من جدة إلى نيويورك... لماذا تفشل هدن السودان؟

اتفاقات تتعدد وخرائط تتعثر... ونازحون ينتظرون العودة

أعضاء الآلية الخماسية والرباعية عقب أول اجتماع لهم بشأن السودان (الاتحاد الأفريقي)
أعضاء الآلية الخماسية والرباعية عقب أول اجتماع لهم بشأن السودان (الاتحاد الأفريقي)
TT

من جدة إلى نيويورك... لماذا تفشل هدن السودان؟

أعضاء الآلية الخماسية والرباعية عقب أول اجتماع لهم بشأن السودان (الاتحاد الأفريقي)
أعضاء الآلية الخماسية والرباعية عقب أول اجتماع لهم بشأن السودان (الاتحاد الأفريقي)

احتاجت الطبيبة السودانية «س» إلى هدنة كي تتمكن من الخروج من مركز صحي حُوصرت فيه مع زملائها، خلال الأيام الأولى للحرب. وقطعت طريقاً طويلاً من شارع النيل، عبر جسرَي الفتيحاب والحلفايا، حتى وصلت إلى أسرتها في كوبر. تقول إنها وجدت جدران غرفتها مثقوبة بالرصاص، وإخوتها ينتظرونها ليغادروا معاً. نزحت الأسرة، وما زالت نازحة حتى اليوم.

أتاح توقف القتال لمدة قصيرة في مايو (أيار) 2023، لـ«س» النجاة، لكنه لم يدُم بما يكفي لتبقى أسرتها في منزلها. ومنذ تلك الهدنة القصيرة، توالت المبادرات والاتفاقات، في حين ظل السؤال الأصعب هو: كيف يمكن للوسطاء جمع طرفي الحرب على وقف للقتال يجري تنفيذه ويستمر؟

أعاد الاجتماع الأول لـ«الرباعية والخماسية» بنيويورك، في 23 سبتمبر (أيلول) الحالي، وبرئاسة مشتركة من الاتحاد الأفريقي والولايات المتحدة، هذا السؤال مجدداً إلى الواجهة. ودعا المشاركون فيه إلى هدنة إنسانية ووقف للأعمال العدائية، واتفقوا على تنسيق الجهود لحماية المدنيين، والتحضير لمراقبة أي اتفاق والتحقق من تنفيذه. لكن بيان الاجتماع لم يعلن التوصل إلى اتفاق مع الجيش أو قوات «الدعم السريع»، ولم يحدد موعداً لمفاوضات تجمعهما.

الحرب تسببت في نزوح الملايين من السودانيين (أ.ب)

وتبدأ العقدة من شروط الهدنة نفسها. فوفق «رويترز»، قبلت الحكومة، التي يقودها الجيش، معظم بنود مقترح أميركي لهدنة مُدتها 90 يوماً، لكنها رفضت أن يقتصر انسحاب قوات «الدعم السريع» على مناطق محددة، وطالبت بانسحابها من جميع المدن التي سيطرت عليها. وأكدت وزارة الخارجية السودانية، هذا الأسبوع، رفضها أي عملية تفاوضية ترى أنها تمنح شرعية لواقع فرضته قوات «الدعم السريع» بالقوة. وفي المقابل، أعلن «الدعم السريع» ترحيبه بمقترح الهدنة، دون أن يفضي ذلك إلى توقف القتال. وحتى عندما وقّع الطرفان اتفاقاً، لم يضمن تنفيذه. ففي جدة بالسعودية، وقّع الجيش و«الدعم السريع» «إعلان الالتزام بحماية المدنيين» في 11 مايو 2023، ثم اتفاقاً لوقف قصير لإطلاق النار وترتيبات إنسانية في العشرين من الشهر نفسه.

لكن وقف القتال لم يصمد، وعلّق الجيش مشاركته في المحادثات خلال يونيو (حزيران)، متهماً قوات «الدعم السريع» بخرق الاتفاق.

