ظاهرة التنمّر على المظهر تنتشر... والمشاهير يتصدّون لها

شابة تروي ل"الشرق الأوسط" كيف واجهت السخرية من وزنها

المغنيتان الأميركيتان أريانا غراندي وسيلينا غوميز (إنستغرام)
المغنيتان الأميركيتان أريانا غراندي وسيلينا غوميز (إنستغرام)
TT

ظاهرة التنمّر على المظهر تنتشر... والمشاهير يتصدّون لها

المغنيتان الأميركيتان أريانا غراندي وسيلينا غوميز (إنستغرام)
المغنيتان الأميركيتان أريانا غراندي وسيلينا غوميز (إنستغرام)

«لماذا سمنت كثيراً؟»، «أنتِ نحيفة كقشّة»، «أنفك بحاجة إلى جراحة تجميل»، «كم هو قصير القامة»... كلها عباراتٌ تدخل في قاموس يوميات الناس، لكنها خارجة من قاموس «تعيير الآخر بجسده (body shaming)».
أصبحت هذه الظاهرة أكثر شيوعاً بفعل الاستخدام المفرط لوسائل التواصل الاجتماعي، وسطوة ثقافة الشكل الخارجي، كما لو أن الاختباء خلف شاشة الهاتف أو الكومبيوتر، يبيح لأي شخص انتقاد الآخرين وإهانتهم والتجريح بأشكالهم والسخرية من أوزانهم وملامحهم.
من أريانا غراندي إلى ميرفت أمين
المشاهير والفنانون هم الأكثر عرضة لهذا النوع من الهجوم. يعرّضهم حضورهم الدائم تحت الضوء لكمّ هائل من التنمّر، لكنّ وعي معظمهم ببشاعة تلك الظاهرة بات يدفع بهم لفضح المتنمرين. هذا ما فعلته مؤخراً المغنية العالمية أريانا غراندي، عندما نشرت فيديو رداً على التعليقات التي تلقّتها بسبب خسارة كبيرة في وزنها. دعت الناس إلى أن يكونوا لطفاء بعضهم مع بعض؛ «لأنكم لا تعلمون بأي محنة يمرّ الشخص الآخر»، وفق ما قالت.

لم تسلم زميلتها سيلينا غوميز من الهجوم على وزنها الزائد، وردّت بالقول إنها ليست عارضة أزياء. ومنذ ما تعرضت له من تعيير، واظبت الفنانة الأميركية على نشر صور لها من دون مساحيق تجميل، ولا تخفي كيلوغراماتها الزائدة. بالشجاعة نفسها؛ ردّت فنانات مثل ليدي غاغا، وجنيفر أنيستون، وأديل، وريهانا على حملات السخرية التي واجهنها بسبب أوزانهنّ.
تتعرّض النساء أكثر من الرجال للسخرية من مظهرهنّ، وما عدد الفنانات ضحايا التنمّر سوى دليل على ذلك. من العالم العربي كانت الممثلة المصرية ميرفت أمين أحدث الضحايا، فهي عُيّرت بسبب ملامح تقدّمها في السن، إضافةً إلى المطربة شيرين التي هوجمت بسبب اكتسابها وزناً إضافياً. لكن ما الذي يبيح لشخصٍ جَلْدَ شخصٍ آخر بسبب صورة لم تَرُق له مثلاً، كما حدث مؤخراً مع الفنانة اللبنانية هيفاء وهبي؟


