تكرار التحذيرات المصرية من الفيروس «المخلوي التنفسي»... ماذا يعني؟

وزارة الصحة أشارت إلى أن نسب انتشاره عالية

«التنفسي المخلوي» ينتقل عن طريق السعال والعطس (Public Domain)
«التنفسي المخلوي» ينتقل عن طريق السعال والعطس (Public Domain)
TT

تكرار التحذيرات المصرية من الفيروس «المخلوي التنفسي»... ماذا يعني؟

«التنفسي المخلوي» ينتقل عن طريق السعال والعطس (Public Domain)
«التنفسي المخلوي» ينتقل عن طريق السعال والعطس (Public Domain)

بالتزامن مع «موجة الغلاء» في السوق المصرية، أصبحت الأسر المصرية مطالبة بإعادة بند «شراء الكمامات» إلى الميزانية الشهرية، ليس بهدف الوقاية من فيروس «كورونا المستجد»، لكن بسبب فيروس لم يعتد المصريون سماع اسمه، وهو «التنفسي المخلوي».
و«التنفسي المخلوي» تم اكتشافه عام 1956، إلا أن أعداد إصاباته وشدتها، جعلته منسياً، ولم تكن أيضاً محفزة لشركات الأدوية للاستثمار في إنتاج لقاحات له، مثلما حدث مع «كورونا المستجد»، الذي تم إنتاج لقاح له في 12 شهراً، غير أن تكرار التحذيرات التي تطلقها الصحة المصرية من أعداد الإصابات بهذا الفيروس القديم، يشير إلى وضع على ما يبدو أنه «غير معتاد»، ويوجب العودة إلى استخدام «الكمامات»، كما يقول عادل محمدي، اختصاصي الأمراض الصدرية في وزارة الصحة المصرية.
وكان رئيس اللجنة العلمية لـ«كورونا» في وزارة الصحة المصرية، حسام حسني، قد أكد في تصريحات صحافية (الأربعاء)، أنه خلال الفترة من أكتوبر (تشرين الأول) إلى نوفمبر (تشرين الثاني) الماضيين، تم رصد «هجمة» موسمية لهذا الفيروس، بعد هدوء ملحوظ في وتيرة الإصابات في عام 2020، ثم اختفاء تام من عام 2020 وحتى أكتوبر 2022.
ووفق محمدي، فقد سمحت إجراءات «كورونا» الاحترازية التي تمثلت في التعليم عن بُعد، وارتداء الكمامات بتحجيم انتقال هذا الفيروس خلال الفترة من 2020 وحتى أغسطس (آب) 2022، ولكن شهدت بعض الدول عودته بقوة في سبتمبر (أيلول) 2022 مع «التخلي عن الكمامة وغيرها من الإجراءات الاحترازية»، وفي مصر ظهر بقوة منذ أكتوبر الماضي.
ويقول كامل علي الغريب، الأستاذ في بقسم الميكروبيولوجي بكلية العلوم جامعة الأزهر، إن «العودة القوية للفيروس، لا تشير إلى حدوث تغيير في سلوكه، ولكنها تشير إلى أن المصابين لم يشكلوا مناعة سابقة ضده». وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «الإصابة السابقة بهذا الفيروس توفر بعض المناعة، لأنه لا يتحور بسرعة تحور (كورونا) أو الإنفلونزا، وبالتالي، ستظل أجزاء من مادته الوراثية موجودة حتى مع التحور، وهذا يعطي مَن أصيب به في أحد الأعوام، مناعة في العام التالي». ويتابع: «لكن ما حدث أنه خلال تطبيق إجراءات (كورونا) الاحترازية، لم يتعرض الأطفال للفيروس، بسبب انتهاج طريقة التعليم عن بُعد، فضلاً عن ارتداء البعض للكمامات، ومع حدوث تراكم في الطفرات بالفيروس، خلال الأعوام الثلاثة الماضية من جائحة (كورونا)، أصبحوا يواجهون هذا العام فيروساً بتركيبة جديدة تغيرت كثيراً عما سبق وتعرضوا له قبل (كورونا)، كما أن بعض مواليد الجائحة تعرضوا لفيروس جديد على الإطلاق». وإلى أن يصبح هناك لقاح متاح لهذا الفيروس، وهو أمر بدأ العالم يدرك أهميته، فإن «التحذير المتكرر من وزارة الصحة المصرية، يعني ضرورة عدم التهاون في مواجهة هذا الفيروس، باتباع أدوات الوقاية المتاحة».
الغريب قال: «رغم أنه في الغالب يسبب إصابات خفيفة ومتوسطة، ويتعافى المصابون منه خلال أسبوع، فإنه يظل بالغ الخطورة عند كبار السن والأطفال الصغار»، مضيفاً أن «العودة لارتداء الكمامات وتطبيق إجراءات (كورونا) الاحترازية من غسل الأيدي المستمر والتهوية الجيدة والتباعد الاجتماعي، ضرورة لتجاوز شهور الشتاء بأمان».
ويتكاثر هذا الفيروس في درجات حرارة منخفضة مع رطوبة منخفضة، أي أن البيئة الشتوية الحالية مناسبة جداً، وهو ينتشر بشكل شائع من خلال السعال والعطس، والأسطح الملوثة بالفيروس، كما يقول ديفيد ويبر، المدير الطبي لقسم الوقاية من العدوى في جامعة نورث كارولاينا الأميركية، في تصريحات نقلها موقع صحيفة «ذا نيوز أوبزرفر» الأميركية، قبل يومين. ويوضح أن أعراضه عادة ما تبدأ على شكل نزلة برد مع سيلان الأنف واحتقان الأنف والسعال، وبحلول اليوم الثالث أو الرابع قد يعاني المريض من بعض الصفير وعلامات ضيق في الجهاز التنفس، وقد لا يتمكن من تناول الطعام بسبب صعوبة في التنفس. ويضيف أنه لا يوجد لقاح حالياً للفيروس، لكنّ شركتين تختبران حالياً بعض اللقاحات، وقد تكون معتمدة من إدارة الغذاء والدواء (FDA) للبالغين الأكبر سناً بحلول منتصف عام 2023، ولكن سيستغرق الأمر وقتاً أطول للحصول على الموافقة على هذه اللقاحات للأطفال.


