لماذا قررت التخلي عن ساعة «آبل»؟

تجربة فريدة لامرأة أميركية تتحدث عن «أعبائها ومتاعبها»

لماذا قررت التخلي عن ساعة «آبل»؟
TT

لماذا قررت التخلي عن ساعة «آبل»؟

لماذا قررت التخلي عن ساعة «آبل»؟

أردتها أن تعمل، وأردت أن أحبها، مثل كثير من أصدقائي. وكانوا يقولون: «يستغرق الأمر وقتا.. لا تتوقعي صاعقة من البرق تهبط من السماء.. امنحيها وقتها».
وكذلك فعلت.. أعرف أن أناسا آخرين ينظرون لما أحمله في يدي بعين الحسد، ولكن بعد شهر ونصف من وجودها معي، قررت أنه قد حان الوقت! حسنا، لقد انتهى وقتها معي.. لسوف أتخلى عن ساعة «آبل» التي بحوزتي. لقد كانت علاقتي بها، رغم كل التوقعات، على عكس ما أريد. وكل ذلك التركيز والدعاية حول وابتكار «آبل» الكبير الجديد جعلني أدرك (أو لا يزال!) أن تلك الساعة فعلا لا تناسبني!

* دروس ساعة «آبل»
* ومع ذلك، فلن أندم أبدا على الأسابيع التي قضيناها سويا. فلقد تعلمت خلالها دروسا قيمة للغاية حول نفسي.
منها، على سبيل المثال، أنه لا يمكن لحياتي أن تتحدد من خلال ساعة تستقر على معصمي. هناك سبب وراء حملي المستمر لذات حقيبة اليد (بلا ماركة) في كل مكان أذهب إليه، وهناك سبب أن ساعتي القديمة (قبل ساعة آبل) لم تكن ذات أجراس أو صافرات، وسبب آخر لانجذابي إلى الملابس التي لا علاقة لها بالموسم أو بالمصمم ولا تظهر في أي إعلانات رأيتها في حياتي.
قضيت أوقاتا طويلة في عالم تعتبر فيه المنتجات اختزالا لحياة البشر، كما أنني أدرك جيدا مخاطر وجود مثل تلك الرمزيات في محيط حياتي (على الرغم من أنني أقر تماما باستعدادي لربط ذاتي بالآخرين).
ولكن حينما بدأت ارتداء ساعة «آبل» (بحجم 38 مليمترا ذات الشريط المعدني الأنيق، وهي الأصغر حجما، ذات سوار فولاذي غير قابل للصدأ)، تحولت هذه الساعة إلى موضوع للحوار أينما أوجد بصرف النظر عن المكان: في اجتماعات العمل، وفي المخبز وفي النادي برفقة ولدي. لقد كانت كذلك في كل مكان، حيث يعرفها كل الناس وليس من أحد يخطئها.
في البداية كان الناس يرغبون في معرفة المزيد عنها. ثم يريدون تجربتها. ثم يخرجون بافتراضات شخصية حولها.
وبصرف النظر تماما عن مدى جاذبية ساعة «آبل» بين غيرها من الساعات الذكية أو المنتجات الذكية، وبصرف النظر كذلك عن اللمسة الجمالية التي توفرها أركانها المستديرة والشاشة المستطيلة، فإنها تبدو تماما كجهاز. وخصوصا بالنسبة لامرأة مثلي ذات معصمين صغيرين للغاية.
وليس فقط لأن شاشتها تمتد على نحو فعلي فوق ساعدي، ولكنها شاشة التوقف الرائعة التي أشاد بها الكثير من النقاد - فموديل ميكي أو الفراشة أو المجرة (تلك التي لدي) أو الأيدي الوهمية للساعة (وهي الموجودة في كل صورة من صور الساعة، وهي ما تجعلها تبدو كساعة حقيقية) - كما أنها تفي بحاجة وظائف الساعة من السبات الوظيفي العميق.

* شعور غريب
* الكتابة لا توقظ الشاشة. حتى عندما أحرك ذراعي أماما وخلفا بعصبية، عادة ما يستغرق الأمر عدة محاولات قبل أن تعمل الشاشة. والوضع الطبيعي، صامت.
تماما مثل وضعي الافتراضي عند محاولة قراءة رسالة بالبريد الإلكتروني أو نص خبري على الشاشة الصغيرة مما يتطلب رفعي معصمي إلى مستوى العين - أو، إذا جاءتني مكالمة هاتفية وهاتفي الجوال ليس بجواري، فيتعين علي التحدث عبر الساعة في الهواء الطلق. وإذا ما هوجمت بأطفالك أو معارفك وقتها، فلن تكون أنت إلا مدعاة لسخرية كبيرة.
يقول لي أصدقائي عندما سمعوا شكواي «لما تشعرين بالحرج البالغ منها أكثر مما تشعرين بالحملقة المستمرة في هاتفك الجوال؟».
إنه سؤال وجيه، ولكن بعد قدر من التأمل، أعتقد أن الإجابة بسيطة: إن الهاتف محمول في اليد، ولقد اعتدنا رؤية الناس وهم يقرأون من أشياء يحملونها بأيديهم مثلا بالكتب، ولكن النظر إلى شخص ما يحملق في ساعده (أو تراه يخطف نظرات خفية إلى ساعده)، يرسل إلينا برسائل مختلفة تماما: (1) الوقاحة أو (2) الهوس.
لا يبدو أن ذلك سبب إزعاجا لكتاب التكنولوجيا، والذين يكتب معظمهم مراجعات إيجابية مقنعة حول الجهاز، تستند في معظمها حول فوائد الجهاز وما يمكن القيام به بالنسبة إليك. وإنها أكثر ذكاء بكل تأكيد من نظارة «غوغل»، على الرغم أنني لست متأكدة من ذلك تماما.
بكل تأكيد، فإن كل تلك المعلومات تتلاشى أهميتها إذا كانت الساعة تغير من حياتي بالفعل، كما صنع هاتفي الآيفون فعلا. ولكنني لم تكن لدي مشكلة قط في الابتعاد عن رسائل البريد الإلكتروني الخاصة بي حينما أريد التركيز على أمر آخر - لذلك أود وجود تنبيهات معينة للرسائل المهمة فقط.
وشاشة الساعة الصغيرة، هي صغيرة بحق للقراءة عليها، مما أصابني بالمزيد من الضيق أكثر من السعادة حينما تنبهني الساعة إلى وصول رسائل نصية من أحبائي، وعندما أقرأ عنوان الرسالة، كان كل ما أريده هو معرفة بقية نص الرسالة.
إلى جانب ذلك، فإن الأعمال الكثيرة التي يمكن لتطبيقات الساعة أن تحل محلها - مثلا بتسليم بطاقات الصعود إلى الطائرات، أو فتح غرف الفنادق - لا تبدو لي كإنجاز أكثر من كونها حالة فقدان للسيطرة على الأمور. يمكنكم أن تعتبروني من أعضاء جمعية تحطيم الآلات، ولكن بمنتهى الصراحة، أنا لا أمانع قط في فتح باب الغرفة باستخدام يدي وليس بالساعة. ولكن الساعات المعلن عنها هذا الأسبوع قد تغير من الموقف قليلا، ولكنني لست متأكدة أنني أتحلى بالصبر الكافي لمعرفة الجديد.

