ما حدود التدخل الأميركي في نزاع «السد الإثيوبي»؟

القاهرة تنشد مساعدة واشنطن... وأديس أبابا مُصرة على «الرعاية الأفريقية»

جانب من لقاء الرئيس السيسي بوزير الخارجية الأميركي على هامش القمة في 14 ديسمبر (رويترز)
جانب من لقاء الرئيس السيسي بوزير الخارجية الأميركي على هامش القمة في 14 ديسمبر (رويترز)
TT

ما حدود التدخل الأميركي في نزاع «السد الإثيوبي»؟

جانب من لقاء الرئيس السيسي بوزير الخارجية الأميركي على هامش القمة في 14 ديسمبر (رويترز)
جانب من لقاء الرئيس السيسي بوزير الخارجية الأميركي على هامش القمة في 14 ديسمبر (رويترز)

ينشد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مساعدة الولايات المتحدة للضغط على إثيوبيا من أجل التوصّل إلى اتّفاق بشأن «سدّ النهضة»، المشروع الكهرومائي الضخم على نهر النيل، والذي ترى فيه القاهرة «تهديداً وجودياً». ورغم المطالبة المصرية المتكررة - والتي تصطدم برفض إثيوبي - المُصرة بدورها على استمرار رعاية الاتحاد الأفريقي للمفاوضات، فإنه لم يتضح بعد مدى حجم استجابة إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن، للرغبة المصرية.
ولا يتوقع مراقبون تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، تغلغلا أميركيا «لافتا» في حل النزاع، بخلاف الضغط لحل دبلوماسي، من خلال المفاوضات الثلاثية بين مصر والسودان وإثيوبيا، أو عبر الاتحاد الأفريقي. ومنذ أبريل (نيسان) 2021، تجمدت المفاوضات بين الدول الثلاث، التي تجري برعاية الاتحاد الأفريقي، بعد فشلها في الحل، الأمر الذي دعا مصر للتوجه إلى مجلس الأمن الدولي للاحتجاج، والمطالبة بالضغط على إثيوبيا عبر الشركاء الدوليين للقبول باتفاق يرضي جميع الأطراف.
وفي زيارته إلى واشنطن لحضور القمة الأميركية - الأفريقية، طلب السيسي الأربعاء مساعدة واشنطن للضغط على إثيوبيا. فيما قالت وزارة الخارجية الأميركية في بيان إنّ وزير الخارجية أنتوني بلينكن «شدّد على أهمية التوصّل إلى تسوية دبلوماسية تحمي مصالح جميع الأطراف». وأكد السيسي للوزير الأميركي أن «هذه مسألة حيوية ووجودية للغاية بالنسبة لنا. ونشكر الولايات المتحدة على دعمها واهتمامها»، مضيفا أن «التوصّل إلى اتفاق ملزم قانوناً يمكن أن يحقّق شيئًا جيدًا وفقًا للمعايير والأعراف الدولية. ولا نطلب أيّ شيء آخر غير ذلك». وتابع: «نحتاج إلى دعمكم في هذا الشأن».
وسيكون السد المقام على النيل الأزرق (الرافد الرئيسي لنهر النيل)، الأكبر في أفريقيا وتبلغ قيمته 4.2 مليار دولار. وتخشى مصر، التي تعتمد على النهر بنسبة 97 في المائة في مياه الري والشرب، أن يقلل السد من إمداداتها المائية الشحيحة أصلاً.
وعادة ما تعول مصر على دور أميركي لإقناع إثيوبيا بتوقيع اتفاق يمنع الإضرار بدولتي المصب (مصر والسودان)، ويحقق لإثيوبيا رغبتها. ولا يبدو أن إدارة بايدن ترغب في التدخل في القضية بشكل «حاسم»، بعكس إدارة دونالد ترمب السابقة، التي كانت تولي الملف اهتماماً لافتاً.
ويرى السفير جمال بيومي، مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، أن القاهرة ترغب في إظهار مزيد من الضغط الأميركي على إثيوبيا، أيا كانت وسائل هذا الضغط، حيث تمتلك الإدارة الأميركية الأدوات المتنوعة حال أرادت الحل. ولا يتوقع الدبلوماسي المصري، في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط»، تدخلا أميركيا قويا في الملف، حيث تفضّل إدارة بايدن الحل الأفريقي، بينما لا تمانع مصر من ذلك شرط استئناف مفاوضات جديدة برغبة إثيوبية حقيقية تفضي إلى حل يؤمن مصالح الدول الثلاث.
وكان رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد قد وعد بمواصلة المحادثات بشأن السدّ، لكنّه مضى قدماً في خطة ملء بحيرة السد على ثلاث مراحل سنوية حتى الآن، كما أعلن عن تشغيل توربينين لتوليد الكهرباء.
الجدير بالذكر أن إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب أقامت وساطة مباشرة لم تسفر عن اتفاق، كما قطعت المساعدات عن إثيوبيا بعدما اتّهمت أديس أبابا بعدم التعامل بحسن نية في هذا الملف.
وواجه ترمب انتقادات حين لمح إلى أن مصر يمكن أن تهاجم السد، وهو احتمال رفضته القاهرة علنا.
ويؤكد الدكتور محمد محمود مهران، المتخصص في القانون الدولي العام، أن مصر تدرك «قوة وأهمية دور الولايات المتحدة لحل النزاع»، في ظل تأثر مصالحها بأي توترات مستقبلية، وأضاف قائلا لـ«الشرق الأوسط»، أن «رغبة أميركية صادقة يمكنها دفع الأطراف المتنازعة للتعاون، والوصول لتفاهمات لإبرام اتفاق قانوني».


