ما خصائص القادة الذين يتمتعون بالذكاء العاطفي؟

الأصالة والصدق والتواصل الإنساني

ما خصائص القادة الذين يتمتعون بالذكاء العاطفي؟
TT

ما خصائص القادة الذين يتمتعون بالذكاء العاطفي؟

ما خصائص القادة الذين يتمتعون بالذكاء العاطفي؟

في الماضي؛ كانت الكفاءة التقنية الميزة الأساسية المرغوبة في القيادة، ولا تزال مهمّة في يومنا هذا، إلا إنّها أصبحت من مزايا المبتدئين.
واليوم تتطلب وظائف كثيرة تعقيدات جمّة تتطلّب الاعتماد على فريق من الأشخاص المهرة. ولكن إذا كان قائد الفريق يفتقر إلى القدرة على التواصل والتعاون مع الآخرين، أو يعجز عن ترسيخ ثقافة تدعم تقدير الموظّفين وتطوّرهم، فإنه لن ينجح في التقدّم بالاعتماد على مهاراته التقنية وحدها.

- خصائص الذكاء العاطفي
لهذا السبب؛ بات الذكاء العاطفي من الركائز الحيوية للقيادة. يحدّد القادة النسق الذي تعمل به مؤسّساتهم. فإذا كانوا يفتقرون إلى الذكاء العاطفي، فسيؤثر هذا الأمر على انخراط الموظفين في أعمالهم ورضاهم، وإنتاجيتهم، وأخيراً، على المستوى المالي للشركة.
ولكنّ الخبر الجيّد هو أنّ الذكاء العاطفي ليس ثابتاً؛ بل هو قابل للتطوير، أي إنّ القادة يستطيعون العمل على تنمية ذكائهم العاطفي وتعزيز إمكاناتهم القيادية.
وأبرز خصائص القائد الذي يتمتّع بالذكاء العاطفي:
* الصدق: يتميّز القادة الأذكياء عاطفياً بالصدق والشفافية والأصالة.
يعدّ هؤلاء القادة الداعمين الأوائل لمؤسّستهم، ويظهرون إيماناً متواصلاً بعملهم وعمل زملائهم ونجاح مؤسستهم.
يساعد الدعم الصادق من القادة المؤسسة في الأوقات الصعبة. وإذا كان القائد يفتقر إلى هذا الدعم، فسيكون من الصعب على الآخرين الحفاظ على إيمانهم وثقتهم بما يقومون به.
* العزم على الخروج من منطقة الراحة: يتطلّب النموّ والتطوّر دفعاً مستمراً لحدود راحة الفرد. يعي القادة الذين يتمتّعون بصلابة عاطفية هذا الأمر ويواصلون دوماً حثّ أنفسهم وتشجيع من حولهم ليسيروا أبعد ممّا يتقنون فعله ويرتاحون له.
ويعي القادة الأذكياء عاطفياً أيضاً أنّ التغيير مستمرّ وأنّ نجاحهم ونجاح ناسهم ومؤسّستهم يتطلّب تطوّرات وتغييرات مستمرّة.
* القدرة على التحكّم في العواطف: خلال الأوقات الصعبة والأزمات، يلجأ الموظّفون إلى القادة للحصول على الإرشاد والتوجيه؛ لأنّهم يريدون معرفة مدى جديّة الوضع وكيف يجب أن يستجيبوا. يدرك القادة هذا الأمر، ومن الضروري جداً أن يكونوا قادرين على إظهار الهدوء في مواجهة الصعوبات، مما يساعدهم في تركيز طاقتهم على إيجاد الحلول بدل تضييع وقتهم وجهودهم في الخوف والقلق.