مقالات ذات صلة

هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

شمال افريقيا هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

حفلت الجلسة الافتتاحية لـ«الحوار الوطني»، الذي دعا إليه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قبل أكثر من عام، برسائل سياسية حملتها كلمات المتحدثين، ومشاركات أحزاب سياسية وشخصيات معارضة كانت قد توارت عن المشهد السياسي المصري طيلة السنوات الماضية. وأكد مشاركون في «الحوار الوطني» ومراقبون تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أهمية انطلاق جلسات الحوار، في ظل «قلق مجتمعي حول مستقبل الاقتصاد، وبخاصة مع ارتفاع معدلات التضخم وتسببه في أعباء معيشية متصاعدة»، مؤكدين أن توضيح الحقائق بشفافية كاملة، وتعزيز التواصل بين مؤسسات الدولة والمواطنين «يمثل ضرورة لاحتواء قلق الرأي العام، ودفعه لتقبل الإجراءات الحكومية لمعالجة الأز

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا السيسي يبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي المصري

السيسي يبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي المصري

عقد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، اجتماعاً، أمس (الخميس)، مع كبار قادة القوات المسلحة في مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الإدارية الجديدة، لمتابعة دور الجيش في حماية الحدود، وبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي للبلاد. وقال المستشار أحمد فهمي، المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية، في إفادة رسمية، إن «الاجتماع تطرق إلى تطورات الأوضاع على الساحتين الإقليمية والدولية، وانعكاساتها على الأمن القومي في ظل الظروف والتحديات الحالية بالمنطقة». وقُبيل الاجتماع تفقد الرئيس المصري الأكاديمية العسكرية المصرية، وعدداً من المنشآت في مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الإدارية. وأوضح المتحدث ب