واظبت سيلينا غوميز منذ فترة على نشر صور لها من دون مساحيق تجميل (إنستغرام)
حكاية نانسي…
لا تجد المعالجة النفسية يارا بصيبص دافعاً محدداً لهذا النوع من التصرّفات، سوى أن «الشخص الساخر يعاني من صعوبات في حب نفسه، وهو غالباً ما يكون عدائياً». بصيبص، التي تتابع حالات كهذه في جلساتها العياديّة، تشير لـ«الشرق الأوسط» إلى أنها تلاحظ «ازدياداً في عدد الأطفال والمراهقين الذين يسخرون من شكل الآخرين في المدرسة» ووفق تشخيصها، فإن «المتنمّر يعاني من انعدام الأمان، وعندما يسخر من الآخر يشعر بأنه أهم وأكبر قيمة منه».
في المدرسة، بدأت معاناة «نانسي» مع تعييرها بجسدها: «إنتِ ناصحة»، و«رح تتفتّق تيابك عليكِ»، و«ليه صايرة قد البقرة؟»، و«ما حدا رح يتزوّجك»... وغيرها من التعليقات التي كانت تسمعها يومياً من زملاء الصف والأقرباء. تخبر الشابة الثلاثينية «الشرق الأوسط» أن أخطر ما بين تلك العبارات كانت «خبّئوا الطعام عنها»، وهذا ما دفع بها إلى «الأكل العاطفي (emotional eating)» فيما يشبه النكاية. حتى عندما حاولت استثمار موهبتها في كرة السلّة، سمعت كلاماً مؤذياً على غرار: «ليك هيدي الناصحة بتركض وبتلعب (باسكت بول basket ball)».
وصل وزن نانسي إلى 108 كيلوغرامات، لكنها تؤكد أنها لم تكترث للتجريح. كان جوابها الدائم: «لا علاقة لكم بما آكل. هذه حياتي وأنا حرة بها». تعلّق بصيبص بالقول إنه «لا يكفي أن تتمتع ضحية التنمّر بالثقة بالنفس حتى تحمي نفسها، فثمة ما هو أقوى، كالضغوط الاجتماعية، ونظرة الأقرباء والمحيطين، وسطوة الصورة التي تروّجها وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي».


عانت نانسي لسنوات طويلة من التنمّر بسبب وزنها الزائد (إنستغرام)
تحذّر الاختصاصية النفسية من المعايير الجماليّة الموحّدة التي تفرضها السوشال ميديا، والتي تمنع الفرد من تقبّل نفسه كما هي. تقول: «يحاولون التماهي مع الصور التي يرون، من دون أن يعوا أنّ لكل شخص جماله الذي يميّزه عن الآخر». وتضيف أن «الأطفال والمراهقين هم إجمالاً حساسون أكثر من البالغين تجاه تلك العوامل، خصوصاً أنهم غير مهيّئين للدفاع عن أنفسهم».
لم تفتح نانسي قلبها لأحد حول ما تعرّضت له؛ «شعرت بأن الجميع سيسخر مني»، تقول. مع مرور الوقت، جوبهت بمزيد من السخرية: «حتى عندما كانوا يتعاملون معي على أنني سيدة المهام الصعبة بسبب بنيتي الجسدية، وحتى عندما كانوا يقولون لي إن وزني الزائد يمنحني خفة ظل، اعتبرتُ هذا شكلاً من أشكال التنمّر». أما ارتداؤها ملابس واسعة وشبيهة بثياب الرجال لإخفاء وزنها، فجعلها تُرشَق بعبارة «حسَن صبي».
تشدّد بصيبص على ضرورة التمييز بين شكل الشخص الواقعي، والصورة أو الفكرة التي يكوّنها عن شكله. تشرح أن هذه «الصورة محكومة بانطباع الفرد عن جسده ليس في عينيه فحسب؛ بل في عيون الآخرين». وتحذّر بأن «السخرية من الوزن أو لون البشرة أو المظهر عموماً، يمكن أن تتسبب في اختلال في الصورة التي يكوّنها الفرد عن نفسه». وتوضح في هذا السياق كيف أن «أشخاصاً يتمتعون بجسد مرسوم جيداً وفق أعراف المجتمع، يمكن أن يكوّنوا صورة سيئة عن شكلهم إذا ما كانوا عرضة للتقليل من قيمتهم أو لتعنيفٍ لفظي من الأقرباء والمحيطين بهم».
أحد أسباب انتحار المراهقين
تؤكد نانسي أنها لا تحقد اليوم على أحد ممن تنمّروا على شكلها. تقول: «تصالحت مع الموضوع وبتُّ مقتنعة بأن الكل متنمِر ومتنمَر عليه في مكانٍ ما، مهما كان شكله. ثم إن بعض ما سمعت كان ربما من باب القلق على صحتي».
في المقابل، هي لا تخفي أن ما تعرضت له من تعيير منذ الطفولة، مروراً بالمراهقة، وصولاً إلى سن الثلاثين، كان أحد الدوافع وراء خضوعها لجراحة ربط المعدة (ring)، إلى جانب الأسباب الصحية كآلام الظهر والصعوبة في التنفّس.