آثار الدمار جراء الحرب في الخرطوم (أ.ف.ب)

وواجهت مسارات أخرى عَقبات مختلفة، فقد أعلنت هيئة «إيغاد»، التي ترعى السلام في القرن الأفريقي، في ديسمبر (كانون الأول) 2023، موافقة البرهان وحميدتي على لقاء مباشر برعايتها، ثم جددت، في يناير (كانون الثاني)، دعوتها إلى عقد اللقاء، لكنه لم ينعقد.

وفي المنامة، وُقّعت بالأحرف الأولى، في 20 يناير 2024، «وثيقة مبادئ وأسس الحل الشامل للأزمة السودانية»، باسم شمس الدين كباشي عن الجيش، وعبد الرحيم دقلو عن قوات «الدعم السريع»، وفق نص الوثيقة المنشور. لكن التوقيع الأوليّ لم يتبعه اتفاق نهائي أو مسار تفاوضي مستمر. واتهم دقلو كباشي بالتنصل من الوثيقة، في حين لم يصدر عن كباشي تعليق يوضح أسباب توقف المسار.

وفي أغسطس (آب) 2024، حال غيابُ أحد طرفي الحرب دون إجراء محادثات مباشرة لوقف إطلاق النار في سويسرا، فتحوَّل التركيز إلى تسهيل وصول المساعدات وحماية المدنيين.

وكتبت الباحثة في «تشاتام هاوس» روزاليند مارسدن، في تحليل نشره المعهد في 18 سبتمبر 2024، أن السبب الرئيسي لفشل محادثات وقف إطلاق النار في سويسرا (أغسطس 2024) كان استمرار سعي الجيش وقوات «الدعم السريع» إلى تحقيق نصر عسكري، وأن استمرار رهان الطرفين، آنذاك، على تحقيق مكاسب عسكرية كان سبباً رئيسياً لتعثر التفاوض، رغم إحراز تقدم محدود في إيصال المساعدات إلى دارفور.

ثم طرحت الرباعية، في سبتمبر 2025، خريطة طريق تبدأ بهدنة إنسانية لمدة ثلاثة أشهر، تصل خلالها المساعدات إلى أنحاء السودان، يعقبها وقف دائم لإطلاق النار وانتقال سياسي.

لكن خريطة الرباعية بقيت مقترحاً من الوسطاء، ولم تتحول إلى اتفاق بين المتحاربين. ويُظهر الخلاف على الانسحاب في المقترح الأميركي الأحدث أن الطرفين لم يتوصلا بعدُ إلى شروط يمكن أن يبدأ على أساسها اختبار هدنة جديدة.

مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس (د.ب.أ)

ويرى الباحث أحمد سليمان أن تعدد مجموعات الوساطة وضعف التنسيق بينها يقتضيان ربط جهود وقف إطلاق النار بعملية سياسية سودانية تقودها قوى مدنية.

ويذهب الباحث في «تشاتام هاوس» هوبير كينكوه، في تحليل نشره المعهد في 13 فبراير (شباط) 2026، أن تعدد مسارات الوساطة بشأن السودان، وغياب قيادة واضحة وتنسيق فعّال بينها، أتاحا للجيش وقوات «الدعم السريع» مقاومة تقديم تنازلات جدية.

من هنا، قد يسهم اجتماع نيويورك في معالجة تشتت جهود الوسطاء، لكن قيمته الفعلية ستتضح إذا استطاع جمع المتحاربين على اتفاق واضح، ووضع آلية لمراقبة الالتزام به والتعامل مع خروقه.

وصلت «س» إلى أسرتها بفضل هدنة قصيرة، ثم اضطرت الأسرة لمغادرة منزلها. أما الهدنة التي ينتظرها النازحون واللاجئون، اليوم، فيريدونها فرصة لوصول المساعدات وبداية لوقف دائم للقتال، حتى تصبح العودة إلى البيوت والمناطق ممكنة وآمنة.


