المناورات العسكرية الإسرائيلية ـ الأميركية توجّه رسائل إلى «الجيران» والداخل

هم الهموم في تل أبيب وواشنطن صمود التعاون الاستراتيجي إبان حكم نتنياهو

نتنياهو محتفلاً بفوزه الانتخابي وبجانبه زوجته سارة (أ.ف.ب)
نتنياهو محتفلاً بفوزه الانتخابي وبجانبه زوجته سارة (أ.ف.ب)
TT

المناورات العسكرية الإسرائيلية ـ الأميركية توجّه رسائل إلى «الجيران» والداخل

نتنياهو محتفلاً بفوزه الانتخابي وبجانبه زوجته سارة (أ.ف.ب)
نتنياهو محتفلاً بفوزه الانتخابي وبجانبه زوجته سارة (أ.ف.ب)

بعدما اختتم الجيشان الإسرائيلي والأميركي، قبل عشرة أيام، مناورات عسكرية تحاكي «هجوماً على المنشآت النووية الإيرانية»، ضمن الاستراتيجية المعلنة «منع إيران من أن تصبح دولة ذات قدرة نووية»، جلس الجنرالات من الطرفين لاستخلاص النتائج. ما لم يُقل في الجلسات الرسمية، ارتفع وبقوة خلال استراحة شرب القهوة. وهنا تردد كثيراً اسم بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي المكلف. ومع أن جميع القادة العسكريين بدوا مقتنعين بأن العلاقات الاستراتيجية بين الطرفين راسخة وثابتة، بغض النظر عن هوية القيادات السياسية، فإنهم اعتبروا عودة نتنياهو إلى الحكم هو «هم الهموم». بل إنه بمثابة تحد جديد قديم. فهم لم ينسوا الفترة العصيبة، التي مروا بها خلال فترتي حكم الرئيس الأميركي باراك أوباما اللتين اتسمتا بخلافات علنية بين القيادتين السياسية، وتلاحم تظاهري بين القيادتين العسكريتين في تل أبيب وواشنطن. بعضهم كانوا في ذلك الوقت أيضاً من كبار الضباط، وخاضوا مع قادتهم ذلك التحدي: «كيف تحافظ على التعاون الاستراتيجي وثيقاً وراسخاً، رغم الخلافات السياسية». وهذه خلافات قد تنفجر في السنتين المقبلتين على الأقل، وثمة يوجد احتمال بأن تمتد إلى ست سنوات، في حال أعيد انتخاب الرئيس الأميركي الحالي جو بايدن وصمد نتنياهو في الحكم. وحسب الجنرالات الإسرائيليين، فإن الأسئلة نفسها التي طرحها الجنرالات الأميركيون، سمعوها أيضاً من الجنرالات الفرنسيين خلال المناورات التي أجريت خلال الأسبوع الأخير، ومن الجنرالات اليابانيين، الذين جاءوا لإبرام صفقات أسلحة واتفاقيات تعاون استراتيجي، وغيرهم من القادة العسكريين في دول الغرب والشرق الأوسط.
مع أن المناورات - أو التمارين - العسكرية الإسرائيلية - الأميركية العلنية على مواجهة التهديد الإيراني، كانت مقررة سلفاً قبل عدة شهور، وتأتي في إطار نشاط الجيش الإسرائيلي والقيادة الوسطى للجيش الأميركي في الشرق الأوسط، فرض الواقع السياسي الإسرائيلي الجديد نفسه عليها. ذلك أن حكومة يائير لبيد ونفتالي بينيت، التي أدارت سياسة انسجام مع الإدارة الأميركية في مواجهة النووي الإيراني، قد أبدلت. وخلال الأسابيع المقبلة ستأتي حكومة أخرى ذات رؤية مختلفة، ورئيسها بنيامين نتنياهو، زعيم تكتل «الليكود»، يواجَه بكثير من التحفّظات في أروقة البيت الأبيض. وفقط، قبل الانتخابات الإسرائيلية بأيام، هاجم نتنياهو سياسة الرئيس بايدن تجاه إيران، وذكره بأيام الخلافات في عهد أوباما.

