشار إلى ضرورة تغليظ العقوبات على من ينشر صوراً أو مقاطع فيديو للأطفال دون موافقة، وحجب الحسابات أو الخدمات الرقمية التي تروّج لسلوكيات مسيئة أو تستهدف القُصَّر، بما يسهم في توفير بيئة رقمية آمنة، وتمكين الأسر من أدوات حماية تقنية وقانونية، مع إلزام الشركات التكنولوجية بتطبيق معايير خاصة لحماية المستخدمين من الأطفال.

وأوضح أن التحديات الرقمية الحالية ليست مجرد مشكلة تقنية؛ بل قضية اجتماعية تتطلب تنفيذاً فعالاً وتوعية مستمرة، إلى جانب تشريعات قوية، بهدف تمكين الأجيال القادمة من استخدام الإنترنت بأمان وثقة، لا عزلها عن التكنولوجيا.


مصر: «الأعلى لتنظيم الإعلام» يبحث شكوى نقيب «المهن التمثيلية» ضد «تيك توكر»

الدكتور أشرف زكي نقيب المهن التمثيلية (المركز الإعلامي للنقابة)
الدكتور أشرف زكي نقيب المهن التمثيلية (المركز الإعلامي للنقابة)
TT

مصر: «الأعلى لتنظيم الإعلام» يبحث شكوى نقيب «المهن التمثيلية» ضد «تيك توكر»

الدكتور أشرف زكي نقيب المهن التمثيلية (المركز الإعلامي للنقابة)
الدكتور أشرف زكي نقيب المهن التمثيلية (المركز الإعلامي للنقابة)

أعلن «المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام» في مصر، عن تلقيه شكوى من الدكتور أشرف زكي، نقيب الممثلين، ضد «تيك توكر»، تدعى «أم جاسر»، لنشرها فيديو تهكَّمت خلاله على نقيب المهن التمثيلية بطريقة غير لائقة، مدعية قدرتها على العمل في التمثيل من دون الحاجة إلى العضوية، أو الحصول على التصاريح اللازمة لممارستها.

وقرر رئيس المجلس، في بيان، الاثنين، إحالة الشكوى إلى لجنة الشكاوى، برئاسة الإعلامي عصام الأمير، وكيل المجلس، لبحثها ودراسة ما ورد بها، واتخاذ الإجراءات القانونية، وفقاً لما تقضي به القوانين واللوائح المنظمة.

وظهرت «أم جاسر»، في الفيديو المشار إليه في البيان، عقب إصدار «نقابة الممثلين» بياناً صحافياً، أكدت خلاله إيقاف مسلسل «روح OFF»، للمنتج بلال صبري، ومنعه من العرض خلال موسم رمضان 2026، لمخالفته الصريحة لتعليمات النقابة وقراراتها.

وأكدت النقابة في بيانها أن قرار إيقاف المسلسل جاء بعد توجيه أكثر من تنبيه وتحذير للمنتج بلال صبري بضرورة الالتزام بلوائح النقابة والقوانين المنظمة للعمل الفني، لكنه استمر في تجاهل تلك التعليمات ومخالفتها، على خلفية إعلان إحدى الجهات مشاركة «أم جاسر» في المسلسل.

فريق مسلسل «روح OFF» (الشركة المنتجة)

تعليقاً على قرار إيقافها عن العمل، تحدثت «أم جاسر» في مقطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي بسخرية، قائلة: «في الوقت الذي كنتُ أصوّر فيه إعلانات ستُعرض على الشاشة خلال موسم رمضان، فوجئتُ بـ(النقابة) ووسائل الإعلام تعلنان منعي من الظهور في مسلسلات هذا العام، رغم أنني لم أشارك من الأساس، وكنت أنتظر التقديم في العام المقبل، حيث يجري تقييمي سلباً أو إيجاباً»، مؤكدة أنها ستشارك في التمثيل خلال العام المقبل بالفعل.

وعَدَّ الناقد الفني المصري محمد عبد الرحمن أن «ما حدث لا يمكن أن نطلق عليه تصعيداً، بل هو تنظيم لمسألة استباحة الشخصيات العامة والكيانات النقابية والتعامل معها بسخرية، وهو ما يستوجب رداً»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الأمر معروض حالياً أمام المجلس، وسيتخذ ما يلزم حياله. ومن حق نقابة المهن التمثيلية تنظيم المهنة، كما أن من حق المتضرر التوضيح والرد بشكل مناسب، وليس بهذه الطريقة».

وشددت النقابة في بيان سابق، على أنها لن تتهاون مع أي تجاوزات أو محاولات للتحايل على القوانين، مؤكدة أن حماية المهنة وصون حقوق أعضائها يأتيان على رأس أولوياتها، وأن أي عمل فني لا يلتزم بالضوابط ستتخذ ضده إجراءات حاسمة، مؤكدة ترحيبها بالتعاون مع شركات الإنتاج الملتزمة بالقواعد والقوانين المنظمة للعمل الفني.

في السياق، أعلن عدد من صناع «روح OFF»، على حساباتهم في مواقع التواصل الاجتماعي، حل أزمة المنع، واستكمال التصوير، وعرض العمل في موسم رمضان، بعد التأكيد على عدم وجود مشاركات تمثيلية مخالفة لقواعد النقابة.