مقالات ذات صلة

تراجع المعارك البرية في السودان... وتصاعد حرب المسيّرات

شمال افريقيا قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان داخل القصر الرئاسي في 26 مارس 2025 (رويترز)

تراجع المعارك البرية في السودان... وتصاعد حرب المسيّرات

خفتت أصوات المعارك البرية على جبهات القتال، في حين تصاعد استخدام الطائرات المسيّرة في حرب السودان التي اندلعت قبل ثلاثة أعوام ونصف العام.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا شرطي سوداني أمام محكمة أم روابة بعد استهدافها بمسيّرة نُسبت إلى «الدعم السريع» في شمال كردفان يوم 16 سبتمبر 2026 (رويترز)

«الدعم السريع» تُكثف هجماتها بالمسيّرات في ولاية شمال كردفان السودانية

كثفت «الدعم السريع» هجماتها بالمسيّرات على مدن تُسيطر عليها الحكومة في شمال كردفان، مخلفة قتلى ودماراً، ومفاقمة شعور السكان بانعدام الأمن، وفق تقرير لـ«رويترز».

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
الولايات المتحدة​ وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يتحدث خلال ندوة صحافية بعد اجتماعه مع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف على هامش الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، 23 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

روبيو: الاتفاق مع إيران يتطلب جهداً شاقاً... وترمب يملك خيارات عسكرية

قال روبيو إن الاتفاق مع إيران يتطلب جهداً شاقاً، داعياً إلى وقف إنساني للنار في السودان، ومؤكداً رفض واشنطن توترات جديدة بالضفة الغربية.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
المشرق العربي قائد الجيش عبد الفتاح البرهان (يسار) وقائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو الشهير بحميدتي (أرشيفية)

واشنطن تندد بغياب سلطة «شرعية» في السودان

انتقدت الولايات المتحدة، الثلاثاء، غياب سلطة «شرعية» في السودان، معتبرة أن القوتين العسكريتين المتنافستين لم تقدما التزامات جدية لإنهاء الحرب في البلاد.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
شمال افريقيا قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان في لقطة من تسجيل مصور أمام القصر الجمهوري بالخرطوم (وكالة الأنباء السودانية)

البرهان: حان الوقت لوضع نهاية دائمة للحرب

قال رئيس مجلس السيادة، القائد العام للجيش السوداني عبد الفتاح البرهان، إن «الوقت حان» لوضع حد للحرب الدائرة في البلاد.

محمد أمين ياسين (نيروبي)

«آلية تسعير جديدة» للدواء في مصر تثير مخاوف من زيادات مرتقبة

آلية تسعير الأدوية الجديدة تستند إلى 3 مؤشرات اقتصادية (هيئة الدواء المصرية)
آلية تسعير الأدوية الجديدة تستند إلى 3 مؤشرات اقتصادية (هيئة الدواء المصرية)
TT

«آلية تسعير جديدة» للدواء في مصر تثير مخاوف من زيادات مرتقبة

آلية تسعير الأدوية الجديدة تستند إلى 3 مؤشرات اقتصادية (هيئة الدواء المصرية)
آلية تسعير الأدوية الجديدة تستند إلى 3 مؤشرات اقتصادية (هيئة الدواء المصرية)

أثارت «آلية تسعير جديدة» للدواء في مصر مخاوف من زيادات مرتقبة في أسعار الأدوية؛ ما يشكل عبئاً اقتصادياً على المرضى، في ظل استمرار الشكاوى من نقص بعض العقاقير.

واعتمدت هيئة الدواء المصرية (الجهة الحكومية المسؤولة عن تنظيم سوق الدواء)، نظاماً جديداً لتحديد أسعار المستحضرات الدوائية، يربط الارتفاع أو الانخفاض بثلاثة مؤشرات اقتصادية، هي سعر الصرف والتضخم وأسعار الفائدة.

وأصدرت «الهيئة»، مساء الخميس، القرار رقم 480 لسنة 2026 بشأن ضوابط وإجراءات تسعير المستحضرات الطبية، وتضمن القرار قواعد جديدة لتسعير الأدوية المحلية والمستوردة والمستحضرات، إلى جانب آلية لمراجعة الأسعار في ضوء المتغيرات الاقتصادية كل 6 أشهر.