ثلاث دوائر جغرافية
مع هذا، أصرت القيادتان على المضي ببرنامج المناورات كما هو، وأعلنتا أنه أنجزت خلاله عمليات كثيرة مشتركة، تحاكي عدة سيناريوهات حربية كبيرة تريد إسرائيل أن تكون هناك شراكة أميركية فيها. ولقد حاولت «الشرق الأوسط» معرفة ماهية هذه الشراكة وما هو مداها. وبدا من بيانات الجيش الإسرائيلي، أنه أجرى عدة مناورات لمحاربة إيران وحده، حتى الآن. وأن المناورات الأخيرة كانت عبارة عن «تدريب إسرائيلي» بالأساس، شاركت فيه القوات الأميركية في مرحلة لاحقة وبشكل محدود لكنه استراتيجي. وكان «التدريب» لسلاح الجو (الإسرائيلي) على خطة «عمليات حربية بعيدة المدى»، في ثلاث دوائر جغرافية، ترافقت مع تدريب واسع أجرته شعبة الاستخبارات العسكرية في الجيش الإسرائيلي «أمان»، ضمن معركة المواجهة، خصوصاً في دائرة التهديد الثالثة.
وفق تصنيفات الجيش الإسرائيلي، فإن دائرة التهديد الأولى التي تواجهه تضم الدول والمناطق الحدودية مثل لبنان وسوريا وقطاع غزة، بينما تشمل الثانية دولاً أبعد، منها اليمن والعراق، أما دائرة التهديد الثالثة والأبعد فتضم إيران. وفي الدائرة الثالثة، جرى اختبار قدرات «أمان» على جمع المعلومات وتحليلها وبلورة الأهداف، وتمكين الوصول إلى المعلومات الاستخباراتية للقوات العملياتية. وفي هذه الدائرة بالذات جاء دور القوات الأميركية.
وبهذا الصدد قال المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي: «تشكل هذه المناورات جزءاً أساسياً من التعاون الاستراتيجي المتزايد بين الجيشين في مواجهة التحديات المشتركة في الشرق الأوسط وعلى رأسها إيران». وأردف «انطلقت المناورات في عملية تخطيط مشتركة قامت خلالها أربع طائرات (أدير)، وهذا هو الاسم الإسرائيلي للطائرة الأميركية الحديثة (إف 35 آي) بمرافقة أربع مقاتلات قاذفة أميركية من طراز (إف 15) في سماء البلاد. وفي إطار التمرين، أجرى سلاحا الجو الإسرائيلي والأميركي مناورة التزوّد بالوقود جواً عبر طائرة صهريج أميركية عملاقة من طراز (كيه سي 10) تولّت تزويد عدة مقاتلات إسرائيلية من طراز (سوفا) أي (العاصفة)، وهو الاسم الإسرائيلي للمقاتلة (إف 16) بالوقود».
كما هو معروف فإن إسرائيل طلبت شراء الطائرات الصهريج هذه؛ لأنها تحتاج إليها بشكل مُلحّ في حال قررت شن هجوم على إيران، لكن واشنطن لم تستجب بعد. وتعتبر القيادات الإسرائيلية مشاركة الولايات المتحدة في عملية تزويد الوقود إشارة مهمة للغاية ورسالة موجهة إلى إيران، مفادها أن واشنطن لا تتخلى عن الخيار العسكري لمنع تطويرها السلاح النووي. لكن عودة نتنياهو إلى الحكم تحمّل هذه المناورات رسائل لعدة عناوين أخرى، إحداها إلى الائتلاف الجديد الذي سيتولى الحكم في تل أبيب. فالجيش الإسرائيلي يريد تذكير نتنياهو بأهمية أجهزته الأمنية وحيوية العلاقات مع واشنطن، إذا كان معنياً حقاً بمواجهة التحديات العسكرية، وبالأخص، ضرب النووي الإيراني.
لماذا «تذكير» واشنطن؟
لماذا يبدو هذا التذكير مهماً، في هذا الوقت بالذات؟
لأن نتنياهو يدير حملة ضد قيادة الجيش الإسرائيلي منذ عام 2010، وحتى اليوم. ففي حينه قرّر مع وزير دفاعه، إيهود باراك، شن هجوم عسكري على المفاعل النووية في إيران. إلا أن جميع قادة الأجهزة الأمنية في ذلك الوقت، رئيس أركان الجيش غابي أشكنازي، ورئيس «الموساد» (جهاز الاستخبارات الخارجية) مئير دغان، ورئيس «الشاباك» (الاستخبارات العامة) يوفال ديسكين، اعترضوا.
هؤلاء لم يعترضوا فحسب، بل أبلغوا نتنياهو وباراك بأن إصدار أمر بالهجوم الحربي على إيران سيكون بمثابة أمر غير قانوني، لأن مثل هذا الأمر يجب إقراره في جلسة للمجلس الوزاري الأمني المصغر للحكومة (الكابينيت). ولم يكن لدى نتنياهو أكثرية مضمونة في «الكابينيت». ثم عام 2011 دبت خلافات شخصية حادة بين نتنياهو وباراك، جعلت الأخير يتراجع عن الفكرة، ويقف ضدها. وفي العام نفسه، عندما عيّن بيني غانتس رئيساً لأركان الجيش، تحدث الأخير صراحة عن الاحتمالات والأخطار في مثل هذا الهجوم. وتسبب هذا في مواصلة إيران مشروعها وتوصلها إلى اتفاق نووي مع الدول الكبرى.
منذ ذلك الوقت، تشن الصحف والمواقع الإخبارية ومعاهد الدراسات اليمينية التي رعاها نتنياهو، مثل صحيفة «يسرائيل هيوم» وموقع «ميدا» ومركز أبحاث شؤون الدولة والجمهور ومواقع المستوطنين، حملات متواصلة ضد قيادة الجيش، وتنشر المقالات والدراسات التي تتهم الجيش بالتخلّي عن العقيدة الحربية وعقيدة الإقدام وبث الروح القيادية وتتهمه بالتبذير والفساد. هذا الأمر أقلق قيادة الجيش كثيراً. ولذا عملت كل ما في وسعها لمنع انتخاب نتنياهو ودعم خصمه لبيد، لكن مساعي الجيش أخفقت، ففاز نتنياهو واستعاد الحكم. وقبل أن يحتل مقعد رئاسة الحكومة بث رسائل للجيش بأنه لا يصفح، وباشر سحب صلاحيات الجيش من إدارة الشؤون المدنية في الضفة الغربية.
أيضاً، إبان حملات اليمين بقيادة نتنياهو ضد الجيش، بدأت تسمع نغمة جديدة تجاه واشنطن أيضاً. ولقد كتب يورام إتنيغر، وهو دبلوماسي قديم خدم في عدة مناصب إبان حكم الليكود بينها مدير مكتب الصحافة الحكومي وقنصل عام في الولايات المتحدة، يقول إن واشنطن «ملزمة بمساندة إسرائيل ليس لأنها دولة محتاجة أو ضعيفة، بل لأنها تقدم خدمات للمصالح الأميركية أكثر من أي دولة في العالم، قيمتها المادية تفوق قيمة المساعدات الأميركية بعدة أضعاف». وفي مقال مفصل نشر في صحيفة «يسرائيل هيوم» يوم 23 ديسمبر (كانون الأول) 2021، كتب «المعلومات الاستخبارية التي توفرها إسرائيل للولايات المتحدة عن أعدائها في العالم، تفوق المعلومات التي تقدمها لها دول حلف شمال الأطلسي (ناتو) مجتمعة بعدة أضعاف، كمّاً ونوعاً. كذلك باتت إسرائيل مختبرا للأسلحة الأميركية ومئات الآليات القتالية. نحن نجربها ونقدم للأميركيين تقارير عن أدائها وعن نقاط ضعفها وأين يمكن تحسينها، وبذلك نوفر عليهم مليارات الدولارات. الملاحظات التي قدّمها سلاح الجو الإسرائيلي عن أداء الطائرة المقاتلة (إف 16) وحدها أدت إلى تحسينها، وبالتالي زيادة الرّواج لها وكثرة شرائها في العالم، وهذا وحده حقق للأميركيين أرباحا بعشرات مليارات الدولارات».