* أعباء الساعة
* وعلى نحو مماثل (وأعلم أنه نوع من الهرطقة بالنسبة لأي شخص مهووس بتقنيات مثل العرض الأول لمنتجات شركة Fitbit)، من ناحية تطبيقات اللياقة البدنية - إن تتبع خطواتي، وقياس معدل ضربات قلبي، وإخباري بحتمية الوقوف وأنا غارقة في كتابة إحدى مقالاتي - يبدو كعبء مضاف على حياتي لا علاقة له بالحرية قط.
لقد عملت بجد لابتعد بنفسي عن الاعتماد على آلات التدريب المنزلية والتي تخبرني عن مقدار التدريبات التي أجريتها - وكم عدد السعرات التي أحرقتها، وكم عدد درجات السلم التي صعدتها - وجزء من ذلك يعود إلى معرفتي بأنني كنت أغش كثيرا طوال الوقت على أي حال وبالتالي فلا يمكنني الوثوق في النتائج، وفي جزء آخر يعود السبب إلى أنه صار عذرا للتملص من تعديل، أو عدم تعديل، سلوكياتي الناتجة عن ذلك.
ولكن الحقيقة هي، أنني أعلم متى أكون في كامل لياقتي، وأستطيع تمييز الاختلافات في جسمي وأشعر بها عندما امتطي دراجتي في الحديقة. إن تلك الساعة تهدد بسحبي مجددا إلى حالة عصبية مفعمة بالأرقام من كل جانب، وإنه لإغراء لا أود الانجذاب إليه أبدا. (أيضا، لدي الكثير من الأصدقاء الذي ينظرون إلى أجهزة تتبع اللياقة البدنية لديهم في وسط محادثاتنا، ثم ينطلقون فورا للبدء في المشي حولنا بكل نشاط، مما يشعرني بأنها أجهزة لا تضيف لحياتي جديدا).
أحب حقيقة تمكني من إغلاق صوت هاتفي الجوال. ويعمل هزاز الساعة عندما، لنقل، يكون أطفالي على الخط وأريد أن أتحدث معهم. ولكن في نهاية الأمر لم يكن ذلك كافيا.
عندما أخبرت أحد زملائي بقرار التخلي عن الساعة، لاحظ أنه ربما، أنني لم أكن من بين العملاء المقصودين لساعة «آبل». وإنني يتعين عليّ التأكد أن أخبر تطبيق (سيري) على معصمي: «لا أقصدك أنت، بل أقصد نفسي». قد يكون زميلي على صواب.
وباستثناء أنني لا اعتقد ذلك، وليس لمجرد أن الأضداد دائما ما تجذبك إليها، ولكن بسبب أنني فعليا أعتقد أنني فعلا المقصودة: شخصية ليست تقنية بحال والتي لا تعبأ بالكثير من الأجهزة حولها (مجرد هاتف، وآيباد مع حاسوب محمول وكفى)، ولكنها شخصية يمكن إغراؤها لشراء جهاز آخر بسبب مجرد الرغبة في ذلك.
وهي الطريقة التي تزيد «آبل» من خلالها مبيعاتها في الأسواق وتحتل فئة خاصة بين المشترين، بعد كل شيء: من خلال استهداف أولئك غير المهووسين أو المدمنين لمنتجات الشركة. وهو السبب وراء عمل الشركة بجد للاقتراب من مجالات الموضة.
ولكنّ هناك أمرا ما: لا تعتبر تلك الساعة من ملحقات الموضة أو الزينة في شيء بالنسبة لمحبي التقنيات الحديثة. إنها ملحق من ملحقات التكنولوجيا تحاول التظاهر بالتبعية لفن من فنون الموضة. إنني لا أحبها، فحسب.