خضعت نانسي لعملية ربط المعدة وخسرت حوالي خمسين كيلوغراماً (الشرق الأوسط)
وفق رأي المعالجة النفسية، فإن المتابعة العيادية لا تقتصر على ضحية التنمّر، بل يجب أن تمتدّ إلى المتنمّر «كي يتعرف على حدوده ويتعلم احترام الآخر، وإلا فإن صحته النفسية معرّضة للخطر». ترى بصيبص أن ما يصدر من كلام جارح وتعيير بالجسد غالباً ما يكون محكوماً من اللاوعي، «لذلك؛ فإن العلاج يركّز على توعية الطفل أو المراهق بالسبب الذي يدفع به إلى جرح الآخر. خلال هذه الجلسات، يتعلّم الشخص أن يتعرف على مشاعره ويسمّيها».
يتكامل ذلك مع الجوّ العائلي الصحي ووعي الأهل، الذين «يجب أن يعلّموا الولد أن يحب جسده كما هو»، وفق بصيبص. وإلا؛ فإن العواقب قد تأتي ثقيلة على ضحايا «التعيير بالجسد (body shaming)»، وهي تتراوح بين فقدان الثقة بالنفس والانتحار، مروراً بالقلق الاجتماعي، والاضطرابات في الطعام، والاكتئاب. وقد أظهرت الدراسات أن التعرّض للسخرية من الشكل، هو رابع سبب للانتحار في صفوف من تتراوح أعمارهم بين 15 و19 عاماً.


مقالات ذات صلة

«الأعلى للإعلام» بمصر يوصي بعدم تداول الخلافات الأسرية

يوميات الشرق المجلس الأعلى للإعلام يعلن إجراءات لضبط الأداء الإعلامي (فيسبوك)

«الأعلى للإعلام» بمصر يوصي بعدم تداول الخلافات الأسرية

طالب المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في مصر المؤسسات والوسائل الإعلامية والصحافية والمنصات الرقمية بعدم تداول أو إتاحة أو مناقشة أي محتوى عن الخلافات الأسرية.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات في مصر (فيسبوك)

إجراءات مصرية لحماية الأطفال من مخاطر منصات «التواصل»

أعلن المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام والجهاز القومي لتنظيم الاتصالات بمصر عن اتخاذ إجراءات لحماية الأطفال والنشء من مخاطر منصات التواصل الاجتماعي.

محمد الكفراوي (القاهرة )
إعلام إتاحة التحكم بالخوارزميات لمستخدمي «التواصل» تفتح باب التساؤلات

إتاحة التحكم بالخوارزميات لمستخدمي «التواصل» تفتح باب التساؤلات

طرحت الحكومة الأسترالية خطة لجعل خوارزميات مواقع التواصل الاجتماعي خياراً اختيارياً وهو ما قد يمنح المستخدمين تحكماً أكبر في المحتوى الذي يظهر أمامهم في صفحاتهم

إيمان مبروك (القاهرة)
يوميات الشرق لقطة من المقطع المتداول لاعتداء سيدة على فرد أمن كمبوند (إكس)

تكرار الاعتداء على «أفراد أمن» منتجعات سكنية فاخرة يثير تساؤلات بمصر

أعادت واقعة اعتداء سيدة على موظف أمن إداري داخل أحد التجمعات السكنية الفاخرة بمحافظة الجيزة تساؤلات تتعلق بالتعالي الطبقي.