ويقتبس إتينغر عن الأدميرال إلمو زومفالت، الذي كان رئيس قسم العمليات في أسطول الولايات المتحدة، أنه سمع القائد العام الأسبق لقوات «ناتو» ووزير الخارجية لاحقاً ألكسندر هيغ، يقول إن «إسرائيل هي أكبر حاملة طائرات للولايات المتحدة، بفارق أنها لا تحتاج إلى جنود أميركيين ولا توجد أي إمكانية لإغراقها، بل ترسو في أهم المناطق حيوية للغرب، وتوفر على الولايات المتحدة وتجعلها قادرة على الامتناع عن إرسال حاملات طائرات حقيقية في الشرق الأوسط أو إرسال فرق جنود كبيرة. وبهذا توفر علينا على الأقل 15 مليار دولار في السنة».
وعليه، يستنتج إتينغر، أنه «صحيح أن الولايات المتحدة شريك كبير مع إسرائيل الشريك الصغير، ولكن هناك علاقات تعاون مثمر بينهما للطرفين على السواء وليس علاقة محتاج يمد يده سائلا الصدقة من الغني الذي يعطيه منّة». ويوضح أن «المساعدة الأميركية السنوية لإسرائيل بقيمة 3.8 مليار دولار، عملياً ليست منحة بل هي استثمار أميركي مُجدٍ يعود على واشنطن بأرباح مضاعفة عدة مرات. بل هي أكبر استثمار تديره الولايات المتحدة بنجاح. إنها علاقات تسير في اتجاهين، والمساهمة الإسرائيلية فيها كبيرة وغنية ووافرة».
تزايد خطر التخصيب
من جهة ثانية، يقول مقدم (الاحتياط) الدكتور رفائيل أوفيك، وهو خبير في الفيزياء والتكنولوجيا النووية، وخدم في الماضي في الاستخبارات الإسرائيلية كباحث ومحلل كبير في مجال قضايا الأسلحة النووية في العالم، وخاصة في الشرق الأوسط، إن إسرائيل قادرة بمفردها على شن هجوم على إيران في سبيل إجهاض مشروعها النووي، من دون دعم أو مشاركة واشنطن. وأضاف، في مقال نشره في صحيفة «يسرائيل ديفينس» في 28 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، أن «عملية التخصيب بنسبة 60 في المائة التي نفذتها إيران ليس لها غرض آخر لها سوى إنتاج أسلحة نووية. ووفقاً لتقرير حديث للوكالة الدولية للطاقة الذرية، جمعت إيران، حتى أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، 62.3 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب بمعدل 60 في المائة، وهي كمية ستكفي بعد تخصيبها بنسبة 90 في المائة لإنتاج قنبلتين نوويتين على الأقل. بجانب ذلك، في الأيام الأخيرة، بدأت إيران تخصيب اليورانيوم بنسبة 60 في المائة أيضاً في منشأة فوردو من خلال سلسلتين من أجهزة الطرد المركزي، يحتوي كل منها على 166 جهاز طرد من طراز (آي آر 6)، وهذا، من بين أمور أخرى، وفقاً لتقرير أعده رافائيل غروسي (رئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية) في 22 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي أكد هذه الأمور. وحتى الآن، تم تشغيل 1044 فقط من أجهزة الطرد المركزي من طراز (آي آر 1)، وهي الجيل الأول من أجهزة الطرد المركزي الإيرانية، في منشأة فوردو».
أوفيك، الذي يُعدّ أحد الخبراء المقربين من نتنياهو، يضيف أنه «من الناحية النظرية، فإن قدرة التخصيب لجهاز الطرد المركزي آي آر 6 أعلى بحوالي 8 مرات من قدرة جهاز الطرد المركزي السابق، وينطوي على تقدم مهم جداً من وجهة نظر إيران. ولكن بما يتعلق بدولة إسرائيل، فإن صورة الوضع النووي الإيراني مقلقة للغاية الآن. وحسب وتيرة سلوك إيران الحالية، ما لم توقف، فقد تصل إلى ترسانة نووية في غضون سنة. وهذا مبني على افتراض أنه حتى الصواريخ الباليستية الإيرانية ستتطور وفقاً لهذا المعدل. ولذا يبدو لي أن حالة اليقظة الحالية في الولايات المتحدة وأوروبا الغربية في ضوء السلوك النووي الإيراني من جهة، وأعمال الشغب في إيران ضد النظام في طهران من جهة أخرى، مناسبة تماماً لمهاجمة مرافق التخصيب الإيراني. وأنا أعتقد أن إسرائيل وحدها تستطيع تدمير منشآت التخصيب الإيرانية، حتى من دون دعم أو مشاركة الولايات المتحدة». ومن ثم، يرفض أوفيك «الادعاء الشائع بأنه نظراً لأن منشأة فوردو، بالإضافة إلى جزء كبير من مصنع التخصيب في نطنز، مبنيان تحت الأرض، من الصعب جداً تدميرهما... وفي رأيي المتواضع، هناك أيضاً ميزة كبيرة في هذا العيب، لا أعتقد أنها جديرة بالتفصيل هنا، ويكفي أن أكون ذكياً في الإشارة والتلميح».
مثل هذه اللهجة لم تكن معروفة في الخطاب الإسرائيلي السياسي والأمني. إلا أن اليمين الفائز بالحكم، لا يتردد في استخدامها، بكل ما يعنيه ذلك من مساس بالجيش الإسرائيلي وبالولايات المتحدة. وهذا الأمر يثير تساؤلات عدة لدى قيادة المؤسسة العسكرية في تل أبيب والقيادات السياسية والعسكرية في واشنطن. وثمة من يتخوّف من تبعات هذا الخطاب، ويعتبره جارحا لدرجة يمكن أن تغيظ الجنرالات وتجعلهم يتحرّكون مجروحين. والتاريخ الإسرائيلي يعرف حقبا أدى فيها الغيظ إلى عربدة مخيفة، اشتمت فيها رائحة تململ وحتى التهديد بانقلاب عسكري.
الجنرالات يحذّرون من «التحدّيات الجسام التي تواجه إسرائيل في عدة جبهات» وفي ثلاث دوائر، كل واحدة منها أخطر من الأخرى. ويقولون إن هذا ليس الوقت الذي يناسب المساس بالجيش والمؤسسة العسكرية. ولا يقولون فحسب، بل إن المناورات العسكرية المتصاعدة تشير إلى أنهم يقولون ويستعدون لفعل ما. وها هو عضو الكنيست غادي أيزنكوت، الرئيس السابق لهيئة رئاسة أركان الجيش، يهدد بإنزال مليون مواطن إلى الشوارع «لحماية الأسس الديمقراطية والتوازنات في المجتمع»، والجنرال متان فلنائي، رئيس المجلس العسكري الأمني للجنرالات المتقاعدين، يحذر من «مغبة كسر التوازنات»، وعشرات الجنرالات ينشرون مقالات تحذر حكومة نتنياهو من تغييرات جوهرية تمسّ بالأمن الاستراتيجي، والحبل على الجرّار.