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا مصر: ظاهرة «المقاتلين الأجانب» تهدد أمن واستقرار الدول

مصر: ظاهرة «المقاتلين الأجانب» تهدد أمن واستقرار الدول

قالت مصر إن «استمرار ظاهرة (المقاتلين الأجانب) يهدد أمن واستقرار الدول». وأكدت أن «نشاط التنظيمات (الإرهابية) في أفريقيا أدى لتهديد السلم المجتمعي».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا حادث تصادم بمصر يجدد الحديث عن مخاطر «السرعة الزائدة»

حادث تصادم بمصر يجدد الحديث عن مخاطر «السرعة الزائدة»

جدد حادث تصادم في مصر الحديث بشأن مخاطر «السرعة الزائدة» التي تتسبب في وقوع حوادث سير، لا سيما على الطرق السريعة في البلاد. وأعلنت وزارة الصحة المصرية، (الخميس)، مصرع 17 شخصاً وإصابة 29 آخرين، جراء حادث سير على طريق الخارجة - أسيوط (جنوب القاهرة).

منى أبو النصر (القاهرة)
شمال افريقيا مصريون يساهمون في إغاثة النازحين من السودان

مصريون يساهمون في إغاثة النازحين من السودان

بعد 3 أيام عصيبة أمضتها المسنة السودانية زينب عمر، في معبر «أشكيت» من دون مياه نظيفة أو وجبات مُشبعة، فوجئت لدى وصولها إلى معبر «قسطل» المصري بوجود متطوعين مصريين يقدمون مياهاً وعصائر ووجبات جافة مكونة من «علب فول وتونة وحلاوة وجبن بجانب أكياس الشيبسي»، قبل الدخول إلى المكاتب المصرية وإنهاء إجراءات الدخول المكونة من عدة مراحل؛ من بينها «التفتيش، والجمارك، والجوازات، والحجر الصحي، والكشف الطبي»، والتي تستغرق عادة نحو 3 ساعات. ويسعى المتطوعون المصريون لتخفيف مُعاناة النازحين من السودان وخصوصاً أبناء الخرطوم الفارين من الحرب والسيدات والأطفال والمسنات، بالتعاون مع جمعيات ومؤسسات أهلية مصرية، على


هل ينجح الحراك البرلماني في تغيير رئاسة «النواب» الليبي؟

صورة من جلسة مجلس النواب الليبي الأخيرة 15 سبتمبر (من مقطع فيديو بثه المجلس على صفحته عبر «فيسبوك»)
صورة من جلسة مجلس النواب الليبي الأخيرة 15 سبتمبر (من مقطع فيديو بثه المجلس على صفحته عبر «فيسبوك»)
TT

هل ينجح الحراك البرلماني في تغيير رئاسة «النواب» الليبي؟

صورة من جلسة مجلس النواب الليبي الأخيرة 15 سبتمبر (من مقطع فيديو بثه المجلس على صفحته عبر «فيسبوك»)
صورة من جلسة مجلس النواب الليبي الأخيرة 15 سبتمبر (من مقطع فيديو بثه المجلس على صفحته عبر «فيسبوك»)

فرض الحراك البرلماني في ليبيا، المُطالب بتعديل اللائحة الداخلية وتفعيل مبدأ تداول السلطة داخل المجلس الذي يتخذ من بنغازي مقراً له، ويترأسه عقيلة صالح منذ نحو 12 عاماً، أسئلةً بشأن مدى استمراره وقدرته على إحداث تغيير.

ولا تقتصر التساؤلات المثارة حول هذا الحراك على توقيت هذه «الاستفاقة المتأخرة» لكتلة مناهضة لـ«تفرد صالح بالقرار»، بل تمتد إلى مدى ارتباط تحركها باتفاق «4+4» وفرص تطبيقه، بوصفه أحد المخارج المحتملة لإنهاء الانقسام، عبر تشكيل سلطة تنفيذية موحدة تقود البلاد نحو الانتخابات خلال عامين.