ويعد الدواء إحدى السلع المُسعرة جبرياً من الحكومة المصرية، كالمواد البترولية والخبز، وتضم السوق المصرية أكثر من 17 ألف دواء مسجل، حسب تقديرات نقابة صيادلة القاهرة.

وتستند آلية التسعير الجديدة إلى 3 مؤشرات اقتصادية، تشمل حركة سعر الصرف، وتمثل 60 في المائة من معادلة التسعير، إلى جانب معدل التضخم، ويمثل 30 في المائة من المعادلة، ثم التغير في أسعار الفائدة، وتشكل 10 في المائة في معادلة التسعير، وأتاح القرار إمكانية مراجعة معادلة التسعير خلال مدة أقل من 6 أشهر، حال حدوث ظروف استثنائية تستدعي ذلك.

وشدد القرار على أنه لا تُرفع أسعار المستحضرات؛ إلا إذا أظهرت المعادلة زيادة لا تقل عن 10 في المائة، مع استمرار المتغيرات الاقتصادية المؤثرة لمدة 45 يوماً على الأقل، وفي المقابل يمكن للهيئة خفض الأسعار إذا بلغت نسبة الانخفاض 10 في المائة على الأقل، واستمرت المتغيرات المؤثرة للمدة نفسها.

نظاماً جديداً لتحديد أسعار المستحضرات الدوائية (هيئة الدواء المصرية)

ووفق رئيس شعبة الأدوية بـ«اتحاد الغرف التجارية» بمصر علي عوف، «يحقق نظام التسعير الجديد التوازن بين شركات الأدوية والصيادلة والمرضى»، وقال إن «القرار كان ضرورياً لتحقيق التوازن في معادلة الأسعار بسوق الدواء، خصوصاً أن آخر قرار لتسعير الدواء كان قبل عامين في أكتوبر (تشرين الأول) 2024 رغم الآثار الاقتصادية التي انعكست على سعر الصرف داخل البلاد».

ويرى عوف أن«القرار سينعكس إيجابياً على صناعة الدواء في مصر، ذلك أنه يتيح لشركات الدواء الأجنبية وضع خطط مستقبلية للسوق المصرية؛ ما يعزز من فرص استثمارها وإنتاجها في هذه السوق».

ويقول إن «نظام التسعير الحالي لا يحقق الشفافية»، ويلفت إلى أنه «لن تكون هناك زيادات في الأسعار مبالغ فيها؛ حيث إن معادلة التسعير، وفق المؤشرات الاقتصادية، الحالية تشير إلى إمكانية تحريك الأسعار من 10 إلى 12 في المائة بحد أقصى».

ويوضح مدير «المركز المصري للحق في الدواء» محمود فؤاد (منظمة مدنية)، أن آلية التسعير الجديدة «ستضاعف من أعباء المرضى خصوصاً غير القادرين»، ويشير إلى أن«القرار أتاح إجراء تغيير أسعار الدواء من الشركات المصنعة ومن هيئة الدواء؛ ما يضاعف من الأعباء الاقتصادية»، كما يقول لـ«الشرق الأوسط»، إنه «رغم أن القرار يستهدف تحقيق التوازن في سوق الدواء، لكن هناك مخاوف تتعلق بمعادلة التسعير الجديدة».

ونص القرار على أن «تقوم هيئة الدواء المصرية بمراجعة أسعار المستحضرات الخاصة بكل شركة على مدار 3 أشهر»، كما «يسمح القرار لصاحب تسجيل المستحضر بطلب إعادة تسعيره بعد مرور 6 أشهر على الأقل من آخر إخطار تسعير، في حين تدرس الهيئة الطلب استناداً إلى تكلفة المستحضر وأسعاره في الدول المرجعية وأسعار البدائل العلاجية إلى جانب دراسات التقييم الاقتصادي».

آلية جديدة لتسعير الدواء في مصر (وزارة الصحة المصرية)

ويعتقد فؤاد أن «القرار الجديد لا يضع ضمانات واضحة فيما يتعلق بتوفير أصناف الدواء غير المتوفرة في السوق»، ويشير إلى أن «هناك شكاوى من عدم توافر بعض الأصناف والمستحضرات الدوائية، خصوصاً التي يتم استيرادها من الخارج، أو التي يتم استيراد المواد الخام لتصنيعها محلياً».