من المناورات الإسرائيلية الأميركية الأخيرة

إسرائيل... والتعايش الصعب بين السياسة ومحورية الجيش
> الإسرائيليون بشكل عام يستبعدون حدوث انقلاب عسكري عندهم، إذ إنهم يعتبرون الديمقراطية قيمة عليا في المجتمع. ويؤمنون بأن الجيش هو جزء من المؤسسة الديمقراطية، ويلتزم بالقانون، ويتقبل الولاء للقيادة السياسية، كما ينص على ذلك القانون.
لكنهم في المقابل، يرون أن حكومة اليمين تحاول لأول مرة تجريد الجيش من صلاحياته، باسم الديمقراطية، جنباً إلى جنب مع المساس بالأسس الديمقراطية. ومَن يراجع التاريخ الإسرائيلي يعرف أن الجنرالات عرفوا دائماً كيف يضمنون لأنفسهم نفوذاً واسعاً يتعدّى بكثير صلاحياته القانونية، ولم يسلموا بأية محاولة للمساس بمكانتهم المميزة في الحكم. وعشية «حرب يونيو 1967»، فرض أعضاء رئاسة أركان الجيش (11 جنرالا)، بقيادة إسحاق رابين وعيزر وايزمان وأرئيل شارون، الحرب فرضا على رئيس الوزراء ليفي إشكول، الذي كان يرجوهم أن يعطوه بضعة أيام فقط حتى يوافق على الحرب. وقال إشكول في مذكراته إن «هؤلاء الجنرالات يريدون لإسرائيل أن تعيش على حرابها فقط، وإلى آخر العمر». وحسب مذكرات زوجته مريم، طلب منها أن تكتب ما يشبه الوصية قائلاً: «مريم... سجِّلي أنني أول رئيس لوزراء إسرائيل يأتي إلى هذا المنصب من خارج الجيش، وبعيداً عن نفوذه المباشر، وفوق ذلك فإنني أول رئيس وزراء لا يقبل أن يكون لُعبة في يد العسكريين».
أيضاً، عُرف عن إسحاق شامير تحذيره من خطورة الجنرال أرئيل شارون و«أن يحبسني في مكتب حتى أسلمه الحكم». وحذّر مناحيم بيغن أيضاً من شارون، الذي ضلله خلال «حرب لبنان»، وقاد الجيش إلى حرب أوسع بكثير ممّا قرّرته حكومته. وانتهى به المطاف إلى الاعتزال السياسي في البيت حتى وفاته.


مقالات ذات صلة

غانتس يؤيد صفقة مع نتنياهو تمنع حبسه وتضمن تخليه عن الحكم

شؤون إقليمية غانتس يؤيد صفقة مع نتنياهو تمنع حبسه وتضمن تخليه عن الحكم

غانتس يؤيد صفقة مع نتنياهو تمنع حبسه وتضمن تخليه عن الحكم

في اليوم الذي استأنف فيه المتظاهرون احتجاجهم على خطة الحكومة الإسرائيلية لتغيير منظومة الحكم والقضاء، بـ«يوم تشويش الحياة الرتيبة في الدولة»، فاجأ رئيس حزب «المعسكر الرسمي» وأقوى المرشحين لرئاسة الحكومة، بيني غانتس، الإسرائيليين، بإعلانه أنه يؤيد إبرام صفقة ادعاء تنهي محاكمة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، بتهم الفساد، من دون الدخول إلى السجن بشرط أن يتخلى عن الحكم. وقال غانتس في تصريحات صحافية خلال المظاهرات، إن نتنياهو يعيش في ضائقة بسبب هذه المحاكمة، ويستخدم كل ما لديه من قوة وحلفاء وأدوات حكم لكي يحارب القضاء ويهدم منظومة الحكم. فإذا نجا من المحاكمة وتم تحييده، سوف تسقط هذه الخطة.

نظير مجلي (تل أبيب)
المشرق العربي هدوء في غزة بعد ليلة من القصف المتبادل بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية

هدوء في غزة بعد ليلة من القصف المتبادل بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية

سادَ هدوء حذِر قطاع غزة، صباح اليوم الأربعاء، بعد ليلة من القصف المتبادل بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية، على أثر وفاة المعتقل خضر عدنان، أمس، مُضرباً عن الطعام في السجون الإسرائيلية، وفقاً لوكالة «الأنباء الألمانية». وكانت وسائل إعلام فلسطينية قد أفادت، فجر اليوم، بأنه جرى التوصل لاتفاق على وقف إطلاق النار بين فصائل فلسطينية والجانب الإسرائيلي، وأنه دخل حيز التنفيذ. وقالت وكالة «معاً» للأنباء إن وقف إطلاق النار في قطاع غزة «مشروط بالتزام الاحتلال الإسرائيلي بعدم قصف أي مواقع أو أهداف في القطاع».

«الشرق الأوسط» (غزة)
شؤون إقليمية بعد 75 عاماً على قيامها... إسرائيل بين النجاح الاقتصادي والفروقات الاجتماعية الصارخة

بعد 75 عاماً على قيامها... إسرائيل بين النجاح الاقتصادي والفروقات الاجتماعية الصارخة

بعد مرور 75 عاماً على قيامها، أصبح اقتصاد إسرائيل واحداً من أكثر الاقتصادات ازدهاراً في العالم، وحقّقت شركاتها في مجالات مختلفة من بينها التكنولوجيا المتقدمة والزراعة وغيرها، نجاحاً هائلاً، ولكنها أيضاً توجد فيها فروقات اجتماعية صارخة. وتحتلّ إسرائيل التي توصف دائماً بأنها «دولة الشركات الناشئة» المركز الرابع عشر في تصنيف 2022 للبلدان وفقاً لنصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، متقدمةً على الاقتصادات الأوروبية الأربعة الأولى (ألمانيا والمملكة المتحدة وفرنسا وإيطاليا)، وفقاً لأرقام صادرة عن صندوق النقد الدولي. ولكن يقول جيل دارمون، رئيس منظمة «لاتيت» الإسرائيلية غير الربحية التي تسعى لمكافحة ا

