مكتبة لإدوار الخراط في القاهرة... وجائزة سنوية باسمه

مثقفون أكدوا أن مشروعه الإبداعي واكبه جهد تنظيري يؤسس لأفكاره

لقطة من الاحتفالية
لقطة من الاحتفالية
TT

مكتبة لإدوار الخراط في القاهرة... وجائزة سنوية باسمه

لقطة من الاحتفالية
لقطة من الاحتفالية

في افتتاح مكتبته التي تضم آثاره الأدبية والنقدية بوسط القاهرة، اعتبر مبدعون ونقاد مصريون أن إدوار الخراط كان صاحب مشروع إبداعي متميز في السرد المصري والعربي الحديث، وكان يسعى إلى التأثير في الأجيال الأخرى، ويجعلها امتداداً له، ولتياره الأدبي.
وقال الروائي إبراهيم عبد المجيد: «إن الخراط لم يكن مجرد كاتب؛ بل علامة فارقة في الأدب العربي، وقد عرفنا إبداعاته مبكراً، كانت مدهشة ومختلفة، وهو واحد من أوائل المجددين بين كتاب جيل الستينات، مع كاتبي القصة: محمد حافظ رجب، ويوسف الشاروني، وكان أكثر ما يميزه اللغة الإبداعية التي كان يكتب بها، وقد عرف في سن مبكرة جداً العلاقة بين اللغة والكتابة، فالأولى لم تكن بالنسبة له إناء حاملاً للمعنى؛ لكنها في نظره كانت المعنى نفسه، فقد كانت كتابته عبارة عن صور ذات تركيبات خاصة، محمولة على لغة لا تنتسب لسواه».