وتتكرر شكاوى مواطنين من نقص بعض الأصناف الدوائية في الصيدليات، وخصصت هيئة الدواء المصرية «خطاً ساخناً لتلقي شكاوى المرضى عن نواقص الأدوية.


تيتيه تناقش مع أحزاب سياسية «التحديات الراهنة» في الجنوب الليبي

تيتيه المبعوثة الأممية لدى ليبيا تلتقي بممثلين عن عدد من الأحزاب السياسية المسجلة في جنوب ليبيا 24 سبتمبر (البعثة الأممية)
تيتيه المبعوثة الأممية لدى ليبيا تلتقي بممثلين عن عدد من الأحزاب السياسية المسجلة في جنوب ليبيا 24 سبتمبر (البعثة الأممية)
TT

تيتيه تناقش مع أحزاب سياسية «التحديات الراهنة» في الجنوب الليبي

تيتيه المبعوثة الأممية لدى ليبيا تلتقي بممثلين عن عدد من الأحزاب السياسية المسجلة في جنوب ليبيا 24 سبتمبر (البعثة الأممية)
تيتيه المبعوثة الأممية لدى ليبيا تلتقي بممثلين عن عدد من الأحزاب السياسية المسجلة في جنوب ليبيا 24 سبتمبر (البعثة الأممية)

التقت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة، هانا تيتيه، ممثلين عن عدد من الأحزاب السياسية المسجلة في جنوب ليبيا؛ لبحث التحديات الراهنة التي تعاني منها المنطقة، وفي مقدمتها نقص الخدمات العامة الأساسية وتداعيات أزمة الوقود المتفاقمة.

ممثلو عدد من الأحزاب المسجلة في جنوب ليبيا يطالبون البعثة الأممية بتعزيز المشاركة في العملية السياسية 24 سبتمبر (البعثة الأممية)

وخلال اللقاء، الذي عقد مساء الخميس، شدد ممثلو أحزاب الجنوب «على ضرورة ضمان تقديم الخدمات، وتعزيز المشاركة في العملية السياسية، وتخصيص الموارد اللازمة للتنمية، إلى جانب حماية المسؤولين البلديين المنتخبين من الصراعات والنزاعات السياسية».

وكانت حكومة أسامة حماد الموالية لمجلس النواب في شرق ليبيا أوقفت 12 عميد بلدية من المنطقة الجنوبية جراء لقائهم مع مسؤولين بحكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في طرابلس.

وفيما أبدى رؤساء الأحزاب دعمهم لاتفاق «4+4»، أعربوا عن قلقهم «إزاء تراجع دور الأحزاب السياسية في الانتخابات»، مطالبين البعثة الأممية بطرح هذه المسألة بجدية على الأطراف المعنية.

كما وضع ممثلو الأحزاب الممثلة الأممية في صورة حادثة مأساوية شهدها الجنوب، الأسبوع الماضي، تجسدت في وفاة طفلين جراء تخزين كميات إضافية من الوقود داخل إحدى المركبات؛ وهي الممارسة الصعبة التي يلجأ إليها السكان بسبب استمرار شح الوقود وأزمته الخانقة في المنطقة ومختلف المدن الليبية.

جانب من اجتماع «اللجنة العلمية لملتقى ليبيا الدولي للتمويل والاستثمار والتنمية في ليبيا» (صفحة سالم الزادمة نائب رئيس حكومة الوحدة)

وعلى صعيد التحركات الاقتصادية لمواجهة التهميش الخدمي، بحثت اللجنة العلمية لـ«ملتقى ليبيا الدولي للتمويل والاستثمار والتنمية»، في طرابلس برعاية نائب رئيس حكومة «الوحدة» المؤقتة سالم الزادمة، التجهيزات النهائية لانطلاق المؤتمر المقرر عقده يومي 23 و24 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.