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية مكارثي يتعهد دعوة نتنياهو إلى واشنطن في حال استمر تجاهل بايدن له

مكارثي يتعهد دعوة نتنياهو إلى واشنطن في حال استمر تجاهل بايدن له

أعلن رئيس مجلس النواب الأميركي، كيفين مكارثي، في تل أبيب، امتعاضه من تجاهل الرئيس الأميركي، جو بايدن، رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو وامتناعه عن دعوته للقيام بالزيارة التقليدية إلى واشنطن. وهدد قائلاً «إذا لم يدع نتنياهو إلى البيت الأبيض قريباً، فإنني سأدعوه إلى الكونغرس». وقال مكارثي، الذي يمثل الحزب الجمهوري، ويعدّ اليوم أحد أقوى الشخصيات في السياسة الأميركية «لا أعرف التوقيت الدقيق للزيارة، ولكن إذا حدث ذلك فسوف أدعوه للحضور ومقابلتي في مجلس النواب باحترام كبير. فأنا أرى في نتنياهو صديقاً عزيزاً.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية المواجهة في إسرائيل: شارع ضد شارع

المواجهة في إسرائيل: شارع ضد شارع

بدأت المواجهة المفتوحة في إسرائيل، بسبب خطة «التعديلات» القضائية لحكومة بنيامين نتنياهو، تأخذ طابع «شارع ضد شارع» بعد مظاهرة كبيرة نظمها اليمين، الخميس الماضي، دعماً لهذه الخطة، ما دفع المعارضة إلى إظهار عزمها الرد باحتجاجات واسعة النطاق مع برنامج عمل مستقبلي. وجاء في بيان لمعارضي التعديلات القضائية: «ابتداءً من يوم الأحد، مع انتهاء عطلة الكنيست، صوت واحد فقط يفصل إسرائيل عن أن تصبحَ ديكتاتورية قومية متطرفة.

«الشرق الأوسط» (رام الله)

أربكان يعلن منافسة إردوغان على الرئاسة ويسعى إلى «تحالف محافظ»

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال زيارة لحزب «الرفاه من جديد» بزعامة فاتح أربكان عام 2023 لطلب دعمه في جولة الإعادة للانتخابات الرئاسية (الرئاسة التركية)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال زيارة لحزب «الرفاه من جديد» بزعامة فاتح أربكان عام 2023 لطلب دعمه في جولة الإعادة للانتخابات الرئاسية (الرئاسة التركية)
TT

أربكان يعلن منافسة إردوغان على الرئاسة ويسعى إلى «تحالف محافظ»

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال زيارة لحزب «الرفاه من جديد» بزعامة فاتح أربكان عام 2023 لطلب دعمه في جولة الإعادة للانتخابات الرئاسية (الرئاسة التركية)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال زيارة لحزب «الرفاه من جديد» بزعامة فاتح أربكان عام 2023 لطلب دعمه في جولة الإعادة للانتخابات الرئاسية (الرئاسة التركية)

يسعى زعيم حزب «الرفاه من جديد»، فاتح أربكان، إلى تشكيل تحالف من أحزاب محسوبة على تيار «الرؤية الوطنية» الذي أسسه والده رئيس الوزراء الراحل نجم الدين أربكان، وذلك بعدما أعلن نيته الترشح للانتخابات الرئاسة المقررة عام 2028.

ويرى أربكان أن المجتمع يبحث عن أمل أو بديل لحزب «العدالة والتنمية» الحاكم، وحزب «الشعب الجمهوري» أكبر أحزاب المعارضة، مؤكداً أنه يؤمن بأن تضافر الأحزاب المنتمية إلى «الرؤية الوطنية» يمكّنها من توفير بديل جاد عبر عملها بشكل متناغم. وأكد السعي إلى تشكيل تحالف من هذه الأحزاب «المحافظة»، قائلاً إنها يمكن أن تُشكّل «طريقاً ثالثةً» يبحث عنها المجتمع.

«طريق ثالثة»

قال أربكان إن الدراسات واستطلاعات الرأي تشير إلى أن أكثر من 30 في المائة من الناخبين في تركيا يوضعون في فئة «المترددين»، عاداً أن المجتمع يبحث عن مخرج أو عن «طريق ثالثة» تكون بديلة للحكومة وحزب المعارضة الرئيسي، بقاعدة أصوات تتراوح بين 30 و35 في المائة، مؤكداً استعداد حزبه للمساهمة في تحقيق هذا الهدف.

أربكان متحدثاً خلال فعالية لحزبه في أنقرة (حساب الحزب على إكس)

وأشار أربكان، خلال فعالية لحزبه مساء السبت، إلى أن النقطة الأساسية هي أن تتحد الأحزاب ذات القواعد الانتخابية المتشابهة والخطابات المتقاربة، خصوصاً تلك التي تنتمي إلى حركة «الرؤية الوطنية»؛ لأن هذا سيخلق «بديلاً جاداً وتكاملاً مهماً».

وكشفت مصادر في حزب «الرفاه من جديد» عن مفاوضات تُجرى منذ مدة مع أحزاب: «السعادة»، وهو حزب أسسه نجم الدين أربكان بعد إغلاق عدد من الأحزاب التي أسسها؛ منها حزب «الرفاه»، ويرأسه حالياً محمود يركان، و«الديمقراطية والتقدم» برئاسة علي باباجان، و«المستقبل» برئاسة أحمد داود أوغلو، لتشكيل تحالف باسم «الطريق الثالثة» لخوض الانتخابات البرلمانية والرئاسية معاً.

وتعمل هذه الأحزاب الثلاثة حالياً تحت مظلة واحدة في البرلمان باسم «الطريق الجديدة»، حيث لا يمتلك أيٌ منها بمفرده العدد الكافي من النواب (20 نائباً) لتشكيل مجموعة برلمانية لكل منها.

مصافحة بين إردوغان وداود أوغلو وفاتح أربكان خلال افتتاح السنة التشريعية الجديدة بالبرلمان التركي في مطلع أكتوبر 2025 (الرئاسة التركية)

وفي حال تشكيل تحالف بين الأحزاب الأربعة، التي لا تصل نسبة أصواتها مجتمعة إلى 10 في المائة، وفق استطلاعات الرأي، فإنه سيستهدف انتزاع الأصوات من خلال قاعدة حزب «العدالة والتنمية» الحاكم، المتحالف مع حزب «الحركة القومية» في إطار «تحالف الشعب».