مقالات ذات صلة

هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

شمال افريقيا هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

حفلت الجلسة الافتتاحية لـ«الحوار الوطني»، الذي دعا إليه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قبل أكثر من عام، برسائل سياسية حملتها كلمات المتحدثين، ومشاركات أحزاب سياسية وشخصيات معارضة كانت قد توارت عن المشهد السياسي المصري طيلة السنوات الماضية. وأكد مشاركون في «الحوار الوطني» ومراقبون تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أهمية انطلاق جلسات الحوار، في ظل «قلق مجتمعي حول مستقبل الاقتصاد، وبخاصة مع ارتفاع معدلات التضخم وتسببه في أعباء معيشية متصاعدة»، مؤكدين أن توضيح الحقائق بشفافية كاملة، وتعزيز التواصل بين مؤسسات الدولة والمواطنين «يمثل ضرورة لاحتواء قلق الرأي العام، ودفعه لتقبل الإجراءات الحكومية لمعالجة الأز

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا السيسي يبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي المصري

السيسي يبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي المصري

عقد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، اجتماعاً، أمس (الخميس)، مع كبار قادة القوات المسلحة في مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الإدارية الجديدة، لمتابعة دور الجيش في حماية الحدود، وبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي للبلاد. وقال المستشار أحمد فهمي، المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية، في إفادة رسمية، إن «الاجتماع تطرق إلى تطورات الأوضاع على الساحتين الإقليمية والدولية، وانعكاساتها على الأمن القومي في ظل الظروف والتحديات الحالية بالمنطقة». وقُبيل الاجتماع تفقد الرئيس المصري الأكاديمية العسكرية المصرية، وعدداً من المنشآت في مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الإدارية. وأوضح المتحدث ب

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا مصر: ظاهرة «المقاتلين الأجانب» تهدد أمن واستقرار الدول

مصر: ظاهرة «المقاتلين الأجانب» تهدد أمن واستقرار الدول

قالت مصر إن «استمرار ظاهرة (المقاتلين الأجانب) يهدد أمن واستقرار الدول». وأكدت أن «نشاط التنظيمات (الإرهابية) في أفريقيا أدى لتهديد السلم المجتمعي».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا حادث تصادم بمصر يجدد الحديث عن مخاطر «السرعة الزائدة»

حادث تصادم بمصر يجدد الحديث عن مخاطر «السرعة الزائدة»

جدد حادث تصادم في مصر الحديث بشأن مخاطر «السرعة الزائدة» التي تتسبب في وقوع حوادث سير، لا سيما على الطرق السريعة في البلاد. وأعلنت وزارة الصحة المصرية، (الخميس)، مصرع 17 شخصاً وإصابة 29 آخرين، جراء حادث سير على طريق الخارجة - أسيوط (جنوب القاهرة).