منى أبو النصر (القاهرة)
شمال افريقيا وزير الدولة للإعلام ضياء رشوان يستعرض مهام وزارته أمام رئيس الوزراء مصطفى مدبولي في اجتماع سابق (مجلس الوزراء المصري)

«الإعلام المصرية» تلوّح بالقضاء في مواجهة «استخدامات سلبية» لمواقع التواصل

لوّحت وزارة الدولة للإعلام المصرية باللجوء إلى الجهات القضائية للتعامل مع المخالفات «التي تهدد أمن المجتمع جراء نشر معلومات مضللة عبر مواقع التواصل الاجتماعي».

أحمد جمال (القاهرة)

«شجرة ذهبية» في قاع المحيط تتحدَّى التصنيفات العلمية

لقطة من فيديو يُظهر غابة المرجان الذهبي خلال غوص «سوباستيان»
لقطة من فيديو يُظهر غابة المرجان الذهبي خلال غوص «سوباستيان»
TT

«شجرة ذهبية» في قاع المحيط تتحدَّى التصنيفات العلمية

لقطة من فيديو يُظهر غابة المرجان الذهبي خلال غوص «سوباستيان»
لقطة من فيديو يُظهر غابة المرجان الذهبي خلال غوص «سوباستيان»

في الأعماق التي يخفت فيها الضوء في شرق المحيط الهادئ، قبالة سواحل كوستاريكا، رصدت المركبة تحت المائية «سوباستيان» مرجاناً أصفر زاهياً يشبه شجرة ذهبية، ترتفع فروعها فوق بساط كثيف من نجوم البحر الهشَّة الوردية.

هذا الكائن نوع من المرجان ثماني الأشعة، غير مألوف إلى حدّ استدعى إنشاء فصيلة جديدة لتصنيفه.

ووفقاً لموقع «ساينس ألرت» (ScienceAlert)، أطلق عليه باحثون بقيادة أوداليسكا بريدي، من جامعة كوستاريكا، اسم «Laurinque elenya»، المشتق من «كوينيا»، لغة الإلف لدى تولكين، ويعني «شجرة النجوم الذهبية». وقد نُشر البحث في دورية «زووكيز» (ZooKeys).

والمرجان، رغم تشابه كثير من أنواعه مع النباتات، ينتمي إلى الحيوانات. وتضم مجموعة المرجان ثماني الأشعة أكثر من 3000 نوع، وقد سُمِّيت هذه المجموعة نسبة إلى التناظر الثماني للبوليبات الصغيرة التي تصطف على فروعها.

عُثر على المرجان الجديد على أعماق تتراوح بين 360 و529 متراً، خلال عمليات غوص في عامَي 2019 و2023. ويمكن أن يتجاوز ارتفاع مستعمراته متراً واحداً، وأن يصل عرضها إلى 1.2 متر.

وتتميّز المستعمرات بكثافة تفرُّعاتها وبوليباتها الطويلة على نحو غير معتاد؛ وهذه البوليبات هي الحيوانات الصغيرة التي تتكوَّن منها المستعمرة.

وتستطيع هذه البوليبات الانكماش جزئياً داخل الفروع، فيما تتخذ التراكيب الهيكلية المجهرية الداعمة للمرجان، المعروفة باسم «الصُّليبات»، أشكالاً مميّزة. وجعل اجتماع هذه السمات إلحاقه بأي فصيلة معروفة أمراً صعباً.