وتشير استطلاعات الرأي الأخيرة إلى ارتفاع تدريجي في تأييد حزب «الرفاه من جديد» برئاسة أربكان، حيث وصلت نسبة تأييده إلى نحو 5 في المائة، وسط استمرار تراجع حزب «العدالة والتنمية» الحاكم.

«الشعب الجمهوري» وترشيح إمام أوغلو

لكن الاستطلاعات تؤكد أيضاً استمرار تفوق حزب «الشعب الجمهوري»، الذي يتزعمه أوزغور أوزيل، منذ فوزه بالانتخابات المحلية الأخيرة في 31 مارس (آذار) 2024.

ولا يزال «الشعب الجمهوري» متمسكاً بترشيحه رئيس بلدية إسطنبول، أكرم إمام أوغلو، المحتجز منذ 19 مارس 2025، في اتهامات بالفساد، والتلاعب بالمناقصات، والرشوة.

وينفي الحزب هذه الاتهامات، ويؤكد أن اعتقال إمام أوغلو سببه الرئيسي هو «خوف إردوغان من هزيمته أمامه في الانتخابات الرئاسية»؛ إذا تمكن من خوضها، بينما تنفي الحكومة أي تدخل لها في التحقيقات ببلدية إسطنبول.

أنصار حزب «الشعب الجمهوري» خلال تجمع بمدينة نيغده التركية السبت دعماً لإمام أوغلو (حساب الحزب على إكس)

وألقت قوات الأمن التركية، السبت، القبض على أحد حراس إمام أوغلو، ولا يزال التحقيق جارياً معه لاتهامه بالتورط في جرائم الفساد في البلدية.

جاء ذلك بعد ساعات من القبض على شقيق زوجة إمام أوغلو في إطار تحقيقات واسعة تجريها السلطات بشأن تعاطي المخدرات والأعمال المنافية للآداب.

وأعلن مكتب المدعي العام في إسطنبول، الأربعاء، رفع دعوى قضائية ضد إمام أوغلو و3 آخرين، بتهمة «التجسس السياسي» نتيجة لتحقيق أجراه «مكتب التحقيقات في جرائم الإرهاب» التابع له في تسريب بيانات شخصية من خلال تطبيقات تابعة لبلدية إسطنبول.

وإلى جانب إمام أوغلو، شملت الدعوى مدير حملته الانتخابية نجاتي أوزكان، وحسين غون أحد مساعديه، وميردان ينارداغ رئيس تحرير قناة «تيلي1» المعارضة التي فرضت الحكومة الوصاية عليها.

أربكان يتمسك بالمنافسة

وكان فاتح أربكان انسحب من انتخابات الرئاسة التي أجريت في مايو (أيار) 2023، وأعلن تأييده الرئيس رجب طيب إردوغان في جولة الإعادة التي خاضها أمام مرشح المعارضة رئيس حزب «الشعب الجمهوري» السابق كمال كليتشدار أوغلو؛ مما أسهم في ترجيح كفته.

إردوغان خلال استقباله أربكان في مايو عام 2023 حيث أعلن انسحابه من سباق الرئاسة ودعمه في انتخابات الإعادة (الرئاسة التركية)

وأكد أربكان، في مقابلة تلفزيونية الأسبوع الماضي، أنه سيترشح للانتخابات الرئاسية المقبلة، وأنه لن ينسحب هذه المرة، لافتاً إلى امتلاك حزبه رؤية لتنمية تركيا، وأنه يسعى للوصول إلى الحكم لتطبيقها. وقال إن «حزب (العدالة والتنمية) يواجه عدم رضا بين مؤيديه بسبب المصاعب الاقتصادية، ولا يمكنه الحصول على نسبة الـ(50 في المائة +1) اللازمة لفوز مرشحه في الانتخابات الرئاسية، حتى مع دعم حليفه الحالي (حزب الحركة القومية)»

Cannot check text—confirm privacy policy first


إيران تشدد على موقع «القوة» في المفاوضات ومستعدة لبناء الثقة

عراقجي يشارك في مؤتمر السياسة الخارجية وعلى يساره رئيس اللجنة العليا للسياسة الخارجية كمال خرازي ووزير الخارجية الأسبق علي أكبر صالحي ويدير الندوة سعيد خطيب زاده رئيس مركز بحوث الجهاز الدبلوماسي (الخارجية الإيرانية)
عراقجي يشارك في مؤتمر السياسة الخارجية وعلى يساره رئيس اللجنة العليا للسياسة الخارجية كمال خرازي ووزير الخارجية الأسبق علي أكبر صالحي ويدير الندوة سعيد خطيب زاده رئيس مركز بحوث الجهاز الدبلوماسي (الخارجية الإيرانية)
TT

إيران تشدد على موقع «القوة» في المفاوضات ومستعدة لبناء الثقة

عراقجي يشارك في مؤتمر السياسة الخارجية وعلى يساره رئيس اللجنة العليا للسياسة الخارجية كمال خرازي ووزير الخارجية الأسبق علي أكبر صالحي ويدير الندوة سعيد خطيب زاده رئيس مركز بحوث الجهاز الدبلوماسي (الخارجية الإيرانية)
عراقجي يشارك في مؤتمر السياسة الخارجية وعلى يساره رئيس اللجنة العليا للسياسة الخارجية كمال خرازي ووزير الخارجية الأسبق علي أكبر صالحي ويدير الندوة سعيد خطيب زاده رئيس مركز بحوث الجهاز الدبلوماسي (الخارجية الإيرانية)

قال كبير الدبلوماسيين الإيرانيين، الأحد، إن قوة طهران تنبع من قدرتها على «قول لا للقوى العظمى»، متبنياً موقفاً متشدداً في أعقاب المفاوضات التي جرت مع الولايات المتحدة بشأن البرنامج النووي، وفي ظل احتجاجات واسعة شهدتها البلاد.

وعقد دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون محادثات غير مباشرة في سلطنة عمان، يوم الجمعة، في محاولة لإحياء المساعي الدبلوماسية، وذلك في وقت حشدت فيه الولايات المتحدة قوات بحرية قرب إيران، وتوعدت طهران بردٍّ قاسٍ في حال تعرُّضها لأي هجوم.