منى أبو النصر (القاهرة)
شمال افريقيا مصريون يساهمون في إغاثة النازحين من السودان

مصريون يساهمون في إغاثة النازحين من السودان

بعد 3 أيام عصيبة أمضتها المسنة السودانية زينب عمر، في معبر «أشكيت» من دون مياه نظيفة أو وجبات مُشبعة، فوجئت لدى وصولها إلى معبر «قسطل» المصري بوجود متطوعين مصريين يقدمون مياهاً وعصائر ووجبات جافة مكونة من «علب فول وتونة وحلاوة وجبن بجانب أكياس الشيبسي»، قبل الدخول إلى المكاتب المصرية وإنهاء إجراءات الدخول المكونة من عدة مراحل؛ من بينها «التفتيش، والجمارك، والجوازات، والحجر الصحي، والكشف الطبي»، والتي تستغرق عادة نحو 3 ساعات. ويسعى المتطوعون المصريون لتخفيف مُعاناة النازحين من السودان وخصوصاً أبناء الخرطوم الفارين من الحرب والسيدات والأطفال والمسنات، بالتعاون مع جمعيات ومؤسسات أهلية مصرية، على


«مواد الهوية» تجدد الجدل بشأن فجوات أنماط التعليم بمصر

أنماط مختلفة من التعليم في مصر (وزارة التربية والتعليم)
أنماط مختلفة من التعليم في مصر (وزارة التربية والتعليم)
TT

«مواد الهوية» تجدد الجدل بشأن فجوات أنماط التعليم بمصر

أنماط مختلفة من التعليم في مصر (وزارة التربية والتعليم)
أنماط مختلفة من التعليم في مصر (وزارة التربية والتعليم)

تجدَّد الجدل في مصر حول تعدُّد أنماط التعليم، بعد أن طفت على السطح أزمة ارتفاع معدلات رسوب طلاب «المدارس الدولية» بمواد الهوية الوطنية، وهي: اللغة العربية والتاريخ والتربية الدينية، إثر قرارات حكومية هدفت إلى الاهتمام بتلك المواد التي يتجاهلها الطلاب الذين يحصلون على شهادات أجنبية.

وفي مصر أنماط مختلفة من التعليم، فهناك «المدارس الحكومية» وهي مجانية وتلتحق بها الغالبية العظمى من الطلاب البالغ عددهم في مراحل التعليم قبل الجامعي نحو 25 مليون طالب، إلى جانب «المدارس الرسمية لغات» وهي حكومية تدرس المناهج المصرية لكن بعضها يتم تدريسه بلغات أجنبية مقابل مصروفات زهيدة، و«المدارس الخاصة» وهي تدرس المناهج المصرية باللغات الأجنبية مقابل مصروفات و«المدارس الدولية» وهي تمنح شهادات أجنبية.

ومؤخراً توسَّعت الحكومة في أنماط أخرى تعتمد على الشراكة بينها وبين القطاع الخاص، وبالتعاون مع جهات دولية مثل «المدارس اليابانية المصرية»، وتُطبِّق أنشطة «التوكاتسو» التي تركِّز على بناء شخصية الطفل، و«مدارس المتفوقين في العلوم والتكنولوجيا» وتعتمد على مشروعات البحث العلمي والتفكير النقدي، و«مدارس النيل المصرية» وتقدِّم تعليماً دولياً بمعايير عالمية تحت إشراف حكومي، إلى جانب «المدارس المصرية الدولية» وهي أيضاً حكومية لكن تدرس مناهج أجنبية.

نسب رسوب غير مسبوقة

وعبَّر أولياء أمور طلاب الشهادة الإعدادية الذين يلتحقون بـ«المدارس الدولية» عن استيائهم من نتائج مواد الهوية القومية، مشيرين إلى أنهم «فوجئوا هذا العام بنسبة رسوب غير مسبوقة في مواد اللغة العربية والدراسات الاجتماعية والتربية الدينية». وأضافوا أنَّ هذه النتائج لا تعكس المستوى الحقيقي للطلاب ولا سجلاتهم الدراسية السابقة، كما تسبَّبت في حالة من القلق والإحباط لدى الطلاب وأسرهم.

وأوضحوا، في بيان نشروه عبر «مواقع التواصل الاجتماعي» الجمعة، أن أغلب «المدارس الدولية» لم تكن تمنح «مواد الهوية» الاهتمام الكافي خلال السنوات الماضية، وأن الوزارة كانت على دراية كاملة بطبيعة الدراسة داخل هذه المدارس. وطالبوا بمراجعة النتائج، وإعادة فحص آليات التصحيح، وضمان حصول كل طالب على حقه العادل.

مدرسة الكلية الأميركية بالقاهرة إحدى أبرز المدارس الدولية (صفحة المدرسة)

في حين ردَّ المتحدث باسم وزارة التربية والتعليم، شادي زلطة، على مطالب أولياء الأمور، في تصريحات متلفزة، مساء الجمعة، مشيراً إلى أنَّ الوزارة تعمل على تصحيح أوضاع خاطئة نتيجة غياب الاهتمام بـ«مواد الهوية» في المدارس التي تمنح شهادات أجنبية خلال السنوات الماضية، وأنه منذ العام الماضي هناك توجيهات حكومية بالاهتمام بها.