* خدمة «نيويورك تايمز»



تقرير: 95 % ممن يلغون اشتراكاتهم السنوية في التطبيقات لا يعودون

إلغاء الاشتراك السنوي في التطبيقات غالباً يعني أن المستخدم لن يعود لاحقاً (شاترستوك)
إلغاء الاشتراك السنوي في التطبيقات غالباً يعني أن المستخدم لن يعود لاحقاً (شاترستوك)
TT

تقرير: 95 % ممن يلغون اشتراكاتهم السنوية في التطبيقات لا يعودون

إلغاء الاشتراك السنوي في التطبيقات غالباً يعني أن المستخدم لن يعود لاحقاً (شاترستوك)
إلغاء الاشتراك السنوي في التطبيقات غالباً يعني أن المستخدم لن يعود لاحقاً (شاترستوك)

لم تعد اشتراكات التطبيقات مجرد خيار إضافي داخل متاجر التطبيقات، بل أصبحت نموذجاً رئيساً لإيرادات كثير من المطورين، خصوصاً في تطبيقات الإنتاجية، والتعليم، والصحة، والترفيه، والأدوات المدعومة بالذكاء الاصطناعي. لكن تقريراً جديداً من شركة «ريغنيوكات» (RevenueCat) يقول إنه عندما يلغي المستخدم اشتراكه السنوي، فإن احتمالات عودته تكون ضعيفة جداً.

بحسب الجزء الثاني من تقرير «State of Subscription Apps 2026»، فإن 95 في المائة من مستخدمي الاشتراكات السنوية الذين يلغون اشتراكاتهم لا يعودون لاحقاً. التقرير يستند إلى بيانات من أكثر من 115 ألف تطبيق عبر فئات مختلفة، تغطي أكثر من 16 مليار دولار من الإيرادات.

الشهر الأول حاسم

تكشف البيانات أن إلغاء الاشتراكات السنوية لا يحدث بطريقة عشوائية على مدار العام. فالشهر الأول وحده يمثل 35 في المائة من جميع عمليات إلغاء الاشتراك السنوي، مع اختلاف واضح بين الفئات. في تطبيقات التسوق، تحدث نحو نصف عمليات الإلغاء السنوية في الشهر الأول، بينما تصل النسبة في تطبيقات التعليم إلى نحو 30 في المائة.

هذه الأرقام تعني أن المستخدم لا ينتظر دائماً نهاية العام ليقرر ما إذا كان التطبيق يستحق الاستمرار. وفي كثير من الحالات، يتخذ القرار مبكراً جداً، ربما بعد تجربة أولية لا تقنعه بالقيمة، أو بعد أن يكتشف أن الاستخدام الفعلي أقل من توقعاته عند الدفع.

فبعد الشهر الأول، تتراجع عمليات الإلغاء إلى مستويات أقل تتراوح بين 3 و7 في المائة شهرياً في الفترة من الشهر الثالث إلى الحادي عشر. لكن التقرير يرصد ارتفاعاً جديداً في الشهر الثاني عشر، عندما يقترب موعد التجديد، حيث تصل عمليات الإلغاء إلى ما بين 9 و14 في المائة عبر مختلف الفئات.

الاشتراكات السنوية تمنح المطورين قيمة أعلى لكنها تزيد صعوبة استعادة المستخدم بعد الإلغاء (شاترستوك)

قرار يُتخذ خلال ساعات

لا تقتصر المشكلة على الاشتراكات السنوية المدفوعة. فالتقرير يرصد أيضاً أن المستخدمين باتوا يحسمون موقفهم من الفترات التجريبية بسرعة كبيرة. أكثر من نصف عمليات إلغاء التجارب التي تستمر ثلاثة أيام تحدث في اليوم الأول نفسه، وتحديداً 55.4 في المائة منها في اليوم صفر. أما في التجارب ذات الأيام السبعة، فنسبة الإلغاء تبلغ في اليوم الأول 39.8 في المائة، وتصل إلى 35.7 في المائة للتجارب التي تستمر 14 يوماً، و31.1 في المائة للتجارب ذات الثلاثين يوماً.

وتظهر الصورة أكثر وضوحاً عند النظر إلى اليومين الأولين، حيث إن 84 في المائة من إلغاءات التجارب التي تستمر ثلاثة أيام تحدث بين اليوم صفر واليوم الأول، وكذلك 64 في المائة من إلغاءات التجارب التي تستمر سبعة أيام. هذا يعني أن النافذة المتاحة أمام التطبيق لإثبات قيمته أصبحت قصيرة جداً.

العودة نادرة

أبرز ما يلفت إليه التقرير أن استعادة المستخدم بعد إلغاء الاشتراك السنوي تبدو صعبة للغاية. فمعدل إعادة تنشيط الاشتراكات السنوية لا يتجاوز 5 في المائة خلال عام واحد، ويتراوح بين 3 و8 في المائة بحسب فئة التطبيق. في المقابل، يعود مشتركو الخطط الشهرية بمعدل أعلى بكثير، إذ تصل إعادة تنشيطهم إلى 20 في المائة خلال عام، أي أربعة أضعاف تقريباً.

هذا الفارق يغير طريقة النظر إلى قيمة الخطط السنوية، والشهرية. فالاشتراك السنوي يمنح المطور دخلاً أكبر في البداية، لكنه قد يجعل قرار الإلغاء أكثر نهائية. أما الاشتراك الشهري، فرغم أنه يبدو أقل قيمة فورياً، فإنه يترك باب العودة مفتوحاً بدرجة أكبر، خصوصاً في التطبيقات التي يستخدمها الناس حسب الحاجة.

وتظهر هذه النقطة بوضوح في تطبيقات الإنتاجية، وهي فئة تقودها بشكل متزايد أدوات الذكاء الاصطناعي. فقد سجلت أعلى معدل لإعادة تنشيط الاشتراكات الشهرية عند 36.1 في المائة، ما يعكس سلوك مستخدمين قد يلغون الاشتراك عندما لا يحتاجون إلى الأداة، ثم يعودون إليها عند ظهور حاجة جديدة.