وأوضح وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، في مستهل مؤتمر «المجلس الوطني للسياسة الخارجية» في طهران، أن إيران ستتمسك بموقفها القاضي بضرورة احتفاظها بحق تخصيب اليورانيوم، وهو أحد أبرز نقاط الخلاف مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي قصف مواقع نووية إيرانية في يونيو (حزيران) الماضي، خلال الحرب الإيرانية- الإسرائيلية التي استمرت 12 يوماً.

وفي حين وصف الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان محادثات الجمعة في عُمان مع الأميركيين بأنها «خطوة إلى الأمام»، عكست تصريحات عراقجي حجم التحديات التي تواجه المسار التفاوضي.

وقال عراقجي: «لا يمكننا قبول الحرمان التام من التخصيب. لذلك نحتاج إلى التركيز على مناقشات تقبل التخصيب داخل إيران، مع بناء الثقة بأن التخصيب لأغراض سلمية وسيظل كذلك».

وأضاف أن إجراءات الرئيس الأميركي دونالد ترمب تمثل «عودة إلى قانون الغاب»؛ حيث يفرض الأقوى إرادته على الآخرين، مؤكداً في الوقت نفسه أن «لا خيار سوى التفاوض» لمعالجة الخلافات، بما في ذلك الملف النووي.

وأوضح أن منطق «قانون الغاب» يعني سحق الضعفاء وبقاء الأقوياء، معتبراً أن ذلك يفرض على إيران «ألا خيار أمامها سوى أن تكون قوية»، بالتوازي مع المضي في مسار التفاوض بوصفه الخيار المتاح لتفادي مزيد من التصعيد.

وأشار إلى أنه نقل هذه الرسالة نفسها إلى ممثلي الولايات المتحدة خلال المفاوضات، لافتاً إلى استعداد طهران للإجابة عن أي تساؤلات أو غموض يتعلق ببرنامجها النووي ورفع أي التباسات قائمة. وأضاف: «نحن لا نطلب من أحد الاعتراف بحقوقنا، فحقوقنا ثابتة وقائمة، وكل ما نطالب به هو احترام هذه الحقوق».

كما أوضح أن برنامج الصواريخ الإيراني الذي ترغب الولايات المتحدة في مناقشته خلال المفاوضات، لم يكن أبداً جزءاً من جدول الأعمال.

وكانت الولايات المتحدة قد نقلت حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن»، إلى جانب سفن وطائرات حربية، إلى الشرق الأوسط، في إطار الضغط على إيران للتوصل إلى اتفاق، ولتأمين القدرة العسكرية اللازمة لتنفيذ ضربات محتملة إذا ما قرر ترمب ذلك.

وقال عراقجي: «أعتقد أن سر قوة جمهورية إيران الإسلامية يكمن في قدرتها على الوقوف في وجه الترهيب والهيمنة والضغوط من الآخرين. إنهم يخشون قنبلتنا الذرية، بينما نحن لا نسعى إلى امتلاك قنبلة ذرية. قنبلتنا الذرية هي قدرتنا على قول لا للقوى العظمى. سر قوة الجمهورية الإسلامية هو في قوة قول لا لتلك القوى».

«القنبلة الذرية»

وفي حين تؤكد إيران منذ سنوات أن برنامجها النووي سلمي، تقول الدول الغربية والوكالة الدولية للطاقة الذرية، إن طهران كانت تمتلك برنامجاً عسكرياً منظماً يهدف إلى إنتاج سلاح نووي حتى عام 2003.

وقد قامت إيران بتخصيب اليورانيوم إلى مستوى نقاء بلغ 60 في المائة، وهي خطوة تقنية قصيرة تفصلها عن مستوى 90 في المائة اللازم لإنتاج سلاح نووي، لتكون الدولة الوحيدة غير الحائزة للسلاح النووي التي تصل إلى هذا المستوى.

كما لوَّح مسؤولون إيرانيون في السنوات الأخيرة بإمكانية السعي إلى القنبلة، في وقت يشير فيه دبلوماسيون إيرانيون إلى فتاوى المرشد علي خامنئي بوصفها حكماً دينياً ملزماً يحظر تصنيع سلاح نووي.

وكتب بزشكيان الذي كلف عراقجي بمواصلة المحادثات مع الأميركيين، بعد ترجيح حصوله على موافقة خامنئي، منشوراً على منصة «إكس» الأحد، قال فيه: «إن المحادثات بين إيران والولايات المتحدة التي عُقدت بفضل جهود المتابعة التي بذلتها حكومات صديقة في المنطقة، كانت خطوة إلى الأمام. لقد كان الحوار دائماً استراتيجيتنا للحل السلمي... الأمة الإيرانية لطالما ردَّت على الاحترام بالاحترام، ولكنها لا تتسامح مع لغة القوة».

وجدَّد عراقجي التأكيد على أن «التخصيب الصفري» لم يكن ولن يكون مقبولاً لإيران، وأن «أي تفاوض مشروط بالاعتراف بهذا المبدأ». كما أشار إلى أن مكان وزمان الجولة المقبلة من المحادثات سيُحدَّدان بالتشاور مع وزير الخارجية العُماني.

ولا يزال من غير الواضح متى وأين ستُعقد جولة ثانية من المحادثات، أو ما إذا كانت ستُعقد أساساً. واكتفى ترمب، عقب محادثات الجمعة، بتصريحات مقتضبة قال فيها: «يبدو أن إيران تريد بشدة التوصل إلى اتفاق، كما ينبغي لها».

قائد «سنتكوم»

وخلال محادثات الجمعة، كان الأدميرال الأميركي براد كوبر، قائد القيادة المركزية للجيش الأميركي (سنتكوم)، موجوداً في عُمان، في خطوة رُجِّح أنها جاءت لتذكير إيران بالوجود العسكري الأميركي في المنطقة.

الأدميرال الأميركي براد كوبر قائد القيادة المركزية للجيش الأميركي في جولة تفقدية على متن حاملة الطائرات «لينكولن» في بحر العرب السبت (سنتكوم)

ولاحقاً رافق كوبر المبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف، وجاريد كوشنر، صهر ترمب، إلى حاملة الطائرات «لينكولن» في بحر العرب، عقب انتهاء المفاوضات غير المباشرة.

وقال عراقجي إن وجود قائد القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) في مسقط، إلى جانب الوفد التفاوضي الأميركي، لم يُحدث أي تغيير في جوهر المحادثات؛ مشيراً إلى أن إيران عارضت مشاركة أي عنصر عسكري في مسار التفاوض.