وأوضح أن «(المدارس الدولية) أعلنت نتيجة العام الدراسي الحالي، والوزارة فوجئت بأن نسب النجاح في مواد الهوية الوطنية وصلت إلى 100 في المائة، فقرَّرت الوزارة إرسال لجان متابعة إلى 45 مدرسة، منها 12 مدرسة فوجئت اللجان بأن أوراق الإجابة الخاصة بطلابها في المواد القومية لم تُدوَّن بها إجابات من الأساس، ونجح فيها الطلاب، وهو ما يُشكِّل مخالفةً إداريةً وقانونيةً».

نزاع قانوني

ودخل أولياء أمور طلاب «المدارس الدولية» في نزاع قانوني مع وزارة التربية والتعليم في مصر بعد أن أصدر الوزير الحالي محمد عبد اللطيف، قراراً العام الماضي «بتنظيم الدراسة والامتحانات والتقويم بجميع المدارس التي تدرس مناهج دولية أو أجنبية أو ذات طبيعة خاصة داخل مصر»، وربحت الوزارة المعركة بعد أن حصلت على حكم قضائي نهائي بوجوب تنفيذ قراراتها.

ونصَّت القرارات على التزام «المدارس الدولية» بتدريس اللغة العربية في مرحلة رياض الأطفال، وتدريس مادتَي اللغة العربية والتربية الدينية من الصف الأول حتى الثالث الابتدائي أو ما يعادلهما، كما الزمت المدارس بتدريس مواد اللغة العربية والدراسات الاجتماعية والتربية الدينية من الصف الرابع حتى الصف التاسع أو ما يعادلهما، وفقاً للمناهج المُطبَّقة بالمدارس الرسمية المصرية.

ووفقاً للقرار الوزاري، تدخل درجات اللغة العربية والدراسات الاجتماعية ضمن المجموع الكلى للطالب، بحيث تمثِّل كل مادة 10 في المائة من إجمالي الدرجات، بإجمالي 20 في المائة للمادتين معاً.

جانب من زيارة سابقة لوزير التربية التعليم محمد عبد اللطيف لإحدى المدارس (وزارة التربية والتعليم)

أستاذ علم النفس التربوي بجامعة القاهرة، الدكتور عاصم حجازي، أكد أنَّ التعليم المصري عاني منذ سنوات طويلة من اتساع الفجوات بين أنماط مختلفة من أنظمة التعليم التي يتم تطبيقها على الأراضي المصرية، وأنَّ وزارة التربية والتعليم اتخذت خطوات تصحيحية لتقليص تلك الفجوة عبر القرار المنظم بتدريس «مواد الهوية» لترسيخ قيم الانتماء للوطن وتحسين مستوياتهم في اللغة الأم (العربية)، مشيراً إلى أنَّ قرارات الوزارة واجهت تحايلاً من «المدارس الدولية» لإرضاء الطلاب وأولياء أمورهم.

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «المدارس الدولية» كانت تحافظ على تفردها في عدم الاهتمام بالمواد التي يدرسها طلاب في المدارس التي تطبق المناهج المصرية، ووظفت ذلك وسيلةً لجذب الطلاب إليها، ومع القرارات الوزارية الأخيرة تقلص هذا التَّفرُّد وأضحى هناك قدر من المساواة مع باقي الطلاب، وهو ما فجَّر حالةً من الغضب والجدل خلال الساعات الماضية.

وليس هناك إحصاء رسمي بأعداد الطلاب الملتحقين بالمدارس الدولية، لكن المدارس الخاصة والدولية تستقطب نحو 2.5 مليون طالب، يدرسون في نحو 10 آلاف مدرسة، بينها 800 مدرسة دولية وفقاً لآخر أرقام حكومية.

وبحسب حجازي، فإنَّ الفجوة بدأت تضيق بين أنماط التعليم في مصر بعد أن وفَّرت الحكومة تعليماً شبيهاً بالتعليم الدولي، حيث تمَّ إقرار «منظومة البكالوريا» لطلاب المرحلة الثانوية وهي تعتمد على الفرص المتعددة لدخول الجامعة، وتعتمد على نظام المسارات التي يتيح اختيارات أكبر أمام الطلاب، وكذلك إعادة الاعتبار لـ«مواد الهوية» داخل «المدارس الدولية».