وزادت نتائج تحليل حمضه النووي اللغز تعقيداً؛ فقد حلَّل الباحثون 3 واسمات جينية، وقارنوا تسلسلاتها بتسلسلات من أنواع أخرى من المرجان ثماني الأشعة. لكن تحليل جينَين من جينات «الميتوكوندريا» أشار إلى فصيلتَين مختلفتَين: «Incrustatidae»، و«Eunicellidae». ولم يحسم الواسم الثالث، وهو الحمض النووي الريبوسومي، الأمر.

وبعد سنوات من الحيرة، جمع الباحثون عيِّنات جديدة وحلَّلوا مئات المناطق الجينية، فتبيَّن أن المرجان وثيق الصلة بفصيلة «Eunicellidae»، لكنه متميِّز عنها، ليصبح أول عضو معروف في الفصيلة الجديدة «Laurinqueidae».

وقالت بريدي إن جمال حديقة المرجان التي رأتها للمرة الأولى عام 2019 ألهم لاحقاً الاسم المستمد من لغة الإلف. وأوضحت أنها اعتقدت في البداية أن النوع ينتمي إلى فصيلة وأجناس معروفة، لكن التحليل الأوَّلي لشكله وبنيته أظهر سمات مختلفة تماماً، لم تتمكَّن من مطابقتها مع المجموعات التصنيفية المعروفة. وأتاحت العيِّنات الإضافية والتحليلات الجزيئية الشاملة تحديد موقعه التصنيفي.

وتنمو حدائق المرجان الذهبي في مياه ذات مستويات أكسجين منخفضة للغاية، تتراوح حرارتها بين 8 و11 درجة مئوية. ورغم صعوبة هذه الظروف على كثير من الحيوانات، يشكّل المرجان غابات متشعّبة فوق قاع تكاد نجوم البحر الهشّة تحجبه بالكامل.

وتوفِّر تراكيب هذه الحدائق المعقّدة ثلاثية الأبعاد أماكن للاحتماء والتغذِّي والازدهار لحيوانات أخرى، ممَّا يدعم التنوع الحيوي في أعماق المحيط.

وقد لا يقتصر وجود هذا المرجان على كوستاريكا؛ إذ أورد الباحثون مشاهدات محتملة له قبالة بنما، وجزر غالاباغوس، لكنها لم تُؤكَّد بعد.


يزرع الغيرة والاستياء بين الإخوة... احذروا هذا الخطأ التربوي الشائع

لماذا تتحول الأدوار التي يعطيها الأهل لأبنائهم مصدراً للغيرة والاستياء؟ (بكسلز)
لماذا تتحول الأدوار التي يعطيها الأهل لأبنائهم مصدراً للغيرة والاستياء؟ (بكسلز)
TT

يزرع الغيرة والاستياء بين الإخوة... احذروا هذا الخطأ التربوي الشائع

لماذا تتحول الأدوار التي يعطيها الأهل لأبنائهم مصدراً للغيرة والاستياء؟ (بكسلز)
لماذا تتحول الأدوار التي يعطيها الأهل لأبنائهم مصدراً للغيرة والاستياء؟ (بكسلز)

يتذكر رود ميتشل، اختصاصي علم النفس المسجل والمدير السريري في مركز «إيموشنز ثيرابي كالغاري»، موقفاً من طفولته عندما كان في التاسعة من عمره، وأمضى فترة ما بعد الظهر كاملةً في بناء برج من مكعبات «ليغو». وعندما حاولت شقيقته، البالغة سبع سنوات، الإمساك بالبرج، استرده منها، فسقطت قطعة وبدأت بالبكاء. لكن والديهما لم يسألا عما حدث، بل قالا له: «أنت الأكبر سناً، وكان ينبغي أن تتصرف أفضل من ذلك».

وقال ميتشل إنه يتذكر غضبه لأنه شعر بأنه عومل بظلم، مضيفاً أن الموقف علّمه أن دموع شقيقته دليل على ما حدث، فيما لا تحظى روايته بالقدر نفسه من الاهتمام.