الكاتب الروائي إدوار الخراط

تأثر عبد المجيد -حسب قوله- في شبابه بإبداعات إدوار الخراط، وكتب قصة يحذو فيها حذوه، كان عنوانها «شمس الظهيرة»، ونشرها في مجلة «الطليعة»، في بداية السبعينات، ثم توقف عن الكتابة حتى يتخلص من تأثيره، ويجد طريقه بعيداً عن تأثيرات الآخرين: «وكان إدوار الخراط واحداً منهم، ويدرك أن العالم يمضي إلى الأمام، وأنه لا يمكن لكاتب أن يلغي آخر أو يوقفه، من هنا كان موقفه مع كتاب القصة من أبناء جيل السبعينات، وكتب كتاباً مهماً عنهم، بعنوان (القصة في السبعينات)، دشن بها وجودنا».
من جهته، ذكر الناقد الدكتور صبري حافظ، أن إدوار الخراط كان واحداً من أبناء مرحلة الأربعينات؛ حيث تكون معرفياً في سياقها، وكان من أوائل خريجي جامعة الإسكندرية التي أسسها طه حسين عام 1942، وضمن أول دفعة تخرجت فيها، مع مصطفى صفوان، وعبد الحميد صبرة، ومصطفى بدوي، وجميعهم صاروا رموزاً في الثقافة والعلوم والنقد فيما بعد، وعملوا في عدد من جامعات أوروبا، مثل هارفارد وأكسفورد.
وكان لدى الخراط -حسب رأي حافظ- حساسية مغايرة تكونت لديه منذ فترة الأربعينات التي شهدت ظهور يوسف إدريس وسعد مكاوي، وغيرهما؛ لكن كتابة إدوار تميزت بخاصية قريبة جداً من كتابات عادل كامل، وهو واحد من أبناء جيل نجيب محفوظ، «وقد كتبت مقالاً تتبعت خلاله تلك الحساسية الرمزية المغايرة التي كان يمثلها كامل، الذي أرى أنه كان أهم من نجيب محفوظ حينما بدآ معاً، والدليل على ذلك أن رواية عادل كامل التاريخية (ملك من شعاع) لا تزال أفضل من روايات محفوظ التاريخية الثلاث المعروفة، وحين انتقل للرواية الواقعية، وكتب (مليم الأكبر) قدم عملاً يعتبر علامة إبداعية في تاريخ الأدب المصري، هذا إضافة لإسهاماته المهمة في القصة القصيرة والمسرح، وقد أشرت إلى ذلك في دراسة نشرتها قبل 58 عاماً».
وأشار حافظ إلى أنه في دراسته الطويلة التي كتبها عام 1969 عن إدوار الخراط، والتي نشرها في حلقتين بمجلة «الآداب» البيروتية بعنوان «أقصوصة الرغبات المحبطة» عن مجموعته القصصية «حيطان عالية» كان قد مر على صدورها عشر سنوات، وظل الخراط محافظاً على حساسيته المغايرة في كتاباته التي قدمها فيما بعد، وهي مرتبطة في جزء منها بعادات المجتمع القبطي المسيحي المصري وعاداته وتقاليده، وقد ظل الخراط كاتباً إشكالياً مثيراً لكثير من المشكلات، أما عن مساهمات الخراط النقدية فقد كانت من أجل الترويج للتيار الذي يكتب فيه. لم تكن كتاباته معيارية تلتزم بدرجة كبيرة بالخريطة الأدبية الأوسع، وبالتالي كان هناك كُتاب لا يلتفت إليهم، وكان إن كتب عنهم تأتي كتاباته سلبية جداً، وهو ما قام به عندما تصدى لإبداعات نجيب محفوظ، ومحفوظ كاتب كبير بالطبع بأي معيار، سواء كان محلياً، أو عالمياً؛ لكن نقد إدوار لصاحب «نوبل» كان يتسم بهذه الإشكالية التي تنتصر لطريقته في الكتابة، والتي كان يهدف منها أن يستمر أسلوبه ويسود، وهذا ما يتضح من طريقته في تقديم الأجيال الجديدة، وقد اختار منهم من كان يكتب بأسلوبه.
من جهته، قال الشاعر جمال القصاص، إن إدوار الخراط كان مغامراً مجدداً في شتى مناحي الإبداع، وذكرياته تظل ساطعة وحية لا تغيب، وقد تكون هي بذاتها ذاكرة خاصة له «كمبدع كبير»، لم يترك مجالاً إلا وكتب فيه، بما في ذلك الشعر، وقد قدم مجموعة شعرية. اللغة عند الخراط لم تكن ثمرة من ثمرات الطفولة فحسب؛ لكنها كانت صورة منحوتة سردياً، تبرز علاقته بالفن التشكيلي، وتظهر ما وراءها من فراغ وخطوط مبهمة، وتكوينات بارزة وغامضة، تشاكس الصمت والعمق معاً. كان يستحلب اللغة، ويطاردها إلى أقصى مفرداتها ومرادفاتها بقوة الصورة البصرية، وكان هدفه الكشف عما تحتويه المفردة الشعرية من أشياء تكمن فيما وراء الإدراك المادي الملموس، ما وراء النطق والسمع والبصر. هذه البصيرة المتقدة بالكتابة والوعي بجمالياتها، هي التي جعلتنا كأبناء لجماعة «إضاءة» الشعرية نتواصل معه، وهو الذي أطلق علينا جيل السبعينات، وكان المحفز الأساسي وراء كل ما قدمناه من إبداعات وحراك ثقافي على مختلف الأصعدة.