وتباينت الآراء في مآلات الحراك؛ إذ تؤكد الكتلة المناوئة لصالح استمرارها في السعي «لإصلاح المجلس وتغيير هيئة رئاسته»، رغم منعها من عقد جلسة مخصصة لذلك منتصف الأسبوع الماضي، بإغلاق مقر المجلس ببنغازي بتعليمات من رئاسته، وفق بيانها.

وقال النائب عصام الجهاني، أحد أبرز أصوات تلك الكتلة، إن الأعضاء البالغ عددهم 86 نائباً قد يجتمعون في أي مدينة ليبية يتيسر فيها أداء مهامهم. وشدد على أن الأمر «ليس مؤامرة أو محاولة لوراثة مقعد صالح»، بل رغبة في «الإصلاح ردّاً على تفرده بالقرارات، وتشبثه بموقعه».

في المقابل، تحدّثت أصوات سياسية أخرى عن إمكانية «تشتت هذا الحراك وتراجعه تدريجياً»، مشيرة إلى أن «هدوءه أو ثورانه مرتبط بالتوازنات بين مراكز القوى الفاعلة في المنطقة الشرقية، وأيضاً بالضغوط الإقليمية».

جلسة سابقة لمجلس النواب الليبي (المركز الصحافي لرئيس المجلس عقيلة صالح)

وتوقع عضو مجلس النواب الليبي، علي التكبالي، «تراجع الحراك الراهن بالمجلس»، مستنداً في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى ما حدث في مارس (آذار) الماضي، حين دعت كتلة من النواب أيضاً إلى جلسة لإصلاح اللائحة الداخلية، ثم اختفى حراكها.

ويرى التكبالي «صعوبة الحفاظ على نصاب لعقد جلسة يضمن إزاحة رئيس المجلس»، وقال إن النواب «قد يجتمعون اعتراضاً على موقف ما، لكن بعودة كل منهم إلى مدينته يصعب تجميعهم مجدداً، خصوصاً مع مراجعة بعضهم لموقفه لتعارضه مع مصالحه الخاصة أو انتمائه القبلي».

فيما حذّر عضو المجلس، منتصر الحاسي، من «انقسام البرلمان بسبب تصرفات بعض الأعضاء»، ورغم تمسكه بحق النواب في تعديل اللائحة، فإنه يُشدد على تحقيق ذلك من خلال «القنوات القانونية».

وتعيش ليبيا منذ سنوات انقساماً بين حكومتين؛ «الوحدة الوطنية» المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس، وحكومة أسامة حماد التي تدير الشرق وبعض مدن الجنوب، وهي مكلفة من البرلمان، ومدعومة من قائد «الجيش الوطني» المشير خليفة حفتر.

ووفقاً لاتفاق «4+4»، الذي عُقد نهاية الشهر الماضي بين ممثلين لـ«الوحدة» و«الجيش الوطني» برعاية أممية، ستُشكَّل سلطة جديدة من مجلس رئاسي وحكومة موحدة، تمهد لانتخابات عامة خلال عامين.

ويشير مراقبون وأصوات سياسية إلى أن «دولاً إقليمية ترى في استمرار صالح ضمانة لتفادي تصدع المؤسسة التشريعية»، بوصفها المؤسسة الوحيدة الناجية من الانقسام المؤسسي.

عقيلة صالح رئيس مجلس النواب الليبي (المكتب الإعلامي لعقيلة)

وربط المحلل، حسام فنيش، ما يحدث بتطورات اتفاق «4+4»، وحذّر من أن «أولوية كتلة الإصلاح بالمجلس لتغيير اللائحة قبل عقد الجلسات تؤجل تضمين الاتفاق بالإعلان الدستوري، ما يعرقل تطبيقه رغم أنه يمهّد لانتخابات وينهي الانقسام».

وأشار إلى أن «البعثة الأممية تفضل تضمين الاتفاق في تعديل دستوري، تمهيداً لإقراره من مجلس الأمن».