قيمة ومخاطر عالية

رغم صعوبة استعادة المستخدمين الذين يلغون، تبقى الاشتراكات السنوية الأكثر قوة من حيث الاحتفاظ بمن يصلون إلى مرحلة التجديد. فالتقرير يذكر أن الخطط السنوية تجدد بمعدل 83.4 في المائة إجمالاً، وهو أكثر من أربعة أضعاف معدل الخطط الأسبوعية البالغ 18.7 في المائة، ونحو ضعف معدل الخطط الشهرية البالغ 39.2 في المائة.

لكن هذه القوة تظهر بعد تجاوز المرحلة الأولى. فالمستخدمون الذين يجددون اشتراكهم السنوي للمرة الأولى يصبحون أكثر التزاماً لاحقاً. معدلات التجديد الأولى تقع في نطاق متوسط بين 23 و40 في المائة بحسب الفئة، ثم ترتفع في التجديد الثاني إلى 44 و64 في المائة، وفي التجديد الثالث إلى 56 و70 في المائة.

بمعنى آخر، الاشتراك السنوي يحمل معادلة مزدوجة: المستخدم الذي يبقى قد يتحول إلى مشترك عالي الولاء، لكن المستخدم الذي يلغي يصبح غالباً خارج دورة الإيرادات بشكل شبه دائم.

كثير من المستخدمين يحسمون قرارهم بشأن التجربة المجانية خلال الأيام الأولى (شاترستوك)

السعر لا يغير النتيجة

قد يفترض بعض المطورين أن المستخدمين الذين يدفعون مبالغ أكبر قد يكونون أكثر قابلية للعودة بسبب وضوح قيمة الخدمة، أو ارتفاع تكلفة البدائل. لكن التقرير لا يدعم هذا الافتراض، حتى في التطبيقات مرتفعة السعر، لا يتجاوز معدل إعادة تنشيط الاشتراك السنوي 4.4 في المائة. وفي فئة السعر نفسها، يصل معدل إعادة تنشيط الاشتراك الشهري إلى 28.9 في المائة.

وتشير «RevenueCat» إلى أن معدلات إعادة تنشيط الاشتراكات السنوية تبقى متقاربة عبر مستويات الأسعار بين 4.4 و5.6 في المائة، بينما تتراوح في الخطط الشهرية بين 12 و29 في المائة. لذلك تبدو المشكلة مرتبطة بطبيعة الخطة نفسها أكثر من ارتباطها بالسعر وحده.

تراجع في الاحتفاظ

يشير التقرير إلى انخفاض الاحتفاظ في السنة الأولى للاشتراكات السنوية من 31 في المائة إلى 28 في المائة على أساس سنوي. كما تراجع الاحتفاظ الشهري من 10 إلى 8 في المائة، والأسبوعي من 1.7 إلى 1.2 في المائة.

هذه الأرقام تأتي في سوق أكثر ازدحاماً. فبحسب التقرير، زادت عمليات إطلاق التطبيقات الشهرية سبعة أضعاف منذ عام 2022، ما يجعل فترة إثبات القيمة أقصر، والمنافسة على انتباه المستخدم أكثر حدة.

ما قبل الإلغاء

تلفت هذه النتائج أنه إذا كان المستخدم السنوي لا يعود غالباً بعد الإلغاء، فإن الرهان الحقيقي لا يكون على حملات الاستعادة بعد الخروج، بل على منع الإلغاء المبكر.

يبين التقرير أن التطبيقات التي تعتمد على الخطط السنوية تحتاج إلى التركيز على الاحتفاظ المبكر، خصوصاً في الشهر الأول، وإلى توفير طرق أكثر مرونة قبل أن يختار المستخدم الإلغاء الكامل. من بين هذه الخيارات إتاحة إيقاف الاشتراك مؤقتاً بدلاً من إلغائه، بما يحافظ على العلاقة مع المستخدم من دون إجباره لاحقاً على إعادة إدخال بيانات الدفع، أو بدء الاشتراك من جديد.


دراسة حديثة: قدرات الذكاء الاصطناعي لا تعني امتلاكه وعياً

الباحثون يحذرون من الخلط بين الوعي الحقيقي ومعالجة المعلومات أو القدرة على الاستجابة (أرشيفية)
الباحثون يحذرون من الخلط بين الوعي الحقيقي ومعالجة المعلومات أو القدرة على الاستجابة (أرشيفية)
TT

دراسة حديثة: قدرات الذكاء الاصطناعي لا تعني امتلاكه وعياً

الباحثون يحذرون من الخلط بين الوعي الحقيقي ومعالجة المعلومات أو القدرة على الاستجابة (أرشيفية)
الباحثون يحذرون من الخلط بين الوعي الحقيقي ومعالجة المعلومات أو القدرة على الاستجابة (أرشيفية)

مع تطور أنظمة الذكاء الاصطناعي، عاد سؤال قديم إلى الواجهة: هل يمكن أن تمتلك الآلة وعياً؟ لم يعد النقاش محصوراً في الفلسفة أو الخيال العلمي، بل أصبح جزءاً من نقاش علمي وأخلاقي أوسع، يشمل أيضاً الحيوانات والأجنة والعضيات الدماغية المزروعة في المختبرات.

لكن دراسة تحليلية جديدة منشورة في دورية «نيورون» (Neuron) لا تحاول الإجابة مباشرة عن سؤال ما إذا كان الذكاء الاصطناعي واعياً أم لا. بدلاً من ذلك، تطرح سؤالاً أكثر أساسية: هل تمتلك العلوم الحالية أدوات دقيقة بما يكفي لقياس الوعي نفسه؟ الدراسة أعدها فريق بقيادة هاكوان لاو، مدير مركز أبحاث تصوير الأعصاب في معهد العلوم الأساسية، بالتعاون مع باحثين من جامعة مونتريال وجامعة نيويورك.