ولفت القصاص إلى فكرة «الإصاتة» واللعب على جماليات الحرف شعرياً، وهي الفكرة التي مارسها في بعض قصائده، وأيضاً رفيقاه الشاعر حلمي سالم وحسن طلب. لقد استعرناها من كتابات إدوار الخراط وغرامه اللغوي الباذخ. كانت لعبة شعرية مغوية ومهمة جداً، ضمن نسق شعر التفعيلة.
أضاف القصاص أن «أجمل ما تعلمناه من إدوار الخراط أنه كان يمنحنا الثقة بالذات وبكينونتنا المبدعة، ولم يكن يفعل ذلك مع الشعراء فقط؛ لكنه أيضاً يدعم الفنانين وكثيراً من المشتغلين بالهم الثقافي العام».
أما الكاتب منتصر القفاش، فقد بدأ بالحديث عن أول لقاء جمعه ومجموعة من زملائه بإدوار الخراط، والذي كان قد نحت مصطلح «القصة القصيدة» في دراسته عن يحيي الطاهر عبد الله. وقتها شعر القفاش وزملاؤه بأن هذا المصطلح يفتح الباب أمام نوع آخر من السرد: «فقررنا أن تتضمن مجلة كنا قررنا طباعتها حوارين: مع إدوار الخراط، والناقد الكبير سيد البحراوي، لنقدم على أساسهما نظرتين مختلفتين للقصة القصيرة. وقد كان حوارنا معه هو أساس الفصل الذي تضمنه مؤلفه (الكتابة عبر النوعية)، وقد أشار فيه إلى لقائنا معه الذي كان أشبه بورشة نقدية مصغرة. وقد كان من الكتاب الذي يرون أنه يجب على المبدع أن يبلور آراءه النقدية، ويكون له موقف نقدي من الكتابة والإبداع، لذلك كان مهموماً طوال الوقت بالكتابة عن الآخرين، أو طرح رؤيته للقصة والرواية والشعر. وليس غريباً تعدد التسميات التي كان يقترحها الخراط؛ سواء لنصوصه أو لنصوص الآخرين، مثل: متتالية قصصية، وكولاج روائي، ونزوات روائية. وقد يبدو هذا ظاهرياً به نوع من التكلف؛ لكن الذي يمعن النظر سوف يجد أن الخراط يريد طول الوقت من القارئ أن يعيد النظر في النوع الأدبي وفي إمكاناته، وخصائصه، وما هو معروف عنه، وقد كانت تجربته الإبداعية يتداخل فيها الواقع والحلم والأسطورة، واللغة التقريرية والشعرية، والوصف الحسي الدقيق للتفاصيل التي يمكن أن تشكل في كتاباته لوحات مستقلة، تجعل القارئ يستمتع بوصفه لأي شيء، بما فيها آثار العصافير على الرمال، وقد فعل ذلك في مجموعته القصصية (اختناقات العشق والصباح)، وفيها يختلط الوصف الحسي بالرؤى الصوفية، وهي سمة يتميز بها الخراط في كل كتاب من مؤلفاته؛ حيث يتعايش القارئ مع (اللاحدود). لم يكن إدوار يعرف التمهيد، ولا يمنح القارئ فرصة لالتقاط أنفاسه؛ بل كان يقدم عجينة سردية يتداخل فيها كثير من الأزمنة والمستويات، في رحلة إبداعية كانت بلا ضمانات ولا خرائط».
من جهته، تحدث الدكتور إيهاب الخراط، النجل الأكبر لإدوار الخراط، مستعرضاً ما تتضمنه المكتبة من ذخائر ومقتنيات ومؤلفات، وكتب مترجمة، فضلاً عن مخطوطاته من الروايات والقصص ومسوداتها، والكتب والأعمال التي ترجمها، ورسائل الدكتوراه والماجستير التي كُتبت عن إبداعاته، وقال إنه تقرر إتاحتها جميعاً للدراسة والتعرف عليها ودراستها.
وأعلن إيهاب -بناء على مقترحات من الحضور- إطلاق جائزة للخراط، تهتم بالكتابات الطليعية الشابة المجددة، وأنه سوف يتم الإعلان عن الفائزين بها في احتفال يقام سنوياً بالمكتبة، في يوم ميلاد إدوار الخراط.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