ولفت رئيس حزب «صوت الشعب»، فتحي الشبلي، إلى أن «ما يُتداول عن تفرد صالح بالقرار، وعدم اكتمال نصاب بعض الجلسات، مطروح منذ سنوات دون اعتراض النواب»، عادّاً ذلك «يُعزز الشكوك في أن الخلاف الراهن صراع كتل مدعومة من قوى نافذة، ولا يمهد لأي إصلاح حقيقي».

وتوقع الشبلي استمرار عقيلة لفترة ما إلى «حين دعوة البعثة الأممية لتشكيل مجلس تأسيسي بديل عن مجلسه و(الأعلى للدولة) للمضي في تطبيق اتفاق (4+4)، لرفضهما أي تغيير في المشهد السياسي».

ولم يبتعد المحلل السياسي محمد محفوظ عن الآراء السابقة، عادّاً أن ما يحدث في البرلمان «صراع مشروعات بين قوى نافذة، يحاول فيه كل طرف، سواء في شرق ليبيا أو غربها، إثبات جدارته وقدرته على التحكم بالمشهد أمام المجتمع الدولي».

ورهن محفوظ في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، احتفاظ صالح بموقعه بعاملين؛ الأول قدرته مع حلفائه على امتصاص الغضب الراهن، مرجحاً «مساعدة بقية مكتب الرئاسة، خاصة نائبيه، كونهما قد يتعرضان مثله للتغيير». أما العامل الثاني، وفق محفوظ، فهو «دعم بعض الدول الإقليمية والغربية، بما يخفف الضغوط عنه».


من جدة إلى نيويورك... لماذا تفشل هدن السودان؟

أعضاء الآلية الخماسية والرباعية عقب أول اجتماع لهم بشأن السودان (الاتحاد الأفريقي)
أعضاء الآلية الخماسية والرباعية عقب أول اجتماع لهم بشأن السودان (الاتحاد الأفريقي)
TT

من جدة إلى نيويورك... لماذا تفشل هدن السودان؟

أعضاء الآلية الخماسية والرباعية عقب أول اجتماع لهم بشأن السودان (الاتحاد الأفريقي)
أعضاء الآلية الخماسية والرباعية عقب أول اجتماع لهم بشأن السودان (الاتحاد الأفريقي)

احتاجت الطبيبة السودانية «س» إلى هدنة كي تتمكن من الخروج من مركز صحي حُوصرت فيه مع زملائها، خلال الأيام الأولى للحرب. وقطعت طريقاً طويلاً من شارع النيل، عبر جسرَي الفتيحاب والحلفايا، حتى وصلت إلى أسرتها في كوبر. تقول إنها وجدت جدران غرفتها مثقوبة بالرصاص، وإخوتها ينتظرونها ليغادروا معاً. نزحت الأسرة، وما زالت نازحة حتى اليوم.

أتاح توقف القتال لمدة قصيرة في مايو (أيار) 2023، لـ«س» النجاة، لكنه لم يدُم بما يكفي لتبقى أسرتها في منزلها. ومنذ تلك الهدنة القصيرة، توالت المبادرات والاتفاقات، في حين ظل السؤال الأصعب هو: كيف يمكن للوسطاء جمع طرفي الحرب على وقف للقتال يجري تنفيذه ويستمر؟

أعاد الاجتماع الأول لـ«الرباعية والخماسية» بنيويورك، في 23 سبتمبر (أيلول) الحالي، وبرئاسة مشتركة من الاتحاد الأفريقي والولايات المتحدة، هذا السؤال مجدداً إلى الواجهة. ودعا المشاركون فيه إلى هدنة إنسانية ووقف للأعمال العدائية، واتفقوا على تنسيق الجهود لحماية المدنيين، والتحضير لمراقبة أي اتفاق والتحقق من تنفيذه. لكن بيان الاجتماع لم يعلن التوصل إلى اتفاق مع الجيش أو قوات «الدعم السريع»، ولم يحدد موعداً لمفاوضات تجمعهما.