استمرار انقسام القضاء الليبي يفاقم التحذيرات من «فوضى قانونية»

اجتماع للمجلس الأعلى للقضاء في بنغازي يوم 7 يونيو الحالي (الصفحة الرسمية للمجلس)
اجتماع للمجلس الأعلى للقضاء في بنغازي يوم 7 يونيو الحالي (الصفحة الرسمية للمجلس)
TT

استمرار انقسام القضاء الليبي يفاقم التحذيرات من «فوضى قانونية»

اجتماع للمجلس الأعلى للقضاء في بنغازي يوم 7 يونيو الحالي (الصفحة الرسمية للمجلس)
اجتماع للمجلس الأعلى للقضاء في بنغازي يوم 7 يونيو الحالي (الصفحة الرسمية للمجلس)

تتزايد التحذيرات المحلية والدولية من «فوضى قانونية» في ظل تداعيات استمرار الانقسام داخل المؤسسة القضائية الليبية، وفي ظل إخفاق جهود وساطة محلية قادها قضاة وأساتذة قانون وبرلمانيون، بين جهتين تتنازعان على رئاسة «المجلس الأعلى للقضاء» في كل من طرابلس وبنغازي، في بلد يعاني منذ عام 2011 انقساماً سياسياً ومؤسسياً.

وأبدت الأمم المتحدة مؤخراً قلقاً متزايداً إزاء انعكاسات هذا الانقسام على وحدة المنظومة القانونية في ليبيا، حيث حذرت المبعوثة الأممية إلى ليبيا، هانا تيتيه، خلال إحاطتها أمام مجلس الأمن، الخميس، من صدور أحكام متضاربة واتخاذ قرارات أحادية الجانب و«فوضى»، بما قد يقود إلى ظهور أنظمة قانونية موازية ويقوض ثقة المواطنين في سيادة القانون، فضلاً عن تأثيره المحتمل على أي عمليات انتخابية مستقبلية.

تيتيه في إحاطة أمام مجلس الأمن الخميس الماضي (البعثة الأممية)

وجاءت هذه المخاوف بالتزامن مع حالة من الإحباط في الأوساط القانونية الليبية، بعد تعثر الوساطة المحلية التي انطلقت مطلع العام الحالي برعاية أممية. وكانت تلك الجهود، التي نوهت إليها تيتيه أمام مجلس الأمن، قد أفضت في أبريل (نيسان) الماضي إلى ثلاثة مقترحات رئيسية، تمثلت في «إعادة تشكيل المجلس الأعلى للقضاء، وإنشاء دائرة دستورية مستقلة ضمن هيكل المحكمة العليا، ومعالجة الآثار المترتبة على الحكم بعدم دستورية أحد القوانين الصادرة عن مجلس النواب قبل أعوام».

وقال أحد أعضاء فريق الوساطة، المستشار مبروك الفاخري لـ«الشرق الأوسط»، إن الوساطة كانت «محاولة صادقة وموضوعية»، لكنها اصطدمت بمصالح الأطراف المعنية، مضيفاً أنه «يمكن القول إن هذه المحاولة وُلدت ميتة».

وحذر الفاخري، وهو قاضٍ سابق في المحكمة العليا، من أن استمرار الوضع الراهن سيؤدي إلى تكريس الانقسام داخل المؤسسة القضائية، بما ينعكس سلباً على جهود توحيد مؤسسات الدولة وترسيخ سيادة القانون.

مقر المحكمة العليا في العاصمة الليبية طرابلس (الصفحة الرسمية للمحكمة)

ومع أن «المؤسسة الليبية لدعم استقلال القضاء وسيادة القانون» لا ترى في المدى القريب وجود خطر مباشر يؤدي إلى تعطيل العمل القضائي، فإن المؤسسة، التي يوجد مقرها بطرابلس، رأت أن «استمرار الخلافات المرتبطة بالمناصب أو إدارة المؤسسات القضائية قد يؤثر سلباً على هيبة القضاء وصورته أمام المجتمع»، وفقاً لما صرح به أحد أعضاء مجلس إدارتها لـ«الشرق الأوسط»، وطلب عدم ذكر اسمه.