- أصالة القيادة
* الأصالة الدائمة: يعبّر القادة الأذكياء عاطفيّاً دوماً عن نياتهم وجذورها بوضوح، مما يعفي الموظّف من القلق من فكرة الرسائل المشفّرة الصادرة عن القيادة؛ لأنّها تبقيهم على اطلاعٍ دائم على أهداف المؤسسة ودوافعها. يشارك القادة الأذكياء عاطفياً ما يستطيعون مع فريق عملهم طوال الوقت ويتوقّعون المثل من الآخرين في دائرتهم. كما أنّهم لا يشعرون بالحاجة لإخفاء أمور عن الغير، أو التغطية على أخطائهم، أو تفضيل أحد على الآخر في مكان العمل، بل يعاملون الجميع بالطريقة نفسها بصرف النظر عن موقفهم أو موقعهم.
* التواصل مع الفريق على المستوى الإنساني: يدرك القادة الأذكياء عاطفياً مشاعرهم ولا يهابون التعبير عنها بشكلٍ لائق، بالإضافة إلى أنّهم يدركون كيف تؤثر العواطف على كلّ شيءٍ يقومون به، ويمهرون في قراءة عواطف الآخرين بشكلٍ فردي أو كمجموعة.
يقدّم كتابي: «النوع الآخر من الذكاء: وسائل بسيطة لتعزيز الذكاء العاطفي لفاعلية ونجاح أعظم» The Other Kind of Smart: Simple Ways to Boost your Emotional Intelligence for Greater Personal Effectiveness and Success ، أمثلة لقادة يتفاعلون مع النّاس على المستوى الإنساني. يتيح هذا التفاعل لهؤلاء القادة إشعار الآخرين بأنّهم مرئيون ومسموعون حتّى في أوقات الخلاف.
* عدم السماح للنكسات بعرقلة الأهداف: في معظم الأحيان، لا تسير الأمور وفقاً للخطّة، ولا شكّ في أنّ النكسات والفشل من الأمور الحتمية في أيّ طريق يقود نحو النجاح. يتوقّع القادة الأذكياء عاطفياً العراقيل سلفاً ويحضرون أنفسهم عاطفياً لها، ثمّ يبحثون عن الدروس التي تعلّموها، ولا يتعاملون مع النكسات بطابع شخصي.
يعدّ القادة الأذكياء عاطفياً خيبات الأمل جزءاً من مسار التعلّم والتطوّر، ويفهمون أنّ هذه اللحظات ستساعدهم أخيراً في تحقيق أهدافهم.
* عدم الاستسلام للسلبية: يمرّ الجميع بفترات من الإحباط ويشعرون برغبة في التذمّر، ويعانون من صعوبة في الحفاظ على إيجابيتهم. القادة الأذكياء عاطفياً ليسوا بمنأى عن هذه المشاعر طبعاً، ولكنّهم لا يسمحون لها بالسيطرة عليهم.
يتّسم القادة الأذكياء عاطفياً بالانفتاح ويدعمون مشاعر الآخرين، ولكنّهم يبقون مسافةً بينهم وبين الأشخاص دائمي التذمّر والسلبية، ويحيطون أنفسهم بأصحاب النظرة الإيجابية الذين يرون الجانب المضيء.
يؤمن القادة الأذكياء عاطفياً بأنّ الحياة يجب أن تُعاش ويُنعم بها إلى أقصى الحدود، ولهذا السبب يجذبون وينجذبون لأشخاص يعيشون بالطريقة نفسها.

* «فاست كومباني»
- خدمات «تريبيون ميديا»


مقالات ذات صلة

في خصوصية الأخلاق الإنسانية وكونيتها

يوميات الشرق في خصوصية الأخلاق الإنسانية وكونيتها

في خصوصية الأخلاق الإنسانية وكونيتها

طالما اتسمت الديانات الوثنية والبدائية بنزعة اصطفائية تجعل المؤمن بها مسؤولاً أمام إلهه عن الأخطاء التي يقترفها في حق أفراد عشيرته فقط، أما الغرباء فمسموح له بأن يغشهم ويسرقهم، ويقتلهم أحياناً، دون شعور بالإثم.

يوميات الشرق هل تستطيع تدريب شخص ليصبح مرحاً؟

هل تستطيع تدريب شخص ليصبح مرحاً؟

يقف خمسة علماء على خشبة المسرح، ويجربون الكوميديا الارتجالية (ستاند آب) للمرة الأولى... هل هذه العملية سوف تخلق جواً من الابتهاج والمرح؟ نعم، بحسب إجراءات «ستيم روم»، وهو برنامج يعلّم فيه ممثلون كوميديون فريقاً من العلماء كيف يصبحون مرحين، حسب «صحيفة الغارديان» البريطانية. وكانت النتيجة، بعد أسابيع من الارتجال، وورش العمل المكثّفة، هي عدة ليالٍ من عروض الكوميديا الحية المباشرة المعدّلة بالعلم، التي تم إقامتها في أنحاء أستراليا. وتحدثت صحيفة «الغارديان» إلى العديد من العلماء المشاركين في برنامج «ستيم روم» قبيل أول عرض لهم في عام 2023 على مسرح «مالتهاوس» في مدينة ملبورن.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق ظاهرة التنمّر على المظهر تنتشر... والمشاهير يتصدّون لها