الحرب تسببت في نزوح الملايين من السودانيين (أ.ب)

وتبدأ العقدة من شروط الهدنة نفسها. فوفق «رويترز»، قبلت الحكومة، التي يقودها الجيش، معظم بنود مقترح أميركي لهدنة مُدتها 90 يوماً، لكنها رفضت أن يقتصر انسحاب قوات «الدعم السريع» على مناطق محددة، وطالبت بانسحابها من جميع المدن التي سيطرت عليها. وأكدت وزارة الخارجية السودانية، هذا الأسبوع، رفضها أي عملية تفاوضية ترى أنها تمنح شرعية لواقع فرضته قوات «الدعم السريع» بالقوة. وفي المقابل، أعلن «الدعم السريع» ترحيبه بمقترح الهدنة، دون أن يفضي ذلك إلى توقف القتال. وحتى عندما وقّع الطرفان اتفاقاً، لم يضمن تنفيذه. ففي جدة بالسعودية، وقّع الجيش و«الدعم السريع» «إعلان الالتزام بحماية المدنيين» في 11 مايو 2023، ثم اتفاقاً لوقف قصير لإطلاق النار وترتيبات إنسانية في العشرين من الشهر نفسه.

لكن وقف القتال لم يصمد، وعلّق الجيش مشاركته في المحادثات خلال يونيو (حزيران)، متهماً قوات «الدعم السريع» بخرق الاتفاق.

آثار الدمار جراء الحرب في الخرطوم (أ.ف.ب)

وواجهت مسارات أخرى عَقبات مختلفة، فقد أعلنت هيئة «إيغاد»، التي ترعى السلام في القرن الأفريقي، في ديسمبر (كانون الأول) 2023، موافقة البرهان وحميدتي على لقاء مباشر برعايتها، ثم جددت، في يناير (كانون الثاني)، دعوتها إلى عقد اللقاء، لكنه لم ينعقد.

وفي المنامة، وُقّعت بالأحرف الأولى، في 20 يناير 2024، «وثيقة مبادئ وأسس الحل الشامل للأزمة السودانية»، باسم شمس الدين كباشي عن الجيش، وعبد الرحيم دقلو عن قوات «الدعم السريع»، وفق نص الوثيقة المنشور. لكن التوقيع الأوليّ لم يتبعه اتفاق نهائي أو مسار تفاوضي مستمر. واتهم دقلو كباشي بالتنصل من الوثيقة، في حين لم يصدر عن كباشي تعليق يوضح أسباب توقف المسار.

وفي أغسطس (آب) 2024، حال غيابُ أحد طرفي الحرب دون إجراء محادثات مباشرة لوقف إطلاق النار في سويسرا، فتحوَّل التركيز إلى تسهيل وصول المساعدات وحماية المدنيين.

وكتبت الباحثة في «تشاتام هاوس» روزاليند مارسدن، في تحليل نشره المعهد في 18 سبتمبر 2024، أن السبب الرئيسي لفشل محادثات وقف إطلاق النار في سويسرا (أغسطس 2024) كان استمرار سعي الجيش وقوات «الدعم السريع» إلى تحقيق نصر عسكري، وأن استمرار رهان الطرفين، آنذاك، على تحقيق مكاسب عسكرية كان سبباً رئيسياً لتعثر التفاوض، رغم إحراز تقدم محدود في إيصال المساعدات إلى دارفور.

ثم طرحت الرباعية، في سبتمبر 2025، خريطة طريق تبدأ بهدنة إنسانية لمدة ثلاثة أشهر، تصل خلالها المساعدات إلى أنحاء السودان، يعقبها وقف دائم لإطلاق النار وانتقال سياسي.

لكن خريطة الرباعية بقيت مقترحاً من الوسطاء، ولم تتحول إلى اتفاق بين المتحاربين. ويُظهر الخلاف على الانسحاب في المقترح الأميركي الأحدث أن الطرفين لم يتوصلا بعدُ إلى شروط يمكن أن يبدأ على أساسها اختبار هدنة جديدة.

مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس (د.ب.أ)

ويرى الباحث أحمد سليمان أن تعدد مجموعات الوساطة وضعف التنسيق بينها يقتضيان ربط جهود وقف إطلاق النار بعملية سياسية سودانية تقودها قوى مدنية.

ويذهب الباحث في «تشاتام هاوس» هوبير كينكوه، في تحليل نشره المعهد في 13 فبراير (شباط) 2026، أن تعدد مسارات الوساطة بشأن السودان، وغياب قيادة واضحة وتنسيق فعّال بينها، أتاحا للجيش وقوات «الدعم السريع» مقاومة تقديم تنازلات جدية.

من هنا، قد يسهم اجتماع نيويورك في معالجة تشتت جهود الوسطاء، لكن قيمته الفعلية ستتضح إذا استطاع جمع المتحاربين على اتفاق واضح، ووضع آلية لمراقبة الالتزام به والتعامل مع خروقه.

وصلت «س» إلى أسرتها بفضل هدنة قصيرة، ثم اضطرت الأسرة لمغادرة منزلها. أما الهدنة التي ينتظرها النازحون واللاجئون، اليوم، فيريدونها فرصة لوصول المساعدات وبداية لوقف دائم للقتال، حتى تصبح العودة إلى البيوت والمناطق ممكنة وآمنة.


ملف الوساطة بين أميركا وإيران يتصدّر لقاءات مصر في الأمم المتحدة

عبد العاطي يبحث في نيويورك مع بدر بن حمد البوسعيدي تطورات المشهد الإقليمي (صفحة وزارة الخارجية المصرية على «فيسبوك»)
عبد العاطي يبحث في نيويورك مع بدر بن حمد البوسعيدي تطورات المشهد الإقليمي (صفحة وزارة الخارجية المصرية على «فيسبوك»)
TT

ملف الوساطة بين أميركا وإيران يتصدّر لقاءات مصر في الأمم المتحدة

عبد العاطي يبحث في نيويورك مع بدر بن حمد البوسعيدي تطورات المشهد الإقليمي (صفحة وزارة الخارجية المصرية على «فيسبوك»)
عبد العاطي يبحث في نيويورك مع بدر بن حمد البوسعيدي تطورات المشهد الإقليمي (صفحة وزارة الخارجية المصرية على «فيسبوك»)

تصدّر ملف الوساطة بين أميركا وإيران لقاءات مصرية على هامش اجتماعات الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك. وجاء الحديث عن الأزمة الإيرانية والوضع في مضيق هرمز خلال لقاءات لوزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظرائه في إيران وتركيا وسلطنة عُمان.

وناقش عبد العاطي مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الجهود المبذولة والمقترحات التي يجري طرحها من أجل التوصل لاتفاق يؤدي إلى احتواء التوتر وخفض التصعيد.

ووفق إفادة للمتحدث باسم وزارة الخارجية المصرية نادر زكي، الجمعة، شدد الوزير عبد العاطي على «الأهمية البالغة لأن تضطلع كل دولة بمسؤولياتها لضمان حركة وحرية الملاحة الدولية، حتى يمكن احتواء التداعيات السلبية لهذه الأزمة على الاقتصاد العالمي التي أدت إلى اضطراب سلاسل الإمداد للطاقة والأسمدة وحركة التجارة الدولية بشكل كبير».

وأكد «أهمية احترام الأمن والاستقرار لدول الخليج وجميع دول المنطقة»، مشدداً على «ضرورة العودة إلى الحوار واستئناف المسار الدبلوماسي عبر التفاوض والتوصل لتفاهمات بين الولايات المتحدة وإيران، باعتبار ذلك السبيل الوحيد لإنهاء الأزمة الحالية، ووضع حد لحالة التصعيد التي تُلحق أضراراً بالغة بمصالح جميع دول المنطقة».