فقد يعتقد الأهل أنهم يعلّمون أبناءهم المسؤولية أو كيفية التعامل مع الآخرين، لكنهم قد يوزعون عليهم، من دون قصد، أدواراً محددة داخل الأسرة. ومع تكرار التوقعات نفسها تجاه طفل بعينه، قد تتأثر نظرته إلى نفسه وإلى إخوته، وتستمر آثار هذه الأدوار حتى مرحلة البلوغ، وفق تقرير نشره موقع «هاف بوست».

ما الأدوار التي قد يتولاها الأبناء داخل الأسرة؟

تتشكل داخل الأسر أدوار مألوفة، مثل الابن المسؤول، أو مقدم الرعاية، أو الوسيط الذي يحاول تهدئة الخلافات، أو الطفل المتمرد، أو الذي يتجنب التسبب في مزيد من التوتر.

وقالت إميلي ويت، المديرة السريرية لمركز «كينكوف» للصحة النفسية والعافية، إن هذه الأدوار تنشأ عادة نتيجة اختلاف الشخصيات وترتيب الميلاد والضغوط الأسرية وطريقة تعامل الأهل مع كل طفل.

ومن الأنماط الشائعة أن يصبح أحد الأبناء «مشكلة» الأسرة، فيما يُنظر إلى آخر باعتباره الطفل السهل أو الذي يسيطر على أموره. وقد يحصل الطفل الذي يُعتقد أنه بخير على اهتمام ودعم أقل؛ لأن الأهل يفترضون أنه لا يحتاج إليهما.

كيف تعزز عبارات الأهل هذه الأدوار؟

قد يتساهل الأهل مع الطفل الأصغر بسبب سنه، فيما يطالبون الأكبر بالتنازل خلال الخلافات، بعبارات مثل: «أنت أكثر نضجاً من أخيك، ولذلك عليك تجاوز الأمر».

وقالت ويت إن هذه الكلمات، رغم أنها قد تبدو مديحاً، يمكن أن توصل إلى الطفل رسالة مفادها أن مشاعره واحتياجاته أقل أهمية؛ لأنه يُتوقع منه دائماً أن يكون أكثر تفهماً.

ويتذكر ميتشل أن والديه كانا يقولان له: «نتوقع منك الأفضل»، و«شقيقتك تراقبك»، ما جعله يشعر بأن سلوكه لا يخصه وحده، بل يمثل نموذجاً يُقيَّم على أساس ما يعلّمه لشقيقته.

وقد يحمّل الأهل الابن الأكبر مسؤوليات تفوق قدرته، مثل التأكد من استعداد شقيقه للمدرسة أو إنجاز واجباته. وتوضح ويت أن المشكلة تبدأ عندما يشعر الطفل بأنه مسؤول عن ضبط سلوك شقيقه أو حمايته أو ضمان اتخاذه قرارات جيدة، على حساب احتياجاته وراحته. عندها، لا يعود مجرد أخ أكبر يساعد شقيقه، بل يوضع في موقع الوالد.

لماذا تتحول الأدوار إلى مصدر للغيرة والاستياء؟

يرى الخبراء أن مقارنة الأبناء بعضهم ببعض قد تثير الغضب والخوف والغيرة. وقال رافي بيليك، المعالج الأسري ومدير مركز بالتيمور للعلاج، إن اعتبار أحد الأبناء الطفل المفضل أو الأكثر مسؤولية، ووصف الآخر بصفات سلبية، يخلق منافسة بينهما على حب الوالدين واهتمامهما.

وقد يستاء أحد الأشقاء من اضطراره الدائم إلى رعاية الآخرين، فيما يشعر آخر بأنه وُصف ظلماً بأنه مصدر المشكلات. وأضاف بيليك أن كل طفل قد يعتقد أن شقيقه اختار دوره واستفاد منه، ما يمهد لمرارة قد تستمر سنوات.