وشهد الاجتماع، الذي ترأسه مفتاح أبو ستة ورئيس اللجنة التحضيرية علي أرحومة، بمشاركة خبراء في قطاعات المصارف والزراعة والتعدين والطاقة الشمسية، مناقشة رسم خريطة استثمارية شاملة لإقليم الجنوب «فزان».

وركزت الطروحات على كيفية استغلال الموارد الطبيعية وآليات جذب المستثمرين المحليين والدوليين، إلى جانب بناء شراكات بين الشركات الوطنية والدولية لدفع عجلة التنمية في قطاعات الزراعة والصناعة والطاقات المتجددة.

وفي سياق متصل بدعم الإدارة المحلية وترسيخ الاستقرار في الجنوب، أدى عمداء 7 بلديات بجنوب ليبيا (غات، العوينات، جرمة، الرقيبة، الوادي الشرقي، تجرهي، وبرقن) القسم القانوني أمام رئيس حكومة «الوحدة الوطنية»، عبد الحميد الدبيبة، تمهيداً لمباشرة مهامهم الرسمية.

وتأتي هذه الخطوة تنفيذاً لأحكام القانون رقم (59) لسنة 2012 بشأن نظام الإدارة المحلية، وفي إطار استكمال الإجراءات المنظمة لعمل المجالس البلدية المنتخبة، بما يسهم في تمكين السلطات المحلية من تقديم الخدمات المباشرة للمواطنين وتعزيز الاستجابة للاحتياجات الطارئة في مدن ومناطق الجنوب.


كيف تستفيد مصر من التوسع في مشاريع الكهرباء والمياه بـ«حوض النيل»؟

رئيسة تنزانيا ورئيس الوزراء المصري خلال مراسم افتتاح سد «جوليوس نيريري» بتنزانيا الشهر الماضي (صفحة مجلس الوزراء المصري على «فيسبوك»)
رئيسة تنزانيا ورئيس الوزراء المصري خلال مراسم افتتاح سد «جوليوس نيريري» بتنزانيا الشهر الماضي (صفحة مجلس الوزراء المصري على «فيسبوك»)
TT

كيف تستفيد مصر من التوسع في مشاريع الكهرباء والمياه بـ«حوض النيل»؟

رئيسة تنزانيا ورئيس الوزراء المصري خلال مراسم افتتاح سد «جوليوس نيريري» بتنزانيا الشهر الماضي (صفحة مجلس الوزراء المصري على «فيسبوك»)
رئيسة تنزانيا ورئيس الوزراء المصري خلال مراسم افتتاح سد «جوليوس نيريري» بتنزانيا الشهر الماضي (صفحة مجلس الوزراء المصري على «فيسبوك»)

تتحرك مصر لحشد تمويل لحزمة تضم 36 مشروعاً في حوض النيل الجنوبي، تشمل الطاقة الكهرومائية والربط الكهربائي وخطوط نقل الكهرباء وإمدادات المياه والمشروعات متعددة الأغراض.

وتُقْدِم مصر على التوسع في تلك المشاريع؛ «تحقيقاً لمبدأ المنفعة المتبادلة»، بحسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط».

وتضم دول حوض النيل الجنوبي بوروندي، والكونغو، وكينيا، ورواندا، وجنوب السودان، وتنزانيا، وأوغندا، وتعد من دول «المنابع» للنهر، وتشكل مع دول النيل الشرقي، إثيوبيا والسودان ومصر وإريتريا، إقليم حوض نهر النيل.

وقال وزير الري المصري هاني سويلم في تصريحات، الجمعة، إن بلاده وافقت على التوجه لحشد التمويل لحزمة تضم 36 مشروعاً في حوض النيل الجنوبي، بعد دراستها وتبادل المعلومات بشأنها وتقييم آثارها والتشاور والتوافق حولها.

وتشمل المشروعات، بحسب سويلم، الطاقة الكهرومائية والربط الكهربائي وخطوط نقل الكهرباء وإمدادات المياه والمشروعات متعددة الأغراض وغيرها، مؤكداً أن «(سد جوليوس نيريري) في تنزانيا يعد نموذجاً عملياً للتعاون البناء في دول حوض النيل، وبات التعاون التنزاني المصري مكسباً مشتركاً».