كيف تحافظ على قوة دماغك وصحته؟ 6 أمور تجنّبها فوراً

التنقل بين المهام المختلفة قد يعطي شعوراً زائفاً بالإنتاجية (بيكسلز)
التنقل بين المهام المختلفة قد يعطي شعوراً زائفاً بالإنتاجية (بيكسلز)
TT

كيف تحافظ على قوة دماغك وصحته؟ 6 أمور تجنّبها فوراً

التنقل بين المهام المختلفة قد يعطي شعوراً زائفاً بالإنتاجية (بيكسلز)
التنقل بين المهام المختلفة قد يعطي شعوراً زائفاً بالإنتاجية (بيكسلز)

يميل كثيرون إلى الإفراط في التفكير والتشكيك في قراراتهم، والانشغال بأسوأ السيناريوهات المحتملة، وهو ما قد يستهلك طاقتهم ويبطئ أداءهم ويجعل الاستمتاع بالحياة أكثر صعوبة. لكن الحفاظ على صحة الدماغ لا يتطلب بالضرورة تغييرات جذرية أو استغلال كل دقيقة من اليوم، بل يمكن تحقيقه من خلال تعديلات بسيطة في أسلوب التفكير والسلوك اليومي.

يرى أليكس كورب، عالم الأعصاب وأستاذ بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس، أن تحسين أداء الدماغ يبدأ بتجنّب بعض العادات الشائعة التي تستنزف الطاقة الذهنية. وبعد أكثر من 20 عاماً من البحث في علم الأعصاب، يؤكد أن التغييرات الصغيرة قد تُحدث فرقاً كبيراً في تعزيز التركيز والشعور بالهدوء ومقاومة الإرهاق، حسب ما أورده في تقرير نشرته شبكة «سي إن بي سي».

وفيما يلي أبرز 6 أمور ينصح كورب بتجنّبها للحفاظ على قوة الدماغ وصحته:

1. تجاهل القلق

يُنظر إلى القلق غالباً بوصفه أمراً سلبياً، لكن كورب يعتبره بمثابة «نظام إنذار» يصدر إشارات من الجهاز الحوفي- مركز العواطف في الدماغ- لينبّهك إلى ما هو مهم. تجاهل هذا الشعور قد يجعلك غير قادر على التمييز بين المواقف التي تتطلب استجابة فورية وتلك التي لا تستدعي القلق. لذلك، من الأفضل التوقف لحظة عند الشعور بالقلق، ومحاولة فهم مصدره، وطرح سؤال بسيط: ماذا يخبرني هذا الشعور عن أهمية هذا الموقف؟ هذا الوعي يساعد على التعامل معه بفعالية بدلاً من الانفعال أو التجمّد.

2. الاعتماد على النقد الذاتي بوصفه وسيلةً للتحفيز

في حالات الضغط، يفرز الدماغ مواد كيميائية مثل الدوبامين والنورأدرينالين، ما يعزز التركيز مؤقتاً. لكن هذا النوع من التحفيز يأتي على حساب مواد أخرى مرتبطة بالسعادة، مثل السيروتونين والأوكسيتوسين والإندورفين. لذلك، فإن الاعتماد على النقد الذاتي قد يمنح دفعة قصيرة المدى، لكنه يؤدي في النهاية إلى استنزاف الطاقة والشعور بالإرهاق. وعند الشعور بالإحباط، يُنصح بتحويل التركيز من النتائج السلبية إلى الأهداف الإيجابية التي تسعى لتحقيقها.

3. الهوس بتتبع جودة النوم

قد يبدو تتبع النوم باستخدام الأجهزة الذكية مفيداً، لكنه قد يتحول إلى مصدر إضافي للقلق، خصوصاً عندما تنشغل ببيانات لا يمكنك التحكم بها مباشرة. بدلاً من ذلك، يُفضّل التركيز على العادات التي تدعم نوماً جيداً، مثل التعرض لضوء الشمس صباحاً، والحفاظ على مواعيد نوم منتظمة، وممارسة الرياضة، واتباع روتين مسائي هادئ يساعد على خفض مستويات التوتر.

4. تعدد المهام عند الحاجة إلى تركيز عميق

قد يعطي التنقل بين المهام المختلفة شعوراً زائفاً بالإنتاجية، نتيجة دفعات صغيرة من الدوبامين. لكن في الواقع، يؤدي ذلك إلى إرهاق قشرة الفص الجبهي، المسؤولة عن اتخاذ القرارات وحل المشكلات. هذا الإرهاق قد ينعكس في صورة أخطاء متكررة وإجهاد ذهني. لذا، عند الحاجة إلى التركيز، يُفضّل تقسيم العمل إلى فترات زمنية قصيرة، والتركيز على مهمة واحدة في كل مرة.

5. تجاهل المشاعر بحجة التفاؤل الدائم

رغم أهمية التفكير الإيجابي، فإن تجاهل المشاعر السلبية أو إنكارها قد يؤدي إلى نتائج عكسية. فمحاولة فرض التفاؤل قد تعيق القدرة على التعامل مع الواقع. الأفضل هو الاعتراف بالمشاعر وتسميتها بوضوح، إذ يساعد ذلك على تخفيف الضغط عن اللوزة الدماغية، ويمنح الدماغ فرصة لاستعادة توازنه والتعامل مع الموقف بوعي أكبر.