وتشهد ليبيا حالياً وضعاً غير مسبوق يتمثل في تنازع جهتين على إدارة المجلس الأعلى للقضاء؛ الأولى في طرابلس وترتبط بالمحكمة العليا برئاسة عبد الله بورزيزة، والثانية برئاسة مفتاح القوي، وهي مدعومة من مجلس النواب، وأعلنت نقل بعض الإدارات التابعة للمجلس مؤقتاً إلى بنغازي بدعوى «القوة القاهرة».

وبدأت نذر هذا الانقسام قبل ثلاثة أعوام، حين أصدر مجلس النواب مجموعة من القوانين الخاصة بإعادة تشكيل المجلس الأعلى للقضاء، تضمنت تعديلات جوهرية، من بينها منح البرلمان سلطة اختيار رئيس المجلس، وإنشاء محكمة دستورية مستقلة، وهو ما أثار جدلاً سياسياً وقضائياً واسعاً.

مجلس النواب أصدر مجموعة من القوانين الخاصة بإعادة تشكيل المجلس الأعلى للقضاء (النواب)

في المقابل، اعتبرت السلطات في طرابلس تلك الخطوات محاولة للهيمنة على السلطة القضائية، قبل أن تصدر المحكمة العليا في يناير (كانون الثاني) الماضي أحكاماً بعدم دستورية تلك القوانين، لتتخذ الأزمة بعد ذلك منحى أكثر تعقيداً، مع ظهور سلطتين متنازعتين على إدارة المجلس الأعلى للقضاء.

ومع استمرار هذا الواقع، يواصل كل من مجلسي القضاء في طرابلس وبنغازي عقد اجتماعاته وإصدار قراراته، بما في ذلك قرارات تتعلق بالتعيينات والترقيات القضائية، من دون مؤشرات واضحة على قرب التوصل إلى تسوية.

وحسب «المؤسسة الليبية لدعم استقلال القضاء وسيادة القانون» فإن «تجاهل الأحكام القضائية، أو عدم تنفيذها، يشكل خطراً على مبدأ سيادة القانون، وقد يكون مرتبطاً بالمخاوف من الآثار القانونية المترتبة على بعض التشريعات، التي صدرت خلال السنوات الماضية، ومدى توافقها مع القواعد الدستورية».

وأشارت المؤسسة إلى ما عدتها «محاولات لمعالجة الإشكال بوسائل تشريعية قبل استكمال البناء الدستوري للدولة، وهو أمر أثار جدلاً واسعاً حول مدى انسجامه مع ضمانات المحاكمة العادلة، ومبادئ استقلال القضاء».

ولا يبدي قانونيون تفاؤلاً بإمكانية إنهاء الانقسام القضائي في المدى المنظور. وفي هذا السياق يرى الباحث القانوني، هشام الحاراتي أن استمرار الانقسام مرهون ببقاء أسبابه السياسية والمؤسسية، موضحاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الإشكالية لا تقتصر على وجود أجسام قضائية متوازية، بل تمتد إلى ما ينتج عنها من تضارب في القرارات والأحكام، بما يضعف حجية القضاء، ووحدة تطبيق القانون في البلاد، ويضع البلاد على طريق الفوضى القانونية».

وحذر الحاراتي من أن «استمرار هذا الوضع يهدد الأمن القانوني، ويخلق حالة من عدم اليقين بشأن المرجعية القضائية المختصة، كما ينعكس سلباً على شرعية أي استحقاق انتخابي أو دستوري، يتطلب وجود سلطة قضائية موحدة تحظى بقبول عام».

وحسب اعتقاده فإن «الانقسام قد يؤدي إلى تكريس مراكز قانونية واجتهادات قضائية متباينة داخل الدولة الواحدة، الأمر الذي يضعف الثقة في منظومة العدالة، ويعقد جهود إعادة توحيد المؤسسة القضائية مستقبلاً».

وظل القضاء الليبي، إلى حد كبير، متماسكاً رغم الانقسامات السياسية التي شهدتها البلاد منذ عام 2014، غير أن الأزمة الحالية تمثل أحد أخطر التحديات التي تواجهه. وهنا جاءت دعوه تيتيه للقادة الليبيين بالإسراع في معالجة هذه القضية الحاسمة.

لكن الفاخري يربط إمكانية إنهاء الانقسام القضائي بإنهاء الانقسام السياسي والتنفيذي في البلاد، وقال إن «وجود حكومة واحدة تحظى بقبول الأطراف الفاعلة من شأنه أن يمهد الطريق لتوحيد السلطة القضائية».