مشكلة القياس

يرى الباحثون أن جزءاً كبيراً من أبحاث الوعي الحالية قد لا يميز بوضوح بين التجربة الذاتية وبين معالجة المعلومات. وهذا الفرق مهم لأن النظام، سواء كان دماغاً بشرياً أو نموذجاً حاسوبياً، قد يستطيع استقبال معلومات وتحليلها والاستجابة لها، من دون أن يعني ذلك بالضرورة وجود تجربة شعورية داخلية.

في تصريحات نقلها التقرير، قال لاو إن كثيراً من النظريات الحالية حول الوعي تبدو مدعومة بتجارب علمية، لكن تلك النتائج قد تعكس «معالجة عامة للمعلومات» أكثر مما تعكس الوعي نفسه. لذلك يبقى من الصعب الجزم بأن هذه النظريات تشرح الوعي فعلاً.

هذه النقطة تجعل النقاش حول وعي الذكاء الاصطناعي أكثر تعقيداً. فإذا لم تكن أدوات العلم قادرة بعد على عزل الوعي عن العمليات الإدراكية الأخرى في الدماغ، يصبح من الصعب استخدامها بثقة للحكم على كيانات غير بشرية، مثل أنظمة الذكاء الاصطناعي أو الكائنات الحية غير القادرة على التعبير اللفظي.

قدرات الذكاء الاصطناعي على الحديث والتحليل لا تكفي وحدها لإثبات وجود تجربة داخلية (شاترستوك)

تجارب لا تكفي

ينتقد الباحثون بعض النماذج التجريبية الشائعة في علم الأعصاب، مثل الإخفاء البصري، والتنافس بين العينين، واختبارات العتبة الإدراكية. هذه التجارب تُستخدم لدراسة متى يصبح الشيء مرئياً أو مدركاً بوعي، ومتى يبقى خارج الوعي المباشر.

لكن المشكلة، حسب الدراسة، أن هذه الاختبارات لا تغير الوعي وحده. فهي قد تؤثر أيضاً في قدرة الدماغ العامة على معالجة المعلومات، وبذلك قد يخلط الباحثون، من دون قصد، بين غياب التجربة الواعية وبين ضعف أو تغير في المعالجة الإدراكية نفسها.

بمعنى أبسط، قد يظن الباحث أن التجربة تقيس ما يشعر به الشخص فعلياً، بينما هي تقيس جزئياً قدرة الدماغ على استقبال الإشارة أو معالجتها أو الاستجابة لها. هذا الخلط يصبح أكثر حساسية عندما تُستخدم مؤشرات مشابهة لإطلاق أحكام حول وعي كائنات أو أنظمة لا تستطيع وصف تجربتها بنفسها.

الذكاء الاصطناعي والحيوانات والعضيات

تحذر الدراسة من أن هذه المشكلة المنهجية قد تؤدي إلى ادعاءات قوية أكثر مما تسمح به الأدلة. ففي السنوات الأخيرة، ازداد الحديث عن وعي الحيوانات، وإمكان وعي الذكاء الاصطناعي، وتجارب الأجنة، والعضيات الدماغية التي تُزرع في المختبرات لأغراض بحثية.

لا تقول الدراسة إن هذه الكيانات واعية أو غير واعية بل إن الأدلة المستخدمة في مثل هذه النقاشات قد تكون أضعف مما يبدو، إذا كانت المؤشرات تقيس معالجة المعلومات لا التجربة الذاتية. لذلك يدعو الباحثون إلى معايير علمية أكثر صرامة قبل استخدام نتائج أبحاث الوعي في قضايا أخلاقية أو تنظيمية.

هذه الدعوة لا تقلل أهمية النقاش بل تجعله أكثر جدية لأن السؤال عن الوعي في الحيوانات أو الذكاء الاصطناعي لا يبقى مسألة أكاديمية إذا كان سيؤثر في سياسات الرفق بالحيوان، أو أخلاقيات تطوير الذكاء الاصطناعي، أو البحوث الحيوية المتعلقة بالأجنة والأنسجة العصبية.

درس من التاريخ

يشير الباحثون إلى أن علم النفس مرّ بمشكلة مشابهة في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. في تلك الفترة، أدت ادعاءات قوية وغير مؤسسة جيداً حول الوعي إلى رد فعل علمي واسع، أسهم لاحقاً في صعود المدرسة السلوكية، التي ابتعدت لعقود عن دراسة الخبرة الداخلية وركزت على السلوك القابل للملاحظة.

هذا المثال التاريخي مهم لأنه يوضح أن المبالغة في ادعاءات الوعي قد تضر المجال بدلاً من أن تخدمه. فإذا بدت الاستنتاجات العلمية أكبر من الأدلة المتاحة، فقد يؤدي ذلك إلى فقدان الثقة في دراسة الوعي، أو إلى تجنبها بوصفها موضوعاً غير قابل للقياس الدقيق.

لذلك لا يدعو الباحثون إلى إغلاق النقاش، بل إلى حمايته من الاستنتاجات المتسرعة. المطلوب، حسب تحليلهم، هو تطوير طرق تستطيع عزل التجربة الذاتية بدقة أكبر، بدلاً من الاكتفاء بمؤشرات عامة على الإدراك أو المعالجة.

النقاش يشمل الذكاء الاصطناعي والحيوانات والأجنة والعضيات الدماغية بسبب الأبعاد الأخلاقية (شاترستوك)

حالات تكشف الفاصل

تقترح الدراسة أن بعض الحالات العصبية قد تساعد العلماء على فهم الفاصل بين الوعي ومعالجة المعلومات. من هذه الحالات «الرؤية العمياء»، حيث يستطيع بعض المرضى الاستجابة لمؤثرات بصرية من دون أن يشعروا بأنهم رأوها بوعي. وهناك أيضاً حالات الإهمال النصفي، حيث يتجاهل المريض جانباً من المجال البصري أو المكاني رغم أن بعض المعالجة الحسية قد تكون موجودة.