ظاهرة التنمّر على المظهر تنتشر... والمشاهير يتصدّون لها

«لماذا سمنت كثيراً؟»، «أنتِ نحيفة كقشّة»، «أنفك بحاجة إلى جراحة تجميل»، «كم هو قصير القامة»... كلها عباراتٌ تدخل في قاموس يوميات الناس، لكنها خارجة من قاموس «تعيير الآخر بجسده (body shaming)». أصبحت هذه الظاهرة أكثر شيوعاً بفعل الاستخدام المفرط لوسائل التواصل الاجتماعي، وسطوة ثقافة الشكل الخارجي، كما لو أن الاختباء خلف شاشة الهاتف أو الكومبيوتر، يبيح لأي شخص انتقاد الآخرين وإهانتهم والتجريح بأشكالهم والسخرية من أوزانهم وملامحهم. 

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق دراسة: تكوين عادة جديدة لا يستغرق 21 يوما !

دراسة: تكوين عادة جديدة لا يستغرق 21 يوما !

في عام 1960، نشر جراح تجميل يُدعى ماكسويل مالتز كتابًا ذائع الصيت أنتج حقيقة زائفة تقول «يستغرق الأمر 21 يومًا فقط لتغيير طرقك وتكوين عادة جديدة». واستند هذا الرقم إلى ملاحظات مالتز للوقت الذي استغرقه مرضاه للتكيف مع وجوههم الجديدة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق العقل قد ينشئ ذاكرة خاطئة أسرع مما نظن

العقل قد ينشئ ذاكرة خاطئة أسرع مما نظن

تشير الأبحاث إلى أن الناس يمكن أن ينشئوا ذكريات خاطئة في غمضة عين. ففي سلسلة من أربع تجارب بقيادة جامعة أمستردام، أظهر 534 شخصًا أحرفًا من الأبجدية الغربية باتجاهات فعلية ومعكوسة. وبعد أن عُرض على بعض المشاركين شريحة تداخل بأحرف عشوائية مصممة لخلط الذاكرة الأصلية، طُلب من جميع المشاركين أن يتذكروا حرفًا مستهدفًا من الشريحة الأولى. وبعد نصف ثانية من مشاهدة الشريحة الأولى، شكل ما يقرب من 20 في المائة من الناس ذاكرة وهمية للحرف المستهدف؛ حيث زاد هذا إلى 30 في المائة بعد 3 ثوانٍ. وهذا يعني ان الدماغ البشري يغير الذكريات وفقًا لما يتوقع رؤيته.

«الشرق الأوسط» (لندن)

الأغنيات الشعبية... ورقة دعائية لأفلام موسم الصيف في مصر

الملصق الدعائي لفيلم «محمود التاني» (الشركة المنتجة)
الملصق الدعائي لفيلم «محمود التاني» (الشركة المنتجة)
TT

الأغنيات الشعبية... ورقة دعائية لأفلام موسم الصيف في مصر

الملصق الدعائي لفيلم «محمود التاني» (الشركة المنتجة)
الملصق الدعائي لفيلم «محمود التاني» (الشركة المنتجة)

عززت الأغنية الشعبية المصرية حضورها في أفلام موسم الصيف السينمائي، إذ اعتمد صناع عدد من الأفلام على تقديمها في قوالب فنية مختلفة، بوصفها إحدى وسائل الترويج لأعمالهم، على غرار أفلام «صقر وكناريا»، و«الكلام على إيه»، و«ابن مين فيهم؟»، إلى جانب «محمود التاني» و«الست لما»، المقرر عرضهما خلال أيام.

وشهد فيلم «صقر وكناريا» طرح أغنية «عمك وعم عمك»، بصوت محمود العسيلي وعصام صاصا، في حين قدم مصطفى غريب وحودة ودنيا سامي أغنية فيلم «الكلام على إيه». وخاضت انتصار تجربتها الغنائية الأولى بأغنية «اسمع الخبر الآتي» ضمن فيلم «ابن مين فيهم؟»، كما أطلق صناع «الست لما» أغنية «سلملي» بصوت حنان أحمد، بينما قدم عصام صاصا وأحمد بحر أغنية «بيان هام» من فيلم «محمود التاني».