6. ربط القيمة الذاتية بالإنتاجية فقط

يرتكب كثيرون خطأ ربط قيمتهم الذاتية بمدى إنتاجيتهم أو إنجازاتهم، ما يؤدي إلى ارتفاع مستويات التوتر والإرهاق على المدى الطويل. ويشير كورب إلى أن هذا النمط قد يمنح دفعات مؤقتة من التحفيز، لكنه يستنزف الطاقة النفسية مع الوقت. لذلك، من المهم تذكير النفس بأن القيمة الذاتية لا تقتصر على الإنجاز، وأن بذل الجهد بحد ذاته أمر كافٍ.


من «البلد» إلى الباحة… كيف تراهن سينما مستقلة على مدن لم تصل إليها الشاشات بعد؟

سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)
سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)
TT

من «البلد» إلى الباحة… كيف تراهن سينما مستقلة على مدن لم تصل إليها الشاشات بعد؟

سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)
سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)

في لحظةٍ تستعيد فيها «جدة التاريخية» دورَها حاضنةً للحكايات، بدأت «سينما البلد» مشروعها من الأزقة القديمة، لا بوصفها فعالية عابرة، بل بصفتها تصوّراً مختلفاً للسينما في السعودية.

مشروع ينطلق من الذاكرة، ويتجه بخطى مدروسة نحو مدن المملكة، جاعلاً أولى محطاته خارج جدة في منطقة الباحة، حيث لا توجد حتى الآن دور عرض سينمائي.

البداية من «البلد»... حيث السينما ذاكرة مكان

اختارت «سينما البلد» أن تبدأ من المكان الأشد ارتباطاً بالهوية البصرية والثقافية، لتعيد تعريف تجربة المشاهدة خارج القاعات التجارية. هنا، لم تكن الشاشة وحدها هي البطل، بل الأزقة نفسها، التي تحولت فضاءً سردياً يشارك في الحكاية.

«سينما البلد» في نسختها الأولى بجدة التاريخية (سينما البلد)

يوضح لـ«الشرق الأوسط» مؤسس «سينما البلد»، المخرج عبد الله سحرتي، أن المشروع جاء لسد فجوة واضحة في المشهد المحلي، حيث «طغت السينما التجارية داخل المجمعات، وغابت السينما الفنية المستقلة التي تخلق حالة ثقافية وتمنح مساحة للأعمال المختلفة». بهذا الوعي، انطلقت النسخة الأولى، واضعة الأساس لتجربة لا تشاهَد فقط، بل تُعاش.

«سينما البلد» في نسختها الثانية على سطح «متحف طارق عبد الحكيم» (سينما البلد)

من الأزقة إلى السماء... تجربة «الكادر السينمائي»

في النسخة الثانية، تطورت الفكرة بصرياً ومفاهيمياً، وانتقلت العروض إلى سطح «متحف طارق عبد الحكيم»، حيث صُممت التجربة ليصبح المشاهد داخل «كادر سينمائي حي».

هنا، تتداخل العمارة الحجازية مع السماء المفتوحة والصوت المحيط، ليجد الجمهور نفسه جزءاً من المشهد، لا مجرد متلقٍ له... تجربة نقلت العلاقة بالفيلم من الاستهلاك إلى التفاعل، ومن المشاهدة إلى المعايشة.

«سينما البلد» في الباحة تستعد لبدء أعمالها داخل «بلجرشي مول» (سينما البلد)

الباحة... أول اختبار للتوسع خارج المدن الكبرى

بعد تثبيت حضورها في جدة، تتجه «سينما البلد» إلى الباحة، وتحديداً في «بلجرشي مول»، لتكون أول دار سينما في المنطقة. الخطوة تحمل دلالة تتجاوز الجغرافيا؛ فهي تعكس تحولاً في خريطة العرض السينمائي، التي لم تعد حكراً على المدن الكبرى.

فالباحة، بما تمتلكه من خصوصية ثقافية وجمالية، تكشف عن جمهور «متعطش لتجربة سينمائية حقيقية»، خصوصاً أن المشروع يحظى بدعم لافت من الجهات الحكومية؛ مما ساهم في تسهيل انطلاق هذه التجربة النوعية.

أرقام السوق... بين النمو التجاري والحاجة إلى البديل

يأتي هذا التوسع في وقت يشهد فيه قطاع السينما السعودي نمواً متسارعاً. ووفق «تقرير شباك التذاكر السعودي 2025»، فقد بلغ إجمالي الإيرادات نحو 920.8 مليون ريال، مع بيع 18.8 مليون تذكرة، عبر 603 شاشات، في 62 دار عرض، موزعة على 10 مناطق، بمتوسط سعر تذكرة يبلغ نحو 49 ريالاً.