هذه الحالات تكشف أن الإدراك والسلوك والوعي لا يتحركون دائماً معاً. فقد يعالج الدماغ معلومات معينة من دون أن تتحول إلى تجربة واعية واضحة. وهذا يفتح باباً لبناء تجارب أكثر دقة تستطيع التمييز بين أن يستجيب النظام للمعلومة وأن تكون لديه تجربة ذاتية بها.

بالنسبة إلى الذكاء الاصطناعي، هذه النقطة حاسمة لأن النظام قد يجيب عن الأسئلة، ويصف المشاعر، ويتحدث عن التجربة الذاتية، ويحلل معلومات معقدة. لكن هذه القدرات لا تكفي وحدها لإثبات وجود وعي، لأنها قد تكون نتيجة معالجة لغوية أو حسابية متقدمة.

أخلاق العلم

تزداد أهمية هذا النقاش لأن قرارات المجتمع قد تتأثر بما يقوله العلماء عن الوعي. فإذا قيل إن نظاماً ذكياً واعٍ، فقد يفتح ذلك أسئلة عن حقوقه أو طريقة التعامل معه. أما إذا قيل إن حيواناً أو عضية دماغية تمتلك شكلاً من التجربة، فقد تتغير حدود الأبحاث والتجارب المسموح بها.

قال لاو إن أسئلة الوعي تحمل بشكل كبير آثاراً أخلاقية ومجتمعية، مضيفاً أن الأسس العلمية التي تدعم هذه الادعاءات يجب أن تكون «صارمة»، خصوصاً إذا كانت ستؤثر في نقاشات مثل رعاية الحيوان، وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي.

بهذا المعنى، لا تدور الدراسة حول الذكاء الاصطناعي وحده، هي تضع معياراً عاماً للنقاش: قبل أن نسأل إن كان كيان ما واعياً، يجب أن نعرف ما إذا كانت أدواتنا تقيس الوعي فعلاً، أم تقيس شيئاً قريباً منه لكنه ليس هو نفسه.

حدود الادعاء

لا تقدم الدراسة حكماً نهائياً على وعي الآلات أو الحيوانات أو الأجنة أو العضيات الدماغية. كما أنها لا تنفي إمكان البحث في هذه الأسئلة، بل تحذر من الاعتماد على مؤشرات قد تكون غير كافية، خصوصاً عندما تتحول النتائج العلمية إلى مواقف أخلاقية أو سياسات عامة.

ما تقوله الدراسة بدقة هو أن علم الوعي يحتاج إلى وضوح مفاهيمي ومنهجي أكبر. فالذكاء الاصطناعي قد يصبح أكثر قدرة على محاكاة اللغة والسلوك البشري، لكن قياس الوعي يتطلب أكثر من مراقبة الأداء الخارجي، ويحتاج إلى أدوات تستطيع التفريق بين معالجة المعلومات وبين وجود تجربة داخلية ذاتية.


«ماستركارد» لـ«الشرق الأوسط»: المرونة السيبرانية تعزز جاهزية القطاع المالي السعودي

المرونة السيبرانية تعزِّز جاهزية المؤسسات المالية السعودية أمام التهديدات الرقمية (رويترز)
المرونة السيبرانية تعزِّز جاهزية المؤسسات المالية السعودية أمام التهديدات الرقمية (رويترز)
TT

«ماستركارد» لـ«الشرق الأوسط»: المرونة السيبرانية تعزز جاهزية القطاع المالي السعودي

المرونة السيبرانية تعزِّز جاهزية المؤسسات المالية السعودية أمام التهديدات الرقمية (رويترز)
المرونة السيبرانية تعزِّز جاهزية المؤسسات المالية السعودية أمام التهديدات الرقمية (رويترز)

مع تسارع التحوُّل الرقمي في السعودية، لم يعد الأمن السيبراني مرتبطاً فقط بحماية الأنظمة من الاختراقات، بل أصبح جزءاً من قدرة المؤسسات على الاستمرار، واتخاذ القرار، والتعامل مع المخاطر قبل تحوُّلها إلى أزمات تشغيلية. هذا التحوُّل يبدو واضحاً في القطاع المالي، حيث تتداخل الخدمات الرقمية والمدفوعات والبيانات والأطراف الثالثة، ضمن منظومة تتطلَّب مراقبةً مستمرةً واستجابةً أسرع.

بعد عام على إطلاق «مركز المرونة السيبرانية»، التابع لـ«ماستركارد» في السعودية، يرى آدم جونز، نائب الرئيس التنفيذي ورئيس قسم غرب الجزيرة العربية في «ماستركارد»، أنَّ القطاع شهد تغيُّراً واضحاً في طريقة النظر إلى المخاطر الرقمية. ويقول: «القطاع الرقمي في السعودية يشهد نمواً متسارعاً»، وهو ما تَرافَقَ مع ارتفاع مستوى التهديدات السيبرانية، وزيادة اهتمام المؤسسات بعمليات الرصد والمراقبة، خصوصاً فيما يتعلق بالتعامل مع الشركاء التقنيِّين والجهات الخارجية.

هذا التغيُّر لا يرتبط فقط بزيادة عدد الهجمات، بل بطبيعة البيئة الرقمية نفسها. فالأنظمة أصبحت أكثر ترابطاً، والخدمات تعتمد على تبادل البيانات بين أطراف عدة، ما يجعل فهم التهديدات وتحليلها جزءاً أساسياً من حماية الأعمال.

آدم جونز نائب الرئيس التنفيذي ورئيس قسم غرب الجزيرة العربية في «ماستركارد»

بيانات التهديدات

في البيئة السيبرانية الجديدة، لا تكفي معرفة أنَّ هناك تهديداً محتملاً، فالأهم هو فهم مصدره وطريقته وأهدافه والقطاعات الأكثر عرضة له. لذلك تزداد أهمية بيانات التهديدات السيبرانية، التي تمنح المؤسسات قدرةً على الانتقال من رد الفعل إلى الاستعداد المسبق.