وهذا المكسب المشترك، وفق سويلم، «يأتي مع تقديم المشروع نموذجاً لتوفير الطاقة لتنزانيا، وإمكانية توظيفها في دعم التكامل الإقليمي والربط الكهربائي وتجارة الكهرباء بين دول الجوار التنزاني».

وتطرق الوزير المصري إلى مشروع «سد غراند فولا» في جنوب السودان، مؤكداً «دعم بلاده لجوبا في تحقيق أهدافها التنموية، ومن ضمنها هذا المشروع».

وزير الري المصري هاني سويلم (صفحة وزارة الري على «فيسبوك»)

وأواخر أغسطس (آب) الماضي، تم افتتاح مشروع سد ومحطة «جوليوس نيريري» الكهرومائي بتنزانيا، الذي نفذه التحالف المصري «المقاولون العرب - السويدي إليكتريك» خلال 5 سنوات بمشاركة 1700 مهندس وفني مصري ضمن فريق عمل يتكون من نحو 12 ألف عامل.

خبير الشؤون الأفريقية بـ«المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط» حسين البحيري، يرى «أن مصر تمتلك مقومات وإمكانات تؤهلها للعب دور محوري في تنمية دول حوض النيل والقرن الأفريقي، من خلال المشاركة في تدشين مشروعات تنموية كبرى، وفي مقدمتها سدود توليد الطاقة الكهرومائية ومشاريع الري والزراعة والتوسع فيها».

ويوضح أن مشاركة الشركات المصرية الكبرى في بناء «سد جوليوس نيريري» بتنزانيا، ومساعدة دول كجيبوتي في إنشاء محطات الطاقة، «يقدمان نموذجاً عملياً لمصر كشريك تنموي استراتيجي، ويشير إلى أن الدولة الأفريقية تستفيد تنمية، ومصر تستفيد تحفيز الاستثمارات، وتوفير آلاف فرص العمل تحقيقاً لمبدأ المنفعة المتبادلة».

ويضيف «أن هذه المقاربة التنموية تخدم أهداف السياسة الخارجية المصرية، وحماية أمنها المائي في نهر النيل؛ إذ تسهم في استمالة مواقف دول الحوض، وتحييد تحركات إثيوبيا المضادة».

مصر توافق على التوجه لحشد التمويل لحزمة تضم 36 مشروعاً في حوض النيل الجنوبي (الشرق الأوسط)

ويرى نائب رئيس «المجلس المصري للشؤون الأفريقية»، مساعد وزير الخارجية الأسبق صلاح حليمة، أن دعم مصر للمشروعات التنموية في دول حوض النيل «ينبع من رؤية شاملة تعتمد على المنفعة والمصلحة المشتركة، ودفع عجلة التنمية المستدامة بجميع دول الحوض، بما ينعكس إيجاباً على المنطقة برمتها ومصر في مقدمتها».

ويوضح «أن مصر كانت ولا تزال من أبرز الدول الداعمة لمشاريع المياه والكهرباء في دول حوض النيل، حيث تمت الموافقة والمشاركة في تنفيذ العشرات من هذه المشروعات المائية والتنموية؛ ما يعكس الموقف المصري الثابت والمؤيد لحق دول الحوض في التنمية دون الإضرار بأي طرف».

وحول طبيعة العلاقات والمشروعات المائية الحالية، شدد حليمة على أنها «تجسد مفهوماً حقيقياً للشراكة والاستثمار المتبادل بين مصر وأشقائها في أفريقيا»، مشيراً إلى أن «تكثيف هذه المشروعات المائية في الوقت الراهن يأتي في إطار العمل الجماعي والتعاون الوثيق الممتد».

ولفت إلى أن التعاون بين دول حوض النيل وتوسع مصر في المشروعات بدول حوض النيل يبعث برسائل واضحة مفادها أن «التفاهم والتعاون هما أساس إدارة الأنهار الدولية وليس الصدام أو الخلاف».