فيلم «صقر وكناريا» لمحمد إمام وشيكو (الشركة المنتجة)

وعن انتشار الأغنيات الشعبية في أفلام الموسم السينمائي الحالي، يقول الناقد الفني المصري سمير الجمل إن «الأغنية بشكل عام لا بد أن تكون جزءاً من دراما الفيلم، وأن تُقدَّم وفقاً لطبيعة القصة والسياق».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «سر نجاح بعض أغنيات أفلام (الزمن الجميل) يعود إلى كونها جزءاً من السياق الدرامي للأحداث، وتعبّر عن المضمون، على غرار أغنيات (الناجح يرفع إيده) لعبد الحليم حافظ، و(شحات الغرام) لمحمد فوزي، و(داري جمالك) لمحرم فؤاد».

ووصف سمير الجمل ما يجري أخيراً في الأفلام بأنه «تقليعة تجارية» اعتمدت منذ سنوات لإنعاش بعض الأفلام، لافتاً إلى أن «من حق الصناع الترويج لأفلامهم، ولكن ليس على حساب المضمون»، واصفاً ما يحدث بأنه «إفلاس فكري وترند سينتهي».

الملصق الترويجي لفيلم «الست لما» (الشركة المنتجة)

واعتمد صناع أفلام خلال السنوات الماضية على طرح أغنيات شعبية دعائية، على غرار «آه يا دنيا» لبوسي من فيلم «الألماني»، و«سيجارة بني» لمحمود الحسيني من فيلم «الفرح»، و«الحنطور» لأمينة من فيلم «قصة الحي الشعبي»، و«العنب» لسعد الصغير من فيلم «عليا الطرب بالـ3»، و«آه لو لعبت يا زهر» لأحمد شيبة من فيلم «أوشن 14»، و«الغزالة رايقة» من فيلم «من أجل زيكو»، و«سطلانة» التي قدمها عدد من نجوم الأغنية الشعبية في فيلم «بعد الشر».

ويرى الناقد الفني المصري محمد عبد الخالق أن «اعتماد الأفلام السينمائية على الأغنية ظاهرة قديمة، إذ كانت الأغنيات في البداية جزءاً من العمل، خصوصاً في الأفلام الغنائية، ويقدمها أبطال الفيلم أو مطرب آخر يشارك في العمل».

الملصق الترويجي لفيلم «ابن مين فيهم؟» (الشركة المنتجة)

ويضيف عبد الخالق لـ«الشرق الأوسط»: «تطور الأمر، وأصبحت الأغنيات تُستخدم في الترويج للأفلام، سواء بطرحها ضمن الإعلان الدعائي للفيلم أو بصورة منفصلة بالتزامن مع عرضه، إلى أن وصلنا اليوم إلى أغنيات دعائية لا تدخل ضمن السياق الدرامي، ويقدمها مطربون غير مشاركين في العمل، وتُطرح قبل عرض الفيلم بوصفها إحدى وسائل الترويج له».

ويعتقد أن «نجاح الأغنية الدعائية لا يعني بالضرورة نجاح الفيلم»، مضيفاً: «لدينا أغنيات صُنعت لأغراض ترويجية وحققت مشاهدات مرتفعة، لكنها غابت عن ذاكرة الجمهور بعد فترة، إلى درجة أن البعض لم يعد يعرف الأفلام التي صُنعت من أجلها، وباتت أغنيات مستقلة بنجاحها».


السعودية تؤطر الفن العام ضمن مشهد حضري يعزز جودة الحياة

ميدان ومجسمات القناديل في جدة (أمانة جدة)
ميدان ومجسمات القناديل في جدة (أمانة جدة)
TT

السعودية تؤطر الفن العام ضمن مشهد حضري يعزز جودة الحياة

ميدان ومجسمات القناديل في جدة (أمانة جدة)
ميدان ومجسمات القناديل في جدة (أمانة جدة)

من نيويورك ولندن إلى برشلونة ومدن أخرى حول العالم، لم تعد المنحوتات والأعمال الفنية في الساحات والشوارع مجرد عناصر لتجميل الفضاء العام؛ فبعضها تحول مع مرور الزمن إلى علامات مرتبطة بصورة المدينة وذاكرة سكانها؛ ما يجعل نقلها أو تغيير محيطها أو حتى صيانتها مسألة تتجاوز القرار الجمالي إلى أسئلة تتعلق بالهوية والتخطيط والحفاظ على الإرث الحضري.