يوضح جونز أنَّ هذه البيانات تساعد المؤسسات على فهم أساليب الهجمات والجهات التي قد تقف خلفها، إلى جانب الأهداف المحتملة منها. ويقول إن هذا يمنح المؤسسات «قدرة أكبر على تقييم المخاطر والاستعداد لها مبكراً».

في هذا السياق، عزَّزت «ماستركارد» قدراتها بعد الاستحواذ على شركة «ريكوردد فيوتشر» في ديسمبر (كانون الأول) 2024، وهي خطوة تهدف إلى تطوير حلول بيانات التهديدات السيبرانية، والتحليلات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، ومنع الاحتيال، وإدارة الهوية، والمرونة التشغيلية.

تظهر أهمية هذه القدرات في أكثر من مستوى. فعلى المستوى التنفيذي، تساعد الإدارات العليا على استشراف المخاطر المستقبلية وفهم أثرها المحتمل على الأعمال. وتقنياً، تساعد فرق الأمن على رصد تسريب بيانات الدخول، والنشاطات المشبوهة على الإنترنت، ومخاطر الأطراف الثالثة، وتحديد أولويات الاستجابة.

استباق الهجمات

لا تقف قيمة بيانات التهديدات عند التحليل النظري. وفقاً لجونز، أظهرت بعض السيناريوهات المبنية على بيانات تهديدات حقيقية قدرة المؤسسات على رصد مؤشرات مبكرة، مثل إساءة استخدام الهويات الرقمية أو محاولات الدخول غير المعتادة عبر أنظمة مرتبطة بجهات خارجية.

في الحالات التي جرى التعامل معها بسرعة، أمكن احتواء الهجمات قبل وصولها إلى الأنظمة الحساسة. كما ساعدت بيانات التهديدات المقدمة عبر «ريكوردد فيوتشر» على الكشف المبكر عن حملات تصيد إلكتروني استهدفت مؤسسات مختلفة، من خلال رصد مواقع مزيفة ونشاطات مشبوهة قبل توسُّع نطاق الهجمات.

هذا النوع من الرصد يتيح إجراءات عملية، مثل إغلاق النطاقات المشبوهة، وتحذير العملاء، وتحديث أدوات المراقبة. وهنا تصبح البيانات السيبرانية أداةً تشغيليةً، لا مجرد تقرير يُقرَأ بعد وقوع الحادث.

كما تلعب تدريبات محاكاة الأزمات السيبرانية دوراً في اختبار قدرة المؤسسات على اتخاذ القرار تحت الضغط؛ فالهدف ليس فقط معرفة ما إذا كانت الأنظمة التقنية قادرة على كشف الخطر، بل معرفة ما إذا كانت الفرق المختلفة داخل المؤسسة قادرة على التحرُّك بسرعة وبطريقة منسقة.

بيانات التهديدات تساعد المؤسسات على الاستجابة قبل توسُّع الهجمات (رويترز)

فجوة القرار

تظهر إحدى أهم النقاط في حديث جونز عند التمييز بين الجانب التقني والجانب المؤسسي في إدارة الحوادث. فالتحديات الكبرى لا تكون دائماً في اكتشاف الهجوم، بل في اتخاذ القرار المناسب بعد اكتشافه.

يصرِّح جونز بأنَّ التحديات تظهر غالباً «في جانب اتخاذ القرار، والتنسيق بين الجهات المختلفة أكثر من الجوانب التقنية نفسها». ففي تدريبات محاكاة الأزمات داخل المملكة، برزت قدرة الفرق التقنية على رصد المؤشرات المبكرة، لكن التحدي الأوسع كان في سرعة تنسيق الجهات المعنية لاتخاذ قرارات تتعلق بالاحتواء، والتواصل، والإجراءات التنظيمية، وتأثير الحادث على الأعمال.

هذا يفسِّر لماذا أصبحت المرونة السيبرانية مفهوماً يتجاوز أدوات الحماية. فالمؤسسة قد تمتلك أنظمةً متقدمةً للرصد، لكنها تحتاج أيضاً إلى حوكمة واضحة، وصلاحيات محددة، ومسارات تصعيد معروفة، وتنسيق مبكر بين فرق الأمن السيبراني وتقنية المعلومات وإدارة المخاطر والشؤون القانونية والامتثال والإدارة التنفيذية.

سرعة الاحتواء

من أبرز التحسينات التي شهدها العام الماضي، بحسب جونز، تسريع الانتقال من مرحلة اكتشاف التهديد إلى اتخاذ القرار. ويصف هذه النقطة بأنها «حاسمة خلال الهجمات السيبرانية»؛ لأنَّ أي تأخير يمنح المهاجمين وقتاً إضافياً للتحرُّك داخل الأنظمة، والوصول إلى بيانات أو صلاحيات أوسع.

وقد لوحظ تحسُّن في سرعة التنسيق بين الفرق التقنية والإدارية، إلى جانب إشراك فرق الشؤون القانونية والامتثال في مراحل مبكرة عند الحاجة. هذا التطوُّر يسهم في تقليل فترة التعرُّض للمخاطر، وتحسين عمليات الاحتواء، ومنع تحوُّل الحوادث المحدودة إلى أزمات واسعة.

في القطاع المالي، يكتسب هذا الأمر أهميةً إضافيةً؛ بسبب حساسية البيانات، وتعدُّد الأطراف المتصلة بالمنظومة، وارتباط الخدمات الرقمية بثقة المستخدمين واستمرارية العمليات. لذلك لا يمكن التعامل مع الاستجابة للحوادث بوصفها مسؤولية فريق واحد، بل بوصفها اختباراً لقدرة المؤسسة كلها على العمل تحت الضغط.