انفراجة في «أزمة التأشيرات» إثر تحسن العلاقات بين الجزائر وباريس

الرئيس الجزائري مع رئيسة الحكومة الفرنسية السابقة في 10 أكتوبر 2022 (الرئاسة الجزائرية)
الرئيس الجزائري مع رئيسة الحكومة الفرنسية السابقة في 10 أكتوبر 2022 (الرئاسة الجزائرية)
TT

انفراجة في «أزمة التأشيرات» إثر تحسن العلاقات بين الجزائر وباريس

الرئيس الجزائري مع رئيسة الحكومة الفرنسية السابقة في 10 أكتوبر 2022 (الرئاسة الجزائرية)
الرئيس الجزائري مع رئيسة الحكومة الفرنسية السابقة في 10 أكتوبر 2022 (الرئاسة الجزائرية)

عقب أشهر من التوتر الدبلوماسي بين الجزائر وفرنسا، والذي تفاقم العام الماضي إثر قرار باريس إلغاء الإعفاء من التأشيرة للدبلوماسيين الجزائريين، أكدت مصادر إعلامية محلية أن مؤشرات انفراج باتت أكثر وضوحاً في ملف التأشيرات الفرنسية بالجزائر، مع توقع استعادة القنصليات الفرنسية نشاطها المعتاد تدريجياً خلال موسم الصيف.

السفير الفرنسي في الجزائر (السفارة)

وشكّل ملف «أزمة التأشيرات»، سواء تعلّق الأمر بحاملي الجوازات الدبلوماسية أو بالمواطنين العاديين، أداةَ ضغط محورية استعملها الجانبان طيلة الأزمة السياسية، ضمن سياسة «القبضة الحديدية» المتبادلة لانتزاع تنازلات من الطرف الآخر.

وشهدت مساعي الحصول على تأشيرة دخول الفضاء الأوروبي (شنغن) تعقيداً كبيراً في العامين الأخيرين. ووفقاً للمعلومات التي أوردتها الصحافة الجزائرية، فإن المصالح القنصلية الفرنسية في كل من الجزائر العاصمة، ووهران، وعنابة، تعرضت لتراجع حاد في قدراتها العملياتية بين عامي 2024 و2025. ويعود هذا الشلل الفني إلى تجميد الجزائر العاصمة الاعتمادات لصالح الموظفين الدبلوماسيين الفرنسيين، وذلك في أعقاب الخلافات السياسية مع باريس، وقد بررت الجزائر قرارها بناءً على مبدأ «المعاملة بالمثل».

مسافرون جزائريون بمطار شارل دوغول (صحيفة الوطن الجزائرية)

وبسبب حرمان مراكز معالجة طلبات التأشيرة الفرنسية من جزء كبير من موظفيها، لم تعد قادرة على استيعاب الحجم اليومي للطلبات، ما أدّى إلى انهيار حصص المواعيد المتاحة، وإطالة فترات الانتظار بشكل لا ينتهي. وتؤكد التقارير الدبلوماسية أن أزمة الموارد البشرية هذه أثرت بشكل مباشر على قدرة المتعاملين الخارجيين على فتح مواعيد جديدة.

ومع ذلك، بدأت الأزمة تنفرج تدريجياً؛ حيث تشير مصادر مطلعة على الملف إلى أن العودة التدريجية للموظفين الإداريين الفرنسيين باتت قيد التنفيذ حالياً. وأوضحت الصحيفة الإلكترونية «ماغرب إيمرجنت» أن «ثمة تحسناً متوقعاً بالتزامن مع إعادة تشكيل الطواقم القنصلية». وبمجرد استعادة الموظفين بنيتهم التنظيمية الأصلية يُنتظر أن تعمل مصالح إصدار التأشيرات بكامل طاقتها.

تفاهم على أعلى مستوى

يأتي هذا التعزيز امتداداً لمحادثات ثنائية مكثفة سمح بها تبادل زيارات على أعلى مستوى، بدأت بزيارة وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز إلى الجزائر في فبراير (شباط) الماضي، ثم وزير العدل جيرالد دارمانان في مايو (أيار) الماضي. فيما زار وزير الداخلية الجزائري سعيد سعيود باريس مطلع يونيو (حزيران) الحالي.

وزيرا الداخلية الفرنسي والجزائري بباريس في 2 يونيو الحالي (الداخلية الجزائرية)

وأتاحت هذه التطورات الإيجابية في العلاقات بين البلدين إرساء الاستقرار في العلاقات القنصلية؛ إذ يفتح رفع التجميد عن تأشيرات العمل الخاصة بالموظفين الفنيين الفرنسيين الأبواب مجدداً، وإعادة هيكلة مصالح معالجة الطلبات في كل من الجزائر العاصمة ووهران وعنابة.