ولا تختفي هذه الأنماط بالضرورة مع البلوغ أو الابتعاد عن منزل الأسرة. فقد يستمر الأشقاء في التعامل وفق الأدوار القديمة، وتعيد التجمعات العائلية إحياء الخلافات والجروح السابقة.

علامات تكشف أن الأهل يرسخون أدواراً غير عادلة

من المؤشرات التي تستحق الانتباه أن يعرف الأهل أي طفل سيلومونه قبل أن يسألوا عما حدث. كما قد تكشف عبارات مثل «كالعادة» و«هذا ما تفعله دائماً» عن ترسخ صورة معينة عن أحد الأبناء.

وقال ميتشل إن وصف الطفل لنفسه بأنه «السيئ»، أو وصفه شقيقه بأنه «الذكي»، قد يشير إلى أنه استبطن الأدوار التي أُلصقت بهما.

كيف يساعد الأهل أبناءهم على تغيير هذه الأدوار؟

يؤكد الخبراء أن تغيير الأنماط ممكن، حتى عندما تكون قد ترسخت لسنوات. وينصح ميتشل بأن يعترف الأهل بالمشكلة بوضوح، كأن يقولوا: «لقد عاملناك باعتبارك الطفل المسؤول، وعاملناك أنت باعتبارك الطفل المشاغب. لم يكن ذلك عادلاً، وسنغيّر هذا الأمر».

كما يقترح تخفيف المسؤوليات المعتادة عن الطفل الذي يتولى رعاية إخوته، وإسناد مهمة محددة إلى الطفل الآخر، مثل إطعام الحيوان الأليف أو اختيار فيلم للعائلة، لإظهار أن الأدوار قابلة للتغيير.

وأخيراً، ينصح ميتشل الأهل بمدح الجهد بدلاً من تثبيت صفات دائمة في شخصية الطفل. فبدلاً من قول «أنت طفلي المسؤول»، يمكن القول: «لقد بذلت جهداً كبيراً». كما يدعو إلى استبدال عبارة «أنت الأخ الأكبر، وكان ينبغي أن تعرف أفضل من ذلك» بعبارة تركز على السلوك نفسه: «أنت تعرف قاعدتنا بشأن أخذ الأشياء من الآخرين، وأريد منك الالتزام بها».

ويمكن للأهل تعليم أبنائهم المسؤولية من دون تحميل الأكبر منهم عبئاً إضافياً لمجرد أنه الأكبر سناً.


الغموض يحيط بمدفن الأديبة مي زيادة في القاهرة

مي زيادة الأديبة الفلسطينية اللبنانية (أرشيفية)
مي زيادة الأديبة الفلسطينية اللبنانية (أرشيفية)
TT

الغموض يحيط بمدفن الأديبة مي زيادة في القاهرة

مي زيادة الأديبة الفلسطينية اللبنانية (أرشيفية)
مي زيادة الأديبة الفلسطينية اللبنانية (أرشيفية)

حالة من الغموض تحيط بمدفن الأديبة اللبنانية من أصل فلسطيني مي زيادة «1886-1941» بعد إعلان باحث مصري في شؤون المقابر والجبانات عن اختفائه من موقعه في مدافن الطائفة المارونية.

وكان الباحث في شؤون الجبانات والمقابر إبراهيم طايع أعلن عن اختفاء المقبرة، مشيراً على صفحته بـ«فيسبوك» إلى أنه كان في زيارة هناك، ولم يجد لها أثراً، وقال طايع: «المعروف أن مي زيادة توفيت في القاهرة، وخرجت جنازتها من مستشفى المعادي في 17 أكتوبر (تشرين الأول) سنة 1941م ودفنت في مقابر الطائفة المارونية»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أنه «زار القبر أكثر من مرة، وقام بتصويره، وهو مدفن بسيط مرتفع عن الأرض، وموضوع عليه رخامة مكتوب عليها: الأديبة مي زيادة... نابغة الشرق، وعليه تاريخ وفاتها».