وتزداد هذه المسألة أهمية في المدن التي تشهد تحولات عمرانية متسارعة؛ إذ يصبح التحدي في كيفية إعادة تصميم شارع أو ميدان من دون فقدان العمل الفني الذي ارتبط به، ومتى يتحول المجسم من قطعة جمالية إلى جزء من ذاكرة المكان. في السعودية، يضع مرجع جديد أصدرته هيئة الفنون البصرية حول الفن في الأماكن العامة هذه العلاقة ضمن إطار أكثر تنظيماً، يمتد من التخطيط والتكليف والتنفيذ إلى الإدارة والصيانة والحفاظ على الأعمال الفنية، بالتزامن مع مشاريع تطوير حضري واسعة تعيد تشكيل الفضاءات العامة في عدد من مدن المملكة.

مجسم فني يزين بحيرة الأربعين في جدة (واس)

وتقدم جدة نموذجاً لافتاً لهذه المعادلة، فالمدينة التي عُرفت منذ عقود بمجسماتها المنتشرة في الميادين وعلى امتداد واجهتها البحرية، تعمل اليوم على المحافظة على هذه الذاكرة بالتوازي مع إعادة تطوير طرقها وميادينها. وتكشف أمانة محافظة جدة لـ«الشرق الأوسط» أن استراتيجيتها ترتكز على المحافظة على المعالم الجمالية والتاريخية في مواقعها الأصلية، حرصاً على قيمتها الثقافية ورمزيتها بوصفها جزءاً من الذاكرة البصرية لأهالي المدينة.

ميدان مجسم القبلة (أمانة جدة)

ومن أبرز المعالم التي أعيد تأهيلها خلال الفترة الأخيرة «ميدان مجسم القبلة»، حيث طُورت أرضيات الميدان بما يتلاءم مع تصميم الفنان، مع المحافظة على المجسم نفسه، كما شملت أعمال التطوير «ميدان ومجسمات القناديل»، اذ لم يقتصر التدخل على المساحة المحيطة بالعمل الفني، بل امتد إلى معالجة الأرضيات والهيكل الإنشائي للمجسمات بهدف المحافظة على استدامتها.

معايير تتجاوز الشكل الجمالي

في حديث له مع لـ«الشرق الأوسط» قال مدير الاتصال والمتحدث الرسمي لأمانة محافظة جدة محمد البقمي: «لا تتعامل الأمانة، مع تطوير الميدان بوصفه عملية تجميلية منفصلة عن وظيفته داخل المدينة؛ إذ تخضع مشاريع التأهيل لمجموعة من المعايير تشمل موقع الميدان ودوره الحضري، والسلامة والحركة المرورية، وحركة المشاة وإمكانية الوصول، والهوية العمرانية لمدينة جدة». وبين البقمي أن عملية التطوير تدخل ضمن عناصر تنسيق الموقع والتشجير واختيار المواد المناسبة وفق طبيعة كل مجسم، بما يضمن استدامة العمل الفني والمحافظة على علاقته بالمشهد المحيط به.

ميدان التاريخ شمال جدة (أمانة جدة)

ويظهر هذا التوازن أيضاً في «ميدان التاريخ» شمال جدة، حيث بدأت الأمانة في أبريل (نيسان) الماضي تطوير التقاطع بين طريق الأمير سلطان وشارع حراء لمعالجة الاختناقات المرورية، مع الإبقاء على المجسم في موقعه بوصفه أحد عناصر «هوية المكان وذاكرته». لكن المعادلة تصبح أكثر تعقيداً عندما تفرض مشاريع التطوير تغييراً لا يمكن معه الاحتفاظ بالعمل في موقعه.