ويتفق المراقبون على أن إعادة الهيكلة الإدارية ستؤتي ثمارها خلال فصل الصيف. وبالنسبة للعائلات والطلاب والمهنيين الجزائريين، فإن الإعلان عن هذا التطبيع يبعث على ارتياح كبير، لا سيما أن الحصول على المواعيد كان يُتوقع حتى الآن بوصفه رحلة كفاح شاقة.

وإذا تأكد هذا المنحى ميدانياً فإن الارتفاع التلقائي في عدد الملفات المعالجة يومياً سيسمح بامتصاص قوائم الانتظار، لتستعيد الإجراءات انسيابها أخيراً داخل مراكز جمع الملفات، وذلك في الوقت الذي تصل فيه طلبات السفر إلى ذروتها السنوية.

أزمة تأشيرات

اندلعت «أزمة التأشيرات» قبل تفجر العلاقات في صيف 2024 إثر إعلان «الإليزيه» اعترافه بسيادة المغرب على الصحراء. ففي 2022، قررت فرنسا تخفيض منح التأشيرات إلى النصف، وكان السبب رفض القنصليات الجزائرية بفرنسا إصدار التراخيص التي تسمح بترحيل 7 آلاف مهاجر جزائري غير نظامي، وشمل القرار نفسه المغرب وتونس.

الرئيس الجزائري في لقاء سابق مع وزير العدل الفرنسي (الرئاسة الجزائرية)

وصرّحت رئيسة الحكومة الفرنسية السابقة، إليزابيث بورن، لمّا زارت الجزائر في أكتوبر (تشرين الأول) 2022، بأن خفض حصة الجزائر من التأشيرات «قرار سيادي». مبرزة أن قنصليات فرنسا الثلاث في الجزائر أصدرت 85 ألف تأشيرة منذ بداية عام 2022 إلى نهاية أغسطس (آب) من العام نفسه. كما أكدت أن عدد التأشيرات التي حصل عليها طلاب الجامعات الجزائريون ارتفع من 5200 عام 2019 إلى 7700 تأشيرة عام 2021.

ووفق مراقبين، يصطدم الانفراج التدريجي بملفات شائكة لم تُطوِ الجزائر صفحتها بعد، وعلى رأسها استمرار السلطات الفرنسية في توقيف مسؤول أمني جزائري سابق، ملاحق في قضية محاولة احتجاز اليوتيوبر المعارض، أمير بوخرص، فوق الأراضي الفرنسية.

أمير بوخرص من أشهر المعارضين الجزائريين المقيمين في فرنسا (حسابه الخاص بالإعلام الاجتماعي)

استمرار مقاطعة الجزائر قمح فرنسا

وفي سياق متصل بالأزمة الدبلوماسية، توقعت وسائل إعلام فرنسية أن تواصل الجزائر مقاطعة القمح الفرنسي، في وقت توشك فيه حملة تسويق القمح الفرنسي لموسم 2025-2026 على الانتهاء. وكان إغلاق السوق الجزائرية أمام القمح الفرنسي منذ عام 2024 قد دفع القطاع إلى التوجه نحو أسواق تصديرية جديدة.

ورغم التحسن الدبلوماسي الجاري بين باريس والجزائر، وما قد يتيحه من استئناف محدود للواردات الجزائرية من القمح الفرنسي، فإن الكميات المتوقعة ستظل ضئيلة للغاية، وفقاً للمصادر نفسها.

وزير خارجية الجزائر ويقابله نظيره الفرنسي خلال لقاء في 7 أبريل 2025 (السفارة الفرنسية لدى الجزائر)

وفي العام الماضي، كانت مبيعات القمح اللين نحو الجزائر صفراً، وفقاً لأرقام «الهيئة الوطنية للمنتجات الزراعية والبحرية في فرنسا»، مقارنة بمتوسط سنوي بلغ نحو مليوني طن بين عامي 2020 و2024.

ويأمل المنتجون الفرنسيون هذا العام، حسب تقارير صحافية، في تصدير كميات كبيرة مجدداً نحو المغرب؛ إذ كانت المملكة قد زادت مشترياتها بنحو 27 في المائة في عام 2025 بسبب موجة جفاف مبكرة، لكن البلاد تتوقع هذا العام محصولاً ممتازاً يقدر بـ9 ملايين طن، ما قد يدفع الرباط إلى وقف استيراد القمح اللين هذا الصيف.