ويضيف طايع: «في الأيام الماضية حين دخلنا المقابر الخاصة بالطائفة المارونية، لم نجد أثراً لقبر مي ولا توجد رخامة، وكان مكانها رخامة بديلة دون كتابات أدت إلى تغيير شكل القبر تماماً، اختفى القبر كأن المكان لم يكن فيه مدفن من قبل».

وتساءل طايع أين اختفى قبر مي زيادة ومن فعل هذا؟ وما مصير رفاتها؟ وتابع: «حين توجهنا بهذه الأسئلة لبعض المسؤولين عن مقابر الجاليات أخبرونا أن بعض المدافن، عندما تمر عليها سنوات طويلة دون أن يسأل أحد عنها، تتم إزالتها وإعادة استخدام المكان لدفن موتى آخرين، لكن هل ينطبق هذا على مي زيادة، صاحبة الصالون الأدبي الشهير، التي اجتمع حولها كبار أدباء ومثقفي عصرها، وقال عنها أحمد شوقي: (إذا نطقت صبا عقلي إليها، وإن بسمت إليَّ صبا جناني)، ووصفها الشيخ مصطفى عبد الرازق بأنها: رائدة النهضة النسوية في الشرق».

شاهد قبر قديم لمي زيادة (الباحث إبراهيم طايع)

من جهته، قال ميشيل حنا الأديب والباحث في عمارة القاهرة، «إن قبر مي زيادة كان موجودا في خانة في الحائط، وإنه زارها منذ عامين، كان القبر هناك، لكن هذا المدفن لم يكن أول مكان دفنت به، كان هناك مدفن آخر لها، لكن رفاتها نقل إلى مكانها الذي رأيت المقبرة به آخر مرة»، ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «هي عادة يلجأ لها المسؤول عن المقابر عندما يجد مكاناً ليس له صاحب ولا يسأل عنه أحد فيقوم بنقل الرفات لإعادة وضع متوفى جديد».

كان لمي في الأصل مدفن خاص بها، حسب قول ميشيل حنا، لكنها نقلت بعد ذلك لمربع في الجدار، وتساءل: «لا أعرف كيف يحدث هذا مع شخصية مثل مي؟ فهي أديبة، وكاتبة، ومترجمة، وشاعرة مهمة، وتُعد واحدة من أبرز رائدات النهضة الأدبية والعمل النسوي في العالم العربي خلال النصف الأول من القرن العشرين».

مي مع والدتها في الناصرة (من الباحث إبراهيم طايع)

من جانبه، قال الأب نبيل رفُّول مسؤول الطائفة المارونية بالقاهرة لـ«الشرق الأوسط» إنهم لا يعلمون شيئاً عن اختفاء مدفن مي زيادة «فقد كان موجوداً بالفعل»، ويضيف رفُّول أن «هناك قضية مقامة ضد حارس المدافن بعد أن اكتشفنا أنه يتم العبث بها، فهو يدعي أنه ورثها عن جده»، ويضيف رفُّول أن «الطائفة المارونية في انتظار كلمة القضاء في هذا الشأن».

ولدت مي زيادة في مدينة الناصرة بفلسطين لأب لبناني وأم فلسطينية، وانتقلت لاحقاً مع عائلتها إلى مصر واستقرت في القاهرة حيث درست في جامعة القاهرة، واشتهرت بثقافتها الواسعة وإتقانها لعدة لغات أجنبية، وأنشأت صالونها الأدبي الأسبوعي الشهير في القاهرة، الذي كان ملتقى لكبار أدباء ومفكري العصر، مثل أحمد لطفي السيد، وخليل مطران، وعباس محمود العقاد، وطه حسين، ومصطفى صادق الرافعي.