وأوضح أن طهران أبلغت الوفد الأميركي بوضوح أنها «لا تقبل حضوراً عسكرياً في عملية التفاوض»، مضيفاً أن قائد «سنتكوم»: «جاء لأي غرض جاء من أجله، فليبلغه»، ولكنه شدد على أن وجود الأدميرال براد كوبر «لم يُحدث أي فرق في أصل القضية».

وقال: «قيل لنا إنه جاء لزيارة سفنه، وكان هناك طلب من الجانب الأميركي، في إطار المجاملات البروتوكولية المعتادة، أن يحضر أيضاً، ولكننا عارضنا ذلك بشكل قاطع».

قافلة من المركبات تقل الوفد الإيراني تتجه نحو فندق في مسقط (أ.ب)

وبدا أن عراقجي يتعامل بجدية مع التهديد بضربة عسكرية أميركية، وهو القلق الذي يشاركه فيه كثير من الإيرانيين في الأسابيع الأخيرة. وأشار إلى أنه بعد جولات عدة من المحادثات العام الماضي «هاجمتنا الولايات المتحدة ونحن في خضم المفاوضات».

وقال: «إذا تراجعتم خطوة واحدة إلى الوراء في المفاوضات، فلن يكون واضحاً إلى أين يمكن أن تصل الأمور».

وعن محادثات الجمعة في مسقط، قال إن المفاوضات انحصرت في الملف النووي، وإن «لقاءً مباشراً مع الوفد الأميركي لم يحصل»، ولكنه أشار إلى «تفاعل من باب الدبلوماسية، اقتصر في حدِّه الأدنى على المصافحة ومجاملة أولية».

وأضاف أن نتائج المفاوضات تتوقف على النهج الذي ستعتمده الولايات المتحدة، موضحاً أن مقاربة الطرفين ستُحدَّد في عاصمتيهما، طهران وواشنطن.

وعقدت إيران والولايات المتحدة خمس جولات من المحادثات حول الملف النووي العام الماضي، ولكنها تعثرت لأسباب، من أهمها الخلاف حول تخصيب اليورانيوم داخل إيران. وفي يونيو، هاجمت الولايات المتحدة منشآت نووية إيرانية في نهاية حملة قصف إسرائيلية استمرت 12 يوماً.

وتقول طهران منذ ذلك الحين إنها أوقفت أنشطة تخصيب اليورانيوم، التي تعتبرها الولايات المتحدة مساراً محتملاً لصنع قنابل نووية.

وفي إشارة إلى قصف المنشآت النووية الإيرانية خلال حرب الأيام الاثني عشر، قال عراقجي إن «المعرفة لا يمكن تدميرها بالقصف».

إيرانيان يمران أمام لافتة دعائية مناهضة للولايات المتحدة معلقة في ميدان ولي عصر وسط طهران (أ.ف.ب)

وبشأن زيارات مسؤولي الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى تلك المنشآت، أوضح أنه أبلغ مدير الوكالة رافائيل غروسي بضرورة الاتفاق على بروتوكولات مسبقة قبل أي زيارة، نظراً لاعتبارات السلامة والأمن، ووجود ذخائر غير منفجرة ومسائل فنية وأمنية تتطلب معالجة مسبقة، قبل إجراء عمليات التفتيش.

رسالة قبل المفاوضات

وفي وقت سابق، قال النائب المتشدد محمود نبويان، عضو لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني، إن ترمب بعث قبل بدء المفاوضات رسالة عبر إحدى الدول، طلب فيها «السماح بضرب نقطتين داخل إيران».

وأوضح نبويان أن الرد الإيراني كان قاطعاً، مؤكداً أن طهران أبلغت الجانب الأميركي بأن «هذا الخيار انتهى»، محذِّراً من أن أي تجاوز أو هجوم سيُقابَل برد يؤدي إلى «سقوط ما بين ثلاثة إلى أربعة آلاف قتيل» في صفوف الطرف المقابل، على حد تعبيره.

وأضاف أن لجنة الأمن القومي أوصت وزير الخارجية الإيراني بالتواصل مع نظرائه في دول المنطقة، لإبلاغهم بأن أي شركة أو قاعدة تحمل اسم الولايات المتحدة ستُعد هدفاً مشروعاً، في حال وقوع أي اعتداء أميركي على إيران.


مفاوضات مسقط معلّقة على عقدة التخصيب

طائرة عسكرية أميركية على سطح حامل الطائرات من فئة «نيميتز» في بحر العرب (أ.ف.ب)
طائرة عسكرية أميركية على سطح حامل الطائرات من فئة «نيميتز» في بحر العرب (أ.ف.ب)
TT

مفاوضات مسقط معلّقة على عقدة التخصيب

طائرة عسكرية أميركية على سطح حامل الطائرات من فئة «نيميتز» في بحر العرب (أ.ف.ب)
طائرة عسكرية أميركية على سطح حامل الطائرات من فئة «نيميتز» في بحر العرب (أ.ف.ب)

في اليوم التالي لجولة أولى من مفاوضات مسقط غير المباشرة بين واشنطن وطهران، بدا مصير الجولة الثانية معلقاً على حل معضلة تخصيب اليورانيوم.

وأعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، أن جولة جديدة من المفاوضات ستُستأنف «الأسبوع المقبل».

وطالبت الإدارة الأميركية بـ«صفر تخصيب»، وهو ما عارضته طهران بوصف التخصيب «حقاً سيادياً»، واقترحت عوضاً عن ذلك مستوى «مطمئناً» من التخصيب.

كما قطع وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، الطريق على أي توسيع للملفات، مؤكداً أن البرنامج الصاروخي «غير قابل للتفاوض الآن ولا في المستقبل»، واصفاً إياه بأنه «موضوع دفاعي بحت».

وأطلق الوزير الإيراني تحذيراً جديداً بمهاجمة القواعد الأميركية في المنطقة إذا تعرضت إيران لهجوم، وأكد أن بلاده «مستعدة للحرب تماماً كما هي مستعدة لمنع وقوعها».

وبالتوازي زار المبعوثان الأميركيان، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» في بحر العرب.

وفي إسرائيل، ساد التشكيك في نتائج المفاوضات، وقال مسؤولون إنها «لن تؤدي إلى اتفاق». وأعلنت تل أبيب مساء أمس أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو سيلتقي ترمب في واشنطن الأربعاء لبحث ملف إيران.