الأطراف الثالثة

مع توسُّع الخدمات الرقمية، أصبحت مخاطر الأطراف الثالثة جزءاً رئيسياً من المشهد السيبراني. فالمؤسسات لا تعمل داخل حدودها التقنية فقط، بل تعتمد على مزوِّدين وشركاء وخدمات خارجية ومنصات متصلة. وكل نقطة اتصال يمكن أن تتحوَّل إلى مصدر خطر إذا لم تُراقب جيداً.

يركز «مركز المرونة السيبرانية»، التابع لـ«ماستركارد» على تقليص الفجوة بين معرفة التهديد واتخاذ الإجراء المناسب حياله. ولا يقتصر دوره، كما يوضِّح جونز، على إصدار التقارير، بل يشمل تحليلات مستقبلية للتهديدات، وبرامج توعية وتدريبات لمحاكاة الأزمات وتقييمات للمخاطر ومراقبة للأطراف الثالثة.

هذا التكامل بين التحليل والتدريب والتقييم يعكس طبيعة الأمن السيبراني الحديثة؛ فالمخاطر لا تُدار فقط داخل مركز العمليات الأمنية، بل عبر منظومة أوسع تشمل الإدارات التنفيذية والمخاطر والقانون والامتثال والفرق التشغيلية.

التعاون بين الجهات التنظيمية والمؤسسات يحسِّن المرونة السيبرانية العملية

تعاون منظم

يعد جونز أنَّ التعاون بين القطاعَين العام والخاص في السعودية متقدم نسبياً مقارنة بعدد من الأسواق الإقليمية، خصوصاً في القطاع المالي، حيث توجد أطر تنظيمية واضحة ومتطلبات محددة تتعلق بالمرونة السيبرانية.

لكن التحدي الحالي لا يرتبط فقط بوجود الأطر، بل بتحويلها إلى ممارسة عملية. ويشير إلى أهمية تسريع تبادل المعلومات المهمة، وتحويل بيانات التهديدات السيبرانية إلى إجراءات فعلية، وتحسين التنسيق بين الجهات التنظيمية والمؤسسات ومقدمي الخدمات والأطراف الثالثة.

فيما يتعلق بالإبلاغ عن الحوادث، يؤكد جونز أنَّ البنوك في السعودية تلتزم بالأطر والتعليمات التنظيمية المعتمدة، بما يشمل الإبلاغ الفوري عن بعض الحوادث الحساسة. كما أظهرت تدريبات المحاكاة وعياً واضحاً لدى المؤسسات بأهمية إشراك الفرق القانونية والامتثال عند الحاجة.

لكن التحدي الأكبر يبقى في سرعة تقييم المعلومات، والتحقُّق منها داخلياً، ورفعها إلى الجهات المعنية في الوقت المناسب. فالاستجابة لا تعتمد فقط على الإبلاغ، بل على دقة المعلومة، وسرعة تداولها بين الجهات ذات الصلة.

الهجمات... والذكاء الاصطناعي

يتغيَّر مشهد التهديدات مع دخول الذكاء الاصطناعي بصورة أوسع في الهجمات. ويفيد جونز بأنَّ استخدام الذكاء الاصطناعي من جانب المهاجمين يشهد تطوراً سريعاً، خصوصاً في التصيد الإلكتروني، والهندسة الاجتماعية، وإنتاج المحتوى المزيف.

وقد أصبحت الهجمات أكثر إقناعاً وانتشاراً مع الاعتماد على تقنيات مثل استنساخ الأصوات، والتزييف العميق، والاحتيال المدعوم بالذكاء الاصطناعي. كما تشير أبحاث «ريكوردد فيوتشر» إلى تصاعد استخدام برمجيات سرقة المعلومات، واختراق الهويات الرقمية، وظهور مؤشرات على استخدام الذكاء الاصطناعي في بعض البرمجيات الخبيثة بعد تنفيذ الاختراقات.

هذا التحوُّل يضع المؤسسات أمام تحديين متوازيين، الأول أنَّ الهجمات أصبحت أسرع وأكثر تخصيصاً. والثاني أنَّ الدفاع نفسه يحتاج إلى استخدام أدوات أكثر تقدماً في التحليل والأتمتة وتسريع الاستجابة.

ويقول جونز إن المؤسسات الدفاعية تعتمد أيضاً على تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحسين التحليلات والأتمتة، ما يجعل الاستعداد المبكر والتكيُّف المستمر جزءاً من إدارة المخاطر.

مرونة مستمرة

رغم تطوُّر قدرات الرصد والتحليل، فإنَّ جونز لا يقدِّم صورةً مبسطةً عن إمكانية منع جميع الهجمات. فالمهاجم يحتاج إلى استغلال ثغرة واحدة، بينما يتطلب الدفاع الناجح جاهزيةً مستمرةً على مستوى الأفراد والأنظمة والإجراءات.

وقد شهدت السنوات الأخيرة، وفقاً له، تطوراً واضحاً في فهم التهديدات السيبرانية، بفضل تحسُّن قدرات الرصد، وبيانات التهديدات، وارتفاع مستوى الوعي داخل المؤسسات. كما تحسَّنت القدرة على الحدِّ من تأثير الهجمات وتقليل أضرارها، وإن كانت الوقاية الكاملة من كل الهجمات غير واقعية.

لذلك، تواصل المؤسسات المالية في السعودية الاستثمار في قدرات الحماية والكشف والاستجابة والتعافي. وفي هذا الإطار، لا تبدو المرونة السيبرانية مجرد هدف تقني، بل اصبحت شرطاً لاستمرارية منظومة رقمية تتوسَّع بسرعة، وتزداد ترابطاً، وتواجه تهديدات أكثر تعقيداً.