من لقاء عبد العاطي وعراقجي (صفحة وزارة الخارجية المصرية على «فيسبوك»)

وبحث عبد العاطي مع وزير خارجية سلطنة عُمان بدر بن حمد البوسعيدي تطورات المشهد الإقليمي والمستجدات في البحر الأحمر و«باب المندب»، إذ أكد «أولوية وقف التصعيد والابتعاد عن أي خطوات من شأنها تأجيج التوتر وتهديد الأمن والاستقرار، وضرورة ضمان حرية حركة الملاحة، وفقاً لقواعد وأحكام القانون الدولي، وبما يُسهم في صون الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي». وشدد على «رفض مصر القاطع المساس بأمن المملكة العربية السعودية الشقيقة، وتضامن مصر الكامل معها لحفظ سيادتها واستقرارها»، مؤكداً «ضرورة إفساح المجال أمام الجهود الدبلوماسية باعتبارها المسار الأمثل لتجاوز أي تحديات».

وحسب المتحدث باسم الخارجية، الجمعة، «تم التطرق إلى الأزمة الإيرانية والوضع في (هرمز)، وجهود عُمان المقدرة بالتنسيق مع مصر والوسطاء، من أجل خفض التصعيد، كما تم التأكيد على ضرورة الحفاظ على أمن وسلامة حركة الملاحة، وضمان انسياب حركة التجارة وإمدادات الطاقة، بما يُسهم في الحد من تداعيات التوترات الراهنة وتعزيز الاستقرار الإقليمي».

كما التقى وزير الخارجية المصري مع نظيره التركي هاكان فيدان، وتبادل معه الرؤى حول الأزمة الإيرانية، إذ تم «التأكيد على أهمية مواصلة دعم جهود الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران، للعودة إلى مسار المفاوضات لتعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة، مع التشديد على رفض المساس بأمن دول الخليج الشقيقة أو استخدام المضايق والممرات البحرية بوصفها أداة ضغط في تلك الأزمة».

وزير الخارجية المصري يلتقي نظيره التركي هاكان فيدان في نيويورك (صفحة وزارة الخارجية المصرية على «فيسبوك»)

ووفق بيان «الخارجية المصرية»، الجمعة، أكد الوزيران عبد العاطي وفيدان «أهمية تنفيذ استحقاقات (خطة الرئيس دونالد ترمب للسلام)، ودخول المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة دون عوائق، مع بدء تنفيذ إعادة الإعمار والتعافي المبكر». وشدد عبد العاطي على «رفض مصر أي مخططات لتهجير الفلسطينيين وإدانة عمليات التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية».

وناقش الطرفان مستجدات الأوضاع في السودان، إذ أكد عبد العاطي «أهمية الحفاظ على وحدة وسيادة السودان وتعزيز مسار المفاوضات بما يلبي تطلعات الشعب السوداني الشقيق ويصون مؤسساته الوطنية».

كما تطرق اللقاء إلى الأوضاع في ليبيا وسبل تحقيق تقدم في العملية السياسية وإنهاء حالة الانقسام التي تشهدها البلاد. وأكد عبد العاطي أن «تحركات مصر تجاه الملف الليبي تستند إلى أولوية الحفاظ على وحدة ليبيا وسيادتها وسلامة أراضيها، إلى جانب دعم وحدة مؤسساتها الوطنية»، مشدداً على «أهمية تكامل الجهود الإقليمية والدولية الداعمة للمسار السياسي الليبي، بما يُسهم في مساعدة الأطراف الليبية على التوصل إلى تسوية مستدامة تعبّر عن إرادتهم، وتحافظ على وحدة الدولة ومؤسساتها».

أيضاً تناول عبد العاطي خلال لقاء مع نائب وزير خارجية الولايات المتحدة ومندوبها الدائم لدى الأمم المتحدة مايك والتز، الجمعة، تطورات الأوضاع في إيران وأمن البحر الأحمر، إذ أكد وزير الخارجية المصري رؤية بلاده «القائمة على ضرورة خفض التوترات، وأهمية اللجوء إلى الحوار والوسائل الدبلوماسية لتسوية الخلافات، ‏مع ضمان حرية الملاحة البحرية في المضايق والممرات وكذلك حركة التجارة الدولية وسلاسل الإمداد».