كما سجلت الأفلام السعودية حضوراً متنامياً، بإيرادات بلغت 122.6 مليون ريال من خلال 11 فيلماً، مع بيع 2.8 مليون تذكرة.

وتُظهر بيانات «التقرير» هيمنة الأفلام التجارية ذات طابع الأكشن والكوميديا على الحصة الكبرى من الإيرادات، في حين تستحوذ «التصنيفات العمرية الأعلى (R18)» على النسبة الكبرى من السوق؛ مما يعكس طبيعة التوجه العام للجمهور.

في هذا السياق، تبدو «سينما البلد» خياراً موازياً لا ينافس السوق التجارية بقدر ما يكملها، عبر تقديم مساحة للأفلام المستقلة التي قد لا تجد طريقها إلى هذه الأرقام الكبيرة.

«سينما بوتيك»... حين تصبح التجربة أهم من العدد

تحافظ «سينما البلد» على نموذجها الخاص، من خلال قاعة لا تتجاوز 35 مقعداً، في ما يُعرف بـ«سينما بوتيك»... خيار يضع جودة التجربة في مواجهة اتساع القاعات. في هذه المساحة الصغيرة، يصبح الفيلم تجربة شخصية، ويُفتح المجال للنقاشات والورشات؛ مما يعزز فكرة «المجتمع السينمائي» بدلاً من جمهور عابر.

ومع انتقال المشروع إلى الباحة، يرتفع عدد العروض اليومية إلى 6 عروض، مقارنة بعرضين فقط في جدة، في مؤشر واضح على حجم الطلب المتوقع.

ولا يتوقف المشروع عند العرض، بل يمتد إلى الجانب التعليمي، عبر ورشات عمل وليالٍ مختصة تستهدف صناع الأفلام السعوديين، مع توفير منصة دائمة لعرض الإنتاج المحلي.

يصف سحرتي هذا الأثر بأنه «منح الأمل والفرصة»، حيث أصبح لدى صانع الفيلم المحلي نافذة تعرض عمله بعيداً عن شروط السوق التجارية.

مشروع يتنقل... وسينما تعود إلى معناها الأول

من «البلد» إلى الباحة، تتشكل ملامح مشروع يسعى إلى التنقل بين مدن المملكة، حاملاً معه نموذجاً سينمائياً مختلفاً، يربط الفيلم بالمكان، ويعيد للجمهور دوراً أكبر فاعلية في التجربة.

وفي ظل أرقام سوق تتسع يوماً بعد يوم، يبدو أن الرهان لم يعد فقط على عدد الشاشات، بل على نوعية التجربة نفسها... تلك التي بدأت من الأزقة، وتستعد إلى أن تصل إلى كل مدينة تبحث عمّن تشبهها.


«السباحة» و«الفروسية»... رهان مصري جديد على السياحة الرياضية

بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)
بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)
TT

«السباحة» و«الفروسية»... رهان مصري جديد على السياحة الرياضية

بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)
بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)

نظمت مصر بطولتين رياضيتين للترويج لمقاصدها السياحية عبر السياحة الرياضية، في إطار تعزيز تنافسية المقصد السياحي المصري، والترويج للمنتجات السياحية المتنوعة التي يتمتع بها، وقامت وزارة السياحة والآثار، ممثلة في الهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي، برعاية بطولة كأس العالم للسباحة في المياه المفتوحة 2026، وهي إحدى جولات سلسلة كأس العالم المعتمدة من الاتحاد الدولي للألعاب المائية (World Aquatics)، إلى جانب بطولة كأس مصر للفروسية 2026، وذلك بمنطقة سوما باي بمحافظة البحر الأحمر.

وعدّ وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، رعاية الوزارة لهذه الفعاليات، تأتي في إطار استراتيجية الوزارة لتنويع المنتج السياحي المصري تحت شعار «مصر... تنوع لا يُضاهى»، مؤكداً، في بيان للوزارة، الأربعاء، «أهمية السياحة الرياضية، لما لها من قدرة على جذب أنماط جديدة من السائحين، فضلاً عن إبراز المقاصد السياحية المصرية بوصفها وجهات قادرة على استضافة كبرى الفعاليات الدولية».