وهنا يؤكد البقمي أن النقل ليس الأصل، وإنما استثناء؛ فلا يتم نقل أي معلم إلا في حالات ترتبط بمشاريع تطويرية كبرى يتعذر معها معالجة وجود المجسم فنياً. وحتى في هذه الحالات، لا ينتهي التعامل مع العمل بمجرد إزالته من موقعه؛ لكن يتم نقله إلى موقع بديل يحاكي هويته الفنية، ويضمن سلامة الحركة المرورية، وفي الوقت نفسه يحافظ على قيمته الجمالية وإتاحته للزوار وسكان المدينة. ويكشف هذا النهج عن نظرة إلى المجسم تتجاوز مادته وتصميمه إلى علاقته بالمكان والناس؛ فالعمل الذي يبقى لعقود في أحد الميادين قد يتحول إلى علامة يُعرف بها الموقع، وجزء من الصورة التي يحتفظ بها السكان عن مدينتهم.

أحد المجسمات الجمالية في مدينة جدة (واس)

إرث فني في الهواء الطلق

ولجدة تاريخ يمتد لعقود مع هذا النوع من الفن؛ فقد احتضنت شوارعها وميادينها وكورنيشها أعمالاً لفنانين سعوديين وعرب وعالميين؛ ما جعل الفن جزءاً من المشهد اليومي خارج حدود قاعات العرض. وجزء من هذا الإرث استقر لاحقاً في «متحف جدة للمجسمات» المفتوح على الكورنيش، الذي يضم 26 عملاً فنياً، بينها أعمال لفنانين عالميين مثل هنري مور وخوان ميرو وألكسندر كالدر، بعدما خضعت مجموعة منها لأعمال ترميم وإعادة تأهيل.

فضاءات تتحول إلى «متاحف حية»

ولا تتوقف رؤية جدة عند حماية الإرث القائم؛ إذ يؤكد البقمي أن خطط تطوير الفن العام تستند إلى استراتيجية تستهدف «تحويل الفضاءات المفتوحة إلى متاحف عامة حية» تعزز الهوية البصرية والمشهد الحضري للمدينة، تماشياً مع مستهدفات برنامج جودة الحياة و«رؤية السعودية 2030». وتشمل الخطط إحياء الميادين التاريخية والحديثة، وتطوير ميادين جديدة بالاستعانة بالفنانين والمصممين، كما توضح الأمانة أن هذه المشاريع تُطرح عبر مسابقات ومعارض فنية تنظمها جهات مختلفة، من بينها أمانة جدة، بهدف استقطاب المبدعين لتقديم تصاميم مبتكرة للمجسمات.

ويلتقي هذا التوجه مع ما يطرحه المرجع السعودي الجديد للفن في الأماكن العامة؛ إذ لم يعد السؤال مقتصراً على اختيار المجسم الذي يوضع في الميدان، وإنما يمتد إلى علاقته بالموقع وهويته، وكيفية تنفيذه وإدارته وصيانته والحفاظ عليه مستقبلاً. وتكتسب هذه المعادلة أهمية خاصة مع التحولات الحضرية التي تقودها «رؤية 2030»، وما توليه من اهتمام بجودة الحياة وتطوير فضاءات عامة أكثر حيوية وجاذبية، تجمع بين كفاءة المدينة الحديثة والمحافظة على هويتها الثقافية وذاكرتها البصرية. وفي هذا السياق، يعكس المرجع الجديد، وتجربة جدة في تأهيل ميادينها والمحافظة على مجسماتها، توجهاً نحو تطوير حضري لا يفصل بين الحداثة والهوية؛ يحفظ إرث المكان، وفي الوقت نفسه يفتح المجال أمام فن جديد يصنع معالم وذاكرة للأجيال المقبلة.


فنانات عالميات يتصدرن النسخة السادسة من «الأبد هو الآن»

«الأبد هو الآن» يربط الحضارة بالفنون المعاصرة (لوحة من النسخة الماضية فيسبوك)
«الأبد هو الآن» يربط الحضارة بالفنون المعاصرة (لوحة من النسخة الماضية فيسبوك)
TT

فنانات عالميات يتصدرن النسخة السادسة من «الأبد هو الآن»

«الأبد هو الآن» يربط الحضارة بالفنون المعاصرة (لوحة من النسخة الماضية فيسبوك)
«الأبد هو الآن» يربط الحضارة بالفنون المعاصرة (لوحة من النسخة الماضية فيسبوك)

في قلب واحدة من أشهر المناطق الأثرية في العالم، وتحت سفح أهرامات الجيزة، يعود معرض «الأبد هو الآن» في نسخته السادسة، بمشاركة عالمية تتصدرها الفنانات، إلى جانب عدد من الفنانين، من دول عدة، من بينها فرنسا، وأميركا، والصين، وبريطانيا، وجامايكا، ومصر.