تنظيم بطولة للفروسية في البحر الأحمر (وزارة السياحة والآثار)

وأطلقت مصر سابقاً حملة بعنوان «مصر... تنوع لا يضاهى» للترويج للأنماط السياحية المتنوعة في مصر بين السياحة الثقافية والشاطئية والرياضية والترفيهية والعلاجية وسياحة المؤتمرات والسفاري، وغيرها من الأنماط المتنوعة.

وأكد الرئيس التنفيذي للهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي، الدكتور أحمد يوسف، أن رعاية الهيئة لهذه البطولات تأتي في إطار حرصها على دعم الفعاليات الرياضية والسياحية التي تسهم في الترويج للمقصد السياحي المصري، وتعزيز الحركة السياحية الوافدة، خصوصاً في ظل ما تمتلكه مصر من مقومات متنوعة تؤهلها لاستضافة كبرى الفعاليات الدولية والإقليمية.

وأكد أن تنظيم هذه البطولات بإحدى أبرز الوجهات السياحية المصرية، يبعث برسالة واضحة للعالم عن أمن واستقرار المقصد المصري، وقدرته على تنظيم الفعاليات الدولية باحترافية عالية.

وأُقيمت بطولة كأس العالم للسباحة في المياه المفتوحة 2026 بالتعاون مع شركة «أبو سوما للتنمية السياحية»، وشارك بها هذا العام 30 اتحاداً وطنياً من خمس قارات، بإجمالي 124 رياضياً، وأُقيمت مباريات البطولة للعام الرابع على التوالي في مارينا سوما باي المطلة على ساحل البحر الأحمر، حيث تضمن البرنامج الرياضي سباق 10 كيلومترات للرجال والسيدات، إلى جانب سباق التتابع المختلط للفرق.

بطولة الفروسية شهدت مسابقات عدة (وزارة السياحة والآثار)

ويرى الخبير السياحي المصري، محمد كارم، أن «السياحة الرياضية نمط سياحي ينمو بطريقة مطردة على مستوى العالم، وهي مهمة لمصر في هذا التوقيت؛ لأنها ليست بطولات فقط، وإنما هي صناعة سياحية متكاملة تتضمن معدل إنفاق مرتفعاً».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «بطولات مثل السباحة أو الفروسية تجذب عدداً كبيراً من اللاعبين والفرق من دول مختلفة، بالإضافة إلى الأجهزة الفنية والتنظيمية والجمهور والإعلام المرافق لهم لتغطية الأحداث. كل هذا يؤكد أن هناك حركة طيران نشطة ونسبة إشغال عالية في الفنادق أو الوحدات السياحية، ونسب إنفاق مرتفعة على المطاعم والخدمات المختلفة والزيارات الخاصة بالمعالم السياحية، خصوصاً في شرم الشيخ والغردقة والمناطق السياحية بالبحر الأحمر التي تمتلك بنية سياحية قوية، وتتمتع بمناخ معتدل على مدار العام».

وأوضح كارم أن «السائح الرياضي عادة ما تكون نسبة إنفاقه مرتفعة؛ فهو يقيم قبل البطولة وفي أثنائها وبعدها، واختيار السباحة والفروسية في هذا التوقيت يؤكد أن مصر من الدول القوية جداً، وأنها ضمن المنافسة على جذب السياحة الرياضية على مستوى العالم».

وتعد بطولة كأس مصر للفروسية 2026، التي أقيمت بالتعاون مع شركة «أبو سوما للتنمية السياحية»، وبالشراكة مع الاتحاد المصري للفروسية، من أبرز البطولات الوطنية المعتمدة في هذا المجال، حسب بيان الوزارة؛ إذ شارك بها نخبة من أفضل الفرسان والأندية المصرية، وفق معايير تنظيمية ومهنية تتماشى مع اشتراطات الاتحاد المصري للفروسية.

وتعتمد مصر على السياحة بوصفها أحد أهم مصادر الدخل القومي، وحققت خلال الأعوام الأخيرة أرقاماً قياسية في جذب السائحين من الخارج، وصلت في عام 2025 إلى أكثر من 19 مليون سائح، وتطمح مصر إلى اجتذاب 30 مليون سائح لزيارتها سنوياً بحلول عام 2031.