وينطلق المعرض، الذي تنظمه مؤسسة «آرت دي إيجيبت»، في الفترة من 4 إلى 28 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026 بمنطقة الأهرامات، مواصلاً مهمته في الجمع بين الفن المعاصر وأحد أعظم المعالم الحضارية التي عرفتها الإنسانية. وتضم النسخة الجديدة ممارسات فنية فرنسية، وأميركية، وصينية، وبريطانية – جامايكية، ومصرية.

ويدعو «الأبد هو الآن» الفنانات الفنانين المشاركين إلى التأمل في عظمة الحضارة المصرية القديمة، التي تعود آثارها إلى نحو 4500 عام، من منظور الممارسة الفنية المعاصرة، وفق بيان للمنظمين، رابطاً بذلك بين القيمة الحضارية للمكان والرؤى والأفكار المتنوعة التي يقدمها المشاركون.

وحسب البيان، أصبح «الأبد هو الآن» «أول وأكبر معرض للفن المعاصر من نوعه يُقام عند أهرامات الجيزة»، محولاً الموقع التاريخي إلى منصة للتبادل الثقافي العالمي والابتكار الفني.

جانب من أعمال «الأبد هو الآن» في نسخته الماضية (فيسبوك)

وتستكشف النسخة السادسة العلاقة الممتدة بين الإنسان والعمارة والعالم الطبيعي، مستلهمة الدقة الهندسية اللافتة للأهرامات ومحاذاتها الفلكية وأهميتها التاريخية. ومن خلال أعمال فنية مصممة خصيصاً للموقع وأخرى معاصرة ضخمة، يتأمل الفنانون المشاركون موضوعات الاستمرارية والنظام المكاني والذاكرة الثقافية والعلاقة بين الماضي والحاضر.

ويتعامل المعرض مع هضبة الجيزة بوصفها موقعاً أثرياً ومشهداً ثقافياً حياً يواصل إلهام البحث الفني والخيال المعاصر. ومن خلال دمج الخامات والتقنيات الحديثة مع إشارات إلى الهندسة المقدسة وعلم الكونيات والحرفية التقليدية، يسلط الضوء على استمرار تأثير أنظمة المعرفة التاريخية في الفكر والتعبير الإبداعي المعاصرين.

وأشارت نادين عبد الغفار، مؤسسة «آرت دي إيجيبت»، إلى أن المؤسسة تستعد هذا العام لإقامة 4 معارض في مواقع مختلفة بمصر، بعضها يحتضن آثاراً تعود إلى آلاف السنين، في حين يُنظَّم بعضها الآخر في وسط القاهرة الخديوية.

وأضافت، في مقطع فيديو نشرته صفحة المؤسسة، أن البرنامج يتضمن إقامة معارض داخل مبانٍ تحولت إلى مساحات فنية، بالتعاون مع شركة الإسماعيلية، إلى جانب معرض في بيت السحيمي بشارع المعز، يركز على الفنون التقليدية والحرف اليدوية، بمشاركة مصممين مصريين وأجانب.

من أعمال الفنان يوسف نبيل نشرتها صفحة المنظمين (آرت دي إيجيبت على فيسبوك)

كما تعمل المؤسسة على استضافة معرض في المتحف المصري بميدان التحرير، يقوم على حوار بين الفنانين والمصممين والقطع الأثرية التي يضمها المتحف، قبل أن تختتم نشاطها السنوي بمعرض «الأبد هو الآن» تحت سفح الأهرامات.

وكانت المؤسسة قد أعلنت العام الماضي تغيير موعد انطلاق النسخة الخامسة من «الأبد هو الآن»، لتقام في الفترة من 11 نوفمبر إلى 6 ديسمبر (كانون الأول) 2025، بالتزامن مع افتتاح المتحف المصري الكبير في الأول من نوفمبر. وشارك في تلك النسخة 10 فنانين من دول مختلفة، قدموا أعمالاً مجسمة وتركيبات فنية ملائمة للعرض في الأماكن المفتوحة.

ووفق «آرت دي إيجيبت»، استقطب «الأبد هو الآن»، منذ انطلاقه، فنانين معروفين عالمياً وجمهوراً من مختلف أنحاء العالم، مؤكداً البعد الإنساني الشامل للإرث الثقافي المصري.